أنكر بعض من صنف في غلط العامة والخاصة على الفقهاء قولهم في هذا (باب) (١): الغُسل بضم الغين، وزعم أن الصواب فيه: الغَسل بفتح الغين، وأن الغُسل بضم الغين إنما هو الماء الذي يغتسل به (٢). وليس كما قال، بل هو بالضم مشترك بين الماء الذي يغتسل به وبين فعل الاغتسال الذي يعم البدن (٣). وقد حققت هذا فيما أمليته من "شرح مشكل المهذب"، والله أعلم.
قوله في الولادة بغير نفاس: "الأصحُّ وجوب الغسل؛ لأنه إذا وجب بخروج الماء وهو أصل الولد فبأن (٤) يجب بنفس الولد أولى" (٥) هكذا قال ذلك (٦) شيخه (٧)، ولا يكاد يتقرر، وعلله هو في الدرس: بأن الولد لا يكاد ينفك عن لوث يخرج معه من الرحم، وكل ما خرج من الرحم من لوث فموجب للغسل. وهذا قريب، والله أعلم.
الحديث في وجوب الغسل بالتقاء الختانين (٨) ثابت في الصحيح من حديث أبي
_________________
(١) زيادة من (ب).
(٢) انظر: المجموع ٢/ ١٣٠.
(٣) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢/ ٥٩، القاموس المحيط ٣/ ٥٨٣.
(٤) في (أ): فلأن.
(٥) الوسيط ١/ ٤٢٣.
(٦) سقط من (ب).
(٧) في نهاية المطلب ١/ ل ٦١/ ب.
(٨) قال الغزالي: "الرابع - أي من موجبات الغسل - الجنابة: وهي المقصودة بالذكر. ويحصل بالتقاء الختانين، أو خروج المني، قالت عائشة - ﵂ - (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا). أهـ الوسيط ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤.
[ ١ / ٢٠٤ ]
هريرة (١)، وعائشة (٢) - ﵄ -. وأما باللفظ المذكور ههنا فغير مذكور فيهما (٣)، وكأنها أفصحت - ﵂ - بهذا الإفصاح لكون الصحابة اختلفوا (٤) في ذلك، فأرادت التأكيد، مع أنها أمهم، وجاءها أبو موسى الأشعري (٥) عند اختلافهم (٦) يسألها عن ذلك فقال: (أنا أستحييك، فقالت: لا (٧) تستحي أن تسألني عن شيء كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك إنما أنا أمك) (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح. كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان ١/ ٤٧٠ رقم (٢٩١)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحيض، باب بيان أن الغسل يجب بالجماع ٤/ ٣٩.
(٢) انظر صحيح مسلم الموضع السابق ٤/ ٤٠.
(٣) سقط من (ب). وقد جاء في رواية عند مسلم ٤/ ٤٢ عن عائشة قالت: (إن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله - ﷺ -: إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل).
(٤) في (أ) و(ب): اختلفت.
(٥) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر أبو موسى الأشعري التميمي الكوفي قدم على رسول الله - ﷺ - مكة قبل هجرته إلى المدينة فأسلم ثم هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى رسول الله - ﷺ - بعد فتح خيبر مع أصحاب السفينتين، فأسهم لهم منها، استعمله رسول الله - ﷺ - على زبيد وعدن وساحل اليمن مع معاذ، واستعمله عمر على الكوفة والبصرة، توفي سنة ٥٠ هـ، وقيل ٥١ هـ، وروى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: تهذيب الاسماء ٢/ ٢٦٨، السير ٢/ ٣٨٠، الإصابة ٦/ ١٩٤.
(٦) عند اختلافهم: سقط من (أ).
(٧) في (د) و(ب): فلا، والمثبت من (أ).
(٨) رواه مسلم في صحيحه في الموضع السابق ٤/ ٤٠ وتمامه: ( قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله - ﷺ -: إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل).
[ ١ / ٢٠٥ ]
قوله: "وكذلك إذا أولج في فرج ميتة، أو بهيمة، أو في غير المأتى ولا ختان فيه (١) فقوله: "ولا ختان فيه" (٢) غير راجع إلى فرج الميتة، بل إلى غير ذلك مما ذكره مما لا ختان فيه، والله أعلم.
