المشهور بين الفقهاء أن الخسوف مخصوص بالقمر، والكسوف مخصوص بالشمس (١)، والأشهر بين أهل اللغة (٢) خلافه، وأنهما مستعملان (٣) فيهما جميعًا، ولهم أقاويل وأشبهها وأصحها أنهما يستعملان فيهما على معنى واحد (٤). والمعروف بين الفقهاء قد نقله أيضًا غير واحد من أهل الشأن، وقال صاحب "الصحاح" منهم: الأفصح في الشمس الكسوف، وفي القمر الخسوف (٥). ومن أهل اللغة من فرَّق بينهما من وجه آخر فقال: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه (٦).
ما ذكره من حديث الخسوف (٧) صحيح متفق على صحته من رواية جماعة (٨) من الصحابة منهم: عائشة، وابن عمر، وابن عباس،
_________________
(١) انظر: المجموع ٥/ ٤٣، فتح الباري ٢/ ٦٢٢.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (ب): يستعملان.
(٤) انظر: تهذيب اللغة ٧/ ١٨٣، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص: ٨٣، تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/٩٠، لسان العرب ١٢/ ٩٥، القاموس المحيط ٣/ ١٧٨.
(٥) الصحاح ٤/ ١٤٢١.
(٦) انظر: شرح النووي على مسلم ٦/ ١٩٨، المصباح المنير ص: ٦٥، والموجود في بعض كتب اللغة عكسه وهو أن الخسوف ذهاب البعض، والكسوف ذهاب الكل. انظر مثلًا: القاموس المحيط ٣/ ١٧٨.
(٧) قال الغزالي: " ولما مات إبراهيم ولد النبي - ﵇ - كسفت الشمس فقال بعض الناس: إنها كسفت لموته، فخطب رسول الله - ﷺ - وقال: إن الشمس والقمر لآيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة" الوسيط ٢/ ٧٩٥.
(٨) في (ب): جماعة من الجماعة.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وأبي (١) موسى، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم (٢)، ولفظه في الكتاب قريب من لفظ (٣) رواية أبي مسعود الأنصاري. قوله (٤): "لا يخسفان" هو بفتح الياء، وقد منعوا من أن يقال بالضم (٥).
قوله: "فلو تمادى الخسوف جاز أن يريد ثالثًا ورابعًا على أحد الوجهين؛ إذ روى (٦) أحمد بن حنبل أن الركوع في كل ركعة ثلاث، فليحمل على صورة التمادي (٧)، والقياس المنع ان لم يصحّ الخبر" (٨) أما نسبة ذلك إلى أحمد بن حنبل فلا يرتضيه أهل الحديث؛ فإن أحمد وغيره من حفاظ الحديث مشتركون في روايته (٩)، والمعتاد في مثل ذلك أن يضاف إلى من تفرد بروايته، وهو في هذا
_________________
(١) في (أ) و(ب): أبو، وهو خطأ.
(٢) سقط من (أ). وقد روي من رواية أسماء بنت أبي بكر، وابن عمرو، وأبي مسعود البدري، وقد روى حديثهم جميعًا البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الكسوف ٢/ ٦١١ فما بعدها برقم - مرتبة على حسب ذكرهم - (١٠٤٤، ١٠٤٢، ١٠٥٢، ١٠٥٩، ١٠٤٣، ١٠٥٣، ١٠٥١، ١٠٥٧) وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الكسوف ٦/ ١٩٨ فما بعدها.
(٣) سقط من (أ).
(٤) في (أ) و(ب): وقوله.
(٥) انظر: فتح الباري ٢/ ٦١٤.
(٦) في (أ): رواه.
(٧) في (د): المنادي، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) الوسيط ٢/ ٧٩٦. وقبله: ثم أقل الصلاة ركعتان وفي كل ركعة قيامان وركوعان، فلو تمادى إلخ
(٩) رواه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٣١٨ عن جابر، ٦/ ٧٦ عن عائشة، ورواه الإمام مسلم عنهما في صحيحه - مع النووي - كتاب الكسوف ٦/ ٢٠٥، ٢٠٨.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الحديث فوق أحمد وطبقته، وهو عبيد بن عمير (١) المتفرد به عن عائشة ﵂، أو عبد الملك بن أبي سليمان (٢) المتفرد به من حديث جابر. وأما قوله "القياس المنع إن لم يصح الخبر" فلا يخفى أن القياس المنع صحَّ الخبر أو لم يصحّ (٣)، فإذًا فيه محذوف تقديره: فالقياس المنع، فيمنع منه إن لم يصحّ الخبر. ثم إنَّ هذا الخبر قد اختلفوا في صحته فصححه مسلم وأخرجه في "صحيحه" من حديث عائشة وجابر، وكذلك صحَّح ما تفرد به حبيب ابن أبي ثابت (٤) في حديث ابن عباس (أنه - ﷺ - صلاها ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات) (٥)، فمن أصحابنا من ذهب أيضًا إلى تصحيح هذه الأخبار جميعًا، وأنه - ﷺ - صلاّها
_________________
(١) هو أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي، ولد في عهد النبي - ﷺ -، وعُدَّ في كبار التابعين، كان قاصَّ أهل مكة، قال عنه الحافظ ابن حجر: "مجمع على ثقته"، توفي قبل ابن عمر، روى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: أسد الغابة ٣/ ٥٤٥، تهذيب الكمال ١٩/، تقريب التهذيب ص: ٣٧٧.
