قوله: "أفعال الصلاة تنقسم إلى أركان، وأبعاض، وسنن" (١) قلت: ركن الصلاة عبارة عما هو جزء من أجزائها الأصلية، وحقيقتها متركبة منه ومن غيره، وفي قولي: الأجزاء الأصلية: احتراز (٢) عن السنن، والأبعاض، وغيرها، التي إذا وجدت كانت معدودة من أجزائها، ولكنها ليست أجزاء أصلية؛ لكون (٣) حقيقتها توجد بدونها. وفي ذلك أيضًا احتراز (٤) عن الشروط؛ فإن الشرط خارج عن حقيقتها مع كونه أمرًا وجوديًا يتوقف عليه صحتها. وفي قولي: وجودي: احتراز عن عدم المانع؛ فإنّه أمر خارج يتوقف عليه صحتها، ولكنه ليس أمرًا وجوديًا (٥) فاعلم ذلك، والله أعلم.
وأمّا تسمية (٦) ما يجبر بالسجود من السنن أبعاضًا (٧). فقد نقل إمام الحرمين (٨) هذه التسمية عن الأئمة وذكر في توجيهها ما معناه موضحًا: أن كل واحدة (٩) منها أطلقوا عليه أنّه (١٠) بعض السنن التي تجبر بالسجود؛ فإن البعض يطلق
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٥٩١.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (د): كونها، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) في (أ) و(ب): احتراز أيضًا، بالتقديم والتأخير
(٥) انظر: التنقيح ل ٩٨/ أ، المطلب العالي ٣/ ل ١٩٩/ أ - ب.
(٦) في (أ) و(ب): تسميته.
(٧) قال الغزالي: "وأما الأبعاض: فما يجبر تركه بسجود السهو". الوسيط ٢/ ٥٩٢.
(٨) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٩٦/ ب.
(٩) في (أ): واحد.
(١٠) في (ب): أن.
[ ٢ / ٧٧ ]
على الأقل وهي كذلك، ثم قالوا (١) في جميعها: الأبعاض التي تجبر بالسجود ثم اختصروا فقالوا: الأبعاض. وهذا تكلف، وهذه التسمية إنّما هي من قول بعض الأصحاب (٢)، ولعلّ الوجه في تسميتها بذلك: أن هذه السنن (٣) لما تأكدت حتى جبرت بالسجود مُيِّزت عن سائر السنن باسم يشبه اسم الأركان التي هي أجزاء على الحقيقة إشعارًا بتأكدها (٤). ثم وجدت نحو هذا محكيًا عن بعضهم (٥)، ولله الحمد.
قوله: "وأمّا النية فبالشروط أشبه، ولو كانت النية ركنًا لافتقرت إلى نيّة" (٦) قد خالف هذا في نيّة الصوم، فإنّه جعلها فيه ركنًا (٧). والمسألة فيها وجهان محكيان (٨). وقوله "لو كانت ركنًا لافتقرت إلى نيّة" يمنع ويقال (٩): لما افتقرت حينئذٍ إلى نيّة تعين ما نذكره من امتناع (١٠) أن تكون النية منوية، ولكان (١١) يفرق
_________________
(١) في (ب): ثم قال ثم.
(٢) وهو الفوراني كما في الإبانة ل ٣٢/ ب، كذا قال ابن الرفعة في المطلب العالي ٣/ ل ٢٠١/ أ.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: التنقيح ل ٩٨/ أ، المطلب العالي الموضع السابق.
(٥) وقد حكاه كذلك الرافعي في فتح العزيز ٣/ ٢٥٦، وانظر المطلب العالي الموضع السابق.
(٦) الوسيط ٢/ ٥٩٢.
(٧) انظر الوسيط ٢/ ٥١٨.
(٨) أظهرهما وأصحهما عند الأكثرين أنّها ركن. وانظر: فتح العزيز ٣/ ٢٥٥، المجموع ٣/ ٢٧٧، المنهاج ١/ ١٤٨، كفاية الأخيار ١/ ١٩٧، مغني المحتاج ١/ ١٤٨.
(٩) في (أ): فيقال.
(١٠) من امتناع: سقط من (ب).
(١١) في (د): لكن، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٧٨ ]
بينها وبين سائر (١) الأركان بهذا الفارق، فينبغي أن لا يقول: لافتقرت. ويقول: لكانت (٢) منوية بنية الصلاة المشتملة على جميع أركانها، ولا يعقل أن تكون النية منوية (٣)، والله أعلم.
قوله في بيان حقيقة النيَّة: "ليس فيها نطق، و(٤) نظم حروف لا بالقلب ولا باللسان. نعم تستحب مساعدة اللسان للقلب (٥) " (٦) لا تناقض في هذا، ومعناه: أن النطق المعبِّر عن النيَّة باللسان ليس نيَّة في الحقيقية، وإنّما هو إعانة على حضور حقيقة النية في القلب (٧)، والله أعلم.
قوله: "قال الشافعي: ينوي مع التكبير لا قبله ولا بعده" (٨) إنّما لفظه على ما نصَّ عليه المزني (٩): "نوى صلاته في حال التكبير لا بعده ولا قبله" وهذا اللفظ يحتمل من اختلاف الأصحاب الواقع في ذلك ما لا يحتمله ما ذكره (١٠).
_________________
(١) وبين سائر: سقط من (ب).
(٢) في (أ): لو كانت.
(٣) انظر: المطلب العالي ٣/ ل ١٩٩/ ب.
(٤) في (ب): ولا.
(٥) في (د): بالقلب، والمثبت من (أ) و(ب) وهو موافق للمتن.
(٦) الوسيط ٢/ ٥٩٤.
(٧) ذكر ابن القيم في هديه - ﷺ - في الصلاة: أنّه - ﵇ - لم يتلفظ بالنية البتة، وأن ما يفعله بعض الناس اليوم من التلفظ بها بدعة، لم تنقل عن النبي - ﷺ - بإسناد صحيح، ولا ضعيف، ولا مسند، ولا مرسل، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. انظر: زاد المعاد ١/ ٢٠١.
(٨) الوسيط ٢/ ٥٩٥.
(٩) في المختصر ص: ١٧.
(١٠) ذكر الغزالي أن الأصحاب لهم فيه ثلاثة أوجه الوسيط ٢/ ٥٩٦.
[ ٢ / ٧٩ ]
قوله (١) في الوجه الأول: "يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أولها (٢) على أوله، وآخرها (٣) على آخره" (٤) و(٥) هذا تساهل منه في العبارة؛ فإن نفس النية (٦) عنده وعند المحققين لا يتصور انبساطها؛ فإنها قصد، والقصد إنّما يوجد في لحظة واحدة، وإنّما الذي ينبسط (٧) على التكبير على هذا الوجه علوم متعددة بصفات الصلاة المنوية، متعددة من كونها: ظهرًا، و(٨) فرضًا، وغيرهما، فيحصرها (٩) في ذهنه من أول التكبير إلى آخره، فإذا تكامل في ذهنه في آخر التكبير العلم بصفات الصلاة قصد حينئذٍ فعلها، فينطبق على أول التكبير أول تلك العلوم، وعلى آخره القصد إلى فعل الصلاة الموصوفة بتلك الصفات المعلومة، وآخره هو وقت انعقادها فليقترن نفس النية به!. وقد أشار إلى هذا فيما أتى به من التحقيق بعده (١٠)، وهذا تحقيق سبق إليه شيخه إمام الحرمين
_________________
(١) في (أ) و(ب): وقوله.
(٢) في (د) و(أ): أوله، والمثبت من (ب)، وهو موافق للمتن، وللتأنيث.
(٣) في (د) و(أ): آخره، والمثبت من (ب)، وهو موافق للمتن، وللتأنيث.
(٤) الوسيط ٢/ ٥٩٦.
(٥) سقط من (أ) و(ب).
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (أ): يبسط.
(٨) في (ب): أو.
(٩) في (ب): فيحصرهما.
(١٠) حيث قال: "والتحقيق فيه: أن النية قصد، ولكن شرطه الإحاطة بصفات المقصود، وهو كون الصلاة ظهرًا، وأداء، وغير ذلك، وربما يعسر إحضار علوم متعددة في وقت واحد، فالمقصود أن يتمثل له إحضار هذه المعلومات عند أول التكبير، ويقترن القصد به، ويستديم العلم إلى آخر التكبير " الوسيط ٢/ ٥٩٦.
[ ٢ / ٨٠ ]
فذكر ما شرحه (١): أن النية نفسها لا يتصور انبساطها على أزمنة مترتبة، وإن الذي يترتب وينبسط علوم متعاقبة متعددة.
أمّا على قول من قال: يقرن النية بهمزة التكبير، ويستديمها إلى آخر التكبير (٢) فهي العلوم المتعلقة بصفات الصلاة المنوية، فمن لم يهجم على قلبه تلك العلوم كما هو الواقع في العادة يقدم استحضار تلك العلوم في ذهنه قبل التكبير فإذا اجتمعت قصد فعلها بصفاتها قصدًا مقترنًا بأول التكبير (٣) فتكون نفس النية مقرونة بأول جزء من التكبير، والمتقدم إنّما هو العلم بصفات الصلاة. ثم المستدام إلى آخر (٤) التكبير ليس نفس (٥) النية لما سبق، وإنّما هو العلم بجريان النية، وبذكرها بقلبه، وحاصل ذلك علوم أخر مترتبة متعلّقة بغير ما تعلّقت به (٦) تلك العلوم المتقدمة، إذ تلك متعلّقة بصفات الصلاة، وهذه متعلّقة بجريان نيّة الصلاة بصفاتها. وأمّا على الوجه الآخر - الأوّل في الكتاب - فلا يقدم عليه تلك العلوم بصفات الصلاة على التكبير، بل يبسطها من أوله إلى آخره، ويقرن نفس النية بآخر التكبير. ولا يبعد (٧) عند إمام الحرمين على هذا الوجه
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٢٢/ ب.
(٢) انظر: الوسيط ٢/ ٥٩٦. وهو الوجه الثاني.
(٣) قوله: (فإذا اجتمعت بأول التكبير) سقط من (ب).
(٤) سقط من (ب).
(٥) سقط من (ب).
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (د): ولا يتقيد، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٨١ ]
جواز تأخير (١) أولها عن أول التكبير؛ لأن الاعتبار على هذا (٢) إنّما هو باقتران نفس النية بآخر (٣) التكبير، إذ به يقع الانعقاد. هذا إيضاح ما ذكره، ثم إنّه اختار من عنده أنّه لا يلزم التدقيق المذكور في تحقيق مقارنة (٤) النية، وأنّه يكفي المقارنة العرفية العاميَّة (٥) بحيث يعد مستحضرًا لصلاته غير غافل عنها اقتداء بالأولين في تساهلهم في ذلك (٦). ووافقه على ذلك صاحب الكتاب في "بسيطه" (٧). وقدح قادح فيما قاله إمام الحرمين في امتناع بسط نفس النية وقال: لا مانع من (٨) بسط النية إلا كونها (٩) عرضًا فردًا، والعرض الفرد لا يتصور بسطه (١٠). وذلك لازم له في العلم والذكر؛ لأنّها أعراض لا يمكن بسط الفرد منها، فإن عني ببسط العلوم توالي أمثالها، فذلك جوابنا في بسط النية، إذ لا معنى لبسط العرض واستمراره إلا توالي أمثاله، وهذا لا يستقيم؛ لأن قوله: "يبسط النية"، مريدًا به: توال نيات أمثال. إن أراد به أنّه يتذكر نيته، وتذكرها بقلبه ذكرًا بعد ذكر، فهذا لم يمنعه الإمام بل أثبته على القول باقتران النية بهمزة
_________________
(١) في (ب): تأخر.
(٢) على هذا: سقط من (ب).
(٣) قوله: (أولها نفس النية بآخر) سقط من (أ).
(٤) في (أ): مفارقة.
(٥) في (أ) العامة.
(٦) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٢٢/ ب.
(٧) ١/ ل ٩٥/ أ.
(٨) في (أ): في.
(٩) في (ب): لكونها.
(١٠) لم أقف على مراده بهذا القائل.
[ ٢ / ٨٢ ]
التكبير، وهو الأصح الأشهر، وذلك على الحقيقة إنّما هو علوم بجريان النية متعاقبة إلى آخر التكبير، وليست نيات أمثالًا، فلا يتحقق به ما ادعاه من بسط النية نفسها. وإن أراد به توالي نيات متجددات ينشئها نيّة بعد نيّة، فهذا باطل مُبْطَل؛ لأن النية الثانية تتضمن إبطال ما قبلها على ما (١) عرف فيمن كبَّر في إحرامه بالصلاة تكبيرات بنيات منشأت (٢)، إذ من ضرورة إنشاء عقد حلُّ ما انعقد قبله؛ فإن المنعقد لا يعقد، فكيف يستقيم إلحاق النيات المتنافية بالعلوم المتواردة (٣)؟، والله أعلم.
قوله في التكبير: "من غير قطع ولا عكس" (٤) فقوله "من غير قطع" احتراز من قوله: الله الجليل أكبر. قوله (٥) "ولا عكس" احتراز من قوله: أكبر الله.
وما ذكره من أن (٦) قوله: "أكبر الله (٧) "، لا يسمى تكبيرًا. وقوله: "عليكم السلام" يسمى تسليمًا (٨). توجيهه: أن العرب اعتادت في التسليم قولها: عليك سلام الله، ونحوه، ولم تعتد في التكبير: أكبر الله (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): من.
(٢) انظر هذه المسألة في: المجموع ٣/ ٢٩٨.
(٣) في (أ) و(ب): المتواترة.
(٤) الوسيط ٢/ ٥٩٦. وقبله: القول في التكبير وسننه: والنظر في القادر والعاجز: أمّا القادر فيتعين عليه أن يقول: الله أكبر بعينه من غير قطع إلخ
(٥) في (أ) و(ب): وقوله.
(٦) سقط من (ب).
(٧) في (ب): الله أكبر، بالتقديم والتأخير، وهو خطأ.
(٨) انظر: الوسيط ٢/ ٥٩٧.
(٩) انظر: التنقيح ل ٩٩/ ب، المطلب العالي ٣/ ل ٢٢٣/ أ.
[ ٢ / ٨٣ ]
تحقيق الفرق في أن العاجز عن التكبير يأتي بمعناه، والعاجز عن الفاتحة لا يأتي بمعناها (١): أن النظم المعجز لا يتهيأ الاحتواء على لطائف معانيه ودقائقه في ترجمته وتفسيره، بخلاف غير المعجز؛ ولأن معنى التكبير منتظم ذكرًا، ومعنى الفاتحة لا ينتظم كله ذكرًا، ولا إعجاز في التكبير (٢)، والله أعلم.
قوله في الاحتجاج للقول بأن الرفع إلى حذو المنكبين: "رواه أبو حميد الساعدي (٣) في عشرة من جملة الصحابة" (٤) أي رواه أبو حميد (٥) بمحضر من عشرة من الصحابة هو أحدهم، أو زائد عليهم فصدقوه. والحديث ثابت رواه البخاري (٦) من غير بيان لعددهم ذاكرًا (٧) أن ذلك في نفر منهم. وعند أبي داود (٨)، وغيره (٩) بيان أنّهم كانوا عشرة. وعلى وفق روايتهم المذكورة رواية ابن
_________________
(١) في (ب): بمعناه. قال الغزالي: "أمّا العاجز فيأتي بترجمته، ولا يُجْزِؤه ذكرآخر لا يؤدي معناه، بخلاف العاجز عن الفاتحة فإنّه يعدل إلى ذكرآخر لا إلى ترجمتها". أهـ الوسيط ٢/ ٥٩٧.
(٢) انظر: التهذيب ص: ٤٣٧، فتح العزيز ٣/ ٢٦٨، المجموع ٣/ ٢٩٩.
(٣) قيل: اسمه عبد الرحمن بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد، وقيل غير ذلك، الأنصاري أبو حميد الساعدي، من فقهاء الصحابة، شهد أحدًا وما بعدها، توفي في آخر خلافة معاوية، روي له عن النبي - ﷺ - (٢٦) حديثًا، وقد روي حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: الاستيعاب ١١/ ١٩٩، تهذيب الأسماء ٢/ ٢١٥، الإصابة ١١/ ٨٩.
(٤) الوسيط ٢/ ٥٩٨.
(٥) قوله: (في عشرة أبو حميد) سقط من (أ).
(٦) انظر صحيحه - مع الفتح - كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد ٢/ ٣٥٥ رقم (٨٢٧).
(٧) في (أ): بل ذكرًا.
(٨) في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة ١/ ٤٦٧ رقم (٧٣٠).
(٩) كالترمذي في جامعه أبواب الصلاة، باب (منه) ٢/ ١٠٥ رقم (٣٠٤، ٣٠٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في سننه كتاب الصلاة، باب إتمام الصلاة ١/ ٣٣٧ رقم (١٠٦١).
[ ٢ / ٨٤ ]
عمر في "الصحيحين" (١)، ورواية علي ابن أبي طالب فى "سنن أبي داود" (٢)، ورواية غيرهم (٣).
وأمّا الرفع إلى محاذاة الأذنين (٤) فقد رواه مالك بن الحويرث (٥)، ووائل بن حجر عن رسول الله - ﷺ - روى ذلك مسلم في "صحيحه" (٦). وفي رواية لأبي داود (٧) في حديث وائل بن حجر: (رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه)، وهذا شاهد لما ذكر صاحب "شرح السُّنَّة" (٨) من أنّه حكى عن
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء ٢/ ٢٥٥ رقم (٧٣٥)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين ٤/ ٩٣.
(٢) في كتاب الصلاة، باب من ذكر أنّه يرفع يديه إذا قام من الثنيتين ١/ ٤٧٥ رقم (٧٤٤).
(٣) كأبي هريرة عند أبي داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة ١/ ٤٧٣ رقم (٧٣٨)، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ١/ ٢٧٩ رقم (٨٦٠). ووائل بن حجر عند أبي داود في سننه كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة ١/ ٤٦٥ رقم (٧٢٤).
(٤) انظر الوسيط ٢/ ٥٩٩.
(٥) أبو سليمان مالك بن الحويرث الليثي نزيل البصرة، قدم على رسول الله - ﷺ - في شبيبة متقاربين فأقاموا عنده عشرين ليلة، ثم أذن لهم في الرجوع إلى أهليهم، وأمرهم أن يعلموهم، روي له عن رسول الله - ﷺ - (١٥) حديثًا، توفي سنة ٩٤ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٨/ ٢٠٧، تهذيب الأسماء ٢/ ٨٠، الإصابة ٩/ ٤٣.
(٦) انظره - مع النووي - كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين ٤/ ٩٤، وحديث وائل في باب وضع اليدين علي الصدر في الصلاة ٤/ ١١٤.
(٧) في سننه كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة ١/ ٤٦٥ رقم (٧٢٤). قال النووي: إسناده منقطع. المجموع ٣/ ٣٠٦.
(٨) في (د): شرح التنبيه، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٨٥ ]
أبي ثور عن الشافعي أنّه جمع (١) رواية المنكبين ورواية الأُذُنَين هكذا. وفي رواية أخرى قليلة عن وائل (٢): (إبهاميه إلى شحمة أذنيه) (٣). ثم إنَّ المشهور في المذهب قطع القول بالرفع إلى حذو المنكبين (٤)، ورجحه الشافعي (٥) بأنّه أثبت إسنادًا، ورواه عدد من الصحابة ﵃، وهو مرجح أيضًا بأن الرواية اختلفت (٦) عمن روى الرفع إلى محاذاة الأُذُنَين بخلاف من روى الرفع إلى حذو المنكبين (٧).
والقول بالرفع إلى حذو الأُذُنَين منسوب فيما لا تحصيه من كتب المذهب (٨) إلى أبي حنيفة، ومعدود ذلك من مسائل الخلاف بيننا وبينه. وأمّا الذي في "الوسيط" من جعل ذلك قولًا للشافعي (٩) فغريب (١٠)، وما ذكره من الحكاية عن
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (أ): وائل بن حجر.
(٣) أخرجها أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة ١/ ٤٣٧ رقم (٧٣٧)، والنسائي في سننه كتاب الافتتاح، باب موضع الإبهامين عند الرفع ٢/ ٤٦٠ رقم (٨٨١). وضعف هذه الرواية الإمام النووي في التنقيح ل ١٠٠/ ب.
(٤) انظر: مختصر المزني ص: ١٧، التهذيب ص: ٤٤١، فتح العزيز ٣/ ٢٧٠، روضة الطالبين ١/ ٣٣٨.
