الحديث الذي ذكره (١) رواه (٢) أبو داود (٣)، وغيره (٤) من حديث أبي ذر فيمن يجنب عند عدم الماء أن رسول الله - ﷺ - قال (٥): (يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك). قد روى بغير هذا اللفظ (٦)، وهو على هذا الوجه قال على أصل في الباب يشكل إثباته وهو: أن التيمم لا يرفع الحدث (٧)؛ لأن وجدان الماء ليس من الأسباب الموجبة للغسل والطهارة، والله أعلم.
قوله: "أن يتحقق عدم الماء حواليه" (٨) صورته: أن يكون في بعض رمال البوادي التي يُقْطع فيها من حيث مجاري العادات أن لا ماء فيها، والله أعلم.
_________________
(١) قال الغزالي: "الباب الأول: فيما يبيح التيمم: وهو العجز عن استعمال الماء ولقوله - ﵇ -: التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج". أهـ الوسيط ١/ ٤٣١.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في سننه كتاب الطهارة، باب التيمم ١/ ٢٣٧ رقم (٣٣٣).
(٤) رواه كذلك الترمذي في جامعه أبواب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء ١/ ٢١١ رقم (١٢٤) وقال: "وهذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في سننه كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد ١/ ١٨٧ رقم (٣٢١)، وأحمد في المسند ٥/ ١٤٦، وابن حبَّان في صحيحه - انظر الإحسان ٤/ ١٣٥ رقم (١٣١١) -، والدارقطني في سننه ١/ ١٧٦، والحاكم في المستدرك ١/ ١٨٦ وقال: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه"، وصححه النووي في المجموع ٢/ ٢٢٠، ٢٤٤.
(٥) في (أ): قال له.
(٦) انظر: سنن أبي داود الموضع السابق رقم (٣٣٢)، وسنن النسائي الموضع السابق.
(٧) انظر: المهذب ١/ ٣٣، نهاية المطلب ١/ ل ٦٨/ أ، المجموع ٢/ ٢٢٠.
(٨) الوسيط ١/ ٤٣٢. وبعده: فيتيمم من غير طلب، إذ لا معني للطلب مع اليأس.
[ ١ / ٢١٩ ]
الضبط الذي ذكره في مكان الطلب (١)، جاء به إمام الحرمين من عنده (٢). وشرحه: أن يطلب الماء حواليه إلى حيث لو استغاث برفقته للحقه غوثهم على القرب مع (٣) ما هم عليه (٤) من تشاغلهم بأشغالهم، وذلك يختلف باختلاف الأماكن صعودًا وهبوطًا، و(٥) باختلاف أحوال الرفقة، ونحو ذلك، ثم إنه أتى به في "الوسيط" (٦)، وغيره (٧) مطلقًا، وذلك (٨) يوهم إيجاب التردد إلى حد يلحقه الغوث مطلقًا، وذلك من المغلطات في المذهب، الحادثات من كتبه، وذلك أنه إذا كان في فضاء مستوٍ من الأرض يتسرَّح الطرف فيه، لا حائل فيه يمنع من نفوذ البصر من أكمة (٩)، ووهدة (١٠)، وغيرهما فالطلب الواجب فيه (١١) أن ينظر يمينه وشماله، وأمامه ووراءه من غير أن يزايل موضعه ويتردد، لا إلى
_________________
(١) سقط من (أ). قال الغزالي: "الحالة الثالثة: أن يتيقن وجود الماء في حد القرب فيلزمه السعي إليه، وحد القرب: إلى حيث يتردد إليه المسافر للرعي والاحتطاب، وهو فوق حد الغوث". أهـ الوسيط ١/ ٤٣٢.
(٢) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٧٨/ ب.
(٣) سقط من (أ).
(٤) سقط من (أ).
(٥) سقط من (أ)، وفي (ب): أو.
(٦) ١/ ٤٣٢.
(٧) كالبسيط ١/ ل ٣٩/ أ.
(٨) سقط من (ب).
(٩) الأكمة: الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله، وهي دون الجبال. انظر: القاموس المحيط ٤/ ٧٠٦.
(١٠) الوهدة: المكان المطمئن. انظر: الصحاح ٢/ ٥٥٤، لسان العرب ١٥/ ٤١٣.
(١١) سقط من (ب).