(٢) هو أبو عبد الله عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي الكوفي، واسم أبيه ميسرة، وثقه أحمد ابن حنبل، وقال أبو زرعة: "لا بأس به"، وقال ابن حجر: "صدوق له أوهام"، روى حديثه البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، توفي سنة ١٤٥ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٧، الثقات لابن حبَّان ٧/ ٩٧، تقريب التهذيب ص: ٣٦٣.
(٣) إذ أنها كيفية غير معهودة في الصلاة، والله أعلم.
(٤) هو أبو يحيى حبيب بن أبي ثابت، واسم أبي ثابت قيس، ويقال: هند، بن دينار الأسدي مولاهم الكوفي، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس"، توفي سنة ١١٩ هـ، وروى حديثه الجماعة. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ ١/ ١١٦، تقريب التهذيب ص: ١٥٠، طبقات الحفاظ ص: ٤٤.
(٥) انظر: صحيح مسلم - مع النووي - كتاب الكسوف، باب من قال إنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات ٦/ ٢١٣ - ٢١٤.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
مرات مرة بركوعين في كل ركعة، ومرة بثلاث ركوعات في كل ركعة، ومرة بأربع ركوعات، وأن الجميع جائز، وأنه - ﷺ - كان يزيد في الركوع عند تمادي الخسوف، ذهب (١) إلى ذلك جماعة من أئمتنا الجامعين بين الفقه والحديث منهم: ابن خزيمة (٢)، وصاحبه أبو بكر ابن إسحاق الصبغي (٣)، ثم أبو سليمان الخطابي (٤)، ثم قيل: إنه على هذا الوجه لا تختصُّ الزيادة بما ذكر، بل يجوز أكثر من أربع على حسب (٥) تمادي الخسوف، وهو مذهب إسحاق بن راهويه (٦). وأما مذهب الشافعي (٧) والبخاري صاحب "الصحيح" (٨) في ذلك فهو الترجيح والقول بالركوعين في كل ركعة فقط؛ لأن ذلك أصحُّ إسنادًا، وأوثق
_________________
(١) في (د): وذهب، والواو هنا كأنها مقحمة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) انظر: صحيحه ٢/ ٣١٨.
(٣) هو أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد النيسابوري الشافعي المعروف بالصبغي، جمع، وصنَّف، وبرع في الفقه، وتميَّز في علم الحديث، من مصنفاته: كتاب الإيمان، والأسماء والصفات، والخلفاء الأربعة، والأحكام، والإمامة، توفي سنة ٣٤٢ هـ انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات ٦/ ٢٣٩، السير ١٥/ ٤٨٣، طبقات السبكي ٣/ ٩، شذرات الذهب ٢/ ٣٦١. وانظر النقل عنه في: زاد المعاد ١/ ٤٥٥.
(٤) انظر: معالم السنن ١/ ٦٩٨.
(٥) سقط من (ب).
(٦) المنقول من مذهب ابن راهويه عدم الزيادة على أربع ركوعات في كل ركعة لعدم ثبوت الزيادة عنده. انظر: المغني ٣/ ٣٢٩، فتح الباري ٢/ ٦١٨.
(٧) انظر: الأم ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨، مختصر المزني ص: ٣٨.
(٨) في (ب): حديث. ويدل على ذلك أنه لم يورد في صحيحه إلا الركوعين في كل ركعة، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
رجالًا، وأكثر (١) عددًا، مع أن كل ذلك راجع إلى حكاية صلاة واحدة وهي صلاته - ﷺ - في الخسوف الواقع يوم مات ابنه إبراهيم - ﷺ - وعليه (٢). ومقتضى هذا أن يكون المذهب (٣) أن لا تُستأنف صلاة أخرى عند تمادي الخسوف، وأن لا يقتصر على ركوع واحد عند سرعة الانجلاء (٤)، والله أعلم.
يستحب (٥) أن يقول في اعتداله من كل ركوع: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد (٦). ورد به نصُّ الحديث المتفق على صحته (٧)، ونصَّ عليه الشافعي - ﵁ - (٨).
_________________
(١) في (ب): وأقل.
(٢) سقط من (ب). وانظر. السنن الكبرى ٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦، زاد المعاد ١/ ٤٥٥، فتح الباري ٢/ ٦١٨.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: فتح العزيز ٥/ ٧١، مغني المحتاج ١/ ٣١٧، كفاية الأخيار ١/ ٣٠٢.