ثم (٣) إن (٤) الفرق بين المني والمذي والودي (٥) من المشكلات التي تعم بلوى المكلفين بها (٦)، وإذا كنا نشرح ما يخصُّ من مشكل (٧) هذا الكتاب فما يعمُّه وغيره أولى بذلك، وقد جمعت في ذلك كلام جماعة من الأئمة، ودخل كلامهم بعضه (٨) في بعض. أما المني فصفته: أنه من الرجل في حال الصحة أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج منه بشهوة وتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج استعقب فتورًا، ورائحته كرائحة طلع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العجين. ووجدت في "تعليق" الشيخ أبي محمَّد الكرُّوني الأصبهاني (٩) وهو في طبقة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي بخط المعلق عنه: أنه
_________________
(١) الوسيط ١/ ٤٢٤. وقبله: ثم ليس المقصود الختان، فلو قطعت الحشفة فغيَّب قدر الحشفة كفى، وكذلك أذا أولج االخ
(٢) قوله: (فقوله فيه) سقط من (أ).
(٣) في (أ): قوله: ثم. وراجع الوسيط ١/ ٤٢٤ - ٤٢٦.
(٤) سقط من (ب).
(٥) سقط من (ب)، وفي (أ): والودي والمذي، بالتقديم والتأخير
(٦) في (ب): تعم بها البلوى.
(٧) في (أ) و(ب): المشكل، وفي (ب): زيادة (في) بعده.
(٨) في (ب): كلام بعضهم.
(٩) أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم بن يحيى الكروني الأصبهاني، مفتي أصبهان، تفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، توفي سنة ٤٦٩ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الأسنوي ٢/ ٣٤٧. وأشار إلى قوله هذا ابن الرفعة في المطلب العالي ٢/ ل ٥٤/ أ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
يشبه رائحته أيضًا رائحة القصيل (١). وهذا حسن غريب. وفي "مجموع" المحاملي (٢)، و"التهذيب" (٣)، وغيرهما (٤): أنه (٥) إذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض. هذه صفاته وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يستقل بإثبات كونه منيًَّا من خواص صفاته التي بينتها، وذلك بأن يمرض فيصير منيُّه رقيقًا أصفرًا، أو يسترخي وعاء المني فيسيل من غيرالتذاذ وشهوة، أو يستكثر من الجماع فيحمرُّ كماء اللحم، وربما خرج دمًا عبيطًا، وفي "تعليق" أبي محمَّد الأصبهاني المذكور: أنه في الشتاء يكون أبيض ثخينًا، وفي الصيف يكون رقيقًا (٦). ثم إن من صفاته المذكورة ما يشاركه فيها غيره كالثخانة، والبياض، يشاركه الودي فيهما، ومنها ما لا يشاركه فيها غيره (٧) فهي خواصه التي عليها الاعتماد في معرفته وهي ثلاث: إحداها (٨): الخروج بالشهوة مع الفتور عقيبه. الثانية (٩): الرائحة التي تشبه رائحة الطلع و(١٠) العجين كما سبق. الثالثة: الخروج بتزريق (١١) ودفق في دفعات. فكل (١٢) واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه
_________________
(١) القصيل: الشعير يجزُّ أخضر لعلف الدواب. انظر: المصباح المنير ص: ١٩٣.
(٢) لم أقف عليه ولا النقل عنه فيما بين يدي من مصادر والله أعلم.
(٣) ص: ٢٠٨.
(٤) كتعليقة القاضي أبي الطيَّب ١/ ل ٥٩/ أ.
(٥) سقط من (أ).
(٦) انظر النقل عنه في: المجموع ٢/ ١٤١، المطلب العالي ٢/ ل ٥٤/ ب.
(٧) سقط من (ب).
(٨) في (ب): أحدها.
(٩) في (د): الثاني، والمثبت من (أ) و(ب).
(١٠) في (ب): أو.