(٥) انظر: مختصر البويطي ل ٦/ ب.
(٦) في (ب): اختلفت أيضًا عمن.
(٧) انظر: المجموع ٣/ ٣٠٦.
(٨) انظر مثلًا: التعليقة للقاضي حسين ٢/ ٧٢٩، الإبانة ل ٣٣/ أ، حلية العلماء للشاشي ٢/ ٩٥، وراجع رحمة الأُمَّة في اختلاف الأئمة ص: ٣٨، مختصر الطحاوي ص: ٢٦، شرح معاني الآثار ١/ ١٩٧، الدر المختار ٢/ ١٨٢، حاشية ابن عابدين ٢/ ١٨٢.
(٩) انظر: الوسيط ٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠.
(١٠) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢٧٠، المجموع ٣/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٨٦ ]
الشافعي من جمعه بين الروايات لما سئل عن ذلك (١) حين قدم العراق (٢)، هو هذا القول الثاني الغريب بزيادة شرح، وكذا هو في كتاب شيخه (٣) جعل في المسألة قولين فحسب، وثانيهما على ما ذكرته (٤)، وذكر أنّه على القول بالرفع إلى (٥) حذو المنكبين لا يجاوز بأصابعه منكبيه. وأمّا الواقع في بعض نسخ (٦) "الوجيز". من جعل ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنّه يرفع إلى حذو منكبيه. والثاني: إلى أن يحاذي رؤوس أصابعه أذنيه. والثالث: إلى أن يحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه (٧). فيما لا يعرف، ولا صحة له (٨)، وجماهير الأصحاب لم يذكروا في المسألة خلافًا، بل منهم من قطع بقول الرفع إلى حذو المنكبين، وذلك هو الأكثر، والأشهر كما سبق (٩). ومنهم من قطع بالجمع بين الروايات (١٠) وهو (١١) من المستغرب. والحكاية
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر: الوسيط ٢/ ٥٩٩.
(٣) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٣٣/ أ.
(٤) أي كونه غريبًا.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ب): النسخ من.
(٧) انظر: الوجيز ١/ ٤١.
(٨) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢٧٠، المجموع ٣/ ٣٠٦.
(٩) انظر: ١/ ٣٩٤.
(١٠) كالقاضي أبي الطيب في التعليقة ١/ ل ١٩٢/ ب، والبغوي في التهذيب ص: ٤٤٢، وراجع المجموع ٣/ ٣٠٦.
(١١) في (أ): وهي.
[ ٢ / ٨٧ ]
المذكورة في الكتاب في الجمع عن صاحب المذهب الشافعي (١)، قد كنت أستنكرها، ولا أراها (٢) تصح عنه، ثم وجدت مصداق ذلك في كتاب "التقريب" (٣) وعلقته منه بنيسابور: ذكر أنّه حُكي له ذلك عن الشافعي. ثم استنكره، وذكر أنّه لم يجد له أصلًا في أمهات كتب الشافعي، وأن الموجود في الكتاب القديم: أنّه يرفع إلى حذو المنكبين (٤). قلت: وإن لم يصح ذلك رواية عن الشافعي فهو متجه، وقد اختاره صاحب الكتاب في تدريسه له (٥)، والله أعلم.
ذكر أن (في) (٦) وقت رفع اليدين أوجهًا ثلاثة نسب كل وجه منها إلى رواية صحابي (٧)، وليس ما ذكره بعينه، ولفظه واردًا في رواياتهم؛ فقوله: "إنّه يرفع غير مكبِّر ثم يبتدئ التكبير عند إرسال اليد وهي رواية الساعدي" يعني المروية في عشرة من الصحابة، وفيها (كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبَّر حتى يقرَّ كل عظم (٨) في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ). رويناه في كتاب أبي داود (٩) هكذا بكلمة "حتى" التي للغاية، وهي تدل
_________________
(١) انظر: الوسيط ٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠، وحكاها كذلك القاضي حسين في التعليقة ٢/ ٧٣٠.
(٢) في (ب): أراه.
(٣) انظر النقل عنه في: تذكرة الأخيار ل ٦٠/ أ، وراجع المطلب العالي ٣/ ل ٢٢٧/ ب.
(٤) في (ب): منكبيه.
(٥) سقط من (ب).
(٦) زيادة من (أ) و(ب).
(٧) انظر: الوسيط ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١.
(٨) في (ب): عضو.
(٩) قال ابن الملقن: "إسناده صحيح". تذكرة الأخيار ل ٦٠/ ب.
[ ٢ / ٨٨ ]
بالمعنى على ما ذكره. ورواية البخاري (١) (رأيته إذا كبَّر جعل يديه حذاء (٢) منكبيه) وهذا لا يدل على ذلك، بل على خلافه، والله أعلم.
قوله: "وقيل يبتدئ الرفع مع التكبير، فيكون انتهاء التكبير مع انتهاء اليد إلى مقرها، وهذه (٣) رواية وائل بن حجر" (٤) فقوله "إلى مقرهما (٥) " معناه: إلى مقرهما من الصدر، فذلك هو مقرهما لا غير. وهذا (٦) ما ذكره صاحب "التقريب" (٧)، فإنّه قال فيه: "ينهيه مع انتهاء الإرسال" (٨).
قوله (٩) في الوجه الثالث: "قارتان حذو منكبيه" (١٠) لا يستفاد منه تفسير مقرهما ههنا بحذو المنكبين؛ فإن ذلك القرار إنّما هو على الوجه الثاني (١١)، أمّا على هذا الوجه فلا يقرهما إذا حاذى منكبيه، وإذا كان كذلك فهذا خلاف ما
_________________
(١) كذلك تقدّم تخريجها في الصفحة السابقة نفسها.
(٢) في (أ): حذو.
(٣) في (أ): وهذا.
(٤) الوسيط ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١.
(٥) هكذا بالتثنية في جميع النسخ - التي بين يدي -، وفي المتن بالإفراد!.
(٦) سقط من (ب).
(٧) نقله ابن الرفعة عنه عن ابن الصلاح في المطلب العالي ٣/ ل ٢٢٩/ أ.
(٨) في (د) بعد كلمة الإرسال: لا الوجه فهذا التفسير هو الذي قطع به صاحب المهذب. وهو هنا كأنه مقحم، وهو غير موجود في (أ) و(ب)، وسيأتي موضعه عند المؤلف بعد أسطر.
(٩) في (أ) و(ب): وقوله.
(١٠) الوسيط ٢/ ٦٠١. وبعده: ولا يكبر في الرفع والإرسال، وهي رواية ابن عمر.
(١١) في (د): الثالث، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٨٩ ]
ذكره شيخه (١) في ذلك؛ فإنّه ناط على هذا الوجه انتهاء التكبير بانتهاء اليد نهايتها في الرفع، وهذا الوجه بهذا التفسير هو الذي قطع به صاحب "المهذب" (٢). ثم إنَّ (٣) أصل هذا الوجه إنّما ورد في بعض روايات حديث وائل بن حجر، فقد رويناه (٤) في كتاب أبي داود السجستاني (٥) عنه (أنّه أبصر النبي - ﷺ - حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبَّر). نعم في رواية أخرى لأبي داود (٦)، وغيره (٧) (أنّه رآه - ﷺ - يرفع يديه مع التكبيرة) (٨). وليعلم المتفقه الذي لا اشتغال له بالحديث أن وائل بن حجر هذا هو بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم ساكنة.
قوله: "وقيل: يكبر ويداه قارتان حذو منكبيه، ولا يكبر في الرفع والإرسال، وهذه رواية ابن عمر ﵄" (٩) هذه رواية قليلة عن ابن
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٣٣/ أ.
(٢) انظر: المهذب ١/ ٧١.
(٣) في (د): إنّه، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) في (ب): روينا.
(٥) في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة ١/ ٤٦٥ رقم (٧٢٤). وهو من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، قال النووي: "لم يسمع من أبيه". المجموع ٣/ ٣٠٦، فهي إذن منقطعة، وراجع الجوهر النقي ٢/ ٣٨، وتذكرة الأخيار ل ٦٠/ أ.
(٦) انظر سننه الموضع السابق برقم (٧٢٥). وهي من رواية عبد الجبار بن وائل عن أهل بيته وهو لم يسمع من أبيه، وأهل بيته مجهولون، وقال عنها الألباني: "صحيحة". انظر: صحيح سنن أبي داود ١/ ١٣٩ رقم (٦٦٥).
(٧) كالبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٤٠ رقم (٢٣١١، ٢٣١٢).
(٨) في (أ): التكبير.
(٩) الوسيط ٢/ ٦٠١.
[ ٢ / ٩٠ ]
عمر - ﵄ -، وهي ما رواه أبو داود (١) عن (ابن) (٢) عمر قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبَّر وهما كذلك). ورواه مسلم في "صحيحه" (٣) من غير أن يقول: وهما كذلك، وهو يقتضي (ذلك) (٤) أيضًا، من حيث إنّه يقتضي وجود تمام التكبير في حالة كون اليدين حذو المنكبين، والله أعلم.
وبعد هذا كله لطيفة علقته بنيسابور مما علِّق عن صاحب الكتاب في الدرس (٥) قال: "ثم حالة إرسال اليدين لا ينبغي أن يرسل يديه ثم يستأنف رفعهما إلى الصدر (٦)، فإني سمعت واحدًا من المحدثين يقول: الخبر إنّما ورد بأنّه يرسل يديه إلى صدره" (٧)، والله أعلم.
_________________
(١) في سننه كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة ١/ ٤٦٣ رقم (٧٢٢)، قال النووي: "إسناده صحيح أو حسن". التنقيح ل ١٠١/ أ، وكذا قال ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٦٠/ ب: "إسنادها صحيح".
(٢) زيادة من (أ) و(ب).
(٣) انظره - مع النووي - كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين ٤/ ٩٣ - ٩٤.
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
(٥) في (ب): تدريسه. وانظر: التنقيح ل ١٠١/ أ، المجموع ٣/ ٣١١، وقد ذكر ذلك المصنف - الغزالي - في إحياء علوم الدِّين ١/ ١٨٢.
(٦) في (ب): صدره.
(٧) لعلّ ممّا يدل عليه حديث وائل بن حجر في وصف صلاة النبي - ﷺ - حيث قال: (فقام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة، فكبَّر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه الحديث) رواه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة ١/ ٤٦٥ رقم (٧٢٦)، والنسائي في سننه كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة ٢/ ٤٦٣ رقم (٨٨٨)، وصححه النووي في المجموع ٣/ ٣١٢.
[ ٢ / ٩١ ]
قوله في قيام المريض: "فإن لم يقدر إلا على حدِّ الراكعين قعد" (١) وجهه: أن حدَّ الركوع مفارق حدَّ القيام، فلا يعد به قادرًا على القيام. وهذا ذكره شيخه (٢) معتمدًا على دلالة (٣) كلام الأئمة عليه من غير نقل صريح وقال: "الذي دلَّ عليه (٤) كلامهم أنّه يقعد ولا يجزئه غيره". وهو خلاف ظاهر المذهب (٥)، والذي ذكره العراقيون، أو من ذكره منهم (٦)، وصاحب "التتمة" (٧)، وصاحب "التهذيب" (٨): أنّه لا يجزيه القعود، بل يقوم في حدِّ الراكع؛ فإنّه أقرب إلى القيام من القعود، فإذا ركع زاد في انحنائه إن أمكنه؛ تمييزًا بين القيام والركوع (٩)، والله أعلم. وعلل هو في الدرس: بأنّه إذا قام فناصب نصفه الأدنى، وإذا قعد فناصب نصفه الأعلى، والنصف الأعلى بالنصب أولى (١٠).
قوله: (قال - ﷺ -: لا تقعوا إقعاء الكلاب) (١١) هذا رواه ابن ماجة (١٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وعلي عن رسول الله - ﷺ -، ولفظه: (لا تُقع إقعاء
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٠٢.
(٢) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٧٠/ ب.
(٣) سقط من (أ).
(٤) في (أ): على، وفي (ب): عليهم.
(٥) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢٨٤، روضة الطالبين ١/ ٣٤٠، التنقيح ل ١٠١/ ب.
(٦) انظر: فتح العزيز الموضع السابق، المجموع ٣/ ٢٦٢.
(٧) انظر النقل عنه في المصادر السابقة.
(٨) انظر: التهذيب ص: ٥٢٦.
(٩) في (ب). الركوع والقيام، بالتقديم والتأخير.
(١٠) انظر: المطلب العالي ٣/ ل ٢٣٥/ أ.
(١١) الوسيط ٢/ ٦٠٣. وقبله: ولو عجز عن القيام قعد، ولا يتعين في القعود هيئة للصحة، ولكن الإقعاء منهي عنه، وهو أن يجلس على وركيه، وينصب فخذيه وركبتيه قال - ﷺ - الحديث.
(١٢) في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب الجلوس بين السجدتين ١/ ٢٨٩ رقم (٨٩٥). وراجع تحفة الأشراف ٦/ ٤٣٠ رقم (٩٠٢٨).
[ ٢ / ٩٢ ]
الكلب (١) "، وروى (٢) عن أنس بن مالك نحوه. وروينا نحوه من حديث أبي هريرة (٣). وأسانيد الجميع أسانيد واهية (٤). نعم ورد النهي عن الإقعاء مطلقًا (٥) من حديث سمرة بن جندب قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الإقعاء في الصلاة) (٦)، وهو محمول على الإقعاء المذكور في الكتاب، الذي (٧) هو أن يضع إليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض (٨). وهذا الإقعاء غير ما صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر ﵃: من الإقعاء بين السجدتين (٩).
_________________
(١) في (د): الكلاب، والمثبت من (أ) و(ب)، وهو موافق لمتن الحديث.
(٢) أي ابن ماجه في سننه الموضع السابق برقم (٩٨٦).
(٣) رواه الإمام أحمد في المسند ٢/ ٣١١، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ١٧٣ رقم (٢٧٤١) ولكن بلفظ (القرد) دون الكلب.
(٤) قال النووي - بعد أن ذكر طرق الحديث -: "وأسانيد الجميع ضعيفة جدًا". التنقيح ل ١٠١/ ب. وقال في المجموع ٣/ ٤٣٦: "والحاصل أنّه ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح". وقال ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٦١/ أ - ب: "أسانيده كلها ضعيفة". وراجع التلخيص الحبير ٣/ ٢٨٦.
(٥) قوله: (نحوه من حديث مطلقًا) سقط من (ب).
(٦) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٧٢ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه". والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ١٧٢ رقم (٢٧٣٩). وتُكُلِّمَ فيه أيضًا؛ لأنّه من رواية الحسن عن سمرة، ورواية الحسن عن سمرة مسألة مشهورة بالخلاف هل سمع منه مطلقًا، أو لا مطلقًا، أو سمع حديث العقيقة فقط؟ انظر: تذكرة الأخيار ل ٦١/ ب.
(٧) في (ب): (و).
(٨) انظر: الوسيط ٢/ ٦٠٣.
(٩) رواه عنهما البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ١٧١ - ١٧٢، ثم قال البيهقي: "وحديث ابن عباس وابن عمر صحيح".
[ ٢ / ٩٣ ]
وقال ابن عباس: (هو سنة نبيك - ﷺ -). أخرجه عنه مسلم في "صحيحه" (١). فذلك الإقعاء: هو أن يضع إليتيه على عقبيه قاعدًا عليهما، وعلى أطراف أصابعه (٢) وقد استحبَّه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في "الإملاء". (٣)، وفي كتاب البويطي (٤). وقد خبط من المصنفين في هذا من لم يقف على أن الإقعاء نوعان كما ذكرناه (٥)، وفيه في "المهذب" (٦) تخليط، ولله الحمد الأوفى على الهداية، وهو أعلم.
احتج على أنّه (٧) يجب على المريض ما استطاع من قعود، ثم اضطجاع، ثم إيماء، ثم إجراء الأفعال على قلبه بقوله - ﷺ -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٨) و(٩) هذا حديث متفق على صحته من حديث أبي هريرة - ﵁ - (١٠). ولكن قدح في احتجاجه الشيخ أبو القاسم الرافعي شارح "الوجيز" (١١)،
_________________
(١) انظره - مع النووي - كتاب المساجد، باب جواز الإقعاء على العقبين ٥/ ١٨ - ١٩.
(٢) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ١٢٩، ٢٦٦.
(٣) انظر النقل عنه في: معرفة السنن والآثار ٢/ ١٨، التنقيح ل ١٠١/ ب.
(٤) انظره ل ٧/ ب.
(٥) في (أ) و(ب): ذكرنا.
(٦) في (د): المذهب، والمثبت من (أ) و(ب). وانظر المهذب ١/ ٧٧.
(٧) في (ب): احتجَّ بأنه يجب إلخ
(٨) انظر: الوسيط ٢/ ٦٠٥
(٩) سقط من (أ).
(١٠) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب الإقتداء بسنة رسول الله - ﷺ - ١٣/ ٢٦٤ رقم (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر ٩/ ١٠٠ - ١٠١.
(١١) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٩٤ ]
متمسكًا بأن القعود لا يشتمل عليه القيام، فلا يكون باستطاعته إياه مستطيعًا لشيء من القيام المأمور به، فلا يتناوله الحديث، وهكذا القول في الباقي. قلت: قد احتج أيضًا بهذا الحديث على ذلك إمام الحرمين (١)، فأقول: لا نقول: إنه بإتيانه بالقعود يكون آتيًا بما استطاعه من القيام المأمور به، ولكنَّا نقول: بإتيانه به يكون آتيًا بما استطاعه من الصلاة المأمور بها، فالصلاة بالقعود، أو الاضطجاع، أو (٢) غيرهما من الأمور المذكورة صلاة؛ لأنه يطلق عليها اسم الصلاة، ويقال: صلى كذا وكذا، فصلاته صحيحة أو فاسدة، فهذه (٣) أنواع لجنس الصلاة (٤) بعضها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى منها واستطاع الأدنى كان بإتيانه به آتيًا بما استطاع من الصلاة (٥)، والله أعلم.
قوله: "وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة" (٦) هذا مما أُنكر عليه إذ لا يصح هذا عن أبي حنيفة، والمنقول عنه خلافه في كتب أصحابه (٧)، وأصحابنا (٨)، وإنما الثابت عنه أنه إذا عجز عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٧٠/ ب.
(٢) في (أ) و(ب): و.
(٣) في (أ): هذا.
(٤) سقط من (ب).
(٥) انظر: التنقيح ل ١٠١/ ب - ل ١٠٣/ أ.
(٦) الوسيط ٢/ ٦٠٥.
(٧) كالمبسوط ١/ ٢١٦ - ٢١٧، بدائع الصنائع ١/ ١٠٦.
(٨) انظر: حلية العلماء ٢/ ٢٢١، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص: ٣٩، فتح العزيز ٣/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٩٥ ]
قوله: "من به رمد وقال الأطباء: لو اضطجعت أيامًا أفادت المعالجة" (١) كان ينبغي أن يقول (٢): من نزل الماء في عينيه؛ فإن العلاج المذكور علاجه، ولا تسميه أهل الصناعة رمدًا (٣)
وقوله: "ووقع ذلك لابن عباس فاستفتى عائشة، وأبا هريرة فلم يرخصا له" (٤) هذا لا يصح هكذا، والثابت في ذلك ما رويناه (٥) (أنه نزل في عينيه الماء فقيل له: تستلقي سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقيًا، فكره هو ذلك) (٦). وأما استفتاؤه عائشة وأبا هريرة فلا يصح (٧)، وكذا المذكور في "المهذب" (٨) من أن عبد الملك
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧. وبعده: ففيه خلاف، ووقع ذلك لابن عباس إلخ
(٢) سقط من (ب).
(٣) قال النووي: " وأنكروا عليه تسميته رمدًا؛ لأن الأطباء لا يسمونه رمدًا، وهذا الإنكار ضعيف؛ فإن المسألة غير منحصرة في غير الرمد، بل لو احتاج إلى ذلك في الرمد جرى الوجهان". التنقيح ل ١٠٣/ ب. والأصح من الوجهين هو أنه يجوز له الاضطجاع والاستلقاء انظر: الوجيز ١/ ٤٢، فتح العزيز ٣/ ٢٩٦، الغاية القصوى ١/ ٢٩٣.
(٤) الوسيط ٢/ ٦٠٧.
(٥) في (أ): روينا.
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٤٣٨ رقم (٣٦٨٤)، وصحح النووي إسناده عن عمرو بن دينار انظر: التنقيح ل ١٠٣/ ب.