(٥) في (ب): ويستحب.
(٦) لعل تنصيص ابن الصلاح على هذه المسألة رغم عدم تطرق الإمام الغزالي لها هو وجود إشكال من جهة كون القيام للقراءة لا للاعتدال، والجواب عنه أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها، والله أعلم. وانظر فتح الباري ٢/ ٦١٦.
(٧) انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الكسوف، باب خطبة الإمام في الكسوف ٢/ ٦٢٠ رقم (١٠٤٦)، وصحيح مسلم - مع النووى - كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٨) انظر: الأم ١/ ٤٠٨، مختصر المزني ص: ٣٨.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
هذا الذي قاله من التقدير بالسور الأربع (١) رواية (٢) البويطي (٣)، وابن أبي الجارود (٤) عن الشافعي، ورواية غيرهما عنه هو المشهور (٥)، وهو ما في "المهذَّب" (٦): أن في القومة الأولى: سورة البقرة أو قدرها إن كان لا يحفظها، وفي الثانية: بقدر مائتي آية من البقرة، وفي الثالثة: خمسون ومائة آية، وفي الرابعة: بقدر مائة آية. ورواية البويطي وابن أبي الجارود تقارب هذا، وأنا أنقلها على نصِّها من "الجمع لمنصوصات الشافعي - ﵁ -" (٧) لما فيها من الفوائد قال: "يقول في القيام الأول نحوًا من سورة البقرة، ثم يركع نحوًا من قراءته، ويقرأ في القيام الثاني نحوًا من آل عمران، ثم يركع نحوًا من قراءته، ويقيم في
_________________
(١) قال الغزالي: "فأما الأكمل فهو أن يقرأ في القومة الأولى بعد دعاء الاستفتاح سورة الفاتحة والبقرة، وفي الثانية سورة الفاتحة وآل عمران، وفي الثالثة سورة الفاتحة والنساء، وفي الرابعة سورة الفاتحة والمائدة، أو مقدارها من القرآن، وذلك بعد الفاتحة في كل قومة". أهـ الوسيط ٢/ ٧٩٦.
(٢) في (ب): رواه.
(٣) انظر مختصره ل٩/ أ.
(٤) هو أبو الوليد موسى بن أبي الجارود المكي الشافعي، راوي كتاب الأمالي عن الشافعي، وأحد الثقات من أصحابه حتى قيل: يُرجع إليه عند اختلاف الرواية، وقد روى حديثه الترمذي. انظر ترجمته في: طبقات السبكي ٢/ ١٦١، تهذيب الكمال ٢٩/ ٤١، تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٣٩. وانظر النقل عنه في: التعليقة للقاضي أبي الطيَّب ٢/ ل١٧٤/ أ.
(٥) انظر: رواية الربيع في: الأم ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨، ورواية المزني في: المختصر ص: ٣٨.
(٦) ١/ ١٢٢.
(٧) انظر النقل عنه في: المجموع ٥/ ٤٩.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
كل سجدة نحوًا مما أقام في ركوعه، ثم يقرأ في القيام الأول في الركعة الثانية نحوًا من سورة النساء، ثم يركع نحوًا من قراءته، ثم يقرأ في القيام الثاني من الركعة الثانية (١) نحوًا من سورة المائدة، ثم يركع نحوًا من قراءته، ثم يرفع (٢)، ثم يخرُّ ساجدًا، فيسجد سجدتين يقيم في كل سجدة نحوًا مما أقام في ركوعه). فهذا منقول على الاتفاق، وما فيه من مساواة كل ركوع لما قبله من (٣) القراءة لم أجد لأحد من الأصحاب موافقته، ولا في الركوع الثاني، مع اختلافهم الكثير فيه (٤)، إلا أني وجدت بخطَّ الشيخ الوالد ﵀ حكاية قول كذلك.
وما ذكره المؤلف في الركوعات (٥) هو نصُّ الشافعي (٦) المشهور (٧) إلا الركوع الثاني فإنه لم يقدَّر تسبيحه، (وقال) (٨): "يسبِّح بقدر ما يلي الركوع الأول". واختلف الأصحاب في مقداره على خمسة أوجه: أحدها: ما في الكتاب وهو ثمانون آية، و(٩) هو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني من العراقيين، وصاحب
_________________
(١) قوله: (نحوًا من سورة الركعة الثانية) سقط من (ب).
(٢) في (د): يركع، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: فتح العزيز ٥/ ٧٣، المجموع ٥/ ٤٩.
(٥) حيث قال: "فأما الركوع فيسبَّح في الأول مقدار مائة آية، وفي الثاني بقدر ثمانين، وفي الثالث بقدر سبعين، وفي الرابع بقدر خمسين آية". الوسيط ٢/ ٧٩٦ - ٧٩٧.
(٦) في (أ): للشافعي.
(٧) انظر: مختصر المزني ص: ٣٨.
