قوله في صخرة بيت المقدس. "هي قبلة الأنبياء" (٢) - صلى الله عليهم - مروي عن الزهري (٣)، ولم نجد له إسنادًا صحيحًا (٤). ومشهورٌ أن إبراهيم - ﷺ - وعلى نبينا - كانت قبلته الكعبة، وذلك هو السبب في ائثار رسول الله - ﷺ - استقبال الكعبة فيما رواه (ابن) (٥) جرير الطبري (٦) بإسناده عن ابن عباس ﵄ (٧). وروى أيضًا عن مجاهد (٨) أن السبب: قول اليهود: يخالفنا محمَّد ويتبع
_________________
(١) في (ب): ومن الباب الثالث في الاستقبال.
(٢) الوسيط ٢/ ٥٧٧.
(٣) هو محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي أبو بكر، من صغار التابعين، إمام فقيه حافظ، متفق على جلالته وإتقانه، توفي سنة ١٢٤ هـ، وروى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٨، البداية والنهاية ٩/ ٣٥٤، تقريب التهذيب ص: ٥٠٦، طبقات الحفاظ ص: ٤٢ - ٤٣.
(٤) قال النووي: "لم يصح فيه شيء". التنقيح ل ٩١/ أ، وراجع: المطلب العالي ٣/ ل ١٥٢/ أ، تذكرة الأخيار ل ٥٨/ أ.
(٥) زيادة من (أ) و(ب).
(٦) هو الإمام المجتهد أبو جعفر محمَّد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، صاحب التصانيف البديعة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، من تصانيفه: التاريخ، والتفسير، وتهذيب الآثار ولم يتمه، وغيرها، توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر ترجمته في: السير ١٤/ ٢٦٧، طبقات السبكي ٣/ ١٢٠، البداية والنهاية ١١/ ١٥٦.
(٧) انظر: تفسير الطبري - جامع البيان عن تأويل آي القرآن - ٢/ ٧.
(٨) هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير المكي المخزومي مولاهم، من أخصِّ أصحاب ابن عباس، كان أعلم أهل زمانه بالتفسير، قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة إمام في التفسير، وفي العلم روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٠١ هـ، وقيل غير ذلك. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٨/ ٣١٩، تهذيب الأسماء ٢/ ٨٣، البداية والنهاية ٩/ ٢٣٢، تقريب التهذيب ص: ٥٢٠.
[ ٢ / ٥٥ ]
قبلتنا (١). وهذا أقوم من قول (٢) صاحب الكتاب: "عيَّرته (٣) اليهود وقالوا: إنه على ديننا ويصلّي إلى (٤) قبلتنا" (٥) وينبغي أن يفسر: بأنه على ديننا في (٦) القبلة.
قوله: "وكان (٧) يقف بين الركنين اليمانيين" (٨) هو (٩) مقتضى ما رويناه عن ابن عباس - ﵄ - أنه كان يصلّى نحو بيت المقدس والكعبة بي يديه (١٠). فإن هذا إنّما يتهيأ بالوقوف بين الركنين اليمانيين. والركنان اليمانيان: أحدهما: الركن الأسود الذي لا يسمى منفردًا بالركن اليماني، لكن هذا من باب قولهم في أبى بكر وعمر: العمران، وفي الأب والأم (١١): الأبوان. والياء في آخر اليماني غير مشددة عند جماهير النحويين لكونها ليست (١٢) ياء النسب؛
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ٢/ ٢٣.
(٢) في (أ): كلام.
(٣) في (أ): فعيَّرته.
(٤) في (أ): على.
(٥) الوسيط ٢/ ٥٧٧.
(٦) في (ب) على.
(٧) في (د): وإن كان، و(إن) مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) الوسيط ٢/ ٥٧٧. وبعده: إذ كان لا يؤثر استدبار الكعبة.
(٩) في (د): وهو، والواو هنا كأنّها مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب).
(١٠) رواه أحمد في المسند ١/ ٣٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ٤ رقم (٢١٩٣). قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". مجمع الزوائد ٢/ ١١٨ - ١١٩.
(١١) في (ب): الأم والأب، بالتقديم والتأخير.
(١٢) سقط من (ب).
[ ٢ / ٥٦ ]
لأن الألف عوض منها (١)، فلا يجمع بين العوض والمعوض (٢). وأجاز المبرد (٣)، وغيره (٤) تشديدها، وهو غريب شاذ عند أهل العربية، والله أعلم.
قوله: "وللاستقبال ثلاثة أركان: الصلاة، والقبلة، والمصلّي" (٥) قلت: للإمام الغزالي - ﵀ وإيانا - تصرف في استعمال لفظة الركن، كرره في تصانيفه، قد أشكل على الأكثرين (٦) تحقيقه، وتنقيحه، ومع كثرة تداوره (٧) في
_________________
(١) في (ب): عنها.
(٢) انظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٥٢٨، الصحاح ٦/ ٢٢١٩، تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢/ ٢٠١.
(٣) أبو العباس محمَّد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدى النحوي البصري، إمام اللغة العربية، وكان ثقة فيما ينقله، وقيل: سمي المبرد؛ لأن المازني أعجبه جوابه فقال له: قم فأنت المبرِّد. أي المثبت للحق، ثم غلب عليه، وقيل لغير ذلك، من مصنفاته كتاب الكامل في الأدب، توفي سنة ٢٨٥ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٤/ ٣١٣، السير ١٣/ ٥٧٦، البداية والنهاية ١١/ ٨٤. وقد نقل قوله كنقل ابن الصلاح النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢/ ٢٠١، ولكن وقفت له في كتابه المقتضب ٣/ ١٤٥ ما يفيد مرافقته لجمهور النحويين حيث قال: "ومن ذلك قولهم في النسب إلى الشام واليمن: يمان يا فتى، وشام يا فتى، فجعلوا الألف بدلًا من إحدى الياءين، والوجه: يمنيِّ وشاميِّ، ومن قال: يماني فهو كالنسب إلى منسوب، وليس بالوجه" والله أعلم.