(٧) كذا قال النووي في المجموع ٤/ ٣١٥، والتنقيح ل ١٠٣/ ب. لكن روى هذه القصة الحاكم في المستدرك ٣/ ٥٤٥ - ٥٤٦ بإسناد جيِّد كما قال ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٦٢/ أ.
(٨) ١/ ١٠١.
[ ٢ / ٩٦ ]
ابن مروان (١) حمل إليه (٢) الأطباء على البُرُد، فذكروا له ذلك فاستفتى عائشة وأم سلمة، فنهتاه (٣). وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما، وموت أبي هريرة بسنين عدة (٤)، والله أعلم.
قوله - ﷺ - (٥): (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (٦) صحيح متفق على صحته (٧) من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، ورواه الإمام أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" (٨) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تجزي صلاة
_________________
(١) أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي أمير المؤمنين، كانت خلافته بعد أبيه سنة ٦٥ هـ، ثم استقل بالخلافة بعد مقتل عبد الله بن الزبير سنة ٧٣ هـ وكان قبل الخلافة من العبَّاد الزهاد الفقهاء، توفي سنة ٨٦ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ٣٠٩، السير ٤/ ٢٤٦، البداية والنهاية ٩/ ٦٦.
(٢) في (ب): عليه.
(٣) أثر عبد الملك هذا رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٤٣٨ رقم (٣٦٨٥). قال النووي: "إسناده ضعيف". المجموع ٤/ ٣١٤.
(٤) انظر: الجوهر النقي ٢/ ٤٣٨. قال النووي - بعد أن ذكر إنكار بعث عبد الملك البرد -: "وهذا الإنكار باطل؛ فإنه لا يلزم من بعثه أن يبعث في زمان خلافته، بل بعث في خلافة معاوية، وزمن عائشة وأم سلمة، ولا يستكثر بعث البرد من مثل عبد الملك؛ فإنه كان قبل خلافته من رؤساء بني أمية وأشرافهم " المجموع ٤/ ٣١٥، وراجع: تهذيب الأسماء ١/ ٣١٠.
(٥) سقط من (ب).
(٦) الوسيط ٢/ ٦٠٩. وقبله: أن أصل الفاتحة متعين على الإمام، والمأموم في الصلاة السرية، والجهرية، إلا في ركعة المسبوق. وقال أبو حنيفة: تقوم ترجمتها وغيرها من السور مقامها، وخالف قوله - ﵇ -: (لا صلاة الحديث.
(٧) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم ٢/ ٢٧٦ رقم (٧٥٦)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ٤/ ١٠٠، لكن لفظهما: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
(٨) انظره في كتاب الصلاة ١/ ٢٤٨ رقم (٤٩٠).
[ ٢ / ٩٧ ]
لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب). وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبَّان (١) في "صحيحه" (٢). وإن تفرد بهذه اللفظة (٣) شعبة، ثم عنه وهب بن جرير (٤)، فزيادة الثقة مقبولة لما عرف (٥)، والله أعلم.
قوله: "تجب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؛ إذ روى البخاري أن النبي - ﷺ - عدَّ الفاتحة سبع آيات، وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم آية منها" (٦) ما ذكره من رواية البخاري له وهم، فلم يرو البخاري ذلك ولا مسلم (٧)، وإذا قيل: روى البخاري، أو مسلم كذا وكذا فإنما يطلق ذلك على ما روياه في "صحيحيهما". وهو مع ذلك حديث ثابت من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة (٨) عن
_________________
(١) هو الإمام العلامة أبو حاتم محمَّد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي، أحد الحفاظ الكبار، المصنفين، المجتهدين، شيخ خراسان، كان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، صاحب الكتب المشهورة، والتي منها: المسند الصحيح، تاريخ الثقات، الضعفاء، توفي سنة ٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٢٠، البداية والنهاية ١١/ ٢٧٦، طبقات الحفاظ ص: ٣٧٤.
(٢) انظر: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٥/ ٩١ رقم (١٧٨٩).
(٣) في (أ): اللفظ.
(٤) هو وهب بن جرير بن حازم بن زيد الجهضمي أبو العباس، وقيل: أبو عبد الله الأزدي البصري، قال الحافظ ابن حجر: "ثقة". روى حديثه الجماعة، توفي سنة ٢٠٦ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٩/ ٢٨، تقريب التهذيب ص: ٥٨٥.
(٥) انظر: علوم الحديث للمؤلف ص: ٩٢، نزهة النظر لابن حجر ص: ٣١.
(٦) الوسيط ٢/ ٦١٠.
(٧) انظر: التنقيح ل ١٠٤/ أ، التلخيص الحبير ٣/ ٣١٧.
(٨) وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي التيمي المكي أبو بكر الأحول، وقيل: أبو محمَّد، أدرك ثلاثين من الصحابة، قال الحافظ ابن حجر: "ثقة فقيه". روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١١٧ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ١/ ١٠١، تقريب التهذيب ص: ٣١٢، طبقات الحفاظ ص: ٤١.
[ ٢ / ٩٨ ]
أم سلمة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ - أخرجه بمعناه الإمام ابن خزيمة في صحيحه (١)، واحتج به في المسألة، وإن كان قد رواه عن عمر بن هارون (٢) عنه، وليس بالقوي، فقد تابع عمر عليه غيره.
وقال فيه البويطي في كتابه (٣): "أخبرني غير واحد عن حفص بن غياث (٤) عن ابن جريج". وثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال في قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٥): "إنها فاتحة الكتاب، وإن بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة" (٦). وروينا ذلك عن علي (٧)،
_________________
(١) في كتاب الصلاة ١/ ٢٤٨ رقم (٤٩٣). وممن رواه كذلك: الدارقطني في سننه ١/ ٣١٢ - ٣١٣ وقال: إسناده صحيح وكلهم ثقات، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٢ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال النووي: "صحيح". التنقيح ل ١٠٤/ أ.
(٢) هو عمر بن هارون بن يزيد الثقفي مولاهم البلخي، قال عنه الحافظ ابن حجر: "متروك، وكان حافظًا". وقال عنه في التلخيص الحبير: "ضعيف". روى حديثه الترمذي وابن ماجه، توفي سنة ١٩٤ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/ ١٤٠، ميزان الاعتدال ٤/ ١٤٨، تقريب التهذيب ص: ٤١٧، التلخيص الحبير ٣/ ٣١٦.
(٣) ل ٦/ ب.
(٤) هو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي، قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة، فقيه، تغير حفظه قليلًا في الآخر. روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٩٤ هـ، وقيل: ١٩٥ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٣/ ١٨٥، السير ٩/ ٢٢، تقريب التهذيب ص: ١٧٣، طبقات الحفاظ ص: ١٢٤.
(٥) سورة الحجر الآية (٨٧).
(٦) رواه عنه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٦٦ رقم (٢٣٨٧)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ٣٣٧.
(٧) رواه عنه الدارقطني في سننه ١/ ٣١٣، والبيهقي في الموضع السابق برقم (٢٣٨٨)، وضعَّف إسناده ابن التركماني في الجوهر النقي ٢/ ٦٦؛ إذ في سنده: أسباط، وإسماعيل ابن عبد الرحمن السدي، وعبد خير وقد تُكلم فيهم.
[ ٢ / ٩٩ ]
وأبي هريرة (١) ﵃. قال الحافظ أحمد البيهقي: "قد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعدُّ بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة" (٢).
ومن الحجة في إثباتها في أول كل سورة قول ابن عباس - ﵄ -: (كان النبي - ﷺ - لا يعرف انقضاء السورة حتى تنزل عليه (٣) بسم الله الرحمن الرحيم). وفي رواية: (كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم) (٤) أخرجه أبو داود (٥)، وصححه الحاكم في "صحيحه" (٦) وقال: "إنه صحيح على شرط الشيخين". واحتج به الشافعي في "سنن حرملة". (٧).
ولكثير من مخالفينا (٨) في مسألتي: إثبات البسملة، والجهر بها استجراء على نسبتنا إلى (٩). ضعف الحجة فيهما، وها نحن نأتي في ذلك بالحجة الواضحة غير
_________________
(١) رواه عنه الدارقطني في سننه ١/ ٣٠٦، والبيهقي في الموضع السابق برقم (٢٣٨٩) وقال: "روي عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح". وذكر الحافظ ابن حجر أن رجال إسناده ثقات، وقال: "وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه " التلخيص الحبير ٣/ ٣١٧.
(٢) معرفة السنن والآثار ١/ ٥١٣.
(٣) سقط من (أ) و(ب).
(٤) قوله: (وفي رواية بسم الله الرحمن الرحيم) سقط من (ب).
(٥) في سننه كتاب الصلاة، باب من جهر بها ١/ ٤٩٩ رقم (٧٨٨).
(٦) ١/ ٢٣١ - ٢٣٢. وراجع: التلخيص الحبير ٣/ ٣١٨.
(٧) انظر النقل عنه في: معرفة السنن والآثار ١/ ٥١٤.
(٨) في (ب): ولكثرة مخالفينا.
(٩) في (ب): على.
[ ٢ / ١٠٠ ]
الواهية إن شاء الله ﵎، فمن أقوى ما نحتج به في إثبات كون البسملة من الفاتحة، ومن كل سورة - سوى براءة - إجماع الصحابة، وسائر المسلمين على كتبها بين دفتي المصحف، ومع القرآن بخط القرآن، من غير تمييز (١)؛ فلو لم تكن في (٢) ذلك كله من القرآن لما استجازوا كتبها معه كذلك غير مقرون ببيان شاف شائع أنها ليست من القرآن؛ لأن ذلك يحمل قطعًا على اعتقاد (٣) ما ليس بقرآن قرآنًا. وهذا دليل قاطع أو كالقاطع، حرَّر (٤) نحوه صاحب الكتاب، وقرره في كتابه (٥) "في حقيقة القولين" (٦)، ثم في "المستصفى" (٧). ولا يقال: إن القرآن لا يثبت شيء منه إلا بالتواتر، وبدليل قاطعٍ قاطعٌ (٨) للشك، والاحتمال لما عرف، ولا وجود له ههنا؛ لأنا نقول: البسملة أصلها ثابت بالتواتر في سورة النمل (٩)، وإنما الكلام في عدد مواضعها، وأنها منه مرة أو مرات، وذلك يجوز إثباته بالاجتهاد كعدد الآي، ومقاديرها (١٠)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر نقل الإجماع في: معرفة السنن والآثار ١/ ٥١٢، المجموع ٣/ ٣٣٥.
(٢) سقط من (أ).
(٣) في (أ): اعتقادنا.
(٤) في (ب): وحرَّر.
(٥) في كتابه: سقط من (أ).
(٦) لم أقف عليه.
(٧) ص: ٨٢ - ٨٤.
(٨) سقط من (ب).
(٩) الآية (٣٠).
(١٠) انظر: المستصفى ص: ٨٣.
[ ٢ / ١٠١ ]
وأما الجهر بها: فدليله حديث نعيم بن عبد الله المُجْمِر (١) قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، وقال الناس. ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس قال: الله أكبر، ويقول إذا سلَّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله (٢) - ﷺ -). أخرجه النسائي (٣)، وأورده الإمام أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" (٤)، وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم أبو عبد الله في "صحيحه" (٥) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". واحتج به أبو بكر الخطيب الحافظ (٦) في كتابه "في إثبات الجهر بالتسمية" (٧) ورواه
_________________
(١) في (أ): بن المجْمِر. وهو أبو عبد الله نعيم بن عبد الله المدني، مولى عمر بن الخطاب، يعرف بالمجمِر بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية؛ لأنه كان يبخِّر المسجد، يقال: إنه جالس أبا هريرة - ﵁ - عشرين عامًا، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة". روى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير ٨/ ٩٦، الجرح والتعديل ٨/ ٤٦٠، الثقات لابن حبَّان ٥/ ٤٧٦، تقريب التهذيب ص: ٥٦٥.
(٢) في (ب): بصلاة رسول الله.
(٣) في سننه كتاب الافتتاح، باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ٢/ ٤٧١ رقم (٩٠٤).
(٤) في كتاب الصلاة ١/ ٢٥١ رقم (٤٩٩).
(٥) ١/ ٢٣٢. كذا ابن حبَّان في صحيحه. انظر: الإحسان ٥/ ١٠٤ رقم (١٨٠١).
(٦) العلامة أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، أحد مشاهير الحفاظ، صاحب التصانيف العديدة البديعة، والتي بلغت نحوًا من ستين مصنفًا منها: تاريخ بغداد، شرف أهل الحديث، المتفق والمفترق، اقتضاء العلم العمل، الفقيه والمتفقه، توفي سنة ٤٦٣ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٣٥، السير ١٨/ ٢٧٠، طبقات السبكي ٤/ ٢٩، البداية والنهاية ١٢/ ١٠٨.
(٧) لم أقف على كتابه هذا، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٢ ]
من وجوه متعددة مرضية، ثم قال: "وقد روى جماعة عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ويأمر به"، ثم ساق أحاديثهم بأسانيدها. وروى الخطيب أيضًا عن جماعة من الصحابة عن رسول الله - ﷺ - أنه جهر بالتسمية منهم: عمر، وعلي، وعمار (١)، وابن عباس، وابن عمر، في بضعة عشر نفسًا. قال: "وممن سمي لنا أنه حفظ عنه الجهر بالتسمية من أصحاب رسول الله - ﷺ - (٢) الأئمة الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي"، وعدَّ منهم سبعة عشر نفسًا، ثم ساق ذلك عنهم بأسانيدهم، قال: "فأما من روى عنه ذلك من التابعين، ومن بعدهم فهم أكثر من أن يذكروا" (٣)، ثم ذكر أن (٤) ذلك في الجهر بالتسمية في أول الفاتحة، وأما في الجهر بها في أول كل سورة، فيدل (عليه) (٥) من ذلك ما كان من الأحاديث مطلقًا فيه: أنه (٦) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وذكر أيضًا أحاديث كثيرة عنه - ﷺ - أنه كان يجهر بالتسمية في السورتين جميعًا (٧). قلت: واعتمد الشافعي في ذلك على
_________________
(١) في (أ): وعثمان.
(٢) قوله: (قال رسول الله - ﷺ -) سقط من (ب).
(٣) انظر النقل عنه في: المجموع ٣/ ٣٤١.
(٤) في (أ) و(ب): أن كل ذلك.
(٥) زيادة من (أ) و(ب).
(٦) في (ب): أن.
(٧) لم أقف على قوله هذا فيما بين يدي من كتبه، ونقله ابن الصلاح من كتابه السابق "الجهر بالتسمية" ولم أقف عليه، ولم أقف على من نقل قوله هذا حسب ما وقفت عليه من مصادر، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٣ ]
إجماع أهل المدينة (١) - ولا خلاف في كونه حجة في النقل (٢) - وذلك ما رويناه عن أنس بن مالك قال: (صلى معاوية بالمدينة صلاة كذا، فجهر فيها بالقراءة (٣) فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبِّر حتى (٤) يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلمَّا سلَّم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبَّر حين (٥) يهوي ساجدًا. وروينا نحوه عن عبيد ابن رفاعة الزرقي (٦)، عن معاوية، وفيه (٧) أنهم قالوا له: (أسرقت صلاتك أين بسم الله الرحمن الرحيم؟) ورواه يعقوب ابن سفيان (٨)
_________________
(١) في (د): واعتمد بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة، ولا خلاف إلخ، وهو حشو لا معنى له هنا، والمثبت من (أ) و(ب). وانظر: الأم ١/ ٢١٢ - ٢١٣، والمجموع ٣/ ٣٤٦.
(٢) انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٨٦.
(٣) في (د) و(ب): صلاة فجهر كذا فيها، بالتقديم والتأخير، و(كذا) غير موجودة في لفظ الحديث، والمثبت من (أ) غير أن فيه فيجهر.
(٤) في (ب): حين.
(٥) في (أ): حتى.
(٦) هو عبيد بن رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الزرقي، ويقال فيه: عبيد الله، ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، وليس له صحبة، قال الحافظ ابن حجر: "وثقه العجلي، وروى له البخاري في الأدب، والأربعة". انظر ترجمته في: الثقات لابن حبَّان ٥/ ١٣٣، تهذيب الكمال ١٩/ ٢٠٥، تقريب التهذيب ص: ٣٧٧.
(٧) في (ب): وفيهم.
(٨) في (ب): سليمان.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الفارسي (١) أحد أئمة الحديث المتقدمين في كتابه في "الصلاة" (٢) عن أبي بكر الحميدي، واعتمد عليه يعقوب أيضًا في إثبات الجهر بالتسمية. وأخرجه الحاكم أبو عبد الله في "صحيحه" (٣) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وأما ما يحتج به المخالفون من الحديث المروي عن أنس بن مالك قال: (صليت مع رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر (٤)، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم (٥) يقرأ (٦) بسم الله الرحمن الرحيم). وفي رواية: (وكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا (٧) يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في (٨) آخرها). ورواه جماعة فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم.
_________________
(١) هو أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي الفسوي، الإمام المحدث الرحالة، فقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية، من مصنفاته: التاريخ، المعرفة، مشيخته، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة حافظ"، روى حديثه الترمذي والنسائي، توفي سنة ٢٧٧ هـ. انظر ترجمته في: السير ١٣/ ١٨٠، البداية والنهاية ١١/ ٦٣، تقريب التهذيب ص ٦٠٨.
(٢) انظر النقل عنه في: المجموع ٣/ ٣٤٦.
(٣) ١/ ٢٣٣. وممن رواه كذلك: الشافعي في مسنده ص: ٣٦٧، والدارقطني في سننه ١/ ٣١١ وقال: "رجاله كلهم ثقات"، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٧١ - ٧٢ رقم (٢٤٠٨، ٢٤١٠).
(٤) سقط من (أ).
(٥) في (أ): منهم أحدًا، بالتقديم والتأخير.
(٦) في (ب): يجهر بقراءة.
(٧) في (أ): ولا.
(٨) سقط من (ب).
[ ٢ / ١٠٥ ]
فهذا مما أخرجه مسلم (١)، ولم يخرجه البخاري، وتركه الشافعي بعد اطلاعه عليه (٢)، وروايته إياه عن مالك (٣)، مع ما كان الشافعي (٤) عليه من المبالغة في اتباع الحديث الصحيح، حتى أمر أصحابه إذا ظفروا بحديث صحيح على خلاف مذهبه بأن يتركوا مذهبه ويتبعوا الحديث (٥)؛ وذلك أنه من قبيل الحديث المعلل الذي يترك وإن كانت الرواة له ثقات، لكونه اطلع فيه على علة خفية، غامضة، قادحة في صحته، كاشفة عن وهم فيه، دخل على بعض رواته، بحيث يغلب ذلك فيه على الظن، فيحكم به، أو يتردد فيه، فيتوقف ويمتنع الحكم بصحته، وربما خفيت علته (٦) على أكثر حفاظ الحديث، واطلع عليها الفرد منهم (٧)، وبيان ذلك في هذا الحديث: أن الأكثرين رووه "فكانوا (٨) يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "، من غير تعرض لذكر البسملة،
_________________
(١) انظر صحيحه - مع النووي - كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة ٤/ ١١٠ - ١١١. وقوله: ورواه جماعة فلم يجهروا إلخ انظره في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٧٤ رقم (٢٤١٥).
(٢) سقط من (ب).
(٣) رواه الشافعي في مسنده ص: ٣٦٧، ولكن عن سفيان عن أيوب وليس عن مالك.
(٤) في (أ): للشافعي.
(٥) انظر: المجموع ١/ ٦٣، إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين لابن القيَّم ٢/ ٢٨٥، مقدمة صفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني ص: ٥٠.
(٦) في (ب): صحته، وهو خطأ.
(٧) قال المؤلف في كتابه علوم الحديث ص: ٩٦: الحديث المعلل: "هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر". وراجع: نزهة النظر ص: ٤٣.