(٨) زيادة من (أ) و(ب).
(٩) سقط من (ب).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
"التقريب" من الخراسانيين (١)، والمراد بالآيات في هذا وما ذُكِر (٢) معه الآيات (٣) المقتصدة (٤). والثاني: تسعون آية بالتاء المثناة في أوله، وقد عُزي (٥) إلى الشيخ أبي حامد (٦). والثالث: بقدر خمس وثمانين آية، وهو قول سليم الرازي (٧). والرابع: بقدر (٨) سبعين آية، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو (٩) إسحاق (١٠) ولا ينبغي أن يستبعد؛ فإنه يوافق نقل الربيع عنه (١١) أنه يسبِّح بقدر ثلثي الركوع الأول. والسبعون ثلثان على التقريب، وصير إليه دون التحقيق لما فيه من الكسر، وهو مستكره فيما مبناه على التقريب. و(١٢) الخامس: بقدر الركوع
_________________
(١) انظر النقل عنهما في: المجموع ٥/ ٤٩.
(٢) في (أ): وما ذكره.
(٣) في (ب): آيات.
(٤) انظر: مغني المحتاج ١/ ٣١٨.
(٥) في (أ): عزي أيضًا.
(٦) لم أقف على من عزاه إليه، وهذا القول قال به الشيرازي في التنبيه على ما قاله النووي في المجموع ٥/ ٤٩، لكن الموجود في التنبيه ص: ٤٦ بقدر سبعين آية، والله أعلم.
(٧) انظر النقل عنه في: المجموع الموضع السابق.
(٨) سقط من (ب).
(٩) سقط من (ب).
(١٠) انظر: المهذَّب ١/ ١٢٢، وتقدَّم نقله عن التنبيه.
(١١) أي الشافعي، انظر: الأم ١/ ٤٠٨.
(١٢) سقط من (ب).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الأول، قاله أبو حفص الأبهري (١) صاحب كتاب "الهداية" (٢)، رأيته بأبهر (٣)، وهو غريب في غريب (٤).
قوله: "وأما السجدات فلا يطوَّلها. ونقل البويطي عنه أنها على قدر الركوع الذي قبله. ولا خلاف أن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل" (٥) هذا يتضمن أن الصحيح عنده أنه لا يطوِّلها من حيث إنه أفتى به أولًا، وذلك هو المشهور في نقل المذهب (٦). والقول بتطويلها ينسب إلى أبي العباس ابن سريج (٧)، وقد قال صاحب "المهذَّب": "ليس بشيء؛ لأن الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر، ولو كان قد أطال لنقل" (٨). وهذا عجب (٩)! أما الشافعي - ﵁ - فقد راجعت كتاب البويطي فوجدت نقله لذلك فيه حقًا، وقد سبق نقلنا لذلك من
_________________
(١) لم أهتد إلى ترجمته فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
(٢) انظر النقل عنه في: المجموع ٥/ ٤٩.
(٣) أَبْهَر مدينة مشهورة بين قزوين وزنجان وهمدان، بينها وبين زنجان خمسة عشر فرسخًا، وبينها وبين قزوين اثنا عشر فرسخًا، وقد فتحت في عهد عثمان - ﵁ - على يد البراء بن عازب صلحًا، وتقع الآن في جمهورية إيران، وأبهر بليدة كذلك من نواحي أصفهان، وهي كذلك في إيران. انظر: معجم البلدان ١/ ١٠٥ وما بعدها.
(٤) في غريب: سقط من (أ). وانظر المجموع الموضع السابق.
(٥) الوسيط ٢/ ٧٩٧. وانظر نقل البويطي في مختصره ل٩/ أ.
(٦) انظر: المهذَّب ١/ ١٢٢، البسيط ١/ ل١٦١/ أ، حلية العلماء ٢/ ٣١٧.
(٧) انظر النقل عنه في: المهذَّب وحلية العلماء في الموضعين السابقين.
(٨) المهذَّب الموضع السابق.
(٩) في (ب): أعجب.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
"جمع الجوامع لمنصوصات الشافعي"، ونقل الترمذي ذلك (١) في كتابه عن الشافعي (٢). وأما الخبر فيه (٣) عن رسول الله - ﷺ - فثابت متفق على صحته، إذ في "الصحيحين" (٤) من حديث أبي موسى الأشعري في ذلك عنه - ﷺ -: (فقام يصلي أطول قيام وركوع وسجود رأيته يفعله في صلاته) وفي "الصحيحين" (٥)، أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٦) في صفة صلاته - ﷺ - فقالت عائشة: (ما ركعت ركوعًا (قطٌّ) (٧)، ولا سجدت سجودًا قطٌّ كان أطول منه). وفي رواية النسائي (٨): فكانت عائشة تقول: (ما سجد رسول الله - ﷺ - سجودًا، ولا ركع ركوعًا أطول منه). وفي "صحيح البخاري" (٩) من حديث أسماء بنت الصدِّيق ﵂: (ثم سجد فأطال السجود (ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود) (١٠»، وذكرت مثل ذلك في الركعة الثانية. وفي "صحيح مسلم" (١١) من
_________________
(١) في (ب): وذلك.