(١١) يقال: زرق الطائر يَزرُق ويَزْرِق إذا حذف بزرقه حذفًا. انظر: تهذيب اللغة ٨/ ٤٢٨.
(١٢) في (أ): وكل.
[ ١ / ٢٠٧ ]
منيًَّا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم نحكم بكونه منيًَّا، وغلب على الظن أنه ليس منيًَّا. هذا كله في مني الرجل، أما مني المرأة فهو أصفر رقيق (١)، ولا يكفي ذلك في معرفته؛ فإنه لا يختص به، وفي هذا الكتاب (٢)، وفي "النهاية" (٣) أنه لا خاصية له إلا التلذذ، وفتور شهوتها عقيب خروجه (٤) فلا يعرف إلا بذلك. وذكره القاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "البحر" (٥): أن رائحته أيضًا مثل رائحة مني الرجل (٦). فعلى هذا له خاصيتان يعرف بواحدة منهما أيتهما (٧) كانت.
وما ذكره بعض شارحي (٨) "الوجيز" (٩) من قوله: ما ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا (١٠) التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث. فليس كما قال وهذه تصانيفهم! والله أعلم.
وأما المذي: فهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند شهوة لا بشهوة، ولا دفق، ولا يستعقب خروجه فتورًا. وقد (١١) قيل: إنه لا يحس بخروجه (١٢)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التعليقة للقاضي حسين ١/ ٣٧٠.
(٢) انظر الوسيط ١/ ٤٢٦.
(٣) ١/ ل ٦٠/ ب.
(٤) في (أ): خروجها.
(٥) في (ب): بحر المذهب.
(٦) انظر النقل عنه في: المجموع ٢/ ١٤١.
(٧) في (ب): أيتها.
(٨) في (ب): وما ذكره شارح.
(٩) مراده به الرافعي شارح الوجيز في كتابه فتح العزيز ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ إذ قال: "لكن ما ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث". أهـ
(١٠) في (ب): تلويحًا.
(١١) سقط من (ب).
(١٢) انظر: الحاوي ١/ ٢١٥، نهاية المطلب ١/ ل ٦٠/ أ، حلية العلماء ١/ ٢١٨، المجموع ٢/ ١٤١.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وأما الودي: فهو يخرج عقيب البول (١)، هذا هو المشهور في تعريفه، وقد روي ذلك عن (٢) ابن مسعود - ﵁ - (٣). وفي كتاب "التقريب" لابن القفال (٤): "أنه يخرج عقيب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة". وفي "نهاية المطلب" (٥) أنه يخرج في الغالب عند حمل الشيء الثقيل. والأقاويل متقاربة؛ فإنه إذا كانت الطبيعة منه مستمسكة جهد نفسه عند قضاء الحاجة فالتحق في ذلك (٦) بالحامل للشيء الثقيل (٧). وأما لونه فقد ذكروا أنه أبيض ثخين (٨). وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد و"الشامل" (٩): أنه كدر ثخين. وفي "أمالي" (١٠) الشيخ أبي الفرج السرخسي (١١) من الخراسانيين: "أنه الماء الأبيض الثخين، الذي يخرج على أَثَر
_________________
(١) انظر: الحاوي الموضع السابق، المجموع ٢/ ١٤٢.
(٢) سقط من (أ).
(٣) لم أقف عليه في مظانه من كتب الأحاديث، لكن ذكره ابن الرفعة في المطلب العالي ٢/ ل ٥٤/ أ.
(٤) انظر النقل عنه في: الموضع السابق من المطلب العالي.
(٥) ١/ ل ٥٩/ ب.
(٦) في ذلك: سقط من (ب).
(٧) في (أ) و(ب): لشيء ثقيل.
(٨) انظر: الوسيط ١/ ٤٢٦، التهذيب ص: ٢٠٨، فتح العزيز ٢/ ١٢٣.
(٩) انظر النقل عنهما في: المطلب العالي ٢/ ل ٥٥/ ب.
(١٠) في (د): إملاء، والمثبت من (أ) و(ب) وهو موافق لنقل ابن الرفعة عن ابن الصلاح في الموضع السابق من المطلب العالي.