[ ١ / ٢٢٠ ]
حيث يلحقه الغوث ولا غيره، هذا هو المنصوص (١) للشافعي (٢) - ﵁ - المنقول في كتاب "جمع الجوامع في منصوصاته" (٣)، وفي غيره (٤)، ورأيته (٥) مقطوعًا به في غير واحد من مصنفات الأصحاب (٦)، وشيخه الذي من تصرفه بتحديد التردد بمحل الغوث لم يقله في هذه الحالة، بل مخصوصًا (٧) بالمكان غير المستوي (٨)، والله أعلم.
والمتحصَّل مما ذكره: أنه (٩) إذا تيقن وجود الماء في حد القرب لزمه طلبه .. إلى آخر ما ذكره (١٠): أنه (١١) يلحظ في القرب من حيث مسافة المكان: ما يتردد إليه
_________________
(١) في (أ) و(ب): منصوص.
(٢) في (ب): الشافعي.
(٣) وهو مفقود، ولم أجد من نقل عنه فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
(٤) انظر: مختصر البويطي ل ٢/ ب
(٥) في (أ): ورواية، وهو خطأ.
(٦) انظر: المهذب ١/ ٣٤، ونقله إمام الحرمين عن صاحب التقريب في نهاية المطلب ١/ ل ٧٨/ أ، وراجع المجموع ٢/ ٢٥٠.
(٧) في (ب): بل مخصوص.
(٨) انظر: نهاية المطلب الموضع السابق.
(٩) في (ب): (قوله)، بدلًا عن (والمتحصل مما ذكره: أنه).
(١٠) قال الغزالي: "إن تيقن وجود الماء في حد القرب، فيلزمه السعي إليه. وحدُّ القرب إلى حيث يتردد إليه المسافر للرعي والاحتطاب، وهو فوق حد الغوث، فإن انتهى البعد إلى حيث لا يجد الماء في الوقت فلا يلزمه، وإن كان بين الرتبتين فقد نص الشافعي - ﵁ - أنه يلزمه الطلب إن كان على يمين المنزل ويساره، ونص فيما إذا كان قدامه على صوب مقصده: أنه لا يلزمه، فقيل قولان بالنص والتخريج وهو الأصح: أحدهما: أنه يجب؛ لأنه علق التيمم بالفقد، وهذا غير فاقد. والثاني: لا يجب؛ لأنه في الحال فاقد " الوسيط ١/ ٤٣٢.
(١١) في (ب): والمتحصل أنه.
[ ١ / ٢٢١ ]
المسافر للرعي والاحتطاب، ومن حيث الزمان: مصادفة الماء في وقت الصلاة. فإن اجتمع الأمران: بأن كان على مسافة الرعي، ويلقاه (١) في الوقت فهو قريب يلزمه السعي إليه بلا خلاف، وإن انتفى الأمران بأن كان فوق مسافة الرعي، ولا يلقاه في الوقت فبعيد لا يلزمه السعي إليه بلا خلاف، وإن كان بين الرتبتين: أي بأن (٢) كان فوق مسافة الرعي، ويلقاه في الوقت ففي وجوب السعي إليه القولان المذكوران. هذا مراده بما بين الرتبتين، وقد (٣) يتحقق ما بين الرتبتين على العكس: بأن يكون الماء قريبًا من حيث المكان، بعيدًا من حيث الوقت والزمان، وفي ذلك أيضًا قولان، وهذا هو (٤) ما ذكره بعد هذا (٥) في الحالة الرابعة فيما لو لاح للمسافر ماء على حدِّ القرب، ولو اشتغل به لخرج الوقت قبل وصوله إليه (٦). ثم اعلم أن اعتبار مسافة الرعي والاحتطاب في حد القرب من تصرفات شيخه الإمام أبي المعالي (٧)، لم أجده لغيره بعد بحثي عنه من مدة طويلة (٨)، والمنصوص المعروف الذي قطع به غيره اعتبار القرب بالوقت في هذا الماء الذي علم مكانه: فما أمكن وصوله إليه في الوقت فهو قريب يلزمه طلبه، وما لا فلا (٩). فجعلوا هذا الطلب مخالفًا للطلب فيما إذا لم
_________________
(١) في (أ): فيلقاه.
(٢) سقط من (أ) و(ب).
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (أ): هذا هو حدُّ
(٥) سقط من (ب).