(٤) نقله الجوهري عن حكايه سيبويه، وأنشد لأمية بن خلف: يمانيًَّا يظل يشدُّ كيرًا .. الصحاح ٦/ ٢٢١٩.
(٥) انظر الوسيط ٢/ ٥٧٧.
(٦) في (د) و(ب): الأكثرين من، و(من) هنا كأنها مقحمة، والمثبت من (أ).
(٧) في (د): تحاوره، والمثبت من (أ) و(ب). وهو بمعنى دورانه فيها. انظر: القاموس المحيط ٢/ ٩٠.
[ ٢ / ٥٧ ]
كتبه لم أجد أحدًا (١) تقدّم بكشفه من أهل العناية بكلامه، وقد منَّ الله تعالى الكريم بكشفه بعد مدة مديدة (٢). ووجه الإشكال فيه: أن ركن الشيء عند الغزالي (٣)، وغيره (٤): "ما تركبت حقيقة الشيء منه ومن غيره". ثم إنه لا يزال في أمثال هذا (٥) يستعمل الركن فيما ليس جزءًا من الحقيقة كما فعله ههنا؛ فإنه عدَّ الصّلاة، والمصلّى، والقبلة أركانًا للاستقبال، وليست داخلة في حقيقة الاستقبال قطعًا، ولا يستقيم أن يقال: إنه (٦) أراد بالركن ما لا بدَّ منه في الاستقبال مثلًا تجوُّزًا منه؛ لأن ذلك يبطل (٧) بالزمان والمكان، ويبطل بالشروط فإنها لا بدَّ منها وهو يجعلها غير الأركان. فأقول - والله الموفق -: إنَّ ركن الشيء - فيما نحن بصدده، وفي (٨) أمثاله - عبارة عمَّا لا بدَّ للشيء منه (٩) في
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (ب): طويلة.
(٣) لم أجده منصوصًا في كتبه، ولكن يفهم من كلامه وتقسيماته، مثل أركان القياس، وشروط الأركان. انظر: المستصفى ص: ٣٢٤ فما بعدها.
(٤) رغم اشتهار تعريف الركن بهذا إلا أني لم أجده في أمهات كتب الأصول، وانظره في: أصول السرخسي ٢/ ١٢، التعريفات للجرجاني ص: ١١٢، نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب روضة الناظر لابن بدران ٢/ ٣٠٣، أصول الفقه الإِسلامي لوهبة الزحيلي ١/ ١٠٠.
(٥) سقط من (ب).
(٦) سقط من (ب).
(٧) سقط من (ب).
(٨) سقط من (ب).
(٩) في (د): منها للشيء منها، والمثبت من (أ) و(ب)، وهو موافق لنقل ابن الرفعة عنه. انظر: المطلب العالي ٣/ ل ١٥٦/ أ.
[ ٢ / ٥٨ ]
وجود صورته عقلًا، إما لكونه داخلًا في حقيقته، وإما لكونه لازمًا له به (اختصاص) (١)، فقولنا: لا بدَّ له منه وجود صورته فيه: احتراز عن الشرط؛ فإنه لا بدَّ منه في وجود صحته شرعًا، لا في وجود (٢) صورته (٣) حسًَّا. ومن أجل هذا اعتذر في كتاب النكاح حيث عدَّ (٤) الشهادة من الأركان فقال: هي شرط لكن تساهلنا بتسميتها ركنًا (٥). وقولنا: لكونه داخلًا في حقيقته، أو لازمًا له به اختصاص، أحترزنا به عن الزمان والمكان ونحوهما (٦) من الأمور العامة التي لا بدَّ منها ولا تعد أركانًا. وما جعله أركانًا للاستقبال بهذه المثابة فإنّه لا بدَّ في وجود (٧) صورة (٨) الاستقبال حسًَّا وعقلًا من: المستقبِل، والمستقبَل، وما فيه الاستقبال. وهذه الأمور الثلاثة في هذا (٩) الاستقبال الذي نحن بصدده هي: المصلي، والقبلة، والصلاة. ثم إنّه قد يستعير اسم الركن للشرط، كما فعله في عده الترتيب في الوضوء من أركانه (١٠)، وكذا في الشهادة في النكاح، والله أعلم.
_________________
(١) زيادة من (أ) و(ب).
(٢) في (د): أصل، والمثبت من (أ)، وهو موافق لنقل ابن الرفعة عنه.
(٣) قوله: (فيه. احتراز صورته) سقط من (ب).
(٤) سقط في (ب).
(٥) انظر الوسيط ٥/ ٥٣.
(٦) سقط من (أ).
(٧) في (د): وجوده، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) في (أ): صورته، وهو خطأ.
(٩) في (ب): هي في.
(١٠) انظر: الوسيط ١/ ٣٧٥.
[ ٢ / ٥٩ ]
ما ذكره من أن (١) الفريضة مع تمام أركانها لا تصح على البعير المعقول (٢)، وتصح في الزورق المشدود على الساحل (٣). هو طريقة شيخه (٤)، ولا يقوى الفرق بينهما، ولا يرتضى ذلك، وهو خلاف نقل صاحب "التهذيب" (٥)، وغيره (٦) من (٧) أنه تجوز الفريضة (مع) (٨) تمام أركانها على الدابة واقفةً. وفي السائرة وجهان: أحدهما: الجواز كالسفينة الجارية (٩)، والله أعلم.