(١١) هو عبد الرحمن بن أحمد بن محمَّد بن أحمد بن عبد الرحمن بن زاز السرخسي النُّوبزي - نسبة إلى قرية من قرى سرخس - المعروف بالزاز، نزيل مرو، وهو من تلاميذ القاضي حسين، صاحب التصانيف والتي منها: التعليقة، والإملاء، توفي سنة ٤٩٤ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ٢/ ٢٦٣، طبقات السبكي ٥/ ١٠١، طبقات الأسنوي ٢/ ٣٠. نقل قوله ابن الرفعة في الموضع السابق من المطلب العالي عن ابن الصلاح.
[ ١ / ٢٠٩ ]
البول قطرة أو قطرتين، يشبه المني في اللون (١)، ولا يشبهه في الرائحة". وهذا حسن. ثم إنه بالدال المهملة، ومن قاله بالذال المعجمة فقد غَلِطَ عند أهل اللغة، وأغرب بعض أهل المغرب فحكاه وجهًا فيه (٢)، وهو غير مقبول منه (٣)، والله أعلم.
قوله: "لما روي أن أم سليم (٤) جدة أنس بن مالك" (٥) هذا غلط تَسَلْسَل (٦)، وتوارد عليه أبو بكر الصيدلاني (٧)، ثم إمام الحرمين (٨)، ثم تلميذه صاحبنا هذا (٩)، ثم تلميذه محمَّد بن يحيى (١٠). فلا خلاف بين أهل الحديث، وأهل المعرفة
_________________
(١) في اللون: سقط من (ب).
(٢) حكاه صاحب مطالع الأنوار، ذكر ذلك النووي في المجموع ٢/ ١٤١.
(٣) سقط من (أ).
(٤) هي الرميصاء بنت ملحان - بكسر الميم، وقيل بفتحها - ابن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية المشهورة بأم سليم، واختلف في اسمها: فقيل: رميلة، وقيل رميثة، وقيل: مليكة، والراجح أن اسمها الرميصاء، تزوجت مالك بن النضر فولدت له أنسًا، فأسلمت مع السابقين، فغضب زوجها وخرج إلى الشام فمات بها، فتزوجت بعده أبا طلحة، ومهرها منه إسلامه، كانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى يوم أحد، كان النبي - ﷺ - يزورها، توفيت في نحو سنة ٣٠ هـ. انظر ترجمتها في: الاستيعاب ١٢/ ٢٣٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٦٣، الإصابة ١٢/ ٢٢٦.
(٥) الوسيط ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧. وقبله: وأما المرأة فمنيها أصفر رقيق، ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة، فإذا تلذذت لخروج الماء اغتسلت لما روي أن أم سليم الخ
(٦) في (أ): تسلل.
(٧) انظر النقل عنه في: تهذيب الأسماء ٢/ ٣٦٣، التنقيح ل ٥٦/ أ.
(٨) انظر نهاية المطلب ١/ ل ٦١/ أ.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) انظر النقل عنه في: تهذيب الأسماء والتنقيح في الموضعين السابقين.
[ ١ / ٢١٠ ]
بالصحابة وبالأنساب (١): أن أم سليم أم أنس بن مالك لا جدته (٢)، وفي "الصحيحين" (٣) الإفصاح بذلك، و(٤) لكن من أعرض عن علم الحديث، مع ارتباط العلوم به وقع في أمثال (٥) هذا، وما هو أصعب منه من التمسك بالحديث الضعيف، واطراح الصحيح، وإن ارتفعت في علمه منزلته، وأسأل الله عفوه وفضله آمين.
قوله: "فقالت عائشة في رواية أخرى: إن أم سلمة - أم المؤمنين - قالت: ذلك" (٦) والروايتان في "الصحيح" (٧) باختلاف في اللفظ. وقوله - ﷺ -: (فَمِمَّ الشبه). في جواب إنكارها احتلام المرأة ورؤيتها الماء منها (٨)، وَجْهُهُ: أنها أنكرت ذلك بإنكارها مائها من أصله، والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): والنسب.
