من الباب الأول منه:
إذا قلنا: إن الجماعة فرض كفاية (١) فالمعتبر في الكفاية أن تظهر إقامة الجماعة في جميع البلد، ولا يخفى على أهله إقامتها، وإن حصل ذلك بأقلهم، وتركها جماهيرهم (٢)، والله أعلم.
قوله: "قال - ﵇ -: (تقف إمامة النساء وسطهن) وكانت عائشة تفعل ذلك" (٣) أما رواية ذلك عن رسول الله - ﷺ - فلا يعرف (٤). وأما فعل عائشة فقد ذكره الشافعي (٥)، وبه احتج، وبمثله عن أم سلمة (٦)، وذكر آثارًا موقوفة غير مرفوعة إلى رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) قال الغزالي: "الباب الأول: في فضل الجماعة: وهي مستحبة غير واجبة إلا في صلاة الجمعة وقال بعض أصحابنا: هي فرض كفاية". الوسيط ٢/ ٦٩٥، وهي الصحيح في المذهب انظر: المجموع ٤/ ١٨٤، كفاية الأخيار ١/ ٢٥٥.
(٢) انظر: فتح العزيز ٤/ ٢٨٦، المجموع ٤/ ١٨٥ - ١٨٦، مغني المحتاج ١/ ٢٢٩.
(٣) الوسيط ٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦. وقبله: تحوز المرأة فضل الجماعة اقتدت برجل أو امرأة، قال - ﵇ -: .. إلخ.
(٤) روى البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ١/ ٦٠٠ رقم (١٩٢١) عن أسماء قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال جمعة، ولا تقدمهن امرأة ولكن تقوم في وسطهن). قال البيهقي: "هكذا رواه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو ضعيف، ورويناه في الأذان والإقامة عن أنس بن مالك موقوف، ومرفوعًا، ورفعه ضعيف". أهـ، وراجع تذكرة الأخيار ل ٧٨/ أ.
(٥) انظر: الأم ١/ ٢٩٢.
(٦) انظر: الأم الموضع السابق، والمسند ص: ٣٧٥. والآثار عن عائشة وأم سلمة رواها كذلك عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ١٤٠ - ١٤١، والدارقطني في سننه ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٧٨، وصحح إسنادهما النووي في المجموع ٤/ ١٩٩، وراجع نصب الراية ٢/ ٣٠ - ٣١، التلخيص الحبير ٤/ ٤٢٥.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قوله: "وردت رغائب في فضيلة التكبيرة الأولى" (١) فمنها ما روي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - (أنه اشتد إلى الصلاة ثم قال: بادروا حدَّ الصلاة) (٢). يعني: التكبيرة الأولى. ومنها ما روي أن السلف ﵃ كانوا يعزُّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، ويعزُّون سبعًا إذا فاتتهم الجماعة. ولم أقف على أسانيدها (٣)، ونقاد أهل الحديث يتسامحون في أسانيد الرغائب والفضائل (٤)، والله أعلم.
ما ذكره من أن فضيلة الجماعة (٥) لا تحصل لمن لم يدرك الركوع الأخير، وإنما أدرك بعده (٦). مخالف لما قطع به الشيخان: صاحب "المهذب" (٧)، و"التهذيب" (٨)،
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٦٩٦.
(٢) رواه الطبراني عن رجل من طي عن أبيه: (أن ابن مسعود خرج إلى المسجد فجعل يهرول فقيل له. أتفعل هذا وأنت تنهى عنه قال: إنما أردت حدَّ الصلاة التكبيرة الأولى). المعجم الكبير ٩/ ٢٩٢ رقم (٩٢٥٩)، قال الهيثمي: "وفيه من لم يسم كما تراه". مجمع الزوائد ٢/ ١٥٢.
(٣) ذكر ابن الملقن وابن حجر مجموعة من الآثار في فضل إدراك التكبيرة الأولى. انظر: تذكرة الأخيار ل ٧٨/ أ، التلخيص الحبير ٤/ ٢٨٩.
(٤) انظر المجموع ١/ ٥٩، وقد منع من العمل بالضعيف مطلقًا طائفة إلا بشروط، راجع: قواعد التحديث للقاسمي ص: ١١٣، ١١٦، مقدمة تمام المنَّة للألباني ص: ٣٢ - ٣٨.
(٥) سقط من (ب).
(٦) انظر: الوسيط ٢/ ٦٩٦.
(٧) انظر: المهذب ١/ ٩٥.
(٨) انظر: التهذيب ص: ٥٩٧.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وغيرهما من العراقيين (١)، وغيرهم (٢) من أنها تحصل ولو (٣) لم يدرك إلا التشهد؛ لأنه لولا ذلك لما جاز له زيادة ذلك في صلاته (٤)، والله أعلم.
ما ذكره فيمن صلى منفردًا ثم أعاد في جماعة وقلنا: إن الفرض هو الأول، والثاني نفل من أنه لا ينوي الفرضية (٥). فهذا رأي شيخه (٦)، واستبعد أن ينوي الفرضية مع علمه بأنها ليست بفرض، ولكن معظم الأصحاب على أنه ينوي الفرض (٧). فأقول: وجهه أنه إنما استحب له إعادتها جماعة ليحصل له ثواب الجماعة في فرض وقته حتى يكون (٨) بمنزلة من صلاها جماعة من (٩) الأول، فهو في التقدير مصلٍ أولًا فلينو الفرض، وذلك توسيع للطريق إلى حيازة فضيلة الجماعة في فرائض الأوقات لشدة الاعتناء بها، والله أعلم.