قوله: "روي أنّه - ﷺ - أوتر على البعير، فاستدلَّ به الشافعي على أنه (١٠) غير واجب" (١١) هذا مشكل من حيث إنَّ الوتر كان واجبًا على رسول الله - ﷺ - (١٢)، وقد
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) المعقول: المشدود، يقال: عقلت البعير عقلًا هو أن تثني وظيفه - أي ما فوق الرسغ إلى الساق - مع ذراعه فتشدهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. وذلك هو العقال. انظر: المصباح المنير ص: ١٦٠، وفي تعريف الوظيف ص: ٢٥٥.
(٣) انظر: الوسيط ٢/ ٥٧٨.
(٤) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٣/ أ.
(٥) انظر: التهذيب ص: ٤١٤.
(٦) كالشاشي في حلية العلماء ٢/ ٧٧. وممن نقله كذلك المتولي والروياني انظر: التنقيح ل ٩١/ ب.
(٧) في (أ): مع.
(٨) زيادة من (أ) و(ب).
(٩) أصحهما عدم الجواز. انظر: فتح العزيز ٣/ ٢١٠، روضة الطالبين ١/ ٣١٩.
(١٠) في (ب): أن الوتر.
(١١) الوسيط ٢/ ٥٧٩، وانظر نصَّ كلام الشافعي في: مختصر المزني ص: ١٦.
(١٢) ذكر النووي أن الصحيح عند أصحاب الشافعي: أن الوتر واجب على النبي - ﷺ -، وقيل سنة. تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٨ وراجع المجموع ٤/ ٢٠.
[ ٢ / ٦٠ ]
أداه مع ذلك على الراحلة (١). وسئلت عن ذلك بنيسابور - حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام وأهله - فأجبت: بأن الاستدلال بذلك وقع على نفي وجوبه على العموم، كما صار إليه أبو حنيفة (٢). فنقول: لو كان واجبًا على المكلفين على العموم لما جاز أداؤه على الراحلة كسائر الواجبات التي هي على العموم، وقد جاز أداؤه على الراحلة (٣) بدلالة فعله - ﷺ -، فلا يكون (٤) واجبًا على العموم، ولا أثر للنزاع في (٥) التسمية (٦) التي لا مستند لها عند التحقيق إلا اصطلاح مجرد أريد به الفرق بين المقطوع بلزومه، وغير المقطوع. وهذا الذي قررته حاكم بالإبطال على ما رأيته من بعد (من) (٧) حكاية الروياني (٨) صاحب "البحر" عن والده (٩) من قدحه في الاستدلال المذكور، وقوله: لم يدل ذلك على نفي وجوبه عنه، فلأن لا يدل على نفي وجوبه عن غيره أولى، والله أعلم.
_________________
(١) روى الشيخان عن ابن عمر - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - يسبِّح على الراحلة قِبَلَ أي وجه توجه، ويوتر عليها الحديث) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب تقصير الصلاة، باب ينزل أي من الدابة - للمكتوبة ٢/ ٦٦٩ رقم (١٠٩٨)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة حيث توجَّهت ٥/ ٢١٠.
(٢) مروي عن أبي حنيفة ثلاث روايات في الوتر: فرض، واجب، سنة. انظر: المبسوط ١/ ١٥٥، بدائع الصنائع ١/ ٢٧٠، حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٣٩.
(٣) قوله: (كسائر الراحلة) سقط من (ب).
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (أ): على.
(٦) هذا جواب على اعتراض مقدَّر وهو: لو اعترض حنفي بأن الوتر واجب، وليس بفرض. فالجواب ما ذكره المؤلف. والله أعلم
(٧) زيادة من (أ) و(ب).
(٨) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ٩٢/ أ.
(٩) وهو إسماعيل بن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمَّد بن أحمد الروياني الطبري، قال الأسنوي: تكرر ذكره في الرافعي ولم أقف له على تاريخ الوفاة. انظر ترجمته في: طبقات الأسنوي ١/ ٥٦٥.
[ ٢ / ٦١ ]
قوله: "فلو كان راكب تعاسيف فلا يتنفل أصلًا" (١) ذكر الأزهري (٢) أن العسف: هو ركوب الأمر بغير رويَّة، وركوب الفلاة وقطعها من (٣) غير صوب. وقوله "فلا يتنفل أصلًا" أطلقه، وقد قيده شيخه في "النهاية" (٤) فقال: "فلا يتنفل أصلًا إذا لم يكن مستقبلًا في جميع صلاته". فأقول: التنفل على الراحلة رخصة من رخص السفر على ما تقرر (٥)، وراكب التعاسيف لا يترخص برخص السفر، فهو إذًا كالمقيم. والمقيم لو تنفل على الدابة مستقبلًا للقبلة في جميع الصلاة ففي "النهاية" (٦) عن القفال تجويز ذلك. والصحيح أنه كالمتنفل مضطجعًا مع القدرة موميًا إلى الركوع والسجود، وذلك غير جائز على ظاهر المذهب (٧)، والله أعلم.
ما ذكره من أن تحريفه دابته عن صوب طريقه (٨) عمدًا مبطل لصلاته (٩). ليس على إطلاقه؛ فإنه لو حرفها إلى القبلة لم تبطل صلاته؛ فإنها هي الأصل، وإنما هو مخصوص بما إذا حرفها عن صوب الطريق إلى غير جهة القبلة. وبذلك قيد غيره كلامه في ذلك (١٠)، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٥٨٠. وبعده: لأن الثبوت على جهة لا بدَّ منه.
(٢) انظر: تهذيب اللغة ٢/ ١٠٦.
(٣) في (أ) و(ب): على.