(٢) انظر مصادر ترجمة أم سليم السابقة.
(٣) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأطعمة، باب من أدخل الضيفان عشرة عشرة ٩/ ٤٨٦ رقم (٥٤٥٠)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه ١٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (ب): مثل.
(٦) لم أجده في المطبوع من الوسيط، وذكر ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٢٨/ ب: أن هذه العبارة توجد في بعض نسخ الوسيط
(٧) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب العلم، باب الحياء في العلم ١/ ٢٧٦ رقم (١٣٠)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحيض، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها ٣/ ٢١٩ - ٢٢٥.
(٨) الماء منها: سقط من (ب). وقد قالت عائشة عندما سألت أم سليم النبي - ﷺ - هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟: (فضحت النساء تريت يمينك، أوَ تحتلم المرأة؟) انظر: صحيح مسلم الموضع السابق، الوسيط ١/ ٤٢٧.
[ ١ / ٢١١ ]
و(تربت يمينك): قلت: معناه في الأصل: افتقرت، ثم استعملوه غير (١) مريدين وقوع ذلك، بل مبالغةً في إيقاظ المخاطب لما ذُكِر ليتيقظ له وتشتد (٢) عنايته به؛ لأن بشاعة اللفظ توجب ذلك (٣).
قوله: "وأقل واجبه أمران" (٤) وجهه: أن أصله (٥) الأقل الذي هو واجبه أمران (٦)، ثم أضاف الأقل إلى الواجب لكونه أعم منه لا عرف في بابه (٧)، والله أعلم.
قوله: "لقوله - ﷺ -: (بلُّوا الشعر وأنقوا البشرة؛ فإن تحت كل شعرة جنابة) " (٨)
هذا حديث ضعيف مروي من حديث ابن سيرين (٩) عن أبي هريرة، وقد
_________________
(١) في (أ): في غير.
(٢) في (أ): وتشد، وفي (ب): ويشتد.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٨٤، شرح النووي على مسلم ٣/ ٢٢١، فتح الباري ١/ ٢٧٧.
(٤) الوسيط ١/ ٤٢٨. وقبله: النظر الثاني: في كيفية الغسل: وأقل واجبه الخ
(٥) في (ب): أصل.
(٦) انظر: التنقيح ل ٥٦/ أ.
(٧) راجع: المطلب العالي ٢/ ل ٥٩/ ب
(٨) الوسيط ١/ ٤٢٨. وقبله: ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وإن كثفت، ونقض الضفائر أن كان لا يصل إلى باطنها دون النقض لقوله - ﷺ - الحديث.
(٩) هو محمَّد بن سيرين أبو بكر الأنصارى البصري مولى أنس بن مالك، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، أدرك ثلاثين صحابيًا، كان إمامًا في التفسير، والفقه، والحديث، وتعبير الرؤيا، مع الزهد والورع، توفي سنة ١١٠ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ٨٢، السير ٤/ ٦٠٦، البداية والنهاية ٩/ ٢٧٩.
[ ١ / ٢١٢ ]
أخرجه الترمذي (١) معترفًا بضعفه، والله أعلم.
الوضوء المذكور في سنن الغسل (٢)، لم أجد (٣) في مبسوط ولا مختصر لأحد من أصحابنا تعرضًا لنية هذا الوضوء، إلا لمحمد بن عقيل الشهرزوري (٤) نزيل دمشق، وهو جدُّ ابن الشهرزوري الدمشقي (٥) لأمه، فإنه قال في مختصره
_________________
(١) في جامعه أبواب الطهارة، باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة ١/ ١٧٨ رقم (١٠٦)، قال الترمذي عقيبه: "حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك". والحديث رواه كذلك أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب في الغسل من الجنابة ١/ ١٧١ رقم (٢٤٨) قال أبو داود عقيبه: "الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف". وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة وسننها، باب تحت كل شعرة جنابة ١/ ١٩٦ رقم (٥٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ٢٧٠ رقم (٨٢٧). قال ابن الملقن في كتابه تذكرة الأخيار ل ٣٠/ ب عن الحديث: "وضعفه الأئمة: البخاري، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم "، وقال الحافظ ابن حجر: "ومداره على الحارث بن وجيه وهو ضعيف جدًا". التلخيص الحبير ٢/ ١٦٥. وممن ضعفه كذلك النووي في المجموع ٢/ ١٨٤.