(٦) انظر: الوسيط ١/ ٤٣٤.
(٧) انظر: المطلب العالي ١/ ل ٩٣/ أ - ب.
(٨) سقط من (أ) و(ب).
(٩) انظر: منصوصًا في الأم ١/ ١١٠، وبه قطع الشيرازي في المهذب ١/ ٣٤، ونقله النووي عن الأصحاب كلهم. انظر: المجموع ٢/ ٢٥٨.
[ ١ / ٢٢٢ ]
يعلم وجود الماء، في أن ذلك أخف؛ لكون المطلوب غيرموثوق بالظفر به. وألجأه إلى تصرفه المذكور (١) النص الذي نقله (٢): "أن الماء إذا كان قدام المسافر على صوب مقصده، وهو سائر نحوه، ويعلم أنه ينتهي إليه قبل انقضاء الوقت إن لم يعقه عائق، فالتيمم جائز له (٣) في أول الوقت". وإن من الأصحاب من سوّى في هذا بين أن يكون الماء قدامه، وأن يكون على يمين المنزل أو (٤) يساره (٥). فأحوج الإمام ذلك إلى أن يحمل هذا على ما إذا كان هذا الماء منه ليس على مسافة الطلب، التي يلزم المسافر طلبه منها حيث يتوهم الماء حواليه، بل فوق تلك المسافة، إذ لا بدَّ من فرق (٦) بين المتوهم والمستيقن، فرأى ضبط ذلك بمسافة الرعي والاحتطاب. فتحصل من ذلك في حد القرب في الاء المستيقن مذهبان: أحدهما: التحديد بالوقت. والثاني: التحديد بمسافة المكان - مسافة الرعي - وهذا مذهب ضعيف مخترع، لم يكن (٧) لصاحب الكتاب أن يجعل كلامه مدارًا عليه؛ فإنه ناشئ من المصير إلى إثبات قول: إن المسافر النازل في منزل يعلم وجود الماء منه بحيث (٨) ينتهي إليه في الوقت لا يلزمه طلبٌ (٩)
_________________
(١) سقط من (أ).
(٢) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٩٢/ ب.
(٣) في (أ): له جائز، بالتقديم والتأخير
(٤) في (د) و(ب): [و]، والمثبت من (أ).
(٥) انظر: التهذيب ص: ٢٤٦، فتح العزيز ٢/ ٢٠٨، المجموع ٢/ ٢٥٨.
(٦) في (د): إذ لا فرق، والمثبت من (أ) و(ب)، غير أن في (أ): من الفرق، بالألف اللام.
(٧) في (أ). لم يكن ينبغي.
(٨) في (د): حيث، والمثبت من (أ) و(ب).
(٩) في (أ) و(ب): طلبه.
[ ١ / ٢٢٣ ]
ويتيمم، وتأويله على ما إذا كان فوق مسافة الطلب، ولا يصح ذلك؛ فإنه (١) متلقىً من نصِّه في المسافر السائر لا النازل. وفي السائر ورد حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور (٢)، وقد رواه مالك (٣)، والشافعي (٤)، وغيرهما (٥) بنحوٍ من لفظه في الكتاب، وبينهما فرق وهو: أن السائر لا يعد تاركًا لطلب (٦) الماء الذي يسير إليه، والنازل يعدُّ تاركًا لطلب الماء الموجود في جانب من جوانب (٧) منزله (٨). وقد نقل صاحب "التهذيب" (٩) في السائر: أن المذهب التيمم له مع كونه على ثقة من وصوله (في طريقه) (١٠) إلى الماء (١١) قبل خروج الوقت لحديث ابن عمر، وعن (١٢) "الإملاء" (١٣): أنه لا يجوز ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) في (ب): لأنه.
(٢) قال الغزالي: "وروي أن ابن عمر تيمم فقيل: أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك؟ فقال: أوَ أحيا حتى أدخلها، ثم دخل المدينة والشمس حيَّة، ولم يقض الصلاة"، الوسيط ١/ ٤٣٣.
(٣) في الموطأ - مع الزرقاني - كتاب الطهارة، باب العمل في التيمم ١/ ١٦٥ برقم (١١٩).
(٤) في الأم ١/ ١١٠، والمسند ص: ٣٥٩.