قوله: "لا رخصة في ترك الجماعة إلا بعذر" (١٠) هذه العبارة صحيحة وإن قلنا: إنها سنة؛ لأنها من السنن المؤكدة التي يكره تركها (١١)، وقد قال
_________________
(١) نسبه النووي: إلى جمهور العراقين. انظر: المجموع ٤/ ٢١٩، وراجع: فتح العزيز ٤/ ٢٨٨
(٢) نسبه النووي كذلك إلى جمهور الخراسانيين. انظر: المجموع الموضع السابق.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر: التنبيه ص: ٣٨، فتح العزيز ٤/ ٢٨٨، كفاية الأخيار ١/ ٢٥٧.
(٥) انظر: الوسيط ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧.
(٦) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ٦٩/ ب.
(٧) انظر: الإبانة ل ٤١/ أ، التهذيب ص: ٥٩٣، الغاية القصوى ١/ ٣١٣.
(٨) مكررة في (د).
(٩) في (أ): في.
(١٠) الوسيط ٢/ ٦٩٧.
(١١) تقدم أن المذهب أن حكمها أنها فرض كفاية، وقد دلّت أدلة كثيرة على وجوبها على الأعيان راجعها في المغني لابن قدامة ٣/ ٣ - ٦، مجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٣/ ٢٣٩ وما بعدها، فتح الباري ٢/ ١٤٨ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
رسول - ﷺ -: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) (١).
وقوله (٢): "كالمطر مع (٣) الوحل، والريح العاصفة بالليل دون النهار" (٤) فقوله "بالليل" يرجع إلى الريح خاصة (٥). قوله (٦) "كالمطر مع الوحل" ليس معناه: أن المطر إنما يكون عذرًا إذا انضم إليه الوحل، وإنما معناه اجتماع المطر والوحل، والريح في أن كل واحد منها (٧) عذر مستقل بانفراده (٨)، والله أعلم.
قوله: "وقد قال - ﷺ - (لا يصلين أحدكم وهو زناء) وروي (وهو ضام وركيه) أي حاقن" (٩)، فالزَنَاء هو بفتع الزاي، وتخفيف النون، وبالمد، ومعناه الحاقن (١٠).
_________________
(١) رواه ابن ماجة في سننه كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة ١/ ٢٦٠ رقم (٧٩٣)، والدارقطني في سننه ١/ ٤٢٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٤٥، قال الحافظ ابن حجر: "إسناده صحيح". التلخيص الحبير ٤/ ٣٠٤. ورواه أبو داود بلفظ: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر، قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى). انظر: سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة ١/ ٣٧٣ رقم (٥٥١)، وفيه أبو جناب وهو ضعيف ومدلس، وقد عنعن كما قاله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير الموضع السابق.
(٢) في (أ) و(ب): قوله.
(٣) في (ب): و.
(٤) الوسيط ٢/ ٦٩٧. وقبله: لا رخصة في ترك الجماعات إلا بعذر عام، كالمطر إلخ.
(٥) قوله: (وقوله الريح خاصة) سقط من (أ).
(٦) في (أ) و(ب): وقوله.
(٧) في (د): منهما، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) انظر: المهذب ١/ ٩٤، روضة الطالبين ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٩) الوسيط ٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨. وقبله: لا عذر في ترك الجماعات إلا بعذر عام أو خاص مثل أن يكون مرضًا أو كان حاقنًا وقد قال - ﷺ - إلخ.
(١٠) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٩٤ - ٩٥، النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣١٤.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
قوله (١) "أي حاقن" وقع في بعض النسخ بالنون، وفي بعضها بالباء حاقب، فيكون بالنون تفسيرًا للرواية الأولى، وبالباء تفسيرًا للرواية الثانية، وهو بالباء، وبالنون للبول (٢). أما قوله "وهو زناء" فهو بهذا اللفظ غريب رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٣) بإسناد ضعيف (٤)، وهو بمعناه صحيح؛ روى أبو داود (٥) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف)، وروى أبو داود (٦)، والترمذي (٧) نحوه من حديث ثوبان، والله أعلم. وأخرج مسلم في "صحيحه" (٨) من حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا لمن
_________________
(١) في (أ) و(ب): وقوله.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٤١١، ٤١٦، لسان العرب ٣/ ٢٦٥، المصباح المنير ص: ٥٥، ٥٦.
(٣) ١/ ٩٤.
(٤) قال ابن الملقن في تذكرة الأخيار ل ٧٩/ أ: "وهذا إسناد ضعيف كما شهد له بذلك ابن الصلاح، والنووي، وسبب ضعفه أبو بكر بن أبي مريم وقد ضعفه أحمد وغيره لكثرة غلطه". أهـ
(٥) في سننه كتاب الطهارة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن ١/ ٧٠ رقم (٩١)، ورواه كذلك الحاكم في المستدرك ١/ ١٦٨ وذكر أن إسناده صحيح.
(٦) في الموضع السابق برقم (٩٠).
(٧) في جامعه أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء ١/ ١٨٩ رقم (٣٥٧) وقال: "حديث حسن"، وممن رواه كذلك ابن ماجه في سننه كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي ١/ ٢٠٢ رقم (٦١٩).
(٨) انظره - مع النووي - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام المراد أكله ٥/ ٤٧.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
يدافعه (١) الأخبثان). وأما قوله "وهو ضام وركيه" فقد رواه مالك في "موطئه" (٢) ولكن عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه.
_________________
(١) في (أ): يدافع.
(٢) انظره - مع الزرقاني - كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة والإنسان يريد الحاجة ١/ ٤٥٨ رقم (٣٨٠).
[ ٢ / ٢٤١ ]