(٨) في (أ): وكانوا.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وذلك هو المتفق على صحته، المخرَّج في "الصحيحين" (١)، فاتهم الأقلون الذين رووه باللفظ النافي للبسملة: أنهم رووه بالمعنى متوهمين أن قوله: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ (لِلَّهِ) (٢)﴾ معناه: أنهم لم يكونوا يبسملون، وأخطأوا في ذلك؛ لأن معناه: أن السورة التي كانوا يستفتحون القراءة بها من السور (٣) هي الفاتحة، وليس فيه تعرض للبسملة (٤). والتهمة تسقط الاحتجاج بما تمكنت منه عند أهل الحديث (٥). على أنه انضم إلى ذلك أمور شاهدة بالوهم في اللفظ النافي المذكور منها: أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالبسملة فقال: (إنك لتسألني عن شيء لا أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك)، رواه الإمام أبو الحسين الدارقطني بإسناده (٦) وقال: "هذا إسناد صحيح". ورواه الحافظ أبو بكر الخطيب وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ثبت الرجال، لا علة فيه، ولا مطعن عليه" (٧). ومنها ما رويناه عن محمَّد بن أبي السري العسقلاني (٨) قال: "صليت خلف المعتمر بن
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير ٢/ ٢٦٥ رقم (٧٤٣)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة ٤/ ١١١.
(٢) زيادة من (أ).
(٣) في (د) و(ب): من السورة، والمثبت من (أ).
(٤) راجع: السنن الكبرى ٢/ ٧٥، المجموع ٣/ ٣٥١ - ٣٥٢.
(٥) انظر: نزهة النظر ص: ٤٠ - ٤١ (أسباب الطعن في الحديث).
(٦) انظر: سننه ١/ ٢١٦.
(٧) لم أقف على قوله هذا وروايته للحديث فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
(٨) هو محمَّد بن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم العسقلاني المعروف بابن أبي السري، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق عارف له أوهام كثيرة". وروى حديثه أبو داود، توفي سنة ٢٣٨ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٨/ ١٠٥، الثقات لابن حبَّان ٩/ ٨٨، تقريب التهذيب ص: ٥٠٤.
[ ٢ / ١٠٧ ]
سليمان (١) ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب (٢)، وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلوا أن أقتدي بصلاة أبي (٣)، وقال أبي: ما آلوا أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلوا أن أقتدي بصلاة رسول الله - ﷺ -". رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٤) وقال: "رواته كلهم ثقات". وليس هذا مناقضًا للذي قبله؛ لإمكان أن يكون أنس سمعه من بعض الصحابة عن رسول الله - ﷺ -، فرواه عن رسول الله - ﷺ - حين ذكر أنه مقتدٍ به فيه. ثم إنه ليس في نفي الجهر إثبات الإسرار؛ فإن الجهر قد يطلق ويراد به: الجهر الشديد (٥) قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٦). وفي بعض ما ذكرناه جواب عمَّا احتجوا
_________________
(١) أبو محمَّد المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي البصري، مولى لبني مرة، ونسب لتيم لنزوله فيهم هو وأبوه، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة"، روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٨٧ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٨/ ٤٠٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٦٦، تقريب التهذيب ص: ٥٣٩.
(٢) سقط من (ب).
(٣) هو أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي البصري، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة عابد"، روى حديثه الجماعة. توفي سنة ١٤٣ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير ٤/ ٢٠، تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٠، تقريب التهذيب ص: ٢٥٢.
(٤) في معرفة السنن والآثار ١/ ٥٢٥. وممن رواه كذلك: الحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤ وقال: "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات".
(٥) انظر: القاموس المحيط ٢/ ٥٠، المجموع ٣/ ٣٥٣.
(٦) سورة الإسراء الآية (١١٠). وراجع تفسير ابن كثير ٣/ ٦٩.
[ ٢ / ١٠٨ ]
به من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني (١) الوارد (٢) بنحو ما رووه عن أنس (٣). على أنه يرويه أبو نعامة قيس ابن عباية الحنفي (٤) عن ابن عبد الله (٥)
_________________
(١) سقط من (أ). وهو عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، ويقال: ابن عبد نهم المزني المدني البصري، صحابي جليل، من أهل بيعة الرضوان، روي له عن النبي - ﷺ - (٤٣) حديثًا، وروى حديثه الجماعة، توفي سنة ٦٠ هـ. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٧/ ٣٨، تهذيب الأسماء ١/ ٢٩٠، الإصابة ٦/ ٢٢٣.
(٢) في (أ): المروي.
(٣) وهو عن ابن عبد الله بن مغفل قال: (سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم فقال لي: أي بني محدَث، إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أبغض إليه الحدث في الإِسلام - يعني منه - قال: وقد صليت مع النبي - ﷺ -، ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا صليت فقل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. رواه الترمذي في جامعه أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ٢/ ١٢ رقم (٢٤٤) وقال: "حديث حسن"، والنسائي في سننه كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ٢/ ٤٧٢ رقم (٩٠٧)، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب افتتاح القراءة ١/ ٢٦٧ رقم (٨١٥)، وأحمد في المسند ٤/ ٨٥، قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٣٣: "وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح، فلا ينزل عن درجة الحسن".
(٤) في (أ): أبو نعامة عن قيس، و(عن) هنا مقحمة. وهو قيس بن عباية أبو نعامة الحنفي، وعباية: بعين مهملة مفتوحة، وتخفيف الموحدة، ثم التحتانية، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة". توفي سنة ١١٠ هـ، روى حديثه البخاري في جزء القراءة، والأربعة. انظر ترجمته في: الكنى والأسماء للإمام مسلم ٢/ ٨٤٨، المقتنى في سرد الكنى للذهبي ٢/ ١١٥، تقريب التهذيب ص: ٤٥٧.
(٥) قوله: (أنس ابن عبد الله) سقط من (ب).
[ ٢ / ١٠٩ ]
ابن مُغَفَّل (١) عن أبيه، وتفرد به أبو نعامة، ولم يحتج به صاحبا الصحيح. وابن عبد الله بن مُغَفَّل مجهول (٢). ثم إنا إذا تنزلنا عن هذا المقام إلى مقام الترجيح فلما احِتَجَجْنا به الرُجْحَان من حيث إنه: لم يختلف في لفظه، وما تعلقوا به يختلف في لفظه. ولأن نفي الجهر إنما (٣) رواه صحابيان، وإثبات الجهر رواه أربعة عشر صحابيًا أو أكثر. ولأن من روى الجهر مثبت، ومن روى عدمه نافٍ، وقد عرف أن المثبت مقدم على النافي (٤). هذا ولله الحمد بيان شاف على اختصار (٥) كافٍ. ومسألة البسملة معدودة من مشكلات المذهب، وهي أصولية، فقهية، حديثية، وقد أوفيناها حقها من فنونها، بعون الله وتوفيقه، وهو أعلم.
ذكر أنه لو ترك الموالاة في الفاتحة ناسيًا فقد "نقل العراقيون (٦) أنه لا يضر" (٧) يعني عن الشافعي - ﵁ - ثم قال: "وللشافعي قول في القديم (٨) أنه لو ترك الفاتحة
_________________
(١) في (د): معقل، والمثبت من (أ) و(ب). قال الحافظ ابن حجر: "اسمه يزيد". تقريب التهذيب ص: ٦٩٥، وراجع نصب الراية ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣، تحقيق أحمد شاكر على جامع الترمذي ٢/ ١٣.
(٢) انظر: المجموع ٣/ ٣٥٥، ولكن ذكر الزيلعي في نصب الراية الموضع السابق: أنه قد تابع أبا نعامة في الرواية عنه: ابن عبد الله بن بريدة، وأبو سفيان السعدي، فقد ارتفعت الجهالة عنه برواية هؤلاء الثلاثة عنه. وراجع تعليق أحمد شاكر الموضع السابق.
(٣) سقط من (ب).
(٤) راجع: البحر المحيط ٦/ ١٧٢، شرح الكوكب المنير ٤/ ٦٨٢.
(٥) في (أ) و(ب): اختصاره.
(٦) في (ب): العراقين، وهو خطأ.
(٧) الوسيط ٢/ ٦١٢.
(٨) في (أ) و(ب): قول قديم.
[ ٢ / ١١٠ ]
ناسيًا لم يضر، ولكن ليس هذا تفريعًا عليه؛ إذ فرق بينه وبين ترك ترتيبها ناسيًا" (١). فقوله "إذ فُرِّق" هو بضم الفاء، لا بفتحها؛ لأن هذا الفرق ليس عن الشافعي، وإنما ذكره الشيخ أبو محمَّد الجويني زيادة على النص تفريعًا على الجديد لا على القديم (٢)؛ فإن ترك ترتيبها لا يضر على القديم إذ لا يزيد على تركها من أصلها.
قوله: "ويتأيد ذلك بأنّه لو طوَّل ركنًا قصيرًا ناسيًا لم يضر، وإن انقطعت به موالاة (٣) الأركان" (٤) يعني يتأيد ما سبق من أن ترك الموالاة في الفاتحة ناسيًا (لا (٥) يضر: بأن ترك الموالاة بين أركان الصلاة ناسيًا) (٦) لا يبطلها، مع أنه يبطلها ترك الترتيب ناسيًا، كما لو قدَّم السجود على الركوع ناسيًا، فكما فرَّقنا بين الموالاة والترتيب في الأركان، كذلك نفرق بينهما في القراءة فاعلم ذلك (٧)، والله أعلم.
قوله في جهر المأموم بالتأمين: (لما روى أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أمَّن أمَّن من خلفهُ حتى كان للمسجد ضجة) (٨) هكذا أورده شيخه (٩) - ﵀ وإيانا -
_________________
(١) الوسيط الموضع السابق.
(٢) انظر النقل عنه في نهاية المطلب ٢/ ل ٣٦/ ب، وقال النووي في التنقيح ل ١٠٤/ ب: "معناه أن أبا محمَّد فرَّق بينهما فقال: لو ترك الترتيب ناسيًا لم يجزه، ولو ترك الموالاة ناسيًا أجزأه على الجديد".
(٣) سقط من (ب).
(٤) الوسيط ٢/ ٦١٢.
(٥) في (ب): لم.
(٦) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب).
(٧) انظر: التنقيح ل ١٠٤/ ب، المطلب العالي ٣/ ل ٢٦٩/ ب.
(٨) الوسيط ٢/ ٦١٤ - ٦١٥ وقبله: ثم اختلف نص الشافعي - ﵁ - في جهر المأموم به فقيل: إن كان في القوم كثرة جهروا ليبلغ الصوت وإلا فلا. وقيل: فيه قولان: أحدهما: نعم لما روى أبو هريرة إلخ.
(٩) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٤١/ أ.
[ ٢ / ١١١ ]
وهو غير صحيح (١) مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - (٢) وإنما رواه الإمام الشافعي (٣) بإسناده عن عطاء - هو ابن أبي رباح - قال: (كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ومن خلفهم: آمين، حتى إن (٤) للمسجد لَلَجة). قوله (٥) "إن للمسجد" أي لأهله. وفي "صحاح اللغة" (٦): "سمعت لَجة الناس بالفتح أي أصواتهم، وضجتهم، والتجت الأصوات: أي اختلطت"، والله أعلم.
قوله: "وأما الضجَّة: فهي هيمنة حصلت من همس القوم عند كثرتهم (٧) " (٨) فالهمس في اللغة: هو الصوت الخفي (٩)، وقال أبو عبيد (١٠): "الهيمنة: الكلام
_________________
(١) قوله: (﵀ صحيح) سقط من (أ).
(٢) قال النووي: "هكذا ذكر هذا الحديث هو في البسيط، وشيخه في النهاية، وهو غلط " التنقيح ل ١٠٥/ أ. قال الحافظ ابن حجر: "لم أره بهذا اللفظ، لكن روى معناه ابن ماجه من حديث بشر ابن رافع عن أبي عبد الله ابن عمَّ أبي هريرة عن أبي هريرة قال: ترك الناس التأمين، كان رسول الله - ﷺ - إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد. ورواه أبو داود من هذا الوجه بلفظ: حتى يسمع من يليه من الصف الأول. ولم يذكر قول أبي هريرة. وبشر ابن رافع ضعيف، وابن عمَّ أبي هريرة قيل: لا يعرف، وقد وثقه ابن حبَّان".أهـ التلخيص الحبير ٣/ ٣٥٠، وانظر: سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب التأمين وراء الإمام ١/ ٥٧٥ رقم (٩٣٤)، وسنن ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب الجهر بآمين ١/ ٢٧٨ رقم (٨٥٣)، وراجع في ذلك: تذكرة الأخيار ل ٦٣/ أ.
(٣) انظر: مسنده ص: ٣٧٤.
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (أ) و(ب): وقوله.
(٦) ١/ ٣٣٨.
(٧) في (ب): لكثرتهم.
(٨) الوسيط ٢/ ٦١٥.
(٩) انظر: الصحاح ٣/ ٩٩١، القاموس المحيط ٢/ ٤٠٣.
(١٠) في غريب الحديث ١/ ١٥٨.
[ ٢ / ١١٢ ]
الخفي" (١). وذكر غيره نحو ذلك (٢). والظاهر من كلام المصنف أنه أراد بها صوتًا فيه اختلاط، وارتفاع، وفي ذلك زيادة على معناها الذي وجدناه عن أهل اللغة، والله أعلم.
حديث إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين (٣). حديث متفق على صحته (٤). ولكن قول صاحب الكتاب فيه ههنا، وفي "البسيط" (٥) أيضًا "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" غير صحيح منه قوله "وما تأخر" (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) قوله: (وقال أبو عبيد الخفي) سقط من (ب).
(٢) كالزمخشري في الفائق ٤/ ١١٥ - ١١٦، وابن الجوزي في غريب الحديث ٢/ ٥٠٢، وابن منظور في لسان العرب ١٥/ ١٤٨.
(٣) الوسيط ٢/ ٦١٥. حيث قال الغزالي: "ثم المستحب أن يؤمِّن مع تأمين الإمام لا قبله، ولا بعده؛ لأنه يؤمِّن لقراءته لا لتأمينه، وقد روي عنه - ﵇ - أنه قال: إذا قال الإمام الحديث".
(٤) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب جهر المأموم بالتأمين ٢/ ٣١١ رقم (٧٨٢)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين ٤/ ١٢٨ - ١٢٩ بلفظ: إذا أمَّن الإمام فأمنوا الحديث، وفي رواية: (إذا قال القارئ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال من خلفه: آمين الحديث".
(٥) ١/ ل ١٠١/ ب.
(٦) قال النووي في التنقيح ل ١٠٥/ ب: "فإن قوله: "وما تأخر" زيادة باطلة، لا ذكر لها في الحديث، ولم يذكرها إمام الحرمين". أهـ وقال الحافظ ابن حجر: "ذكر الغزالي في الوسيط، وفي الوجيز زيادة "ما تقدم من ذنبه وما تأخر" قال ابن الصلاح: وهي زيادة ليست بصحيحة. وليس كما قال، كما بينته في طرق الأحاديث الواردة في ذلك". أهـ التلخيص الحبير ٣/ ٣٥٢. لكن الحافظ نفسه نصَّ في فتح الباري ٢/ ٣١٠ على أنها شاذة حيث قال: "وقع في أمالي الجرجاني .. في آخر هذا الحديث (وما تأخر) وهي زيادة شاذة".
[ ٢ / ١١٣ ]
قوله: (لقول أبي سعيد الخدري: حزرنا (١) قراءة رسول الله - ﷺ - في الأوليين من الظهر فكانت قدر سبعين آية) (٢) فقوله ههنا، وفي "البسيط" (٣) أيضًا "سبعين آية" وهم تسلسل وتوارد عليه شيخه (٤)، ثم هو، ثم تلميذه محمد بن يحيى (٥)، وإنما صوابه: فكانت قدر ثلاثين آية، والحديث صحيح أخرجه مسلم (٦) من وجوه منها - وهو أوضحها - (أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين (٧) قدر خمس عشرة (٨) آية، أو قال نصف ذلك. وفي العصر في الركعتين الأوليين في (٩) كل ركعة قدر خمس عشرة (١٠)، وفي الأخريين (١١) قدر نصف ذلك". ثم إن حديث أبي سعيد لا دلالة فيه على استحباب قراءة السورة في الثالثة والرابعة من غير الظهر كما قاله
_________________
(١) حزرنا بفتح الزاء ثم الراء بمعنى: قدَّرنا. انظر: المصباح المنير ص: ٥١.
(٢) الوسيط ٢/ ٦١٦. وقبله: الثاني: السورة - يعني التي بعد الفاتحة - ويستحب قراءتها للإمام والمنفرد في ركعتي الفجر والأوليين من غيرهما. وهل تستحب في الثالثة والرابعة؟ قولان منصوصان: الجديد: أنها تستحب لقول أبي سعيد الخدري إلخ.
(٣) ١/ ل ١٠١/ ب.
(٤) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٤١/ ب.
(٥) انظر النقل عنه في التنقيح ل ١٠٥/ ب.
(٦) انظر صحيحه - مع النووي - كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر ٤/ ١٧٢.
(٧) في (أ): الأخيرتين.
(٨) في (ب): عشر، وهو خطأ؛ لأن المعدود مؤنث.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) في (ب): عشر، وهو خطأ؛ لأن المعدود مؤنث.
(١١) في (د) و(أ): الأخيرتين، والمثبت من (ب)، وهو موافق للفظ الحديث.
[ ٢ / ١١٤ ]
في الجديد، وقد روى الربيع عنه (١) أنه احتج في ذلك بما رواه عن مالك بسنده عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى خلف أبي بكر الصديق - ﵁ - صلاة المغرب، فلما قام في الركعة الثالثة دنا منه فسمعه (٢) قرأ بعد الفاتحة هذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٣). وروى أيضًا عن مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - (أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا، في كل ركعة بأم القرآن وسورة) (٤). وحجة القول الآخر (٥) وهو قديم، ورواه البويطي (٦) أيضًا: حديث أبي قتادة في "الصحيحين" (٧): (أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة. قال ويسمعنا الآية أحيانًا. ويقرأ في الركعتين الأخريين (٨) بفاتحة الكتاب).
_________________
(١) لم أقف عليه في الأم، ولا في المسند، ولكن رواه البيهقي عن الشافعي عن مالك انظر: السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٩٣ رقم (٢٤٧٩). وانظره في الموطأ - مع الزرقاني - كتاب الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ١/ ٢٣٩ رقم (١٧٠).
(٢) في (أ): فسمعته. وفي الأثر: فدنوت منه حتى إن ثيابي تكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية إلخ.
(٣) سورة آل عمران الآية (٨).
(٤) انظر: السنن الكبرى الموضع السابق برقم (٢٤٨٠).
(٥) وهو أن القراءة بعد الفاتحة في الركعتين الأخريين غير مستحبة، قال الغزالي: "لأن مبناهما على التخفيف". الوسيط ٢/ ٦١٧.
(٦) انظر مختصره ل ٧ / أ.
(٧) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب ٢/ ٣٠٤ رقم (٧٧٦)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر ٤/ ١٧٢.
(٨) في (د) و(أ): الأخيرتين، والمثبت من (ب)، وهو موافق للفظ الحديث.
[ ٢ / ١١٥ ]
حديث (إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب) (١) أخرجه (٢) بمعناه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥) من رواية عبادة بن الصامت، وذكر البيهقي (٦) أنه حديث صحيح، والله أعلم.
قوله في الركوع: "أن ننال راحتاه ركبتيه بالانحناء لا بالانخناس" (٧) فالانخناس هو التأخر (٨) بمعنى أنه لو نصب ركبتيه، وانحط بقامته إلى خلف كأنه (٩) يهوي
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦١٧. وقبله: أما المأموم فلا يقرأ السورة في الجهرية، بل يقرأ الفاتحة في سكتة الإمام بعد الفاتحة، ثم يستمع السورة. فإن لم يبلغه صوت الإمام فوجهان: القياس أنه يقرأ؛ لأنه كالمنفرد عند ذوات السماع. والثاني: لا؛ لقوله - ﷺ - الحديث.
(٢) في (ب): أخرجاه.
(٣) في سننه كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب ١/ ٥١٥ رقم (٨٢٣).
(٤) في جامعه أبواب الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام ٢/ ١١٦ رقم (٣١١) وقال: "حديث عبادة حديث حسن".
(٥) في سننه كتاب الافتتاح، باب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام ٢/ ٤٧٩ رقم (٩١٩). وممن رواه كذلك: الإمام أحمد في المسند ٥/ ٣١٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢١٥، وابن حبَّان في صحيحه - انظر الإحسان ٥/ ٨٦ رقم (١٧٨٥) -، والدارقطني في سننه ١/ ٣١٨ وقال: "هذا إسناد حسن"، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٨.
(٦) انظر: السنن الكبرى ٢/ ٢٣٦. وكذا صححه النووي في التنقيح ل ١٠٦/ أوابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٦٣/ أ، ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ٣١١ تصحيحه عن عدد من الأئمة.