(٥) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في صحيحه - مع الفتح - كتاب التيمم، باب التيمم في الحضر ١/ ٥٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطهارة ١/ ٣٤٢ رقم (١٠٦٤)، وصححه النووي في التنقيح ل ٥٨ / أ.
(٦) في (ب): للطلب.
(٧) في (أ): لطلب الماء من جوانب الموجود في جانب، بالتقديم والتأخير
(٨) في (ب): المنزل.
(٩) انظر: التهذيب ص: ٢٤٥.
(١٠) زيادة من (أ) و(ب).
(١١) في (ب): الجانب.
(١٢) في (ب): ومن.
(١٣) في (د): الأم، والمثبت من (أ) و(ب). وهو الموافق لما في التهذيب.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ثم إن هذا أول موضع من الكتاب جرى فيه ذكر قولين بالنقل والتخريج (١) فلنشرح ذلك قائلين: إذا نصَّ الشافعي في مسألة على حكم، ونصَّ في مسألة أخرى تماثلها على حكم آخر يخالفه، ونظر الأصحاب فلم يجدوا بينهما فرقًا، فإنهم يسوُّون بينهما فيخرِّجون ما نصَّ عليه من الحكم في هذه في تلك، وما نصَّ عليه في تلك (٢) في هذه معتمدين في (٣) التسوية بينهما على عدم الفارق بينهما، غيرمتوقفين على علَّة جامعة بينهما، كما يفعله المجتهد في (٤): قياس لا فارق في منصوص الشارع، فيحصل عند ذلك في كل (٥) واحدة من المسألتين قولان: بالنقل والتخريج، ثم جائز أن يُراد به أنَّ في كل مسألة منهما قولًا منقولًا (٦) عن الشافعي وقولًا مخرَّجًا، وجائز أن يُراد به أنه صار في كل مسألة بنقل المنصوص من صاحبتها، والتخريج فيها قولان، وبهذا يشعر قولهم: فمن الأصحاب من نقل وخرَّج وجعلهما على قولين. وأكثر ذلك ما تكلف فيه بعض الأصحاب فرقًا بين المسألتين، فقرر النصين قرارهما ولم يخرِّج فكان فيها (٧) طريقتان (٨). ثم إن القول المخرج هل ينسب إلى الشافعي - ﵁ - فيه كلام ذكرناه في كتاب "الفتوى" (٩) - وهو الكتاب الفرد الذي لا عوض عنه للفقيه - والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الوسيط ١/ ٤٣٤.
(٢) في تلك: سقط من (أ).
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (أ): المجتهدون.
(٥) سقط من (ب).
(٦) سقط من (ب).
(٧) ق (أ): فيهما.
(٨) في (أ): طريقان. وانظر فتح العزيز ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧، التنقيح ل ٥٧/ ب - ل ٥٨/ أ.
(٩) انظر: ١/ ٣٣ - ٣٤ نقل فيه عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه لا يجوز أن ينسب إليه.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قوله: "إن (١) تيقن وجود الماء قبل مضيَّ الوقت" (٢) هذا (٣) اليقين راجع (٤) إلى نفس الماء، أي هو معلوم الوجود بمجاري العادات كماء (٥) الفرات ودجلة.
قوله (٦): "وإن توقعه بظنِّ غالب" (٧) فقوله "غالب" صفة لازمة للظن، فهي للبيان، لا للاحتراز (٨)، وذلك كماء الغدران (٩) عقيب المطر، والله أعلم.
المقيم الحاضر (١٠) إنما لم يجز له التيمم مع وجود الماء إذا تنبه من غفلة، أو نوم، أو نحو ذلك، وكان بحيث لو تيمم أدرك الوقت، ولو اشتغل بالوضوء فاته الوقت، بخلاف ما لو لاح للمسافر ماء قريب، ولو اشتغل به (١١) لفات
_________________
(١) في (ب): وإن.
(٢) الوسيط ١/ ٤٣٣. وقبله: التفريع: إن قلنا: يجوز التيمم فما الأولى؟ نظر إن تيقن وجود الماء الخ
(٣) في (أ) زيادة: (في آخر الوقت) قبل (هذا)، وهي مقحمة غير موجودة في (د)، ولا (ب)، ولا المطبوع من الوسيط.
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (أ) و(ب): كما في.
(٦) في (أ) و(ب): وقوله.