(٢) قال الغزالي: "أما الأكمل فيستحب فيه ستة أمور: الأول: أن يغسل أولًا ما على بدنه من أذى ونجاسة إن كانت. الثاني: أن يتوضأ بعد ذلك وضوءه للصلاة " الوسيط ١/ ٤٢٩.
(٣) في (أ): أجده.
(٤) هو أبو بكر محمَّد بن عقيل بن الحسن بن الحسين الشهرزوري الواعظ، كان ثقة حسن المذهب سكن دمشق وحدَّث بها، توفي سنة ٤٥٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ دمشق لابن عساكر ٥٤/ ٢٢٤، ومختصره لابن منظور ٢٣/ ٥٨.
(٥) هو علي بن المُسَلَّم بن محمَّد بن علي أبو الحسن ابن أبي الفضل السلمي الدمشقي الشافعي الفرضي، كان ثقة، ثبتًا، عالمًا بالمذهب والفرائض، يتكلَّم في مسائل الخلاف، ويكثر من إيراد الأحكام، وكان حسن الخط، وموفقًا في الفتاوى، من مؤلفاته: الاستغناء في المذهب، لم يكمله، والتجريد في تفسير القرآن المجيد، ولم يكمله كذلك، ومصنَّف في أحكام الخناثى، توفي سنة ٥٣٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ دمشق ٤٣/ ٢٣٦، السير ٢٠/ ٣١، العبر ٢/ ٤٤٥، طبقات السبكي ٧/ ٢٣٥، شذرات الذهب ٤/ ١٠٢.
[ ١ / ٢١٣ ]
الموسوم بـ "البلغة": "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بنية الغسل" (١). وأنا أقول: إن كان جنبًا من غير حدث أصغر فالأمر على ما ذكره، وأما إذا كان جنبًا محدثًا كما هو الغالب فينبغي أن ينوي بوضوئه هذا رفع الحدث الأصغر؛ أما على القول بإيجاب الجمع بين الوضوء والغسل فظاهر؛ لأنه لا يشرع وضوءان (٢)، فيجعل هذا الوضوء ذلك الوضوء الواجب، وأما على القول بالتداخل؛ فلأنه إذا نوى بهذا الوضوء رفع الحدث كان فيه خروج من الخلاف (٣)، والله أعلم.
قوله: "وهل يؤخر غسل الرجلين في وضوئه إلى آخر الغسل؟ فيه قولان لاختلاف الروايتين عن فعل رسول الله - ﷺ - " (٤) المراد بالروايتين: رواية عائشة، ورواية ميمونة - ﵄ -. أما رواية عائشة ففيها أنه توضأ - ﷺ - وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه (٥). وهذا ظاهره (٦) يقتضي تمام الوضوء، وتقديم غسل قدمه في وضوئه. وأما رواية ميمونة ففيها أنه توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه أيضًا، لكن فيها بعد ذكر افاضة الماء عليه أنه تنحى فغسل رجليه (٧). وقد كان يمكن أن يحمل هذا على موافقة (٨) الأول على معنى أنه غسل
_________________
(١) نقل قوله النووي في: المجموع ٢/ ١٨٣ عن ابن الصلاح.
(٢) انظر: فتح العزيز ٢/ ١٧٩، المجموع ٢/ ١٨٣، ١٩٥.
(٣) انظر: روضة الطالبين ١/ ٢٠١.
(٤) الوسيط ١/ ٤٢٩.
(٥) رواها البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل ١/ ٤٢٩ رقم (٢٤٨)، ومسلم في صحيحه - مع النووي - كتاب الحيض، باب صفة الغسل ٣/ ٢٢٩.
(٦) (ب): ظاهر.
(٧) رواها مسلم في صحيحه الموضع السابق ٣/ ٢٣١.
(٨) في (أ): موافقته.