(٤) ٢/ ل ٥/ ب.
(٥) انظر: الوسيط ٢/ ٥٧٩.
(٦) ٢/ ل ٢/ أ.
(٧) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢٩٩، المجموع ٣/ ٢٧٦.
(٨) في (ب): الطريق.
(٩) انظر: الوسيط ٢/ ٥٨١.
(١٠) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢١٥، التنقيح ل ٩٣/ أ.
[ ٢ / ٦٢ ]
ذكر أنّه إذا أماله عن قبلته إنسان وقصر الزمان فقيل البطلان وجهان. وقال فيما إذا كان بجماح (١) دابته: الظاهر أنّه لا تبطل (٢). فاعلم أنّهم قطعوا في الجماح بعدم البطلان مع قصر الزمان (٣)، فإن كان أراد بقوله "الظاهر أنّه لا تبطل" أن فيه خلافًا، فقد انفرد بذلك عن غيره (٤)، والله أعلم.
قوله في جماح الدابة: "لا يسجد للسهو إذ لا تقصير منه" (٥) وجهه: أن ذلك فعل الدابة لا فعله، بخلاف انحرافه ناسيًا، ومنهم من سوَّى فقال. يسجد فيهما (٦)، والله أعلم.
قوله: "وإن كان في مرقد (٧) فليتم الركوع والسجود" (٨) وهكذا يلزمه استقبال القبلة في جميع صلاته لتيسره (٩)، والله أعلم.
ما ذكره من (١٠) أن (١١) الماشي يتشهد لابثًا على الأرض، ولا يمشي إلا في حالة القيام (١٢) قد نقله الشيخ أبو محمَّد الجويني (١٣) عن نصِّ الشافعي، وأضاف
_________________
(١) جمح الفرس براكبه يجمح جماحًا وجموحًا: اسعتصى حتى غلبه. انظر: المصباح المنير ص: ٤١.
(٢) انظر: الوسيط ٢/ ٥٨١.
(٣) انظر: الإبانة ل ٣١/ أ، المهذب ١/ ٦٩، حلية العلماء ٢/ ٧٩.
(٤) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢١٦.
(٥) الوسيط ٢/ ٥٨١.
(٦) انظر: المهذب ١/ ٦٩، حلية العلماء ٢/ ٧٩، روضة الطالبين ١/ ٣٢١.
(٧) المرقد: المضجع، وذلك كراكب السفينة مثلًا. انظر: الصحاح ٢/ ٤٧٦، القاموس المحيط ١/ ٤٠٩.
(٨) الوسيط ٢/ ٥٨١.
(٩) انظر: التنقيح ل ٩٣/ أ.
(١٠) في (أ): في.
(١١) سقط من (ب).
(١٢) انظر: الوسيط ٢/ ٥٨٢.
(١٣) انظر النقل عنه في: فتح العزيز ٣/ ٢١٧.
[ ٢ / ٦٣ ]
ولده إمام الحرمين نقل ذلك عن النصِّ إلى الأصحاب (١)، وغيرهما نقل النصَّ في لبثه في الركوع والسجود دون التشهد وألحقوا التشهد (٢) بالقيام في جواز مشي الماشي فيه؛ لطول زمانه، وإلى هذا صار الشيخ أبو حامد الأسفراييني (٣)، وغيره من العراقيين (٤)، وصاحبا (٥) "التهذيب" (٦)، و"التتمة" (٧) من الخراسانيين، وهو ظاهر المذهب (٨)، والله أعلم.
وأما قوله: "وحكم استقباله حكم راكب بيده زمام دابته" (٩) فهذا إطلاق غير مرضي، والصواب فيه (١٠) ما ذكره شيخه (١١) من أن هذا إنما هو على تخريج ابن سريج (١٢) في أن الماشي ليس عليه اللبث، وأنه كالراكب في جواز السير، والإيماء في الركوع وغيره. فعلى هذا حكم استقباله في حالة التحرم وما بعده حكم راكب وغيره زمام دابته، وأما إذا فرعنا على النص، وظاهر المذهب في
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٧/ ب.
(٢) وألحقوا التشهد: سقط من (ب).
(٣) انظر النقل عنه في: فتح العزيز ٣/ ٢١٧، التنقيح ل ٩٤/ أ.
(٤) انظر: المجموع ٣/ ٢٣٧.
(٥) في (د): صاحب، والمثبت من (أ) و(ب).
(٦) انظر: التهذيب ص: ٤١٢.
(٧) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ٩٤/ أ.
(٨) انظر: فتح العزيز ٣/ ٢١٧، روضة الطالبين ١/ ٣٢٢، المنهاج ١/ ١٤٤، الغاية القصوى ١/ ٢٧٧، مغني المحتاج ١/ ١٤٤.
(٩) الوسيط ٢/ ٥٨٢. وقبله: أمّا الماشي فيتنفل عندنا وحكم استقباله إلخ
(١٠) سقط من (أ) و(ب).
(١١) في نهاية المطلب ٢/ ل ٨/ أ.
(١٢) سقط من (ب).
[ ٢ / ٦٤ ]
وجوب اللبث في ذلك، فاستقباله القبلة في التحرم وهذه الأفعال واجب قطعًا، قطع به الأصحاب (١) ووجهه ظاهر، والله أعلم.