(٧) الوسيط ١/ ٤٣٣. وبعده: فقولان الخ
(٨) انظر: التنقيح ل ٥٨ / أ.
(٩) في (أ): كالغدران.
(١٠) في (أ): الخاص.
(١١) سقط من (أ).
[ ١ / ٢٢٦ ]
الوقت فإنه يتيمم على أحد القولين كما ذكره (١). وفرَّق بينهما (٢) في الدرس: بأن السفر يكثر فيه مثل هذا، فتثبت الرخصة فيه، بخلاف الحضر، والله أعلم.
ما ذكره من أنه يعصى بهبته الماء بعد دخول الوقت من غير غرض للمتهب (٣)، يوهم إطلاقه أنه لا يعصي إذا كان للمتهب فيه غرض؛ إن (٤) كان مثل غرض الواهب أو دونه، بأن كان غرضه طهارة مثل طهارته أو دونها، وهذا قد يوجَّه بما ذكره شيخه (٥) من قوله: "لو كان محتاجًا فهو أولى بمائه، وله أن يؤثر رفيقه على نفسه، فإن الإيثار من شيم الصالحين". ولكن ليس الأمر فيه على ذلك؛ فإن هذا كان أطلقه فمراده منه: ما إذا كان عطشانًا، ورفيقه عطشانًا، فله إيثار رفيقه بمائه، فإنه قد قال بعد قوله هذا بنحو ورقة (٦): "لو كان للرجل ماء فهو أولى بمائه من كل محدث، وليس له أن يؤثر محدثًا على (٧) نفسه
_________________
(١) قال الغزالي: "الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضرًا كماء البئر إذا تنازع عليه النازحون، وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد فوات الوقت - ثم ذكر أن فيها قولين بالنقل والتخريج: أحدهما: يصبر ولا يتيمم، والثاني: يتعجل ويتيمم، ثم قال عقيبه - وهو جار فيما لو لاح للمسافر ماء في حد القرب، وعلم أنه لو اشتغل به لفاتته الصلاة. ولا جريان له في المقيم بحال حتى إذا ضاق عليه الوقت، وعلم فواته لم يتيمم، هكذا قاله الأصحاب". الوسيط ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر: الوسيط ١/ ٤٣٦.
(٤) قوله: (يوهم إن) سقط من (أ)، غير أن في (ب): وإن.
(٥) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٩٦/ ب.
(٦) انظر: ١/ ل ٩٨/ ب.
(٧) في (أ): عن.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ويتيمم (١)؛ فإن الإيثار إنما يسوغ في حظوظ الأنفس والمهج، لا فيما يتعلق بالقرب والعبادات". ذكر هذا في مسألة: "الجماعة المحتاجين (٢) ينتهون إلى ماء مباح فمن يكون أولى به؟ ". وهكذا ذكره صاحب الكتاب نحو ذلك في هذه المسألة (٣) فلنقطع إذًا بأن غرض المتَّهِب الذي تجوز الهبة من أجله غرض العطش ونحوه مما يدفع فيه بالماء التلف.
وذكر الإمام في (٤) مسألة الماء المباح (٥): أن الأصحاب أجروا فيها تفاصيل الصور الآتية في مسألة الماء المأمور بدفعه إلى أولى الناس به (٦)، ونسبهم إلى الغلط في ذلك وتبعه هو على ذلك في "البسيط" (٧) ذهابًا إلى أن الصواب قسمة الماء بينهم على السواء لتساويهم في سبب الملك، وعدم تأثير زيادة الحاجة في ذلك. والانتصار للأصحاب: أنهم لم يملِّكوا الماء بمجرد الانتهاء إليه قبل الأخذ، وإنما ثبت لهم حق التملك، فيستحب لأحدهم الإعراض عن التملك لمن هو أولى منه (٨)، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): ولا يتيمم.
(٢) في (أ) و(ب): من المحتاجين.
(٣) حيث قال: "والمالك إن كان محدثًا أولى بماء ملكه من الجنب". الوسيط ١/ ٤٣٨.
(٤) في (ب): في المسألة المذكورة مسألة الخ
(٥) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٩٨/ ب.
(٦) أي فيما لو سلَّم الماء إلى وكيله وقال له: سلمه إلى أولى الناس به. فحضر جنب، وحائض، وميت، فمن أولى به؟. انظر المسألة والخلاف فيها في: نهاية المطلب ١/ ل ٩٧/ ب، الوسيط ١/ ٤٣٨.