(٢) انظر: جامعه ٢/ ٤٥٠.
(٣) سقط من (أ).
(٤) تقدم تخريجه في أول الباب، ولفظه عند مسلم: فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاة قطّ. وعند البخاري: ما رأيته قطّ يفعله.
(٥) قوله: (من حديث أبي موسى وفي الصحيحين) سقط من (ب).
(٦) تقدم تخريجه كذلك في أول الباب. واللفظ هنا لمسلم.
(٧) زيادة من (أ) و(ب)، وهي في لفظ الحديث.
(٨) في سننه كتاب الكسوف، باب نوع آخر (١٣) ٣/ ١٥٣ رقم (١٤٧٩).
(٩) انظره - مع الفتح - كتاب الأذان، باب (٩٠) ٢/ ٢٧٠ رقم (٧٤٥).
(١٠) ما بين القوسين زيادة من (أ) و(ب)، وهي في متن الحديث.
(١١) انظره - مع النووي - كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ٦/ ٢٠٨.
[ ٢ / ٣٧١ ]
حديث جابر بن عبد الله: (وركوعه (نحوًا) (١) من سجوده). وفي "سنن أبي داود" (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعنهم: (ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، قال: ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك). وفي "سنن النسائي" عنه (٣) نحو ذلك (٤) قال: (سجد فأطال السجود، ثم رفع رأسه وجلس (٥) فأطال الجلوس، ثم سجد فأطال السجود، وقال: وصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الأولى). وقد أخرج ابن خزيمة حديث عبد الله بن عمرو في "صحيحه" (٦). إذا عرفت ذلك عرفت أن الصحيح خلاف ما صححوه، بل يتجه أن يقال: لا قول للشافعي غير القول بتطويل السجود؛ لما عرف عنه من إيصائه (٧) بأن الحديث إذا صحَّ على خلاف قوله فليترك قوله وليعمل بالحديث فإن مذهبه الحديث. ثم إن صاحب "التهذيب" قال: "هل يطيل السجود؟ فيه قولان: أحدهما: يطيل كالركوع: والسجود (٨) الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني" (٩). وهذا أحسن من الإطلاق الذي في كتاب البويطي: أنه نحو الركوع الذي قبله.
_________________
(١) زيادة من (أ) و(ب)، إلا أنه في (ب): بالرفع.
(٢) انظره كتاب الصلاة، باب من قال يركع ركعتين ١/ ٧٠٤ رقم (١١٩٣).
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظره كتاب الكسوف، باب نوع آخر (١٤) ٣/ ١٥٤ رقم (١٤٨١).
(٥) سقط من (أ).
(٦) انظره أبواب صلاة الكسوف ٢/ ٣٢١ رقم (١٣٨٩).
(٧) في (أ) انصافه.
(٨) كذا جميع النسخ بالواو، وفي التهذيب (فالسجود) بالفاء وهو الصواب.
(٩) كالركوع الثاني: سقط من (ب). وانظر: التهذيب ص: ٧٤٨.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وأما قطعه بأن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل (١). فإنه يأباه ما ذكرناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وهو أعلم. قال (٢): "يستحب أن يخطب خطبتين كما في صلاة العيد، إلا أنه لا يجهر في الكسوف، ويجهر في الخسوف" (٣) هذا مشكل والاستثناء راجع إلى ما تضمنه الإطلاق من أن ما ذكر من كيفية الصلاة يعمُّ (٤) صلاة الكسوف والخسوف فكأنه قال: وتستوي صلاة الخسوف وصلاة (٥) الكسوف إلا في الجهر، وقد أفصح عن هذا في "البسيط" (٦). ثم إن الرواية قد اختلفت عن رسول الله - ﷺ - في الجهر والإسرار في كسوف الشمس (٧)، ومن روى الجهر أكثر فلذلك رجَّحناه (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) قال الغزالي: "ولا خلاف أن القعدة بين السجدتين لا تطوَّل". الوسيط ٢/ ٧٩٧.
(٢) في (ب): قوله.
(٣) الوسيط ٢/ ٧٩٧. وقبله: ثم إذا فرغ من الصلاة يستحب إلخ.
(٤) في (أ): ويعمُّ.
(٥) سقط من (أ).
(٦) ١/ ل١٦١/ أ.