(٧) الوسيط ٢/ ٦١٨. وقبله: القول في الركوع: وأقله أن ينحني إلى أن تنال إلخ.
(٨) انظر: الصحاح ٣/ ٩٢٥، القاموس المحيط ٢/ ٣٣٥، المصباح المنير ص: ٧٠.
(٩) في (د): كأن، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢ / ١١٦ ]
إلى القعود فإنَّ يديه تنال بذلك ركبتيه، ولا يكون ذلك ركوعًا؛ لكونه لم يكن بالانحناء (١)، والله أعلم.
ما ذكره من الفرق بين القيام والقعود للتشهد حيث وجب فيهما الذكر، وبين الركوع حيث لا يجب فيه ذكر: فإن صورة الركوع تخالف المعتاد، فاكتفى بها في انتهاضه عبادة من غير ذكر (٢). يرد عليه قيام الاعتدال عن الركوع، والقعود بين السجدتين. ويجاب عنه: بأن وقوع هذين فاصلين بين صورتين غير معتادتين محدودين بهما أخرجهما من قبيل القيام والقعود المعتادين (٣)، والله أعلم.
قوله: "يستوي ظهره، وعنقه كالصفيحة" (٤) الصفيحة: هي السيف العريض (٥)، والله أعلم.
قوله: "ويترك الأصابع على جبلَّتها" (٦) كذا في نسخ بالباء، وفي نسخ أخر على جملتها بالميم، وكلاهما حسن؛ فالأول معناه: يدعها على طبيعتها التي جبلت عليها من التفريج اليسير، ولا (٧) يتكلف ضمها، ولا تفريجها كثيرًا.
_________________
(١) انظر: فتح العزيز ٣/ ٣٦٥، روضة الطالبين ١/ ٣٥٥، مغني المحتاج ١/ ١٦٤.
(٢) انظر: الوسيط ٢/ ٦١٨.
(٣) انظر: التنقيح ل ١٠٦/ أ، المطلب العالي ٣/ ل ٢٩٣/ ب.
(٤) الوسيط ٢/ ٦١٩. وقبله: وأما الأكمل فهيئته: أن ينحني بحيث يستوي إلخ.
(٥) انظر: الصحاح ١/ ٣٨٣.
(٦) الوسيط ٢/ ٦١٩. وقبله: - بعد قوله كالصفيحة - وينصب ركبتيه، ويضع كفيه عليهما، ويترك الأصابع إلخ.
(٧) في (أ): فلا.
[ ٢ / ١١٧ ]
والثاني معناه: على اجتماعها المعتاد، لا يزيله بزيادة في ضمها، أو تفريجها، والله أعلم.
قوله: "والذكر المشهور: سبحان ربي العظيم وبحمده" (١) أما سبحان ربي؛ العظيم فثابت عن رسول الله - ﷺ - أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث حذيفة ابن اليمان. وأما قوله "وبحمده" فقد رواه أبو داود السجستاني (٣) في كتابه (٤) بإسناده عن عقبة بن عامر قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ثلاثًا). ثم قال أبو داود: "وهذه الزيادة نخاف (٥) أن لا (٦) تكون محفوظة". وروى ابن (٧) المنذر قال: "قيل لأحمد بن حنبل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: أما أنا فلا أقول (٨) وبحمده" (٩). وليس ذلك في نصِّ الشافعي، ولم أجده في "جمع الجوامع من منصوصات الشافعي"، لكن ذكره
_________________
(١) الوسيط الموضع السابق.
(٢) انظره - مع النووي - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل ٦/ ٦١.
(٣) في (د): والسجستاني، والواو هنا مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) انظره كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده ١/ ٥٤٢ رقم (٨٧٠)، وقال النووي: "إسناده ضعيف". انظر: التنقيح ل ١٠٦/ ب.
(٥) في (أ): بخلاف، وهو خطأ.
(٦) في (ب): ألا.
(٧) سقط من (ب).
(٨) في (أ): أما أنا فأقول.
(٩) انظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف ٣/ ١٥٩.
[ ٢ / ١١٨ ]
صاحب "الشامل" (١)، وحكى عن أحمد ما ذكرناه، وجعله مسألة خلاف، واحتج بحديث ضعيف، وبأنه زيادة حمد. وهذا غير مرضي. ثم إن معنى قوله "وبحمده" عند بعضهم: وبحمده ابتدئ، وقيل معناه: بحمدٍ (٢) سبحتك وهذا أشهر. قلت: وعلى هذا فقوله "بحمده (٣) " حال، والتقدير فيه: وحامدًا سبحته (٤)، والباء بمعنى مع (٥)، والله أعلم.
قوله: "وروى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - كان يقول: اللهم لك ركعت إلى آخره" (٦) هذا حديث ثابت، لكن من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - أخرجه مسلم في "صحيحه" عنه (٧)، ولكن (٨) دون قوله "أنت ربي" ودون قوله "وما استقلت به قدمي لله ربِّ العالمين" وهما في رواية الشافعي (٩). وأما من حديث أبي هريرة: فقد رواه الشافعي (١٠) عن
_________________
(١) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ١٠٦/ ب.
(٢) في (ب): وبحمدك.
(٣) في (أ): وبحمده.
(٤) في (أ): سبحتك.
(٥) راجع: المجموع ٣/ ٤١٥، المطلب العالي ٣/ ل ٢٩٧/ ب.
(٦) الوسيط ٢/ ٦٢٠. وتمام الحديث عند الغزالي: وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي لله ربَّ العالمين. أهـ
(٧) انظره - مع النووي - كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة - ﷺ - ودعائه في الليل ٦/ ٥٧.
(٨) سقط من (أ).
(٩) في (أ): للشافعي. وانظر مسنده ص: ٣٦٨.
(١٠) قوله: (وأما حديث الشافعي) سقط من (ب).
[ ٢ / ١١٩ ]
إبراهيم بن محمَّد (١) وهو (٢) ابن أبي يحيى، وهو وإن كان ثقة عنده (٣)، فهو مجروح عند سائر (٤) أهل الحديث (٥). وأما قوله "لله" آخرًا، مع قوله "لك (٦) " أولًا فتأكيد، والله أعلم.
مذهبنا في أن المأموم يجمع بين قوله: سمع الله لمن حمده، وبين قوله: ربنا لك الحمد (٧). يخفى دليله، ودليله (٨) حديث أبي هريرة - ﵁ - (كان رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر مسنده الموضع السابق. لكن دون قوله: ومخي وعصبي، وبزيادة: وشعري وبشري. وإبراهيم بن محمَّد هو ابن أبي يحيى واسمه سمعان الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني، ومنهم من قال فيه: إبراهيم بن محمَّد بن أبي عطاء، روى حديثه ابن ماجه، قال عنه الحافظ ابن حجر: "متروك"، توفي سنة ١٨٤ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٢/ ١٢٥، تهذيب الكمال ٢/ ١٨٤، تقريب التهذيب ص: ٩٣.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر توثيق الشافعي له في تهذيب الكمال ٢/ ١٨٩، وهو كثيرًا ما يعبِّر عنه بقوله: أخبرنا الثقة، وتكرر هذا كثيرًا في مسنده انظر مثلًا ص: ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٦٢، ٣٦٤، والله أعلم.
(٤) سقط من (أ).
(٥) انظر: الجرح والتعديل ٢/ ١٢٦ - ١٢٧، تهذيب الكمال ٢/ ١٨٦ - ١٨٧، تهذيب الأسماء ١/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٦) سقط من (أ).
(٧) قال الغزالي: "ويستحب أن يقول - أي إذا اعتدل من الركوع -: (سمع الله لمن حمده) عند الرفع، ثم يقول: (ربنا لك الحمد) يستوي فيه الإمام والمأموم والمنفرد". أهـ الوسيط ٢/ ٦٢١، وراجع: فتح العزيز ٣/ ٤٠٥، روضة الطالبين ١/ ٣٥٧.
(٨) سقط من (ب).
[ ٢ / ١٢٠ ]
إذا قال (١): سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد). رواه البخاري في "صحيحه" (٢)، مع ما ثبت في "الصحيحين" (٣) من حديث مالك بن الحويرث أن رسول الله - ﷺ - قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). وقد روي جمع المأموم بينهما عن محمَّد بن سيرين، وعطاء، وأبي بردة ابن أبي موسى الأشعري (٤)، وقد روي فيه حديثان، لكنهما ضعيفان (٥). وقد صار عمل الناس على ترك الجمع بينهما، والله أعلم.
قوله: "روي أنه - ﷺ - قال: ربنا لك الحمد ملء السموات (٦) إلى آخر ما ذكره" (٧) هذا بتمامه رواه أبو سعيد الخدوي أخرجه مسلم في "صحيحه" (٨)، إلا
_________________
(١) في (ب): يقول، وهو تصحيف.
(٢) انظره - مع الفتح - كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع ٢/ ٣٢٩ رقم (٧٩٥).
(٣) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ٢/ ١٣١ رقم (٦٣١)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة ٥/ ١٧٤ وفيه أصل الحديث من غير اللفظة موضع الشاهد.
(٤) الإمام الفقيه الثبت، قيل اسمه: عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته، وهو ابن صاحب رسول الله - ﷺ - عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري، وهو تابعي كوفي، ولي القضاء في الكوفة زمن الحجاج ثم عزله، وكان عالمًا، حافظًا، ثبتًا، روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٠٤هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في: السير ٤/ ٣٤٣، البداية والنهاية ٩/ ٢٤٠، تقريب التهذيب ص: ٦٢١. وانظر النقل عن ثلاثتهم في: المجموع ٣/ ٤١٩، والسنن الكبرى ٢/ ١٣٨ ونقله عن: عطاء وأبي بردة، المغني ٢/ ١٨٩ ولم ينقله عن عطاء.
(٥) أشار إليهما البيهقي في السنن الكبرى الموضع السابق.
(٦) في (أ): وملء الأرض، وفي (ب): والأرض.
(٧) الوسيط ٢/ ٦٢١.
(٨) انظره - مع النووى - كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع ٤/ ١٩٤.
[ ٢ / ١٢١ ]
أن الذي ضبطناه من رواية مسلم وحققناه: (أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد) بلفظ "أحق" على وزن أفعل الذي للتفضيل، وبالواو في "وكلنا (١) "، وهكذا رويناه في "سنن أبي داود" (٢)، وكتاب "السنن الكبير" (٣)، وغيرهما (٤). فيكون معناه: أحق ما قال (٥) العبد قوله: لا مانع لما أعطيت إلى آخره، (و) (٦) قوله "وكلنا لك عبد" اعتراض اعترض بين المبتدأ والخبر. أو (٧) يكون قوله "أحق ما قال العبد" خبرًا لما قبله أي قوله "ربنا لك الحمد إلى آخره أحق ما قال العبد" والأول أولى (٨). والذي وقع في الكتاب من قوله: "حق ما قال العبد، كلنا لك عبد" بحذف الألف من قوله "حق"، وحذف الواو في قوله "كلنا لك" هو الواقع فيما لا أحصيه من كتب الفقه (٩)، وكذلك وجدته بخط الإمام المصنف أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي عن شيخه - شيخ
_________________
(١) في (ب): وكلنا لك عبد.
(٢) في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع ١/ ٥٢٩ رقم (٨٤٧).
(٣) في كتاب الصلاة ٢/ ١٣٦ رقم (٢٦٠٩).
(٤) في (ب): وغيرها. وممن رواه كذلك النسائي في سننه كتاب التطبيق، باب ما يقول في قيامه ذلك ٢/ ٥٤٥ رقم (١٠٦٧)، وأحمد في المسند ٣/ ٨٧، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة ١/ ٣١٠ رقم (٦١٣)، وابن حبَّان في صحيحه - انظر: الإحسان ٥/ ٢٣٣ رقم (١٩٠٥).
(٥) في (ب): قوله.
(٦) زيادة من (أ) و(ب).
(٧) في (د): و، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) انظر: المجموع ٣/ ٤١٥.
(٩) كالتعليقة للقاضي حسين ٢/ ٧٥٧، المهذب ١/ ٧٥، فتح العزيز ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
[ ٢ / ١٢٢ ]
العراقيين - أبي حامد الأسفراييني في تعليقه عنه، ورواه في حديث أبي سعيد هكذا (١)، والله أعلم.
ثم إن كلمة "العبد" للجنس (٢). وقوله: "ملء السموات" هو بكسر الميم منصوبًا على الحال أي مالئًا للسموات (٣)، والرفع فيه جائز، ولابن خالويه (٤) مسألة فيها جواز الرفع (٥). والمراد بهذا الكلام أنه لا يخلو جزء منها عن حمد، وذلك كناية عن عظم (٦) قدره. قوله (٧) (لا ينفع ذا الجد منك الجد) المشهور فيه فتح الجيم، وهو الرواية الصحيحة ويراد بالجد: الحظ، ويراد به: الغنى والمال، ويراد به: العظمة أيضًا (٨). وتحقيق معناه عندي: ولا يجلب إلى ذي
_________________
(١) لم أقف على النقل عن سليم، ولكن انظر النقل عن الشيخ أبي حامد في: المطلب العالي ٣/ ل ٣٠٧/ أ.
(٢) انظر: التنقيح ل ١٠٧/ أ.
(٣) انظر: المجموع ٣/ ٤١٦.
(٤) هو الحسين بن أحمد بن خالويه أبو عبد الله النحوي اللغوي، صاحب، أصله من همذان، ثم دخل بغداد، ثم صار إلى حلب، فعظمت مكانته عند آل حمدان، من مصنفاته: كتاب ليس في كلام العرب، وكتاب الآل، وأعرب ثلاثين سورة من القرآن، وشرح الدريدية، وغيرها، توفي سنة ٣٧٠ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ١٧٨، البداية والنهاية ١١/ ٣١٧، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي ص: ٢٣١.
(٥) قال النووي: " وصنف فيه ابن خالويه مسألة فيها جواز النصب والرفع، ورجح النصب، كما جزم به الجمهور". أهـ التنقيح ل ١٠٧/ أ.
(٦) في (أ): عظيم.
(٧) في (أ) و(ب): وقوله.
(٨) انظر: الصحاح ٢/ ٤٥٢، القاموس المحيط ١/ ٣٨٩، المصباح المنير ص: ٣٦.
[ ٢ / ١٢٣ ]
الجد نفعًا منك الجد الذي له، إنما ينفعه طاعتك، فاعلم ذلك؛ فإنه إفصاح عن معناه، لا (١) يستدرك من كلامهم فيه، والله أعلم.
قوله: "روى أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا" (٢) هذا حديث قد (٣) حكم بصحته غير واحد من حفاظ الحديث منهم: أبو عبد الله محمَّد بن علي البلخي من أئمة الحديث (٤)، وأبو عبد الله الحاكم (٥)، وأبو بكر البيهقي (٦). وأما المروي في "صحيح مسلم" (٧) من
_________________
(١) في (أ): ولا.
(٢) الوسيط ٢/ ٦٢٢. وقبله: فإن كان في صلاة الصبح استحب القنوت في الركعة الأخيرة لما روى أنس الحديث. والحديث رواه الشافعي في مختصر المزني ص: ١٩، والدارقطني في سننه ٢/ ٣٨، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٢٨٧ رقم (٣١٠٤)، وغيرهم، وصححه النووي في المجموع ٣/ ٥٠٤، وراجع: نصب الراية ٢/ ١٣١، التلخيص الحبير ٣/ ٤١٧.
(٣) سقط من (ب).
(٤) هو الحافظ أبو بكر، وأبو عبد الله محمَّد بن علي بن طرخان جباش البلخي ثم البيكندي، كان واسع الراحلة، عالي الهمة، سمع قتيبة، ولوينا، وهشام بن عمار، وطبقتهم، توفي سنة ٢٩٨ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٩٤. وانظر نقل تصحيحه في المجموع ٣/ ٥٠٤.
(٥) قال الحافظ ابن حجر: "عزاه النووي إلى المستدرك للحاكم، وليس هو فيه، وإنما أورده وصححه في جزء له منفرد في القنوت، ونقل البيهقي تصحيحه عن الحاكم فظن الشيخ أنه في المستدرك". أهـ التلخيص الحبير ٣/ ٤١٨، وانظر السنن الكبرى ٢/ ٢٨٧.
(٦) انظر: السنن الكبرى الموضع السابق.
(٧) انظره - مع النووى - كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات ٥/ ١٨٠.
[ ٢ / ١٢٤ ]
حديث عبد الرحمن بن مهدي (١) بإسناده عن أنس (أن رسول الله - ﷺ - قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه). فإنما المراد به أنه ترك دعاءه على أولئك الكفار خاصة، ولعنته لهم (٢)؛ فقد روينا عن عبد الرحمن بن مهدي - ومحله من الإمامة (٣) في الحديث معروف - أنه قال فيه: "إنما ترك اللعن" (٤). وروينا في حديث أنس الأول عنه (أن النبي - ﷺ - قنت شهرًا يدعو عليهم، ثم تركه، فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا) (٥). وذكر أبو عبد الله الحاكم أنه صحيح الإسناد رجاله ثقات (٦). وروى مسلم في "صحيحه" (٧) عن البراء بن عازب (أن رسول الله - ﷺ - كان يقنت في الصبح والمغرب). وفي رواية أخرى رواها أبو داود (٨): (أنه كان يقنت في صلاة الصبح). ولم يذكر المغرب، ولا يضرنا في التمسك بالأول ترك الناس القنوت في المغرب؛ لأن ذلك لم
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسَّان العنبري، وقيل الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري، إمام أهل الحديث في عصره، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة، ثبت، حافظ، عارف بالرجال والحديث"، روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ٣٠٤، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩، تقريب التهذيب ص: ٣٥١.
(٢) في (ب): ولعنتهم.
(٣) في (د): الأمة، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) انظر الرواية عنه في: السنن الكبرى ٢/ ٢٨٧، ٣٠٢.
(٥) تقدم تخريجه قريبًا.
(٦) تقدم عزوه قريبًا.
(٧) انظره - مع النووى - كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات ٥/ ١٨٠.
(٨) في سننه كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات ٢/ ١٤١ رقم (١٤٤١). وصححها الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٧٠ رقم (١٢٧٨).
[ ٢ / ١٢٥ ]
يوجد مثله في الصبح، ووقع ذلك منهم في المغرب؛ لأن تركه غير محظور، فكان ذلك مصيرًا منهم إلى ما لا حرج فيه في إحدى الصلاتين توسعًا، أو لغير ذلك. وأما الصبح فقد روينا عن العوام بن حمزة (١) قال: (سألت أبا عثمان (٢) عن القنوت في الصبح قال: بعد الركوع. قلت: عمن؟ قال: عن أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃) (٣). وذكر البيهقي أن إسناده حسن (٤). وعن الشافعي - ﵁ - أنه قال: "قنت بعد رسول الله - ﷺ - في الصبح: أبو بكر، وعمر، وعلي (٥) كلهم بعد الركوع، وعثمان بعض (٦) إمارته، ثم قدَّم القنوت قبل الركوع وقال: ليدرك من سبق" (٧). هذا بيان شاف لصحة مذهبنا في القنوت، وكثيرًا ما يصول مخالفونا علينا بما في الصحيح من قوله: (قنت شهرًا ثم تركه)،
_________________
(١) هو العوام بن حمزة المازني البصري، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق ربما وهم، روى حديثه البخاري في جزء القراءة". انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٧/ ٢٢، تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٢٥، تقريب التهذيب ص: ٤٣٣.
(٢) هو عبد الرحمن بن ملِّ بن عمرو بن عدي بن وهب أبو عثمان النهدي الكوفي نزيل البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي - ﷺ - ولم يلقه، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة ثبت عابد". روى حديثه الجماعة، توفي سنة ٩٥ هـ، وقيل بعدها. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٣، تهذيب الكمال ١٧/ ٤٢٤، تقريب التهذيب ص: ٣٥١.
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٢٨٨ رقم (٣١٠٨).
(٤) انظر: السنن الكبرى الموضع السابق.
(٥) في (ب): وعثمان وعلي ، و(عثمان) ههنا مقحم.
(٦) في (أ): بعد.
(٧) نقله البيهقي عن الشافعي في القديم، قال: "قال الشافعي في القديم: أخبرنا رجل عن علي ابن يحيى عن الحسن قال " ثم ساق الحديث بنحوه.