(٧) في (ب): الوسيط. وانظر البسيط ١/ ل ٤١/ ب.
(٨) انظر: فتح العزيز ٢/ ٢٥٤.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ثم إنه (١) ذكر السبب الثاني للعجز: أن يخاف على نفسه أو ماله (٢). ثم ذكر أن فيه مسألتين: إحداهما: لو وهب منه الماء. والثانية: لو بيع منه بغبن (٣). ولقائل أن يقول: أين (٤) هذا من ذلك؟ وجوابه: أن تقدير الكلام: السبب الثاني: أن يكون الماء حاضرًا، ولكن يحول بينه وبينه حائل، ومن الحائل (٥) أن يكون مملوكًا لغيره، فلو وهبه منه، أو باعه منه، فالحكم فيه ما ذكره (٦) إلى آخره، والله أعلم.
قوله: "وفي قدر ثمن المثل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قدر أجرة نقل الماء (٧)، فيه تعرف الرغبة فيه، وإن كان مملوكًا على الأصح، وهذا أعدل الوجوه" (٨) في هذا إشارة منه إلى أن هذا الوجه أصح، وصرَّح بأنه الأصح في "الوجيز" (٩)، وخالف بذلك (١٠) جمهور المصنفين (١١)، وهو وإن كان أعدل من وجه، ففيه
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) في (ب): ماله أو نفسه، بالتقديم والتأخير
(٣) انظر: الوسيط ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٤) في (أ): إن.
(٥) في (د): الجانز، والمثبت من (أ) و(ب).
(٦) في (أ): ما ذكر فيه. وقد ذكر الغزالي حكم المسألة الأولى: وهي لو وهب منه الماء فعليه القبول إذ المنَّة لا تثقيل فيها. وحكم المسألة الثانية: وهي لو بيع الماء بغبن قال: لم يلزمه شراؤه الوسيط ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٧) سقط من (ب).
(٨) الوسيط ١/ ٤٣٧.
(٩) ١/ ١٩.
(١٠) سقط من (ب).
(١١) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٩٥/ ب، حلية العلماء ١/ ٢٤٥، فتح العزيز ٢/ ٢٣٦.
[ ١ / ٢٢٩ ]
اضطراب من وجه (١) وليت شعري ماذا (٢) يقول فيما (٣) إذا بعدت المسافة التي نقل منها، بحيث لا يلزمه السعي إليها إذا تيقن الماء فيها، ولا بذل أجرة لمن ينقل إليه الماء منها، وقد لا يكون منقولًا نقلًا لمثله أجرة كما إذا كان قد تناوله مالكه (٤) من غدير انتهى إليه، والله أعلم.
قوله في الوجه الثاني: "يعتبر بحالة السلامة واتساع الماء" (٥) أي في ذلك المكان الذي عدمه فيه مشتريه، والله أعلم (٦).
قوله: "وتوقع عطش الرفيق في المآل فيه نظر" (٧) تبع في هذا التردد شيخه (٨) وقد قطع غيرهما بأن الرفيق والبهيمة في ذلك كنفسه فيتيمم (٩)، والله أعلم.
(قوله) (١٠): "قال (١١) الشافعي - ﵀ -: لو كان معه ماء فمات، ورفقاؤه محتاجون (١٢) إليه لعطشهم، يمَّموه وشربوا الماء، وصرفوا ثمنه إلى
_________________
(١) من وجه: سقط من (أ) و(ب).
(٢) في (ب): ما.
(٣) سقط من (أ).
(٤) سقط من (ب).
(٥) الوسيط ١/ ٤٣٧.
(٦) من قوله: (قوله في الوجه الثاني إلى أخر الفقرة: سقط من (ب).
(٧) الوسيط ١/ ٤٣٧ وقبله: السبب الثالث: إن احتاج إليه لعطشه في الوقت، أو لدفع العطش في ثاني الحال، أو لعطش رفيقه في الوقت، أو لعطش حيوان محترم، فكل ذلك يبيح التيمم. وتوقع عطش رفيق الخ
(٨) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٩٦/ ب.
(٩) كالماوردي في الحاوي ١/ ٢٩٠، والقاضي حسين في التعليقة ١/ ٤٥٥.
(١٠) زيادة من (أ) و(ب).