(٧) فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: (إن النبي - ﷺ - صلى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها)، وفي الباب عن أبيِّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وهو مروي عن زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، والعلاء بن يزيد. وروى الترمذي عن سمرة ابن جندب قال: (صلى بنا النبي - ﷺ - في كسوف لا نسمع له صوتًا) قال الترمذي: "حديث سمرة حسن صحيح"، وفي الباب عن ابن عباس. انظر: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب الكسوف، باب الجهر بالقراءة في الكسوف ٢/ ٦٣٨ رقم (١٠٦٥)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف ٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وجامع الترمذي أبواب السفر، باب ما جاء في صفة القراءة في الكسوف ٢/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم (٥٦٢، ٥٦٣) وكلا الحديثين من لفظه، وراجع: التمهيد ٣/ ٣١٠ - ٣١١، ونصب الراية ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤، والتلخيص الحبير ٥/ ٧٧ - ٧٨، وفتح الباري ٢/ ٦٣٩ - ٦٤٠.
(٨) ورجحه ابن خزيمة، والخطابي، وابن المنذر. انظر: صحيح ابن خزيمة ٢/ ٣٢٧، معالم السنن ١/ ٧٠٢ ونقله عنه الرافعي في فتح العزيز ٥/ ٧٧، الأوسط لابن المنذر ٥/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قوله (١): "و(٢) الجماعة فيهما (٣) مسنونة" (٤) يجوز أن يجعل معطوفًا على الاستثناء، أي: وإلا في أن الجماعة فيهما (٥) مسنونة قولًا واحدًا، بخلاف صلاة العيد، فإن في إلحاقها بالجمعة في اشتراط الجماعة خلافًا سبق، وهذا على طريقة من قطع هنا (٦) بنفي الاشتراط (٧). ومن أصحابنا من طرد ذلك الخلاف في الخسوفين (٨)، فعلى هذا يجعل كلامًا مستأنفًا واقتصارًا منه على الأصحَّ.
(الأصح) (٩) في المسبوق المدرك للركوع الثاني أنه لا يكون مدركًا (١٠)؛ لأنه مع أنه تعدى بالرخصة عن موضعها إلى ما لا تشبهه، يوقع (١١) في خبط وتغيير
_________________
(١) في (أ): وقوله.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (أ): فيها، وهي موافقة لما في الوسيط.
(٤) الوسيط ٢/ ٧٩٧.
(٥) في (أ): فيها.
(٦) في (أ) و(ب): ههنا.
(٧) انظر: المهذَّب ١/ ١٢٠ - ١٢١، المجموع ٥/ ٤٥.
(٨) قال إمام الحرمين: "ذكر شيخنا الصيدلاني أن من أئمتنا من خرَّج في صلاة الخسوفين وجهًا أن الجماعة شرط فيها كالجمعة". نهاية المطلب ٢/ ل١٢٠/ ب، وراجع: فتح العزيز ٥/ ٧٥.
(٩) زيادة من (أ) و(ب).
(١٠) قال الغزالي: "فروع ثلاثة: الأول: المسبوق إذا أدرك الركوع الثاني نقل البويطي أنه لا يكون مدركًا؛ لأن الأصل هو الأول، وقال صاحب التقريب: يصير مدركًا للقومة التي قبلها، فيبقى عليه قيام واحد وركوع واحد، والأول أصح". الوسيط ٢/ ٧٩٧.
(١١) في (د): نشتبه فوقع، والمثبت من (أ) و(ب).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
لنظم الصلاة المعهودة، فإنه إذا بقي عليه قومة وركوع فحسب فيلزم في التدارك أحد محذورين: إما أن يقعد عن اعتداله من الركوع ويتشهد ويسلَّم؛ لأن السجود (١) أتى به، ووقع محسوبًا له كما قبله، وإما أن يعود ويسجد مرَّة أخرى، وكل واحد منهما تغيير لنظم هذه (٢) الصلاة، والله أعلم.
قوله: "في جنح (الليل) (٣) " (٤) هو بكسر الجيم وضمه أي طائفة منه (٥).
قوله: (٦): "لأن الليل باق، وسلطان القمر في جميعه" هذا كلام الأصحاب (٧)، وليس ينثلج الصدر به، ولعل تحقيقه - والله أعلم -: أن بقاء (٨) الليل الذي هو مظنة سلطانه - مع أن الأصل بقاء الخسوف في نفسه - يوجب بقاء شرعية الصلاة، كما إذا غطَّاه غيم، بخلاف ما إذا طلعت الشمس في الخسوف، أو غربت في الكسوف فإن ذلك كزوال الكسوف بالانجلاء؛ من حيث إن القمر الخاسف أو الشمس الكاسفة مجموع يتركب من ذات ووصف،
_________________
(١) في (أ): التشهد.
(٢) سقط من (ب).
(٣) زيادة من (أ) و(ب).
(٤) الوسيط ٢/ ٧٩٧ حيث قال: "تفوت صلاة الكسوف بالانجلاء، وبغروب الشمس كاسفة وتفوت صلاة الخسوف بالانجلاء، وبطلوع قرص الشمس، ولا تفوت بغروب القمر في جنح الليل خاسفًا؛ لأن الليل باق، وسلطان القمر في جميعه". أهـ
(٥) انظر: الصحاح ١/ ٣٦٠، القاموس المحيط ١/ ٣٠٠.