[ ٢ / ١٢٦ ]
حتى اغتر بذلك بعض أصحابنا فترك القنوت في الصبح؛ حدثني (١) شيخنا أبو المظفر السمعاني - ﵀ - بمدينة مرو - جبرها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - عن والده الحافظ أبي سعد السمعاني (٢) عن أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي (٣) - وكان فقيهًا، محدثًا، من أكابر أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، غير أنه كان لا يقنت في صلاة الصبح، ويقول: "صحَّ عندي أن النبي - ﷺ - ترك القنوت في صلاة الصبح" - قال السمعاني أبو سعد: "وحكى لي - ﵀ - قال: رأيت ليلة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي في النوم فسلمت عليه، وأردت أن أقبِّل يده فأعرض عني وامتنع، فقلت: يا سيِّدنا أنا من جملة غلمانك، وأذكر "المهذب" من تصنيفك في الدرس، فقال لي (٤): لمَ تركت
_________________
(١) في (ب): وحدثني. بزيادة الواو.
(٢) هو أبو سعد عبد الكريم بن الحافظ أبي بكر محمَّد بن أبي المظفر منصور السمعاني المروزي الشافعي، صاحب التصانيف الكثيرة الجليلة، والتي منها: الأنساب، الذيل على تاريخ بغداد، ومعجم البلدان، كان ﵀ واسع الرحلة، والسماع، توفي سنة ٥٠٦ هـ. انظر ترجمته في: السير ٢٠/ ٤٥٦، طبقات السبكي ٧/ ١٨٠، طبقات الأسنوي ٢/ ٥٥، البداية والنهاية ١٢/ ١٨٧.
(٣) هو محمَّد بن عبد الملك بن محمَّد بن عمر بن محمَّد الكرجي - بالجيم - أبو الحسن بن أبي طالب، كان إمامًا فقيهًا، محدثًا، أديبًا، شاعرًا، ورعًا، أفنى عمره في العلم ونشره، صنف التصانيف في الفقه، والتفسير منها كتابه الذرائع في علم الشرائع. توفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر ترجمته في: طبقات ابن الصلاح ١/ ٢١٥، طبقات السبكي ٦/ ١٣٧، طبقات الأسنوي ٢/ ٣٤٨.
(٤) سقط من (ب).
[ ٢ / ١٢٧ ]
القنوت في صلاة الصبح؟ فقلت له: إن الشافعي - ﵁ - قال: إذا صحَّ الحديث عن النبي - ﷺ - (١) فاتركوا قولي، وخذوا بحديث (٢) النبي - ﷺ - فإن ذلك قولي. فهذا أيضًا قول الشافعي، وشرعت معه في شرح الحديث، وهو يصغى إليَّ (إلى) (٣) أن تبسَّم في وجهي"، أو كما قال (٤)، والله أعلم.
قوله: "ثم كلماته مشهورة، وهي متعينة ككلمات التشهد" (٥) هكذا ذكر (٦) ذلك شيخه (٧) معينًا قوله: اللهم اهدنى فيمن هديت إلى آخره. وهذا شذوذ مردود مخالف لجمهور الأصحاب (٨)، بل مخالف لجماهير العلماء، فقد حكى القاضي أبو الفضل السبتي المالكي (٩) اتفاقهم على أنه لا يتعين في القنوت دعاء
_________________
(١) في (أ): زيادة بعد - ﷺ -: (وهو يصغى إليَّ).
(٢) في (ب): يقول.
(٣) زيادة من (أ) و(ب).
(٤) انظر هذه الحكاية في: طبقات السبكي ٦/ ١٣٩.
(٥) الوسيط ٢/ ٦٢٢ - ٦٢٣.
(٦) في (ب): ذكره.
(٧) انظر نهاية المطلب ٢/ ل ٥٦/ أ.
(٨) انظر: الحاوي ٢/ ١٥٣، التعليقة للقاضي حسين ٢/ ٧٩٩، التهذيب ص: ٤٩٣، فتح العزيز ٣/ ٤٣٦.
(٩) هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي السبتي المالكي، إمام، بارع، متفنن، متمكن في علم الحديث، والفقه، والأصول، والعربية، وغيرها، صاحب المصنفات البديعة، والتي منها: الشفا في شرف المصطفى، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، الإكمال في شرح صحيح مسلم، شرح حديث أم زرع، توفي سنة ٥٤٤ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣، البداية والنهاية ١٢/ ٢٤١، الديباج المذهب ٢/ ٤٦. لم أقف على قوله هذا فيما بين يدي من كتبه، وانظر النقل عنه في التنقيح ل ١٠٧/ ب.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قال: "إلا ما روي عن بعض أهل الحديث من تخصيصه بقنوت مصحف أبي بن كعب - ﵁ - وهو: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك إلى آخره" (١). بل مخالف لفعل رسول الله فإنه كان يقول في قنوته: (اللهم أنج فلانًا وفلانًا، اللهم ألعن فلانًا وفلانًا" (٢). من غير تقيُّد (٣) بمعين، فليعد هذا إذًا غلطًا، غير معدود وجهًا في المذهب (٤)، والله أعلم.
وجه طريقة من قال: إن لم تنزل نازلة لم يجز القنوت، وإن نزلت فقولان: القياس على سائر الأركان؛ فإنها (٥) لا يقنت فيها وإن نزلت نازلة (٦). وهذه الطريقة (٧) وإن قربها المؤلف، فهي بعيدة مخالفة لظاهر المذهب (٨)، ومخالفة لما
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٥٨٣ - ٥٨٤ في قنوت مصحف أبيِّ.
(٢) رواه مسلم في صحيحه - مع النووى - كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة ٥/ ١٧٦ من حديث أبي هريرة قال: (كان رسول الله - ﷺ - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم ألعن لحيان، ورعلًا، وذكوان الحديث).
(٣) في (أ): تقييد.
(٤) وراجع: المجموع ٣/ ٤٧٩.
(٥) في (أ): فإنه.
(٦) قال الغزالي: "ثم قال العراقيون: إذا نزلت بالمسلمين نازلة وأرادوا القنوت في الصلوات الخمس جاز، وإن لم تنزل فقولان. وقيل: إن لم تنزل لم يجز، وإن نزلت فقولان، وهو أقرب". أهـ الوسيط ٢/ ٦٢٣.
(٧) سقط من (ب).
(٨) انظر: فتح العزيز ٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩، التنقيح ل ١٠٧/ ب.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ثبت عن رسول الله - ﷺ - من قنوته في جميع الصلوات عند نزول النازلة (١)، والله أعلم.
ما ذكره من الخلاف في الجهر بالقنوت (٢). ليس على إطلاقه؛ فإن المنفرد لا يجهر به كما في سائر الأذكار، والدعوات، وإنما الخلاف في الإمام (٣)، والله أعلم.
ما ذكره من أنه يرفع يديه في القنوت، ويمسح بهما وجهه (٤). قد (٥) نفى الأمرين طائفة من أئمتنا (٦)، وهو اختيار صاحبي "المهذب" (٧)، و"التهذيب" (٨). ومنهم من أثبت الرفع دون مسح الوجه (٩)، وبهذا نقول، ونعمل، وإليه ذهب من أئمتنا أبو بكر الحافظ البيهقي الإمام في الحديث، والفقه (١٠)، واحتج في الرفع
_________________
(١) روى أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات ٢/ ١٤٣ رقم (١٤٤٣)، والإمام أحمد في المسند ١/ ٣٠١ عن ابن عباس قال: «قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من بني سليم الحديث)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٢٥ وقال: "صحيح". ووافقه الذهبي.
(٢) قال الغزالي: "واختلفوا في الجهر به في الصلاة الجهرية، والظاهر أن الجهر مشروع". أهـ الوسيط ٢/ ٦٢٣.
(٣) انظر: الحاوي ٢/ ١٥٤، فتح العزيز ٣/ ٤٤٣، روضة الطالبين ١/ ٣٦٠.
(٤) انظر: الوسيط ٢/ ٦٢٤.
(٥) في (ب): فقد.
(٦) في (ب): الأصحاب.
(٧) في (د): المذهب، والمثبت من (أ) و(ب). وانظر المهذب ١/ ٨٢.
(٨) انظر: التهذيب ص: ٤٩٤.
(٩) في (ب): دون المسح.
(١٠) انظر: السنن الكبرى ٢/ ٢٩٩ - ٣٠١.
[ ٢ / ١٣٠ ]
بما رواه بإسناد معتمد عن أنس (١) في قصة قتل القراء الذين قنت رسول الله - ﷺ - بسببهم (٢) قال: (لقد رأيت رسول الله - ﷺ - كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو (٣) عليهم - يعني على الذين قتلوهم -) (٤). واحتج أيضًا بأن عددًا من الصحابة - ﵃- رفعوا أيديهم في القنوت، وروى بإسناد صحيح عن عمر - ﵁ - "أنه رفع يديه في القنوت، وجهر بالدعاء" (٥). ثم قال: "وأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان روي (٦) عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه (٧) عن النبي - ﷺ - حديث فيه ضعف (٨)، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح، ولا أثر
_________________
(١) عن أنس: سقط من (ب).
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (د): ويدعو، والمثبت من (أ) و(ب)، وهو الموافق للفظ الحديث.
(٤) انظر: السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٢٩٩ رقم (٣١٤٥). قال الحافظ ابن حجر: "وفيه علي بن صقر، وقد قال فيه الدارقطني: ليس بالقوي". أهـ التلخيص الحبير ٣/ ٤٤٦.
(٥) في (ب): في الدعاء. وانظر الأثر في الموضع السابق من السنن الكبرى برقم (٣١٥٠) وقال: "وهذا عن عمر - ﵁ - صحيح".
(٦) في (ب): قد روي.
(٧) في (ب): فيه حديث. وهي مقحمة هنا.
(٨) كأنه يشير إلى حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: ( سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بهما وجوهكم). قال أبو داود: "روي هذا الحديث من غير وجه عن محمَّد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضًا". أهـ انظر: سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب الدعاء ٢/ ١٦٣ - ١٦٤ رقم (١٤٨٥).
[ ٢ / ١٣١ ]
ثابت، ولا قياس، فالأولى أن لا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف - ﵃ - من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق" (١). وروى بإسناده (٢) عن عبد الله بن المبارك (٣) أنه سئل عن مسح الوجه بعد الدعاء فقال: "لم أجد له ثبتًا". وله - أعني البيهقي - رسالة إلى الشيخ أبي محمَّد الجويني ينكر عليه فيها قوله بأشياء ضعيفة منها مسحه وجهه بيديه في قنوت الصبح (٤). قلت: روى الترمذي (٥) بإسناده عن (٦) عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع يديه في الدعاء (٧) لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه). ونقله الشيخ عبد الحق (٨) إلى كتابه
_________________
(١) السنن الكبرى ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٢) أي البيهقي انظر: السنن الكبرى الموضع السابق برقم (٣١٥٢).
(٣) هو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير". روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٨١ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٥/ ١٧٩، تهذيب الأسماء ١/ ٢٨٥، السير ٨/ ٣٧٨، تقريب التهذيب ص: ٣٢٠.
(٤) انظر: المجموع ٣/ ٥٠١، وقد طبعت هذه الرسالة ضمن طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ٧٧ - ٩٠، ومسألة مسح الوجه باليدين ضمنه ٥/ ٨٣ - ٨٥.
(٥) في جامعه كتاب الدعوات، باب ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء ٥/ ٤٣٢ رقم (٣٣٨٦).
(٦) في (ب): إلى.
(٧) في (أ): للدعاء.
(٨) هو أبو محمَّد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين الأزدي الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الخراط، الإمام، الحافظ، الفقيه، الخطيب، له كتاب الأحكام، والجمع بين الصحيحين، والمعتل من الحديث، وغيرها من المصنفات الكثيرة في الحديث، والغريب، والعلل، والأنساب، توفي سنة ٥٨٢ هـ انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ٢٩٢، السير ٢١/ ١٩٨، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٥٠.
[ ٢ / ١٣٢ ]
في "الأحكام" (١) وذكر أن الترمذي قال: هذا حديث صحيح غريب. وهذا غير صحيح عن الترمذي، وليس في أصل الحافظ أبي حازم العبدويي (٢)، وغيره (٣) فيه إلا: "هذا حديث غريب". وذكر (٤) أنه تفرد به حماد ابن عيسى (٥). قلت: حماد ضعفه أحمد بن حنبل (٦)، وأبو حاتم الرازي (٧)، والدارقطني (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) لم أقف على قوله هذا في الأحكام الوسطى والصغرى المطبوعان، وانظر النقل عنه في: المجموع ٣/ ٥٠١، المطلب العالي ٣/ ل ٣٢١/ أ. وهو هكذا مثبت في المطبوع من جامع الترمذي.
(٢) هو الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه العبدويي النيسابوري الأعرج، من سلالة عبد الله ابن مسعود الهذلي الصحابي الجليل، تميَّز في علم الحديث، وجمع وخرَّج، وكتب العالي والنازل، توفي سنة ٤٧٧ هـ. انظر ترجمته في: السير ١٧/ ٣٣٣، تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٧٢، طبقات الحفاظ ص: ٤١٧.
(٣) لم أقف على أصله هذا لجامع الترمذي، أو أصول أخرى عند غيره، ولم أقف على النقل لذلك فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
(٤) أي الترمذي وذلك في جامعه عقيب روايته للحديث.
(٥) هو حماد بن عيسى بن عبيدة الجهني الواسطي نزيل البصرة، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ضعيف". توفي سنة ٢٠٨ هـ غرقًا، روى حديثه الترمذي وابن ماجه. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٣/ ١٤٥، تقريب التهذيب ص: ١٧٨.
(٦) لم أقف على تضعيفه له فيما بين يدي من كتبه، وكل من ترجم لحماد - فيما وقفت عليه - لم يذكر تضعيف الإمام أحمد له، والله أعلم.
(٧) هو الإمام الحافظ الكبير محمَّد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الغطفاني الرازي، أحد الأعلام، وكان من بحور العلم، برع في المتن والإسناد، وهو أحد الأئمة العارفين بعلل الحديث، والجرح والتعديل، سمع الكثير، وطاف بالبلاد، توفي سنة ٢٧٧ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٦٧، السير ١٣/ ٢٤٧، طبقات السبكي ٢/ ٢٠٧، البداية والنهاية ١١/ ٦٣، طبقات الحفاظ ص: ٢٥٥. وانظر قوله في الجرح والتعديل لابنه ٣/ ١٤٥.
(٨) انظر: الضعفاء والمتروكين له ص: ١٨٣.
[ ٢ / ١٣٣ ]
قوله: "لقوله - ﷺ -: أمرت أن أسجد على سبعة آراب" (١) هذا حديث مخرَّج في "الصحيحين" (٢) من رواية ابن عباس ﵄؛ ففي رواية: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)، وفي رواية: (أمرنا النبي - ﷺ - أن نسجد على سبعة أعضاء: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين). والآراب هي الأعضاء (٣)، وأحدها إرب بكسر الهمزة، وإسكان الراء. ولم يعد الأنف ثامنًا؛ لأنه عده مع الجبهة واحدًا، بيَّن ذلك طاووس أحد الرواة عن ابن عباس ﵄ (٤)، والله أعلم.
(ومن) (٥) جوَّز ترك وضع اليدين والركبتين والقدمين (٦) فعدم وضعها لا يوجد معًا، إنما يقع على البدل (٧)، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٢٤. وقبله: وهيئة الساجد: أما الموضوع: فالجبهة، ولا يقوم غيرها مقامها، ثم يكفي أقل ما يطلق عليه الاسم، وفي وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان: أحدهما: يجب لقوله - ﷺ الحديث.
(٢) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الأذان، باب السجود على سبعة أعظم ٢/ ٣٤٤ رقم (٨٠٩)، وصحيح مسلم - مع النووى - كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود ٤/ ٢٠٦ بلفظ: أعظم. وأما بلفظ: آراب فقد رواه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود ١/ ٥٥٢ رقم (٨٩٠)، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب السجود ١/ ٢٨٦ رقم (٨٨٥).
(٣) انظر: الصحاح ١/ ٨٦، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣٦.
(٤) انظر: سنن النسائي ٢/ ٥٥٧، السنن الكبرى ٢/ ١٤٩.
(٥) زيادة من (أ) و(ب).
(٦) هذا هو القول الثاني في وضع اليدين والركبتين والقدمين هل يجب أم لا؟ انظر: الوسيط ٢/ ٦٢٤.
(٧) انظر: فتح العزيز ٣/ ٤٥٥، المجموع ٣/ ٤٢٨.
[ ٢ / ١٣٤ ]
قوله في كشف اليدين: "قولان: أحدهما: يجب لقول خبَّاب بن الأرت (١) شكونا إلى رسول الله - ﷺ - حرَّ الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يُشكنا" (٢) الرواية فيه (٣) في جباهنا (٤) وهو حديث أخرج أصله مسلم في "صحيحه" (٥). وهذا الذي ذكره هو وغيره من الفقهاء (٦) قد يغتر به، ويتوهم منه أن الصحيح هذا القول، وليس كذلك، بل الصحيح ومنصوص الشافعي في كتبه: "أنه لا يجب كشفهما"، وقال في السبق والرمي (٧): "قد (٨) قيل فيه قول آخر: إنه يجب. وحديث خبَّاب لا حجة فيه؛ فإنه لم يذكر فيه أنهم شكوا من كشفها، وهي واقعة عين، وقد تقرر في (٩) أصول الفقه أن وقائع الأعيان لا يحتج بها؛ لتطرق الاحتمالات إليها (١٠). على أنه قد بان أن شكايتهم كانت من غير ذلك
_________________
(١) هو خبَّاب بن الأرت بن جندلة التميمي أبو عبد الله وقيل غير ذلك، مولى أم أنمار الخزاعية، صحابي جليل أسلم قديمًا، وهو ممن تعذب في الله تعالى، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، روي له عن النبي - ﷺ - (٣٢) حديثًا، توفي بالكوفة سنة ٣٧ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ١٧٤، البداية والنهاية ٧/ ٣٢٢، الإصابة ٣/ ٧٦.
(٢) الوسيط ٢/ ٦٢٥.
(٣) سقط من (ب).
(٤) قوله: الرواية جباهنا) سقط من (أ).
(٥) انظره - مع النووي كتاب المساجد، باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت ٥/ ١٢١.
(٦) انظر مثلًا: التعليقة للقاضي حسين ٢/ ٧٦٠.
(٧) انظر النقل عنه في المهذب ١/ ٧٦.
(٨) في (ب): وقد.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٥، البحر المحيط ٣/ ١٨٩ - ١٩١، إرشاد الفحول ١/ ٤٦٩.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وهو تعجيل الصلاة من غير إبراد قبل نسخ ذلك بالإبراد؛ بدلالة أن في (١) بعض رواياته: (شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الرمضاء فما أشكانا، وقال: إذا زالت الشمس فصلوا). (٢) وقد روينا عن المغيرة بن شعبة قال: (كنا نصلي (٣) مع رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر بالهاجرة فقال لنا: أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم). رواه أحمد بن حنبل (٤)، والترمذي (٥)، وذكر أنه سأل البخاري عنه فعده محفوظًا. وقد ورد (٦) غير ذلك في كون الإبراد ناسخًا (٧). ثم إن قوله "في
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) انظر هذه الرواية في: المعجم الكبير للطبراني ٤/ ٧٩ رقم (٣٧٠٣)، والسنن الكبرى كتاب الصلاة ١/ ٦٤٤ رقم (٢٠٦٦)، وصححها ابن القطان في الوهم والإيهام ٥/ ٥٩٧.
(٣) سقط من (أ).
(٤) في المسند ٤/ ٢٥٠.
(٥) أشار إليه في جامعه في أبواب الصلاة، باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر ١/ ٢٩٦ بعد أن روى في الباب حديث أبي هريرة قال: "وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، والمغيرة " ولم ينسبه في تحفة الأشراف ٨/ ٤٩٠ من رواية المغيرة إلا لابن ماجه. قال البيهقي - بعد ما روى حديث المغيرة هذا -: "قال أبو عيسى الترمذي فيما بلغني عنه: سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فعده محفوظًا " السنن الكبرى ١/ ٦٤٥. فلعل الحديث والكلام عليه في بعض نسخ جامع الترمذي دون بعض والله اعلم. وممن روى الحديث كذلك: ابن ماجه في سننه كتاب الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحرِّ ١/ ٢٢٣ رقم (٦٨٠) قال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات". مصباح الزجاجة ١/ ٢٤٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٨٧، وابن حبَّان في صحيحه - انظر الإحسان ٤/ ٣٧٢ رقم (١٥٠٥)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ٤٠٠ رقم (٩٤٩)، قال ابن حجر: "وفي رواية للخلال - أي من حديث المغيرة -: وكان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - الإبراد. قال: وسئل البخاري عنه فعدَّه محفوظًا".