(١١) سقط من (ب).
(١٢) في (أ): يحتاجون.
[ ١ / ٢٣٠ ]
ورثته؛ لأن مثل الماء لا قيمة له في (١) ذلك الموضع" (٢) عبارته هذه حاملة على اعتقاد (٣) أن الشافعي صرَّح بأنه لا يجب مثل الماء، بل قيمته، وليس كذلك، وإنما قال الشافعي: "ويؤدون الثمن في ميراث الميت" (٤). وهذه العلة ليست في كلامه، فاختلف أصحابه، فمنهم من قال: أراد بالثمن: المثل؛ لأن الماء مثلي فلا يترك فيه قاعدة ضمان (٥) المثليات. ومنهم من قال: أراد به القيمة (٦) وهو الذي ذكره (٧) وعلَّله صاحب الكتاب، والله أعلم.
قوله في نسيان الماء في رحله: "وفيه قوله قديم كما في (٨) نسيان الفاتحة، وترتيب الوضوء ناسيًا" (٩) هكذا وقع بسقوط كلمة "الترك"، وإنما هو: و(١٠) ترك ترتيب الوضوء ناسيًا (١١)، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ) و(ب): في مثل.
(٢) الوسيط ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨. وبعده: في غالب الأمر، فكان العدول إلى القيمة أولى. أهـ وانظر قول الشافعي في مختصر المزني ص: ١٠.
(٣) في (أ): اعتقاده.
(٤) مختصر المزنى ص: ١٠، ولفظه: ( وأدوا ثمنه في ميراثه).
(٥) سقط من (ب).
(٦) انظر: الحاوي ١/ ٢٩٢، التعليقة للقاضي حسين ١/ ٤٦١، الإبانة ل ١٧/ أ، المجموع ٢/ ٢٧٧.
(٧) في (د): ذكر، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) سقط من (ب).
(٩) الوسيط ١/ ٤٣٩. وقبله: السبب الرابع: العجز بسبب الجهل: وفيه أربع صور: إحداها: أن ينسى الماء في رحله بعد أن كان علمه، فتيمم وصلى، قضى صلاته وفيه قول قديم الخ
(١٠) سقط من (أ).
(١١) انظر: التنقيح ل ٦٠/ أ.
[ ١ / ٢٣١ ]
ذكر من الأمراض ما يلتبس (١) فذكر (٢) المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه فوت الروح، وذكر ما يخاف معه مرضًا مخوفًا، والفرق بينهما: أن في الأول نفس استعمال الماء يحصل منه الموت. وفي الثاني: بينهما واسطة؛ فيحصل من الاستعمال مرض، ومن ذلك المرض الموت.
وذكر شدة الضنى أو بطء البرء (٣) ففي بعض النسخ بالواو، وفي بعضها بـ أو. فشدة الضنى: تشتمل على زيادة النحافة، والضعف، وشدة الوجع. وبطء البرء هو تأخر (٤) العافية، وإن لم يزدد مقدار المرض (٥)، والله أعلم.
قوله: "على عضو ظاهر" (٦) الظاهر أن "الظاهر" هو (٧): ما يبدو في حالة المهنة غالبًا كالوجه واليدين (٨)، والله أعلم.
الخلاف الذي ذكره في تقدير مدة المسح على الجبيرة (٩) شاذ ذكره بعض الخراسانيين (١٠)، وقد ذكره الفوراني (١١)، وإمام الحرمين (١٢). ثم ذكر الإمام أن
_________________
(١) أي في السبب الخامس من الأسباب المبيحة للتيمم، وانظر الوسيط ١/ ٤٤٠.
(٢) في (د): "فذكر من"، وكأن "من" مقحمة هنا، وهي غير موجودة في (أ) و(ب).
(٣) قال الغزالي: "وإن لم يخف إلا شدة الضنى، وبطء البرء فوجهان". الوسيط ١/ ٤٤٠.
(٤) في (أ): تأخير.
(٥) انظر: التنقيح ل ٦٠/ أ، المطلب العالي ٢/ ل ٩٨/ أ - ب.
(٦) الوسيط ١/ ٤٤٠. حيث قال: "ولو خاف بقاء شين قبيح، فإن لم يكن على عضو ظاهر لم يتيمم".
(٧) سقط من (أ) و(ب).
(٨) انظر: التنقيح ل ٦٠/ أ.