ذكر أنّه إذا استقبل وهو في جوف الكعبة - زادها الله شرفًا - بابها وهو (٢) مفتوح والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل جاز ذلك (٣). فمؤخرة الرحل: الصحيح أنها بميم مضمومة، تاء همزة ساكنة، ثم خاء معجمة مكسورة، وفي آخرها (٤) تاء التأنيث، وهي عبارة (عمَّا) (٥) يستند إليه راكب الرحل من خلف ظهره (٦). والرحل منزلته من ظهر الجمل منزلة البردعة (٧) من ظهر الحمار. ثم ما مقدار مؤخرة الرحل؟ ففي "النهاية" (٨) في نفس هذه المسألة: "أنّها تقارب ثلثي ذراع". وفي "المهذب" (٩) في بيان سترة المصلّي ممّن يمر بين يديه أن مؤخرة الرحل: "ذراع"، (وذكره) (١٠) عن
_________________
(١) انظر: التعليقة للقاضي حسين ٢/ ٦٧٤، الإبانة ل ٣١/ أ، المهذب ١/ ٦٩، حلية العلماء ٢/ ٧٧.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر: الوسيط ٢/ ٥٨٣.
(٤) في (ب): ثم تاء
(٥) زيادة من (أ) و(ب).
(٦) انظر: المصباح المنير ص: ٣.
(٧) البردعة: بالدال والذال، ما يركب عليه، وهي بمنزلة السرج للفرس. انظر: المصباح المنير ص: ١٧.
(٨) ٢/ ل ١٠/ ب.
(٩) ١/ ٦٩.
(١٠) زيادة من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٦٥ ]
عطاء (١). و(٢) هذا قد رويناه في "السنن الكبير" (٣) بإسناد صحيح عن عطاء - وهو ابن أبي رباح - وعن قتادة (٤): "أنّها ذراع وشبر". ورويِّنا من "سنن أبي داود" (٥) عن عطاء قال: "مؤخرة الرحل ذراع فما فوقه". وذكر ابن الصباغ (٦)، وغيره (٧) أنّه يكفي في ذلك شاخص دون ذلك، ويجزئ أن يكون مستقبلًا جزءًا من البيت، والله أعلم.
قوله: "ولو غرز بين يديه خشبة فوجهان" (٨) هذا عنده فيما إذا لم تكن مسمَّرة (فإن كانت مسمَّرة) (٩) كفت من غير خلاف يجري فيها من جهة
_________________
(١) هو أبو محمَّد عطاء بن أبي رباح، واسم أبي رباح أسلم، المكي القرشي مولاهم، من كبار التابعين، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال". روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١١٤ وقيل: ١١٥ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٠، السير ٥/ ٧٨، تقريب التهذيب ص: ٣٩١.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في كتاب الصلاة ٢/ ٣٨١ رقم (٣٤٥٨).
(٤) هو أبو الخطّاب قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري التابعي، ولد أعمى، قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة ثبت. روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١١٧ هـ. وقيل: ١١٨ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ٢/ ٥٧، السير ٥/ ٢٦٩، تقريب التهذيب ص: ٤٥٣.
(٥) في كتاب الصلاة، باب ما يستر المصلّي ١/ ٤٤٢ رقم (٦٨٦). قال النووي: إسناده صحيح. المجموع ٣/ ٢٤٦.
(٦) انظر النقل عنه في: فتح العزيز ٣/ ٢٢٠.
(٧) وهو محكي كذلك عن الشيخ أبي حامد انظر: فتح العزيز الموضع السابق.
(٨) الوسيط ٢/ ٥٨٤.
(٩) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٦٦ ]
الثبات (١). لكن في "النهاية" (٢) أنّه يطرد فيه (٣) الخلاف الآتي فيما إذا وقف على طرف الكعبة خارجًا ونصف بدنه خارجًا عن محاذاة الركن (٤)، والله أعلم.
قوله: "أمّا في سائر البلاد فيجوز الاعتماد على المحراب المتفق عليه" (٥) يعني المتفق عليه بين (٦) أهل البلدة على تعاقب الأزمان (٧)، وهذا مخصوص بالبلاد والقرى الكثيرة الأهلين (٨). وقوله "فيجوز الاعتماد عليه" بل يجب الاعتماد عليه فيما يرجع إلى أصل جهته (٩). ثم إنَّ في النفس إشكالًا من هذا الحكم. ومن أحسن ما قيل في تقريره قول صاحب "الحاوي" (١٠) فيه: "إنّه يتعذر مع اتفاقهم على قديم الزمان، وتعاقب الأعصار، وكثرة العدد، أن يكونوا على خطأ يستدركه الواحد باجتهاده". ولا يزول الإشكال بهذا؛ فإنهم بعض الأمة، بل عدد يسير بالنسبة إلى سائر الأمة، وبعض الأمة (١١) يتمكن منهم (١٢) احتمال الخطأ، ولهذا لم يكن اتفاق مثلهم من العلماء على حكم من أحكام الشرع
_________________
(١) انظر: التنقيح ل ٩٤/ ب، المطلب العالي ٣/ ل ١٧٦/ ب.
(٢) ٢/ ل ١٠/ أ.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: الوسيط ٢/ ٥٨٤.
(٥) الوسيط ٢/ ٥٨٥.
(٦) في (أ): عند.
(٧) في (أ): الزمان.
(٨) انظر: التنقيح ل ٩٥/ أ، المطلب العالي ٣/ ل ١٨٠/ ب
(٩) انظر: التهذيب ص: ٤١٩.
(١٠) انظر: الحاوي ٢/ ٧١.
(١١) سقط من (ب).
(١٢) في (أ): منه.
[ ٢ / ٦٧ ]
حجة. فأقول: إن لم يكن ذلك إجماعًا فالإجماع منعقد على اتباعه والعمل به (١)؛ فإن جميع السلف والخلف مجمعون على أن (٢) من انتهى إلى بلد صلّى إلى قبلة أهله ولم يجتهد، والله أعلم.