(٦) في (أ) و(ب): وقوله.
(٧) انظر: الحاوي ٢/ ٥١١، الإبانة ل٥٣/ أ، المهذَّب ١/ ١٢٣.
(٨) في (أ): يقال.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
فكما يعدم المجموع بانتفاء الوصف الذي هو الكسوف، يعدم بانتفاء الذات (١) التي هي القمر أو الشمس، وفي زوال محلهما من ليل ونهار (٢) زوالهما؛ لأن وجود الشيء إنما يكون في محله، وذات الشمس وإن بقيت بعد الغروب على الجملة فلم تبق على الوجه الذي (٣) كانت باعتباره شمسًا؛ لأن الشمس نور خاصِّيته إضاءة ما بين الخافقين، فلا يبقى مع انتفائها شمسًا، وإن بقي شمسًا فلا يبقى شمسًا يصلى لكسوفه؛ لأن الصلاة مخصوصة بخسوف ما يضيء هذا العالم، لما (٤) لا يخفى من تأثيره في اقتضاء الفزع والالتجاء عند فقدانه. إذا ظهر ذلك ففي ما إذا غاب القمر في الليل لم يثبت زوال الخسوف بواحد من الطريقين (٥) بخلاف الباقي.
قوله فيما إذا غاب القمر خاسفًا بعد طلوع الصبح: "الجديد: أنه لا يفوت" (٦) فيه إشارة إلى أن الصحيح أنها لا تفوت (٧)، والله أعلم.
الأصحُّ من القولين فيما إذا اجتمع صلاة العيد وصلاة الكسوف ولم يخف فوات العيد (٨): أن (٩) يبدأ بصلاة الكسوف (١٠)، والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): اللذات.
(٢) في (ب): الليل والنهار.
(٣) في (ب): التي.
(٤) سقط من (ب).
(٥) وهما الانجلاء، وطلوع قرص الشمس كما تقدَّم نقله عن الوسيط، والله أعلم.
(٦) الوسيط ٢/ ٧٩٧.
(٧) انظر: الحاوي ٢/ ٥١١، المجموع ٥/ ٥٥.
(٨) قال الغزالي: "إذا اجتمع عيد وخسوف وخيف الفوات فالعيد أولى. وإن اتسع الوقت فقولان: أحدهما: الخسوف أولى؛ لأنه على عرض الفوات والانجلاء. والثاني: العيد أولى؛ لأنه سنة مؤكدة ربما يعوق عنها عائق".أهـ الوسيط ٢/ ٧٩٧ - ٧٩٨.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) انظر: الحاوي ٢/ ٥٠٩، الإبانة ل٥٣/ أ.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قوله: "ولو أنكر منجِّم وجود الكسوف (١) يوم العيد، لم (٢) نزده على قولنا: إن الله على كل شيء قدير" (٣) ردٌّ لدعواه امتناعه، وهو إشارة إلى الوجه الذي يبيِّن الأصحاب فيه إمكانه ووقوعه (٤) بما رواه الزبير بن بكَّار (٥) في "الأنساب" (٦) من موت إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - في العاشر أو (٧) الثالث عشر من شهر ربيع الأول. وروى لنا (٨) ما رواه البيهقي بإسناده (٩): أن الشمس كسفت يوم قتل الحسين - ﵁ -. وقتل يوم عاشوراء بلا إشكال (١٠).
قوله: "قال الشافعي: يخطب (١١) للجمعة والكسوف خطبة واحدة يتعرَّض فيها للكسوف والجمعة (١٢) " (١٣) هذا فيه تغيير للفظ الشافعي في
_________________
(١) في (ب): وجود الكسوف، ولم يخف فوات العيد أن يبدأ بصلاة الكسوف. وهذا سبق نظر.
(٢) سقط من (ب).
(٣) الوسيط ٢/ ٧٩٨.
(٤) انظر: الحاوي ٢/ ٥٠٩، معرفة السنن والآثار ٣/ ٩١، فتح العزيز ٥/ ٨٣.
(٥) النسَّابة الحافظ أبو عبد الله الزبير بن بكَّار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي المدني المكي، مصنَّف كتاب "جمهرة نسب قريش وأخبارها"، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة"، روى حديثه ابن ماجه، توفي سنة ٢٥٦ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٥، السير ١٢/ ٣١١، شذرات الذهب ٢/ ١٣٣، تقريب التهذيب ص: ٢١٤.
(٦) انظر النقل عنه في: معرفة السنن والآثار ٣/ ٩١.
(٧) في (ب): أو في.
(٨) انظر النقل عنه في الموضع السابق من معرفة السنن والآثار.
(٩) انظر: السنن الكبرى كتاب صلاة الخسوف ٣/ ٤٦٨ رقم (٦٣٥٢)، وراجع معرفة السنن والآثار ٣/ ٩١، وفي سنده ابن لهيعة.