(٦) في (ب): روي.
(٧) راجع السنن الكبرى الموضع السابق.
[ ٢ / ١٣٦ ]
جباهنا وأكفنا" زيادة وقعت في رواية قليلة (١)، وليست في روايات مسلم، والبزار أبي بكر (٢)، والطبراني أبي القاسم (٣)، وغيرهم (٤) مع كثرتها، والله أعلم.
وخبَّاب هو بخاء منقوطة مفتوحة، ثم باء موحدة مشددة. والأرت على لفظ الأرت في اللسان (٥). والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته من الشمس (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) عند البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ١٥٤ رقم (٢٦٧١)، وصححها ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٦٦/ ب.
(٢) وهو أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري البزار، صاحب المسند، الحافظ الشهير رحل في آخر عمره ينشر علمه، توفي بالرملة سنة ٢٩٢ هـ. انظر ترجمته في: السير ١٣/ ٥٥٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٥٣، طبقات الحفاظ ص: ٢٨٥. وانظر الحديث في كشف الأستار عن زوائد البزار ١/ ١٨٨ رقم (٣٧٠).
(٣) هو الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة، وكتاب السنة، ومسند الشاميين، وغيرها من المصنفات المفيدة، عمَّر مائة سنة، أكثر من الترحال ورحل إليه المحدثون من الأقطار، توفي بأصبهان سنة ٣٦٠ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٧، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩١٢، البداية والنهاية ١١/ ٢٨٧، طبقات الحفاظ ص: ٣٧٢. وانظر الحديث في المعجم الأوسط رقم (٢٠٧٥).
(٤) كرواية النسائي في سننه كتاب المواقيت، باب أول وقت الظهر ١/ ٢٦٨ رقم (٤٩٦)، وأحمد في المسند ٥/ ١٠٨.
(٥) والأَرَتُّ في اللسان من الأُرْتَة، وهي الشعر الذي على رأس الحرباء. انظر: تهذيب اللغة ١٤/ ٣١٠، لسان العرب ١/ ١١٢.
(٦) انظر: الصحاح ٣/ ١٠٨٠، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٢٦٤، القاموس المحيط ٢/ ٥٠٩.
[ ٢ / ١٣٧ ]
قوله: (قالت عائشة ﵂: رأيت رسول الله - ﷺ - في سجوده كالخرقة البالية) (١) لم أجد لهذا بعد البحث صحة (٢)، والأحاديث الصحيحة في التجافي في السجود تنفيه، منها: حديث ميمونة - ﵂ - قالت: (كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد لو أرادت بَهْمَة أن تمر من تحته لمرَّت مما يتجافى) رواه مسلم في "صحيحه" (٣). والبَهْمَة بفتح الباء، وإسكان الهاء: الصغيرة من أولاد الغنم (٤).
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٢٦. وقبله: ثم لا يكفي في الوضع الإمساس مع إقلال الرأس، بل لا بدَّ وأن يرخي رأسه؛ قالت عائشة الحديث.
(٢) قال النووي: "هذا حديث منكر لا يعرف له أصل". التنقيح ل ١٠٩/ أ، وقال ابن حجر: "لم أجده هكذا". ثم قال: "نعم روى ابن الجوزي في العلل له من حديث عائشة: لما كانت ليلة النصف من شعبان بات عندي الحديث وفيه: فانصرفت إلى حجرتي فإذا به كالثوب الساقط على وجه الأرض ساجدًا الحديث، وفي إسناده سليمان بن أبي كريمة ضعفه ابن عدي فقال: عامة أحاديثه مناكير". أهـ التلخيص الحبير ٣/ ٤٧٠ - ٤٧١. وانظر العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي ٢/ ٦٧ وقال: "هذا حديث لا يصح". وراجع الكامل لابن عدي ٣/ ١١١٢. والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٣١٤ رقم (٢٧٧٥) عن عائشة قالت: (كانت ليلتي من رسول الله - ﷺ - فانسلَّ، فظننت أنه انسلَّ إلى بعض نسائه، فخرجت غيرى فإذا أنا به ساجدًا كالثوب الطريح الحديث) قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى، وفيه عثمان بن عطاء الخرساني وثقه دحيم، وضعفه البخاري ومسلم وابن معين وغيرهم". انظر: مسند أبي يعلى الموصلي ٨/ ١٢١ رقم (٤٦٦١)، وراجع: تذكرة الأخيار ل ٦٧/ أ.
(٣) انظره - مع النووي - كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض ٤/ ٢١١ بلفظ: (كان النبي - ﷺ - إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرَّت).
(٤) انظر: الصحاح ٥/ ١٨٧٥، النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٦٨، شرح مسلم للنووي ٤/ ٢١١.
[ ٢ / ١٣٨ ]
التنكيس في السجود المذكور إيجابه (١) في طريقة الخراسانيين (٢) تطلبت زمانًا مستنده فوجدت أبا حاتم ابن حبَّان قد روى في "صحيحه" (٣) بإسناد (جيِّد) (٤) عن أبي إسحاق (٥) قال: (وصف لنا البراء بن عازب السجود: فوضع يديه بالأرض، ورفع عجيزته وقال: هكذا كان النبي - ﷺ - يفعل). وقد أخرج نحوه أبو داود من قبله (٦).
قوله: "فإن كان به مرض يمنعه (٧) من التنكيس فهل يجب عليه وضع وسادة ليضع الجبهة عليها؟ فيه وجهان: أظهرهما: الوجوب" (٨) معناه: يجب الوضع
_________________
(١) في (د): وإيجابه، والواو هنا مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) قال الغزالي: "أما هيئة السجود: فهو التنكيس بحيث يكون أسافله أعلى من أعاليه". الوسيط ٢/ ٦٢٦، قال النووي: "قال أصحابنا الخراسانيون: التنكيس في السجود شرط لصحته". المجموع ٣/ ٤٣٥.
(٣) لم أقف عليه في الإحسان بعد البحث الشديد فيه، والله أعلم.
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
(٥) هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن أبي شعيرة الهمداني، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة مكثر عباد، من الثالثة، اختلط بآخرة"، توفي سنة ١٢٩ هـ وقيل قبلها، روى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: الكنى والأسماء للإمام مسلم ١/ ٣٥، الجرح والتعديل ٦/ ٢٤٢، المقتنى في سرد الكنى للذهبي ١/ ٦٤، تقريب التهذيب ص: ٤٢٣.
(٦) انظر: سننه كتاب الصلاة، باب صفة السجود ١/ ٥٥٤ رقم (٨٩٦)، ورواه النسائي وابن خزيمة بلفظ ابن حبان الذي ساقه المؤلف. انظر: سنن النسائي كتاب التطبيق، باب صفة السجود ٢/ ٥٦٠ رقم (١١٠٣)، وصحيح ابن خزيمة كتاب الصلاة ١/ ٣٢٥ رقم (٦٤٦). قال النووي: "إسناده حسن". المجموع ٣/ ٤٣٦. قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: "ورفع عجيزته: أي عجزه، والعجز: مؤخرة الشيء، والعجيزة للمرأة فاستعارها للرجل".
(٧) في (ب): يمنع.
(٨) الوسيط ٢/ ٦٢٦.
[ ٢ / ١٣٩ ]
من غير تنكيس، ولا يسقط مع إمكانه بسقوط التنكيس. وعلى الوجه الآخر: يكفيه إمالة رأسه نحو الأرض بقدر الإمكان، من غير وضع لجبهته (١) على شيء، وهذا أظهر عند غيره (٢)، والله أعلم.
قوله: "ويجافي مرفقيه عن جنبيه بحيث ترى عُفْرة إبطيه" (٣) عفرتهما هي: بضم العين المهملة، وإسكان الفاء أي بياضهما، وهو (٤) بياض غير خالص، فيه قليل حمرة (٥). وإنما هذا في لابس الرداء، أو نحوه (٦) من غير قميص (٧)، ومستند هذا وغيره من السنن والهيئات التي ذكرها أحاديث وردت حذفها اختصارًا، والله أعلم.
قوله: "ولا يؤمر بضم الأصابع إلا ههنا" (٨) وقطع الروياني صاحب الكتاب الموسوم بـ "البحر" (٩)، وغيره (١٠) بأنه يؤمر بضم الأصابع من اليد اليسرى في
_________________
(١) في (ب): الجبهة.
(٢) انظر: التهذيب ص: ٤٦٧، فتح العزيز ٣/ ٤٦٨، وراجع: روضة الطالبين ١/ ٣٦٣، المجموع ٣/ ٤٣٦، المطلب العالي ٣/ ل ٣٣١/ أ.
(٣) الوسيط ٢/ ٦٢٧. وقبله: أما الأكمل فليكن أول ما يقع على الأرض منه ركبتاه ويضع الأنف على الأرض مع الجبهة مكشوفًا، ويفرق ركبتيه، ويجافي إلخ
(٤) في (أ) و(ب): وهي.
(٥) انظر: الصحاح ٢/ ٧٥٢، القاموس المحيط ٢/ ١٦٩، المصباح المنير ص: ١٦٩.
(٦) في (ب): وغيره.
(٧) لأن لابس القميص لا يرى إبطه. وانظر التنقيح ل ١٠٩/ ب.
(٨) الوسيط ٢/ ٦٢٧. وقبله: ويضع يديه منشورة الأصابع على موضعهما في رفع اليدين، وأصابعهما مستطيلة في جهة القبلة مضمومة، ولا يؤمر إلخ
(٩) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ١٠٩/ ب.
(١٠) نقله النووي في الموضع السابق عن: الشيخ أبي حامد، وأبي علي البندنيجي، والمحاملي.
[ ٢ / ١٤٠ ]
التشهد أيضًا. وهذا ينبغي أن يكون أصح الوجهين؛ لأن المعنى في ذلك في السجود كونها بالضم تصير موجهة نحو القبلة، وهذا موجود في التشهد (١)، والله أعلم.
قوله في إثبات جلسة الاستراحة: (كان رسول الله - ﷺ - لا ينهض حتى يستوي قاعدًا) (٢) هذا رواه البخاري (٣) من حديث مالك بن الحويرث الليثي - ﵁ -.
قوله: "كان رسول الله - ﷺ - إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن (٤) " (٥) هذا حديث لا يعرف، ولا يصح، ولا يجوز أن يحتج به، وقد نسب إلى رواية ابن عباس ﵄ (٦)، وقد صار في هذا الكتاب، وفي "الوجيز" (٧) مظنة للغلط، فمن غالط في لفظه؛ بقوله: العاجز بالزاي، وإنما هو بالنون، وقد جعله صاحب الكتاب فيما علِّق عنه من درسه بالزاي أحد الوجهين فيه، وليس كذلك. ومن غالط في معناه غير غالط في لفظه يقول: هو
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين ١/ ٣٦٤، التنقيح ل ١٠٩/ ب.
(٢) الوسيط ٢/ ٦٢٨.
(٣) انظر: صحيحه - مع الفتح - كتاب الأذان، باب من استوي قاعدًا في وتر من صلاته ثم نهض ٢/ ٣٥٢ رقم (٨٢٣). ولفظه فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.
(٤) في (د): العاجز، والمثبت من (أ) و(ب) وهو موافق للفظ الوسيط.
(٥) الوسيط ٢/ ٦٢٩.
(٦) قال النووي في التنقيح ل ١١٠ / أ: "هذا حديث ضعيف باطل لا يعرف نسبه بعضهم إلى رواية ابن عباس ولا يصح". وقال في المجموع ٣/ ٤٤٢: "حديث ضعيف أو باطل لا أصل له". وراجع التلخيص الحبير ٣/ ٤٩٤.
(٧) ١/ ٤٤.
[ ٢ / ١٤١ ]
بالنون ولكنه عاجن عجين الخبز؛ فيقبض أصابع كفيه ويضمها كما يفعله عاجن العجين، ويتكي عليها، ويرتفع، ولا يضع راحته على الأرض، وهذا جعله المصنف في درسه الوجه الثاني فيه، وعمل به (١) كثير من عامة العجم، وغيرهم. وهو إثبات شرعية هيئة في الصلاة لا عهد بها، بحديث لم يثبت، ولو (٢) ثبت لم يكن ذلك معناه؛ فإن العاجن في اللغة الرجل المسن الكبير الذي إذا قام اعتمد على الأرض بيديه من الكبر (٣)، وأنشدوا:
فأصبحت كنتيًَّا وأصبحت عاجنًا (٤) وشر خصال المرء كنت وعاجن (٥)
فإن كان وصف الكبير بذلك مأخوذًا من عاجن العجين فالتشبيه في شدَّة الاعتماد عند وضع اليدين، لا في كيفية ضم أصابعهما. وأما الذي في كتاب "المحكم في اللغة" للمغربي المتأخر الضرير (٦) من قوله في العاجن: "إنه المعتمد
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (ب): ولم.
(٣) انظر: الصحاح ٦/ ٢١٦١، القاموس المحيط ٤/ ٢٤٣، المصباح المنير ص: ١٥٠.
(٤) وهو للأعشى، انظر: همع الهوامع للسيوطي ٢/ ١٩٣، الدرر اللوامع على همع الهوامع لأحمد بن الأمين الشنقيطي ٢/ ٢٢٩، معجم الشواهد العربيَّة لعبد السلام هارون ١/ ٣٩١ وذكر أنه ليس في ديوانه. قال الجوهري: يقال للرجل إذا شاخ كنتيٌّ؛ كأنه نُسب إلى قوله: كنتُ في شبابي كذا وكذا، ثم ساق الشاهد. الصحاح ٦/ ٢١٩١.
(٥) في (أ): وأصبحت قد كنت عاجنًا.
(٦) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي الضرير، كان إمامًا حافظًا في اللغة، أخذ علم العربيَّة عن أبيه وكان ضريرًا كذلك وغيره، من مؤلفاته: المحكم في اللغة، العالَم في اللغة، شواذ اللغة، شرح الحماسة، وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. انظر ترجمته في: السير ١٨/ ١٤٤، البداية والنهاية ١٢/ ١٠١، بغية الوعاة ٢/ ١٤٣، شذرات الذهب ٣/ ٣٠٥.
[ ٢ / ١٤٢ ]
على الأرض بجُمعه" (١). وجُمع الكفِّ بضم الجيم هو أن يقبضها كما ذكروه (٢)، فغير مقبول (٣)؛ فإنه (٤) ممن لا يقبل ما يتفرد به؛ فإنه كان يغلط، ويغلطونه كثيرًا، وكأنه أضرَّ به في كتابه مع كبر حجمه ضرارته، والله أعلم.
إذا هوى (٥) إلى السجود فسقط إلى الأرض على جنب ثم استدَّ - أي إذا (٦) استقام (٧) - ساجدًا على جبهته، ذكرها في الكتاب (٨) ذكرًا مشكلًا، يخشى منه على الناظر الغلط. فأقول: لها صور نذكرها على ترتيبها في الكتاب: إحداها: أن يقصد السجود بانقلابه على جبهته فيجزيه عن السجود. والثانية: أن يقصد بانقلابه على جبهته (٩) الاستقامة من وقعته على جنبه (١٠) قاصدًا صرفه عن السجود فهذا غير مجزئ. الثالثة: أن (١١) يقصد الاستقامة ولا يقصد صرف ذلك عن السجود، بل هو غافل عنه، فالنصُّ أنه لا يجزئه (١٢) عنه. الرابعة: - ولم
_________________
(١) المحكم والمحيط الأعظم في اللغة ١/ ٢٠٠.
(٢) انظر في تعريف جُمع: الصحاح ٣/ ١١٩٨، المصباح المنير ص: ٤٢.
(٣) في (ب): فغير مقبول منه.
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (ب): أهوى.
(٦) سقط من (أ) و(ب).
(٧) انظر: المصباح المنير ص: ١٠٣.
(٨) انظر: الوسيط ٢/ ٦٢٩ - ٦٣٠.
(٩) قوله: (فيجزيه جبهته) سقط من (أ).
(١٠) في (أ): جبهته.
(١١) في (ب): أن لا. و(لا) هنا مقحمة.
(١٢) في (ب): يجزئ. وانظر الأم ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٢ / ١٤٣ ]
يذكرها - أن لا يقصد شيئًا لا السجود ولا الاستقامة فيجزئه ذلك عن السجود أيضًا قطعًا (١)
ثم إن ما ذكره من أنه إذا لم يعتد بذلك عن سجوده، فيكفيه أن يرفع رأسه من سجدته التي انقلب من وقعته إليها، ويعتدل جالسًا، ثم يهوي من جلوسه إلى السجود، ولا يلزمه القيام ليهوي منه إلى السجود على الظاهر (٢). ليس على إطلاقه بل هو (٣) كما ذكره شيخه (٤) مخصوص بالصورة الثالثة، وهي ما إذا قصد الاستقامة غافلًا عن السجود، وهي إحدى صورتي عدم الإجزاء على النصِّ في أنه لا يجزئه. وأما (٥) الصورة الثانية وهي: ما إذا قصد الصرف عن السجود، فهذا تبطل صلاته على ما ذكره شيخه (٦)؛ لكونه زاد فعلًا لا يزاد مثله في الصلاة عامدًا. ثم إن هذا التردد ذكره شيخه من عنده (٧). ووجه الاكتفاء بالاعتدال جالسًا، ثم الهوي منه إلى السجود، وذلك هو الأظهر عنده: أن ذلك كافٍ في الفصل بين السجدتين الأصليتين. وادعى أنه لو قام على هذا كان زائدًا قيامًا من غير حاجة (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التهذيب ص: ٤٦٩، التنقيح ل ١١٠/ ب، مغني المحتاج ١/ ١٦٩.
(٢) انظر: الوسيط ٢/ ٦٣٠.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٥٠/ ب.
(٥) في (أ) و(ب): وأما في.
(٦) في (ب): ذكر شيخه.
(٧) أي قوله: ولا يلزمه القيام على الأظهر، والله أعلم، وانظر نهاية المطلب الموضع السابق.
(٨) انظر: نهاية المطلب الموضع السابق.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قوله: "وفي الإبهام أوجه" (١) إنما هي أقوال منصوصة معروفة (٢)، وأصحها أنه يضمها إلى الوسطى المقبوضة (٣). ثم ذكروا أن في كيفية ذلك وجهين: أحدهما: كالعاقد ثلاثة وعشرين. والثاني: كالعاقد ثلاثة وخمسين (٤). وهذا تركه المؤلف وهو أصحها، وأثبتها إسنادًا رواه مسلم في "صحيحه" (٥) عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -. والعقد ثلاثة وخمسين: أن يضع الإبهام أسفل من المسبحة على حرف راحته، إلى جانب المسبحة (٦). والعقد ثلاثة وعشرين: أن يضع الإبهام على حرف إصبعه الوسطى (٧)، وذلك معروف عند (أهل) (٨) الحساب، والله أعلم.
الشافعي - ﵁ - كالمتفرد بإيجاب الصلاة على رسول الله - ﷺ - في التشهد (٩)، ويا حبذا ذلك التفرد (١٠)، وقد نسبه جماعة إلى مخالفته (١١) الإجماع في
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٣١. وقبله: ثم يضع اليد اليسرى - أي في التشهد - على طرف الركبة منشورة مع التفريج المقتصد، وأطراف الأصابع مسامتة للركبة، وأما اليد اليمنى فيضعها كذلك، لكن يقبض الخنصر، والبنصر، والوسطى، ويرسل المسبحة، وفي الإبهام إلخ.
(٢) انظر: حلية العلماء ٢/ ١٢٥ - ١٢٦، التهذيب ص: ٤٧٣، فتح العزيز ٣/ ٤٩٧ - ٤٩٨.
(٣) انظر: المصادر السابقة، والمجموع ٣/ ٤٥٤.
(٤) انظر: المصادر السابقة.
(٥) انظره - مع النووي - كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة ٥/ ٨٠.
(٦) انظر: حلية العلماء ٢/ ١٢٦، التنقيح ل ١١١/ أ.
(٧) انظر المصادر السابقة.
(٨) زيادة من (أ).
(٩) أي الأخير قال الغزالي: "فأما التشهد فواجب في الأخير خلافًا لأبي حنيفة، والصلاة على الرسول واجبة معه، وعلى (الآل) قولان. والتشهد الأول مسنون، وفي الصلاة على الرسول فيه قولان؛ لأنه مبني على التخفيف". أهـ الوسيط ٢/ ٦٣١ - ٦٣٢.