(٩) قال الغزالي: "وهل ينزَّل المسح - أي على الجبيرة - منزلة مسح الخفِّ في تقدير مدته، وسقوط الاستيعاب؟ وجهان". الوسيط ١/ ٤٤٠. والصحيح من الوجهين: وجوب الاستيعاب، وعدم تقدير مدته انظر: المجموع ٢/ ٣٣٠، التنقيح ل ٦٠/ أ.
(١٠) انظر: المجموع ٢/ ٣٣٠، المطلب العالي ٢/ ل ١٠٢/ ب.
(١١) انظر: الإبانة ل ١٨/ ب.
(١٢) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٨٥/ أ.
[ ١ / ٢٣٢ ]
الخلاف مخصوص بما إذا أمكن رفع الجبيرة ووضعها من غير خلل يعود إلى العضو، فأما إذا كان رفعها يخلُّ بالعضو فلا خلاف أنه لا يجب رفعها (١)، وإنما الخلاف فيه إذا كان يتأتَّى النزع فيه والرفع بعد انقضاء كل يوم وليلة، وإن كان يتأتَّى النزع في كل وقت من غير خلل فلا يجوز المسح، ويجب غسل ما تحتها. قلت: إذا (٢) تأملت هذا وجدت حاصله رافعًا للخلاف (٣) في التوقيت. ثم إن اقتصاره مع الفوراني على ذكر اليوم والليلة في ذلك في أثناء الكلام مشعر بأنه لا يفترق بالسفر (٤) والحضر (٥)؛ لأن سببه المرض. ولا اعتماد على ما ذكره بعض الشارحين (٦) من أنه في السفر الطويل يتأقت على القول بالتأقيت بثلاثة (٧) أيام ولياليهن، من حيث النقل، وإن كان (٨) محتملًا من حيث المعنى، وكأنه شُبِّه عليه، والله أعلم.
قوله: "وهل يلزمه إلقاء اللصوق عند إمكانه؟ فيه تردد للأصحاب. وينقدح عليه التردد في وجوب لبس الخف على من وجد من الماء ما يكفيه لو مسح، ولا يكفيه لو غسل (٩) إلى آخره" (١٠) هذا نقله عن شيخه (١١)،
_________________
(١) في (أ) و(ب): رفعه.
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (أ): في الخلاف.
(٤) في (أ): يفرق في السفر.
(٥) انظر: المطلب العالي ٢/ ل ١٠٢/ ب
(٦) مراده به - على العادة - الرافعي، انظر فتح العزيز ٢/ ٢٨٢.
(٧) في (ب): ثلاث.
(٨) سقط من (ب).
(٩) في (ب): ما لا يكفيه لو غسل، ويكفيه لو مسح، بالتقديم والتأخير.
(١٠) الوسيط ١/ ٤٤١ - ٤٤٢. وقبله: السبب السابع: العجز بسبب الجراحة: فإن لم يكن عليه لصوق فلا يمسح على محل الجرح، وإن كان عليه لصوق فليمسح على اللصوق كالجبيرة. وهل يلزمه .. الخ
(١١) انظر: نهاية المطلب ١/ ل ٨٧/ أ.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وغيَّره تغييرًا قد يوهم (١) غير ما ينبغي. إنما حكى شيخه إيجاب ذلك عن شيخه (٢) - والده - وقال: "لم أرَ هذا لأحد من الأصحاب". واستبعده، ثم ذكر أنه قد (٣) يترتب عليه أنَّ من كان على طهارة وقد أرهقه حدث ووجد من الماء ما يكفيه لوجهه، ويديه، ورأسه، ولا يكفي لرجليه، ولو لبس الخفَّ لأمكنه أن يمسح على خفيه، فهل يجب عليه أن يلبس الخف ليمسح بعد الحدث عليه (٤)؟ قال: "فقياس ما ذكره شيخي: إيجاب ذلك، وهو بعيد عندي، ولشيخي أن ينفصل عنه بأن مسح الخفَّ رخصة محضة، فلا يليق بها إيجاب لبس الخف، وما نحن فيه من مسالك الضرورات فيجب فيه الإتيان بالممكن"، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): تغيرًا يوهم.
(٢) سقط من (ب).
(٣) سقط من (ب).
(٤) سقط من (أ).
[ ١ / ٢٣٤ ]