قوله في الأعمى: "قلَّد شخصًا، بصيرًا، مكلفًا، مسلمًا، عارفًا بأدلة القبلة" (٣) ترك شرط العدالة (٤) مع كونه (٥) ذكر ما هو أوضح منه وهو التكليف وغيره، والله أعلم.
قوله: "وإن أرتج عليه طريق الصواب" (٦) أُرتج هو بضم الهمزة، وإسكان الراء، وكسر التاء: أي أغلق عليه، ونفد نظره (٧)، بخلاف الذي ذكره قبله (٨).
قوله: "فيصلّي على حسب حاله" (٩) هو بفتح السين أي على قدر حاله (١٠)، وأكثر الفقهاء يغلطون بتسكين السين منه.
قوله: "وأمّا البصير الجاهل بالأدلة" (١١) يعني به: المتمكن من تعلمها (١٢)، والله أعلم.
_________________
(١) وممن نقل الإجماع على ذلك صاحب الشامل انظر: المجموع ٣/ ٢٠١.
(٢) في (أ): أنسه.
(٣) الوسيط ٢/ ٥٨٥.
(٤) انظر: التنقيح ل ٩٥/ أ.
(٥) في (ب): أنه.
(٦) الوسيط ٢/ ٥٨٥.
(٧) انظر: الصحاح ١/ ٣١٧، القاموس المحيط ١/ ٢٥٩، المصباح المنير ص ٨٣.
(٨) وهو المجتهد الذي ضاق عليه الوقت وهو مارٌّ في نظره. انظر: الوسيط ٢/ ٥٨٥.
(٩) الوسيط ٢/ ٥٨٦.
(١٠) انظر: القاموس المحيط ١/ ٧٢، التنقيح ل ٩٥/ ب.
(١١) الوسيط ٢/ ٥٨٦.
(١٢) انظر: التنقيح ل ٩٥/ ب.
[ ٢ / ٦٨ ]
قوله: "أمّا إذا كان له الخطأ يقينًا ولم يظهر له جهة (١) الصواب إلا بالاجتهاد، ففي القضاء قولان مرتبان، وأولى بأن لا يجب؛ لأن الخطأ ممكن في القضاء فأشبه خطأ الحجيج يوم عرفة" (٢) يرد عليه أن يقال: ليس مثله؛ لأن القضاء ليس على الفور، فهو متمكن من تأخيره إلى أن يصل إلي بعض محاريب البلد (٣) التي يأمن معها من الخطأ. وقد (٤) اعترض إمام الحرمين (٥) بنحو هذا على ذلك. فأقول في تقريره: لو وجب القضاء لجاز له على الفور بالاجتهاد؛ فإنّه لا يجب تأخيره ولأمكن (٦) فيه حينئذٍ من الخطأ ما ليس مثله فيما إذا بان له جهة الصواب يقينًا. وهذا القدر كاف في ترتيبه عليه، وفي ثبوت الأولوية (٧) (المذكورة) (٨). وينبغي أن يشرح معنى (٩) ترتيب الخلاف على الخلاف (١٠).
_________________
(١) في (ب): ولم تظهر جهة إلخ.
(٢) الوسيط ٢/ ٥٨٧. وقبله: فأمَّا من اجتهد في أول الوقت وهو متمكن من الصبر فالأوجه أن يقال: اجتهاده صحيح بشرط الإصابة، وسلامة العافية، أمّا إذا بان الخطأ إلخ.
(٣) في (أ) و(ب): البلاد.
(٤) في (ب): فقد.
(٥) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ١٤/ ب.
(٦) في (أ): لا يمكن، وفي نقل ابن الرفعة عن ابن الصلاح: ولا يأمن. انظر: المطلب العالي ٣/ ل ١٩٠/ أ.
(٧) في (ب): الأوليَّة.
(٨) زيادة من (أ) و(ب).
(٩) سقط من (ب).
(١٠) يوجد بياض بعده في (أ) بمقدار سطرين ونصف السطر، ولا يوجد شيء في (د) و(ب). وفي معنى ترتيب الخلاف على الخلاف قال الرافعي: "ومتى رتَّب المذهبيون صورة على صورة في الخلاف جعلوا الثانية أولى بالنفي أو الإثبات، حصل في الصورة المرتبة طريقان: أحدهما: طرد الخلاف. والثاني: القطع بما في الصورة الأخيرة". فتح العزيز ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وراجع المطلب العالي ٣/ ل ١٩٠/ أ - ب.
[ ٢ / ٦٩ ]
قوله فيما إذا بان له الخطأ في أثناء الصلاة: "الثاني: أنّه يستأنف؛ لأن الجمع في صلاة واحدة بين جهتين مستنكر" (١) قلت: الفرق بين هذا وبين فعل أهل قباء (٢): أن ذلك جمع بين قبلتين كلّ واحدة منهما صواب، وهذا جمع بين جهتين (٣) والقبلة واحدة، وإحدى الجهتين خطأ، فلا يجوز؛ كالجمع في قضيَّة واحدة بين حكمين مختلفين، والله أعلم.
قوله فيما إذا أدرك في أثناء الصلاة جهة الصواب على القرب: "مدة القرب تعتبر بما إذا صُرف وجه المصلّي عن القبلة قهرًا" (٤) هذا مشكل؛ فإنّه يسبق إلى الفهم منه (٥) أنّه أحال على ذلك في بيان مقدار مدَّة القرب، وذلك حوالة على عدم؛ فإنه لم يذكر ذلك هنالك (٦) والعهد به قريب (٧). والأمر فيه (٨) ما
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٥٨٧.
(٢) فعلهم ما ورد في حديث ابن عمر قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة). انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة ١/ ٦٠٣ رقم (٤٠٣)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من المقدس إلى الكعبة ٥/ ١٠.
(٣) في (ب): جهتين مختلفتين.