[ ١ / ٢١٤ ]
رجليه آخرًا لا تتمة للوضوء، بل لكونه مغتسلًا على الأرض فأفاض على رجليه بعد فراغه إزالة للطين عنهما، لولا أن في رواية (١) من روايات حديث ميمونة رواها البخاري (٢): (ثم توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه، ثم أفاض عليه الماء (٣) ثم نحَّى قدميه فغسلهما). وهذا صريح. قلت: ففي أحد القولين يتأول ظاهر حديث عائشة (على تقديم أكثر الوضوء على الإفاضة، بدلالة أن حديث ميمونة ورد بلفظ حديث عائشة) (٤) وبان بهذه الرواية الصريحة أن المراد به تقديم أكثر الوضوء على الإفاضة من غير غسل القدمين. ووجه القول (٥) الآخر: أنا نحمل الرواية المصرِّحة عن ميمونة بتأخير (٦) غسل القدمين على أن ذلك جرى مرة أو نحوها إبانة لجوازه وتخفيفًا؛ من أجل أنه كان يغلب منه الاغتسال على الأرض فيحتاج إلى إعادة (٧) غسل القدمين، فاكتفى بمرة، وكان الغالب منه - ﷺ - إتمام الوضوء قبل الإفاضة، وإعادة غسل القدمين بعد الفراغ أخذًا بالأكمل، والدلالة عليه ورود (٨) أكثر الأحاديث عن عائشة (٩) وميمونة بتقديم وضوء الصلاة على الإفاضة، ووضوء الصلاة لا يكون إلا
_________________
(١) في (أ): روايات.
(٢) في صحيحه - مع الفتح - كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل ١/ ٤٣١ رقم (٢٤٩).
(٣) في (ب): الماء عليه، بالتقديم والتأخير
(٤) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب).
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (أ) و(ب): بتأخر.
(٧) سقط من (ب).
(٨) في (أ): ورد.
(٩) سقط من (ب).
[ ١ / ٢١٥ ]
بغسل الرجلين، وفي كثير منها حتى في رواية (١) عن عائشة لمسلم (في) (٢) "صحيحه" (٣) إعادة ذكر غسل الرجلين بعد الفراغ، فتكون الروايات الكثيرة واردة بالأفضل الغالب منه - ﷺ -، ورواية ميمونة المصرَّحة بالتأخير واردة بالجائز، وقد تكون ميمونة شاهدت منه - ﷺ - الأمرين، فروت هذا مرة، وهذا مرة، فلا يثبت إذًا بحديثها استحباب التأخير، بل جوازه، فافهم ذلك فإنه من المشكل جدًا، ولم أرَ لهم تعرضًا لحَلَّه، والله أعلم.
قوله: "والأظهر أن تجديد الغسل لا يستحب، فإنه لا ينضبط بخلاف الوضوء" (٤) معناه: أنه ينتشر ولا ينضبط زمانه؛ فإنه ينتهي (٥) إلى ناقض قد لا يوجد فيودي إلى تجديده لكل صلاة، ويصير بحيث لا يشبه التجديد، ويلتحق بالمستأنف لبعد العهد بالمُجَدَد، بخلاف الوضوء فإنه سينتهي (٦) سريعًا إلى ناقض، ويخرج عن كونه تجديدًا (٧). واستدل شيخه (٨): بأنه لم يَرِد فيه ما ورد في تجديد الوضوء، ولم يُؤثر عن السلف الصالحين. والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): في رواية منها.
(٢) زيادة من (أ).
(٣) انظر: - مع النووي - كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة ٣/ ٢٢٨ - ٢٣٠.
(٤) الوسيط ١/ ٤٣٠.
(٥) في (أ): فإنه قد ينتهي.
(٦) في (أ): قد ينتهي.
(٧) قال النووي: "قوله: الأظهر أنه لا يستحب تجديد الغسل، فإنه لا ينضبط بخلاف الوضوء. معناه: أن الغسل لا ينتهي إلى ناقضه إلا بعد زمان طويل، فيصير في معني المستأنف لبعد العهد، بخلاف الوضوء فإنه ينتهي إلى ناقضه سريعًا ويخرج عن الحاجة إلى التجديد". أهـ التنقيح ل ٥٦/ ب، وراجع: المطلب العالي ٢/ ل ٦٩/ أ.