(١٠) في (د): من تفرده، وفي (ب): من تفرد به، والمثبت من (أ).
(١١) في (أ): مخالفة.
[ ٢ / ١٤٥ ]
ذلك (١)، وليس كذلك؛ وقد رواه البيهقي عن الشعبي (٢)، وأصحابنا يحتجون له بحديث أبي مسعود البدري (٣) (أنهم سألوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: كيف نصلي عليك - وفي رواية صحيحة احتج بها أبو حاتم ابن حبَّان في "صحيحه" (٤)، والحاكم أبو عبد الله الحافظ وصححها (٥): كيف نصلي عليك إذا نحن (٦) صلينا عليك في صلاتنا - فقال - ﷺ -: قولوا: اللهم صلي على محمَّد، وعلى آل محمَّد إلى قوله: إنك حميد مجيد) (٧). وهذا فيه ما يدل أنه ندب (٨)، لكن يقال: خولف
_________________
(١) نقله ابن القيم عن الطحاوي، والقاضي عياض، والخطابي، وابن المنذر. وذلك في كتابه القيِّم جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمَّد خير الأنام ص: ٢٥١. وراجع الشفاء للقاضي عياض ٢/ ٦٢ ونقله عن الطحاوي، الأوسط لابن المنذر ٣/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) انظر: معرفة السنن والآثار ٢/ ٤٣، والقول بوجوبه مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه، وابن مسعود، وأبي مسعود البدري، ومن التابعين: أبي جعفر محمَّد بن علي، ومقاتل بن حيَّان، وهو إحدى الروايتين عن إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل وهي ظاهر الرواية عنه. انظر: المغني ٢/ ٢٢٨، المجموع ٣/ ٤٦٧، جلاء الأفهام ص: ٢٥٣ - ٢٥٥.
(٣) هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود الأنصاري النجاري، قيل: لم يشهد بدرًا - قال الذهبي: على الصحيح - وإنما نقول ماء ببدر فشهر بذلك، وكان ممن شهد بيعة العقبة، روى حديثه الجماعة، توفي في خلافة علي - ﵁ -. انظر ترجمته في: السير ٢/ ٤٩٣، الإصابة ٧/ ٢٤.
(٤) انظر: الإحسان ٥/ ٢٨٩ رقم (١٩٥٩).
(٥) انظر: المستدرك ١/ ٢٦٨ وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وممن رواه كذلك الإمام أحمد في المسند ٤/ ١١٩، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة ١/ ٣٥٢ رقم (٧١١)، والدارقطني في سننه ١/ ٣٥٥ وقال: "هذا إسناد حسن متصل".
(٦) سقط من (أ).
(٧) أصل الحديث رواه مسلم في صحيحه - مع النووى - كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد ٤/ ١٢٣ - ١٢٥.
(٨) في (ب): ما يدل على أنه ندب.
[ ٢ / ١٤٦ ]
ظاهر الأمر في الزيادة على أصل الصلاة عليه، فبقي في أصل الصلاة عليه (١). واحتج أبو حاتم، وأبو عبد الله في "صحيحيهما" (٢) بما روياه عن فضالة بن عبيد الأنصاري (٣) (أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلي لم يحمد الله، ولم يمجده، ولم يصل على النبي - ﷺ - فقال - ﷺ -: عجَّل هذا، ثم دعاه النبي - ﷺ - فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، وليصل على النبي - ﷺ -، وليدع بعد بما (٤) شاء). و(٥) قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه" (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) أي أن قوله في الزيادة: "إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا" صارفة للأمر في قوله: (قولوا ) إلى الندب، لكن يبقى الأمر على الوجوب في أصل الصلاة، والله أعلم.
(٢) انظر: الإحسان ٥/ ٢٩٠ رقم (١٩٦٠)، المستدرك ١/ ٢٦٨.
(٣) هو أبو محمَّد فضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري الأوسي، أول مشاهده أحد، وشهد بيعة الرضوان، سكن دمشق، وولي قضاءها لمعاوية، وأمَّره على غزو الروم في البحر، توفي سنة ٥٣ هـ، وروي له عن النبي - ﷺ - (٥٠) حديثًا، وروى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ٢/ ٥٠، البداية والنهاية ٨/ ٨١، الإصابة ٨/ ٩٧.
(٤) في (د): ما، والمثبت من (أ) و(ب) لموافقته نص الحديث.
(٥) سقط من (أ).
(٦) انظر: المستدرك ١/ ٢٦٨ ولفظه: "صحيح على شرط الشيخين، ولا تعرف له علة، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، والحديث أخرجه كذلك أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الدعاء ٢/ ١٦٢ رقم (١٤٨١)، والترمذي في جامعه كتاب الدعوات، باب (٦٥) ٥/ ٤٨٢ رقم (٣٤٧٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في سننه كتاب السهو، باب التمجيد والصلاة على النبي - ﷺ - في الصلاة ٣/ ٥١ رقم (١٢٨٣) مختصرًا، وأحمد في المسند ٦/ ٢٨.
[ ٢ / ١٤٧ ]
اعلم - علمَّك (١) الله وإيَّاي - أن التشهد وقع فيه في أكمله وأقله (٢) اشتباه واضطراب في المصنفات (٣) ونسخها، وأنا أسأل الله تعالى من فضله، وأضبطه ضبطًا (٤) معتمدًا مزيحًا للإشكال، صادرًا عن الإتقان، مستحقًا لأن يرحل فيه، فأقول: اختار الإمام الشافعي - ﵁ - تشهد ابن عباس المعروف (٥)، ويجوز عنده غيره كتشهد ابن مسعود (٦)، وغيره (٧). وفي أكمله خلاف في موضعين منه،
_________________
(١) في (ب): أعلمك.
(٢) في (ب): أقله وأكمله، بالتقديم والتأخير.
(٣) انظر: الوسيط ٢/ ٦٣٢.
(٤) سقط من (ب).
(٥) وهو ما رواه مسلم في صحيحه - مع النووى - كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة ٤/ ١١٨ قال: (كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله).
(٦) وهو ما رواه البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة ٢/ ٣٦٣ رقم (٨٣١)، ومسلم في صحيحه الموضع السابق ٤/ ١١٦ وفيه: (فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله).
(٧) كتشهد عمر في الموطأ - مع الزرقاني - كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة ١/ ٢٦٧ رقم (٢٠٠)، وأبي موسى الأشعري في صحيح مسلم الموضع السابق ٤/ ١٢١، وتشهد عائشة وابن عمر في الموطأ الموضع السابق برقم (٢٠١، ٢٠٢)، قال النووي - بعد أن ذكر هذه الأحاديث -: "فهذه الأحاديث الواردة في التشهد وكلها صحيحة قال الشافعي والأصحاب: وبأيها تشهد أجزأه، لكن تشهد ابن عباس أفضل". المجموع ٣/ ٤٥٧، وراجع: الأم ١/ ٢٢٨.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وهما: إثبات الألف واللام في السلام في موضعيه منه، وإثبات أشهد في المرة الثانية (١) منه. فالذي في هذا الكتاب، و"النهاية" (٢)، و"المهذب" (٣)، وغيرها (٤) إسقاط الألف واللام من قوله: "سلام"، وإثبات "أشهد" في المرة الثانية. أما التنكير في "سلام" فهو في (٥) رواية الشافعي لحديث ابن عباس (٦) من غير خلاف عنه فيه فيما نعلم، وعليه نصَّ (٧). أما إثبات أشهد فقد اختلف عليه فيه؛ ففي "مختصر المزني": إثباته مع تنكير السلام (٨)، كما في هذا الكتاب. وفي رواية الترمذي لحديث ابن عباس أخرجه في "جامعه" (٩) وقال: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح غريب". استظهرت في ذلك بأصل الحافظ الكبير أبي حازم (١٠) العبدويي به. وفي رواية الربيع عن الشافعي على ما (١١) نقله عنه البيهقي (١٢) الإسقاط في الموضعين: في "أشهد"، والألف واللام، وهذه إحدى
_________________
(١) في (د): الثالثة، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) انظره ٢/ ل ٥٢/ ب.
(٣) انظره ١/ ٧٨.
(٤) كالإبانة ل ٣٤/ ب، حلية العلماء ٢/ ١٢٦، التهذيب ص: ٤٧٥.
(٥) سقط من (أ) و(ب).
(٦) انظر: الأم ١/ ٢٢٨، المسند ص: ٣٧٠.
(٧) راجع الأم الموضع السابق.
(٨) انظره ص: ١٩.
(٩) انظره أبواب الصلاة، باب منه - أي التشهد - أيضًا ٢/ ٨٣ رقم (٢٩٠).
(١٠) أبي حازم: سقط من (ب).
(١١) سقط من (ب).
(١٢) انظر: معرفة السنن والآثار ٢/ ٣٠.
[ ٢ / ١٤٩ ]
طريقتي العراقيين على ما صرح به في "البسيط" (١)، ونقل عنهم طريقة ثانية وهي: الإثبات في الموضعين، وهذا ما رواه مسلم في "صحيحه" (٢)، وأبو داود في "سننه" (٣) في حديث ابن عباس. فقد ثبت إذًا إثبات الألف واللام في "السلام" في معظم الروايات، وأكثر التشهدات الثابتة فينبغي أن نختاره، والعلم عند الله ﵎.
وأما الأقل على رأي الشافعي فقد ضبطه صاحب الكتاب في درسه له (٤) ضبطًا بيِّنًا، فذكر أنه أسقط فيه من الأكمل أربع كلمات وهي: المباركات، والصلوات، والطيبات، وبركاته. وأسقط العراقيون كلمة أخرى وهي: أشهد في الثانية (٥). فبان بهذا أن ما اختلفت (٦) فيه نسخ "الوسيط" من إسقاط "وبركاته" فيه أو إثباتها، الصواب منه إسقاطها، وهو الذي وجدته في "جمع الجوامع من منصوصات الشافعي" (٧)، وكذلك هو في "تعليق" الشيخ أبي حامد الأسفراييني (٨) على ما قرأته بخط تلميذه الإمام المصنف أبي الفتح سليم بن أيوب الرازي. ومع ذلك فعن بعض العراقيين إثبات "وبركاته" فيه (٩)، وكذلك
_________________
(١) ١/ ل ١٠٥/ أ.
(٢) تقدم قريبًا.
(٣) انظره كتاب الصلاة، باب التشهد ١/ ٥٩٦ رقم (٩٧٤).
(٤) سقط من (ب). وانظر: المطلب العالي ٣/ ل ٣٦١/ أ.
(٥) راجع: الوسيط ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.
(٦) في (أ): ما اختلف.
(٧) انظر: المطلب العالي ٣/ ل ٣٦١/ أ.
(٨) انظر النقل عنه في: المجموع ٣/ ٤٥٩.
(٩) راجع: فتح العزيز ٣/ ٥١٢، روضة الطالبين ١/ ٣٦٩.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وجدته في "التهذيب" (١)، وفيه أيضًا: وأشهد أن محمدًا رسوله (٢) بالإضمار. فقد حصل في المنقول عن الشافعي في الأقل خلاف في ثلاثة أشياء: في قوله: وبركاته، وفي أشهد في المرة الثانية، وفي قوله: رسول الله. وقوله: "ورسوله" بعيد غريب عنه.
وأما الأقل عند ابن سريج ففيه في كثير من نسخ "الوسيط" (سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وهو غير صحيح، وإنما هو (سلام على عباد الله الصالحين) (٣) وقد ضبطه في الدرس بأنه أسقط مع الكلمات المسقطة في الأقل عن الشافعي كلمتين أخريين، وفي هذا إثبات كلمة (الصالحين)، وكذلك هو في "النهاية" (٤)، وغيره (٥) عن ابن سريج. وصرَّح القاضي الروياني في "شرح مشكل مختصر المزني" (٦) بأن ابن سريج أسقط أيضًا ذكر كلمة "الصالحين"، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: (ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه) (٧) رواه ابن مسعود، أخرجه البخاري في "صحيحه" (٨)، وروى نحوه مسلم (٩)، والله أعلم.
_________________
(١) انظره ص: ٤٧٥.
(٢) مكررة في (ب).
(٣) قال الغزالي: "أما ابن سريج فإنه أوجز بالمعنى وقال: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي، سلام على عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله" الوسيط ٢/ ٦٣٣.
(٤) ٢/ ل ٥٣/ أ.
(٥) كالتعليقة للقاضي حسين ٢/ ٨٠٧، والبسيط ١/ ل ١٠٤/ أ.
(٦) لم أقف عليه، ونقله ابن الرفعة عن ابن الصلاح في المطلب العالي ٣/ ل ٣٦٢/ ب.
(٧) الوسيط ٢/ ٦٣٥. وقبله: ثم يستحب بعده الدعاء - أي بعد التشهد والصلاة على رسول الله - ﷺ - ويختصر إن كان إمامًا قال رسول الله - ﷺ - بعد تعليم التشهد - ثم ليتخير الحديث.
(٨) انظره - مع الفتح - كتاب الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ١/ ٣٧٣ رقم (٨٣٥).
(٩) انظر صحيحه - مع الفتح - كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة ٤/ ١١٥ - ١١٧ ولفظه: (ثم يتخير من المسألة ما شاء).
[ ٢ / ١٥١ ]
قوله: "العاجز عن الدعاء لا يدعو بالعجمية بحال" (١) هذا في الذي يخترعه بالعجمية (٢)، فأما الدعاء المسنون المأثور بالعربية ففي إتيان العاجز بترجمته الأوجه التي ذكرها في سائر الأذكار المسنونة (٣)، والله أعلم.
قوله: "ولو قال: سلامٌ عليكم فوجهان في إقامة التنوين مقام الألف واللام" (٤) قلت: لا ينبغي أن يكون في هذا خلاف؛ فإن المنون لا يقوم مقام المعرَّف في المعنى وهو قاصر عنه (٥)، وإنما جاز الأمران في التشهد؛ لورود النصِّ بهما (٦)، وههنا لم يرد النصُّ إلا بالمعرَّف، وإنما يقال هذا في علم العربية بمعنى أنهما يتعاقبان ولا يجتمعان، بل إذا حذف أحدهما وجد الآخر، وقام مقامه (٧)، والله أعلم.
قوله: "فأما الأكمل فأن يقول: السلام عليكم ورحمة الله" (٨) اعلم أنه لا يسن في هذا "وبركاته" هذا هو المشهور المحفوظ (٩)، ووقع فيه في "نهاية المطلب" (١٠)
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٣٥.
(٢) في (ب): من العجمية. وانظر: التهذيب ص: ٤٧٩، التنقيح ل ١١١/ ب وقال: "تبطل بلا خلاف".
(٣) وهي: المنع، الجواز، ما يجبر تركه بسجود السهو يأتي بترجمته وما لا فلا. انظر: الوسيط ٢/ ٦٣٥، والأصح من هذه الأوجه: الجواز. راجع: التنقيح ل ١١١/ ب، روضة الطالبين ١/ ٣٧١.
(٤) الوسيط ٢/ ٦٣٦.
(٥) راجع: التنقيح ل ١١٢/ أ، نهاية المحتاج ١/ ٥٣٦.
(٦) تقدم بيان ذلك وهو في قوله: (السلام عليك أيها النبي) كما ورد في حديث ابن مسعود وغيره، وقوله: (سلام عليك أيها النبي) كما في رواية الترمذي لحديث ابن عباس. راجع ص: ٥٤٩.
(٧) انظر: المجموع ٣/ ٤٧٦.
(٨) الوسيط ٢/ ٦٣٦.
(٩) انظر: المجموع ٣/ ٤٧٨ - ٤٧٩.
(١٠) انظره ٢/ ل ٥٥/ ب.
[ ٢ / ١٥٢ ]
"وبركاته"، ووجدته أيضًا في كتاب "المدخل إلى المختصر". لزاهر السرخسي (١)، وفي "الحلية" (٢) للقاضي الروياني، ولا يوثق بذلك؛ فإنه شاذ في نقل المذهب، ومن حيث الحديث أيضًا، فلم أجده في شيء من الأحاديث الواردة في السلام إلا في حديث رواه أبو داود (٣) عن وائل بن حجر (أن رسول الله - ﷺ - كان يسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته). وهذه زيادة قد نسبها الحافظ أبو القاسم الطبراني في "معجمه" (٤) إلى رواية موسى بن قيس الحضرمي (٥)، وعنه أخرجها أبو داود والله أعلم. (وموسى بن قيس ثقة، وثَّقه يحيى ابن معين (٦)، وغيره (٧)، وروى له مسلم في "صحيحه" (٨» (٩).
_________________
(١) هو أبو علي زاهر بن محمَّد بن أحمد بن عيسى السرخسي، شيخ عصره بخراسان الفقيه، المقرئ، المحدث، قال النووي: "كان من كبار أئمة أصحابنا في العصر والرتبة، لكن المنقول عنه في المذهب قليل جدًا". توفي سنة ٣٨٩ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ١/ ١٩٢، طبقات السبكي ٣/ ٢٩٣، طبقات الأسنوي ٢/ ٢٦، الذيل على طبقات ابن الصلاح ٢/ ٧٥١. وانظر النقل عنه في: المجموع ٣/ ٤٧٨.
(٢) انظرها ل ٣٣/ ب.
(٣) في سننه كتاب الصلاة، باب في السلام ١/ ٦٠٧ رقم (٩٩٧). وممن رواه كذلك: البغوي في شرح السنة ٢/ ٢٨٩ رقم (٦٩٧)، ورواه عبد الرزاق في المصنَّف ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠ عن ابن مسعود، وعن عمار بن ياسر، وهو في صحيح ابن حبَّان عن ابن مسعود انظر: الإحسان ٥/ ٣٣٣ رقم (١٩٩٣). قال النووي: "هذا الحديث إسناده في سنن أبي داود إسناد صحيح". المجموع ٣/ ٤٧٩.
(٤) الكبير ٢٢/ ٤٦ رقم (١١٥).
(٥) هو أبو محمَّد الفرَّاء موسى بن قيس الحضرمي الكوفي، يلقب "صفور الجنة" قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق رمي بالتشيع، روى حديثه أبو داود، والنسائي في الخصائص". انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٨/ ١٥٧، تهذيب الكمال ٢٩/ ١٣٤، تقريب التهذيب ص: ٥٥٣.
(٦) انظر النقل عنه في: الجرح والتعديل ٨/ ١٥٨.
(٧) سئل أحمد بن حنبل فقال: "لا أعلم إلا خيرًا". وقال أبو حاتم: "لا بأس به". انظر: كتاب العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٥٢، الجرح والتعديل ٨/ ١٥٨.
(٨) كل من ترجم له لم يذكر أنه روى له إلا أبو داود، والنسائي في الخصائص فقط، والله أعلم.
(٩) ما بين القوسين زيادة من (أ).
[ ٢ / ١٥٣ ]
قوله: "لا ترتيب عليه في قضاء الفوائت، نعم رعاية الترتيب بين الفائتة والمؤداة عندنا يستحب" (١) هذا يوهم أن الترتيب بين الفوائت لا يستحب عندنا، وهو مستحب عندنا أيضًا (٢) لفعل رسول الله - ﷺ - (٣)، وللخروج من الخلاف (٤)، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٣٧. وقبله: على من فاتته صلوات فلا ترتيب عليه إلخ.
(٢) انظر: فتح العزيز ٣/ ٥٢٥، روضة الطالبين ١/ ٣٧٥.
(٣) كأنه يشير إلى حديث ابن مسعود قال: (إن المشركين شغلوا رسول الله - ﷺ - عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء). أهـ رواه الترمذي في جامعه أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يبدأ ١/ ٣٣٧ رقم (١٧٩) وقال: "حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة - ابن عبد الله - لم يسمع من عبد الله"، والنسائي في سننه كتاب الصلاة، باب كيف يقضي الفائت من الصلاة ١/ ٣٢٣ رقم (٦٢١) وهو بنفس طريق الترمذي. قال العلامة أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي: "وهو منقطع كما قال الترمذي، ولكنه يعتضد بحديث أبي سعيد الخدري .. ". وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر، أما حديث جابر فرواه الترمذي عقب الحديث السابق وقال عنه: "حديث حسن صحيح"، وحديث أبي سعيد رواه أحمد ٣/ ٢٥ وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي الموضع السابق.
(٤) انظر: فتح العزيز ٣/ ٥٢٥، التنقيح ل ١١٢/ أ.
[ ٢ / ١٥٤ ]