(١٠) انظر: البداية والنهاية ٨/ ٢٠٠.
(١١) في (أ) و(ب): ويخطب.
(١٢) قوله: (والكسوف والجمعة) سقط من (ب).
(١٣) الوسيط ٢/ ٧٩٨. وبعده: حتى لا يطول الوقت.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
"المختصر" (١) بما يوهم غير الصواب، وذلك أن الشافعي قال: "يخطب للجمعة (٢) ويذكر فيها الكسوف". وقال في مسألة اجتماع العيد والكسوف: "يخطب للعيد والخسوف". وبين الكلامين فرق في المعنى يقتضيه افتراق المسألتين في أن خطبته لا تكون للجمعة والخسوف؛ إذ لو (٣) نوى بخطبته الجمعة والكسوف لم يجز؛ لأن خطبة الجمعة فرض، والتشريك بين الفرض والنفل غير جائز على ما عرف (٤). ولو نوى في المسألة الأخرى الخطبة للعيد والكسوف لجاز (٥)؛ لكونهما سنتين، والله أعلم.
ثم إن قوله: "خطبة واحدة" ليس معناه أنها خطبة فردة، بل معناه أنه لا يزيد على الخطبتين اللتين للجمعة، والله أعلم (٦).
قال: "وكذا يفعل عند اجتماع العيد والكسوف" (٧) هذا كما قال، وإن لم يلزم التوالي بين (٨) أربع خطب كما لزم في بعض صور المسألة التي قبلها، وهي ما (٩) إذا قدَّم الخسوف على الجمعة عند اتساع الوقت، فإنه لو خطب لهما
_________________
(١) انظره ص: ٣٨.
(٢) في (ب): في الجمعة.
(٣) في (أ): إذا.
(٤) انظر: فتاوى ابن الصلاح ١/ ٢٣٦، الأشباه والنظائر للسيوطي ص: ٢٢.
(٥) في (أ) و(ب): جاز.
(٦) قوله: (ثم إن إلخ) سقط من (ب).
(٧) الوسيط ٢/ ٧٩٨. وقبله: ولا بأس بوقوع الخطبة قبل صلاة الكسوف؛ لأنها ليست من شرائطها، وكذا يفعل إلخ.
(٨) في (أ): على.
(٩) سقط من (ب).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
لتوالت أربع خطب، فلا يجمع ههنا أيضًا مع أن خطبتين تقعان (١) بين الصلاتين، وخطبتين بعدهما، وذلك للاستغناء بخطبتين فقط ويكونان ههنا على الشركة بينهما، بخلاف الجمعة.
صلاة (٢) الجنازة تقدَّم على الصلوات (٣) المذكورة عند ضيق الوقت واتساعه؛ لما يخشى عليه من الانفجار إلا مع الجمعة عند ضيق الوقت (٤)، وهذا يتوقف على تكلف في تصويره؛ فإن صلاة الجنازة لا يكاد يظهر تأثيرها في تفويت الجمعة لقرب زمانها، فالصحيح عند هذا تقديم الجمعة؛ لأنها آكد من وجوه، وسقوطها إلى بدل لا يوجب ترجيح صلاة (٥) الجنازة عليها، وقد حققت ذلك في المسألة التي أفردتها في أن تارك صلاة الجمعة (٦) يقتل.
قوله: "ولا يصلى لغير الخسوفين" (٧) معطوف على ما قبله في أنه أيضًا قول الشافعي - ﵁ -. أي هذه الصلاة المخصوصة. وأما بالنظر إلى مطلق الصلاة فلا
_________________
(١) في (أ): تقع.
(٢) في (أ): وصلاة.
(٣) في (أ): الصلاة.
(٤) قال الغزالي: "ولو اجتمع جنازة مع هذه الصلوات فهي مقدمة إلا مع الجمعة عند ضيق الوقت ففيه خلاف، والأصح تقديم الجمعة، ووجه تقديم الجنازة أن الجمعة لها بدل". أهـ الوسيط ٢/ ٧٩٨.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ب): الجماعة.
(٧) الوسيط ٢/ ٧٩٨. حيث قال الغزالي: "ثم قال الشافعي: ولا يبرز بالناس؛ لأنه ربما يفوت بالبروز. ولا يصلى لغير الخسوفين من الآيات كالزلازل وغيرها".أهـ وانظر قول الشافعي في الأم ١/ ٤٠٩.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
منع إلا في أنه لا يصلي لها جماعة، إذ تستحب الصلاة فرادى ذكره صاحب "التهذيب" (١)، وأشار إليه صاحب المذهب (٢).
_________________
(١) انظر: التهذيب ص: ٧٥٣.
(٢) في (أ) و(ب): المهذَّب، وقد نصَّ عليه الإمام الشافعي في الأم ١/ ٤٠٩، وانظر المهذَّب ١/ ١٢٣.
[ ٢ / ٣٨٠ ]