(٨) في نهاية المطلب ١/ ل ٦٣/ ب.
[ ١ / ٢١٦ ]
قوله في الحائض: "يستحب لها أن تستعمل فرصة من مسك، إماطة للرائحة" (١) هي الفِرصة بكسر الفاء وصاد (٢) مهملة (٣). وقوله: "من مسك" هو بكسر الميم (٤) وهو الطيب المعروف، هذا هو المشهور في الرواية في الحديث الصحيح الوارد بذلك (٥)، وغيره (٦). والفرصة: القطعة من كل شيء، قاله أبو العباس ثعلب (٧)، وغيره (٨). وقيل الفرصة: سُك معجون بالمسك، كان عند نساء أهل (٩) المدينة، والسُك بضم السين: نوع من الطيب، فإذا كان فيه مسك سمي فرصة (١٠).
_________________
(١) الوسيط ١/ ٤٣٠. وقبله: إما اغتسلت من الحيض فيستحب لها أن تستعمل الخ
(٢) في (أ) و(ب): بصاد.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٤٣١، القاموس المحيط ٢/ ٤٧٦.
(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٤.
(٥) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الحيض، باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض ١/ ٤٩٤ رقم (٣١٤)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض المسك ٤/ ١٣.
(٦) كذا في جميع النسخ، ولا أرى لها وجهًا هنا، والله أعلم، ومقابل هذا المشهور قد وردت روايات بفتح الميم (مَسك) بمعنى الجلد. انظر: شرح النووي على مسلم ٤/ ١٤.
(٧) العلامة أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد بن يسار الشيباني مولاهم البغدادي، وثعلب لقبه، إمام مجمع على إمامته، وكثرة علومه، وجلالته، إمام في النحو، من مصنفاته: كتاب الفصيح، اختلاف النحويين، كتاب القراءات، كتاب معاني القرآن، توفي سنة ٢٩١ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ١٠٢، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٧٥، البداية والنهاية ١١/ ١٤٤. وانظر النقل عنه في: فتح العزيز ٢/ ١٨٧، التلخيص الحبير ٢/ ١٨٨.
(٨) نقل الأزهري عن الأصمعي أن الفرصة: القطعة من الصوف، أو القطن، أو غيره. تهذيب اللغة ١٣/ ١٦٥.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) انظر: الحاوي ١/ ٢٢٦، المطلب العالي ٢/ ل ٧١/ أ.
[ ١ / ٢١٧ ]
وعلى هذا فقوله "من مسك" زيادة في البيان. وجاء في بعض روايات الحديث الصحيحة (١) (فرصة ممسكة) وهو مشعر بذلك. وورد في كتاب عبد الرزاق (٢) مفسرًا في الحديث أنه يعني بالفرصة: المسك. فقوى هذا القول بذلك فيما يرجع إلى تفسير الحديث لا في مراد الفقهاء من ذلك (٣)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الحيض، باب غسل المحيض ١/ ٤٩٦ رقم (٣١٥)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحيض، باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض المسك ٤/ ١٥.
(٢) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني أبو بكر، مولى حمير، صاحب المصنف المشهور، عالم اليمن، لزم معمرًا، وكان أعلم الناس وأحفظهم عنه، توفي سنة ٢١١ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/ ٣٨، وفيات الأعيان ٣/ ٢١٦، السبر ٩/ ٥٦٣، طبقات الحفاظ ص: ١٥٤. الحديث في مصنفه ١/ ٣١٤ رقم (١٢٠٨).
(٣) الذي يفهم من كلام الفقهاء هو أن تستعمل الحائض عند تطهرها فرصة فيها مسك لإزالة الرائحة الكريهة من المحل، والحديث يفيد أن الفرصة هي المسك. والله أعلم، وراجع: فتح العزيز ٢/ ١٨٦، التلخيص الحبير ٢/ ١٨٩.
[ ١ / ٢١٨ ]