(٤) الوسيط ٢/ ٥٨٧.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ب): هناك.
(٧) انظر: التنقيح ل ٩٦/ ب.
(٨) في (أ) و(ب): فيه على.
[ ٢ / ٧٠ ]
ذكره شيخه (١) من أنّه يعتبر في ذلك طول الزمان وقصره؛ فإن طال بطلت صلاته، وإن قصر فوجهان وإن لم يمض ركن في تلك الحالة، ولا يعتبر في ذلك ما اعتبر فيما إذا شكَّ بعد التحرُّم بالصلاة (٢) في النيَّة (٣)، ثم تذكَّر أنّه كان قد نوى، كما ذهب إليه الشيخ أبو محمّد (٤) من أنّه إن مضى في حالة الشكِّ ركن لا يزاد مثله بطلت صلاته و(٥) إن قصر الزمان، وإن لم يمضِ ركن لم تبطل صلاته، وإن طال الزمان فعلى أحد الوجهين؛ وهذا لأنه في حالة تردده في جهة القبلة في حكم المنحرف عن القبلة. ثم إنّه ينبغي أن يرجع في معرفة طول الزمان إلى العرف، فإن لأهله حكمًا شائعًا فيما طال من الزمان، وفيما قصر منه (٦). وفيما علَّقته (٧) ممّا علِّق عنه في الدرس تحديد طول الزمان بأن يمضي ركن أو وقت مضي ركن. وهذا شيء آخر غير مرضي، والله أعلم.
ما (٨) ذكره من الخلاف في أن مطلوب المجتهد في اجتهاده جهة الكعبة، أو عينها، ونسبته الخلاف إلى الأصحاب، وقدحه في القول بالجهة بدلالة الصف الطويل (٩) القريب من الكعبة الخارج بعضه من محاذاة الكعبة، وقدحه في القول
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ١٦/ أ.
(٢) في (د): في الصلاة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) في (د) و(أ): بالنيَّة، والمثبت من (ب).
(٤) في (ب): أبو محمَّد الحويني. وانظر النقل عنه في: نهاية المطلب ٢/ ل ١٦/ أ.
(٥) سقط من (أ).
(٦) انظر: التنقيح ل ٩٧/ أ.
(٧) في (أ): علَّقته بخراسان.
(٨) في (ب): قوله: ما، وهي هنا مقحمة.
(٩) سقط من (ب).
[ ٢ / ٧١ ]
بالعين بدلالة الصف الطويل البعيد، وتأويله قولهم، وقوله: "لعلّ مراد الأصحاب أن بين موقف المحاذي الذي يقول الحاذق فيه (١): انه على غاية السداد. وبين موقفه الذي يقال فيه: إنه خرج فيه عن اسم الاستقبال بالكلية، مواقف يقال فيها: إنَّ بعضها أسدَّ من بعض، وإن كان الكل سديدًا، فطلب الأسدَّ هل يجب؟ فيه وجهان" (٢) فأقول: حاصل ما ذكره: القطع بأنّه يجب على المجتهد أن (٣) يطلب باجتهاده استقبال (٤) عين الكعبة ومحاذاتها من حيث الاسم لا من حيث الحقيقة التي من شأنها أنّه لو مدَّ خيط مستقيم من موقفه إلى الكعبة (٥) لانتهى إليها نفسها، ورد الخلاف المذكور إلى أنّه هل (٦) يجب طلب (٧) الأقوم والأسدّ ممّا يشمله اسم الاستقبال، أو (٨) يكفي مجرد ما هو سديد يشمله اسم الاستقبال، وإن لم يكن بالأسدِّ؟ (٩) ثم إنَّ سياق كلامه يقتضي أن موقف المحاذي لها على غاية السداد ليس من قبيل الأسد المذكور، وليس كذلك بل هو منه وأولى. إذا (١٠) فهمت ما صار إليه فاعلم أن هذه طريقة اخترعها إمام
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) الوسيط ٢/ ٥٨٨.
(٣) في (أ): بأن.
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (أ): بالكعبة.
(٦) سقط من (ب).
(٧) سقط من (ب).
(٨) في (أ): و.
(٩) انظر: المطلب العالي ٣/ ل ١٩٣/ ب.
(١٠) في (أ): وإذا.
[ ٢ / ٧٢ ]
الحرمين (١)، واتبعه هو فيها مع تصرف يسير، والذي عليه نَقَلَةُ المذهب أن المسألة ذات قولين، لا ذات وجهين (٢): أحدهما - وهو نصُّه في "الأم" (٣) -: أن فرضه طلب عين الكعبة. ومن الأصحاب من جعله المذهب قولًا واحدًا، وقال: القول الثاني المنسوب إلى نقل المزني (٤): أن فرضه الجهة، لا يعرف للشافعي، وإنّما هو قول أبي حنيفة (٥)، وهذه هي طريقة الشيخ أبي حامد الأسفراييني (٦)، وهذا القول هو الأصح عند جماعة منهم: القفال (٧)، ومن الدليل عليه حديث ابن عباس في "الصحيحين" (٨) (أن رسول الله - ﷺ - لما دخل البيت، خرج وصلّى إليه وقال هذه القبلة). ومن الدليل على القول بأن الجهة فرضه ما ثبت من قول عمر بن الخطاب - ﵁ -: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (٩).
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ١٧/ ب - ل ١٨/ أ.
(٢) وأظهر القولين هو أن المطلوب عين الكعبة، انظر: التعليقة للقاضي حسين ٢/ ٦٨١، المهذب ١/ ٦٧، التنبيه ص: ٢٩، حلية العلماء ٢/ ٧٢، فتح العزيز ٣/ ٢٤٢.
(٣) ١/ ١٩٠.
(٤) انظر: مختصر المزني ص: ١٦.
(٥) انظر مذهب أبي حنيفة في: بدائع الصنائع ١/ ١١٨، فتح القدير ١/ ٢٧٠، اللباب شرح الكتاب ١/ ٦٤.
(٦) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ٩٧/ أ.
(٧) انظر النقل عنه في: روضة الطالبين ١/ ٣٢٩.
(٨) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الصلاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ١/ ٥٩٧ رقم (٣٩٨)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره ٩/ ٨٧.
(٩) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٢/ ١٥ رقم (٢٢٣٢). قال النووي: "وصح عن عمر - ﵁ - موقوفًا عليه". المجموع ٣/ ٢٠٨.
[ ٢ / ٧٣ ]
ومنهم من رفعه عنه إلى رسول الله - ﷺ -، والمشهور وقفه على عمر - ﵁ - (١). ثم إنّه لا يقدح في القول بالعين صحة صلاة (٢) الصف الطويل كما ذكره؛ لأنّه كلما بعدت المسافة كثر المحاذي للعين حقيقة (٣)، ألا ترى أن النار المشتعلة على رأس جبل يقف من لا يحصى من الخلق في محاذاتها بحيث يكون كل واحد منهم محاذيًا لعينها حتى لو مدَّ من موضعه خيطًا إليها لاتصل الخيط بها نفسها (٤)، ولأنّه إن خرج بعضهم عن مسامتة (٥) عينها حقيقة فهو غير متعين فلا يحكم على أحد متهم ببطلان صلاته لذلك، كما لو صلّى أربع (٦) إلى (٧) أربع جهات بأربع اجتهادات (٨). ثم إنا لو سلكنا طريقة من يفسر استقبال (٩) عينها بما يعد استقبالًا لعينها اسمًا لا حقيقة، واكتفينا بذلك، لكنا مكتفين بأصل اسم (١٠) الاستقبال
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى الموضع السابق. ورواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا وقال: "حديث حسن صحيح"، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لجامع الترمذي. انظر: جامع الترمذي أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ٢/ ١٧٣ رقم (٣٤٤)، وأخرجه كذلك ابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب القبلة ١/ ٣٢٣ رقم (١٠١١).
(٢) في (أ) و(ب): صلوات.
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (أ): بنفسها.
(٥) سامته مسامتة بمعنى قابله ووازاه. انظر: المصباح المنير ص: ١٠٩.
(٦) في (د): أربعة، والمثبت من (أ).
(٧) أربع إلى: سقط من (ب).
(٨) في هذه المسألة - لو صلّى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات - قال الغزالي: "فالنص أنّه لا قضاء قولًا واحدًا؛ لأن الخطأ لم يتعين". الوسيط ٢/ ٥٨٩.
(٩) في (ب): استقبال القبلة. والقبلة هنا كأنّها مقحمة.
(١٠) في (ب): باسم، بدلًا عن (بأصل اسم).
[ ٢ / ٧٤ ]
مسوِّين بين جميع من يشمله اسم المستقبل (١) من غير تخصيص للأسدِّ كما ذكره. وأمّا قدحه في القول بأن فرضه الجهة بدلالة أن الصف القريب من الكعبة إذا خرج بعضهم عن محاذاة عين الكعبة لم تصح صلاته، وإن كان مستقبلًا للجهة. فأقول: إنه غير ممتنع من (٢) أن يفرق في ذلك بين القريب والبعيد (٣)؛ فيكتفى في حق البعيد بالجهة، وإن لم توجد محاذاة العين أصلًا، ترخيصًا وتوسعةً؛ لما في إيجاب محاذاة العين عليه من الإحواج (٤) إلى تعلم (٥) أدلة القبلة مع العسر في تعلمها واستعمالها. فقد قررنا - ولله الحمد الأكمل - وجه ما اشتهر بين العلماء منا ومن غيرنا من الاختلاف في أن الفرض طلب عين الكعبة أو جهتها، ووضح معناه من غير حاجة إلى سلوك المضيق الوعر الذي سلكه صاحب الكتاب وشيخه ومن أخذ عنهما، والله أعلم.
قوله: "ولو قطع بخطئه، فيلزمه القبول" (٦) يعني سواء كان القاطع بخطأ مقلِّده أعلم من مقلَّده، أو دونه، أو مثله، وإن ساوى مقلّده في كونهما مجتهدين؛ نظرًا إلى كونه قطع والأول لم يقطع. هكذا نقل ذلك إمام
_________________
(١) قوله: (مسوِّين المستقبل) سقط من (ب).
(٢) سقط من (أ) و(ب).
(٣) في (د): القرب والبعد، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) في (أ): الاحوجاج.
(٥) في (د): إلى أن يتعلم، والمثبت من (أ) و(ب).
(٦) الوسيط ٢/ ٥٨٩. وقبله: إذا تحرَّم المقلِّد بالصلاة، فقال له من هو دون مقلِّده أو مثله: أخطأ بك فلان، لم يلزمه قبوله، وإن كان أعلم منه فهو كتغير اجتهاد البصير أثناء الصلاة. ولو قطع إلخ.
[ ٢ / ٧٥ ]
الحرمين (١) عن الأئمة. وأنا أقول: هذا فيه نظر وينبغي أن لا يقبل منه إذا كان دون الأول، أو مثله كما لو لم يقطع؛ لأنّه في نفس الأمر ظان فهو في قطعه مجازف، واضعٌ للقطع في غير موضعه، فلا يقع به ترجيح، وهذا في غاية الاتجاه (٢)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ١٩/ ب.
(٢) انظر: التنقيح ل ٩٨/ أ.
[ ٢ / ٧٦ ]