قوله: "الطهوريَّة مخصوصة بالماء من بين سائر المائعات" (١) هذا صحيح من حيث (٢) إن هذه الخصوصية إنما هي بالنسبة إلى المائعات فحسب لا مطلقًا؛ فإن التراب طهور أيضًا بنص الحديث (٣)، فهذا وجه يصحُّ به هذا الكلام في نفس الأمر، لكن كأنه أراد غيره؛ فإنه حصر كتاب الطهارة في قسمين، في كل قسم أربعة أبواب، ليس منها باب التيمم، بل أفرده خارجًا عنها، فيكون مراده بقوله "من بين سائر المائعات" التأكيد، والتصريح بنفي الطهوريَّة عن المائعات التي هي غير الماء، ولا يكون مراده (٤) الاحتراز عن التيمم؛ فإنه إذا لم يجعله طهارة لم يجعل التراب طهورًا، وذلك غير مرضي؛ لمخالفته نصَّ الحديث الثابت، ولما اشتهر في كلام الأئمة من الحكم بكونه طهارة (٥)، وهو أيضًا (قد) (٦) جعله في باب صفة الوضوء من "الوسيط" من طهارات
_________________
(١) الوسيط (١/ ٢٩٦).
(٢) في (أ): من حيث الحكم.
(٣) إشارة إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥/ ٤) من حديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء) الحديث. وفي رواية في المسند (١/ ٩٨، ١٥٨) من حديث عليًّ بن أبي طالب (وجعل التراب لي طهورًا).
(٤) في (أ) و(ب): مراده به.
(٥) انظر: الأم (١/ ٤١)، مختصر المزني (ص ٤)، الحاوي (١/ ٢٣٤)، الإبانة للفوراني (ل ٧/ أ)، فتح العزيز (١/ ٨٠، ٧٩).
(٦) زيادة من (أ) و(ب).
[ ١ / ٨ ]
الأحداث (١). ثمّ إن في كلامه هذا استعمالًا منه للفظة سائر بمعنى الجميع (٢)، وذلك مردود عند أهل اللغة، معدود في غلط العامة، وأشباههم من الخاصة، قال أبو منصور الأزهري (٣) صاحب كتاب "تهذيب اللغة" فيه: "أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر الباقي" (٤). قلت: ولا التفات إلى قول الجوهري (٥) صاحب كتاب (٦) "صحاح اللغة": "سائر الناس جميعهم" (٧)؛ فإنه ممن لا يقبل ما ينفرد به، وقد حُكم عليه بالغلط في هذا من وجهين: أحدهما في تفسير (٨) ذلك بالجميع. والثاني: أنه ذكره في فصل "سير" وحقه أن يذكره (٩) في فصل "سار"؛ لأنه
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣٦٠).
(٢) في (ب): جميع.
(٣) هو محمَّد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي أبو منصور اللغوي الشافعي كان رأسًا في اللغة، والفقه، من تصانيفه: تهذيب اللغة، وتفسير ألفاظ المزني، وكتاب الروح، وعلل القراءات، وغيرها، توفي سنة (٣٧٠ هـ) انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٤/ ٣٣٤)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)، طبقات السبكي (٣/ ٦٣)، طبقات الأسنوي (١/ ٤٩)، مقدمة تهذيب اللغة (١/ ٥ - ١٢).
(٤) انظر: (١٣/ ٤٧).
(٥) هو إسماعيل بن حمَّاد التركي أبو نصر إمام اللغة، كان يضرب به المثل في ضبط اللغة، من تصانيفه: كتاب الصحاح، وله كتاب في العروض، ومقدمة في النحو، توفي سنة (٣٩٣) هـ، وقيل في حدود الأربعمائة، انظر ترجمته في: السير (١٧/ ٨٠)، العبر (٢/ ١٨٤)، الأعلام للزركلي (١/ ٣١٣).
(٦) سقط من (أ).
(٧) الصحاح (٢/ ٦٩٢).
(٨) في (أ) و(ب): تفسيره.
(٩) في (أ) و(ب): يذكر.
[ ١ / ٩ ]
من السؤر بالهمز وهو بقية الشراب وغيره (١)، والله أعلم.
قوله: "أما في طهارة الحدث فبالإجماع" (٢) قد ينكر عليه؛ لأنه إن أراد به إجماع الشافعي وأبي حنيفة لم يستقم؛ لما عرف من خلاف أبي حنيفة في النبيذ (٣) على أن الإجماع بهذا (٤) المعنى إنما يستعمل في علم الخلاف دون علم المذهب. وإن أراد إجماع الأمة فلا يستقيم أيضًا لما ذكرناه، ولأن ابن أبي ليلى (٥)
_________________
(١) قال الإمام النووي - بعد أن نقل كلام ابن الصلاح السابق في كلمة سائر: "وقد استعمل الغزالي - رحمه الله تعالى - سائر بمعنى الجميع في مواضع كثيرة في الوسيط، وهي لغة صحيحة ذكرها غير الجوهري، لم ينفرد بها الجوهري بل وافقه عليها الإمام أبو منصور الجواليقي في أول كتابه شرح أدب الكاتب: أن سائر بمعنى الجميع، واستشهد على ذلك، وإذا اتفق هذان الإمامان على نقلها فهي لغة " تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١/ ١٤٠)، وراجع التنقيح (ل١٠/ ب)، المطلب العالي (١/ ل٦/ أ).
(٢) الوسيط: (١/ ٢٩٧)، وقبله: والطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الخ.
(٣) لأبي حنيفة ثلاث روايات في نبيذ التمر: أحدها: جواز الوضوء به في السفر لمن فقد الماء. والثانية: يجمع بين الوضوء به والتيمم. والثالثة: رجع عن ذلك وقال: لا يتوضأ به ولكنه يتيمم. انظر: مختصر الطحاوي (ص ١٥)، المبسوط للسرخسي (١/ ٨٨)، بدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٥)، الدر المختار مع حاشيته لابن عابدين (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
(٤) في (أ): في هذا.
(٥) الإمام العلامة القاضي أبو عبد الرحمن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه، قاضي الكوفة، روى عن أخيه عيسى ونافع مولى ابن عمر وغيرهما، ومات أبوه وهو صبي، كان نظيرًا للإمام أبي حنيفة في الفقه، غير أنه كان كثير الخطأ في الحديث، توفي سنة (١٤٨ هـ). انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٥٨)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٩٤)، السير (٦/ ٣١٠) تهذيب التهذيب (٩/ ٣٠١).
[ ١ / ١٠ ]
والأصم (١) أجازا الوضوء بالمائعات (٢). فأقول: أما خلاف الاسم فلا اعتداد به على ما ذهب إليه إمام الحرمين (٣) والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني (٤)، وهذا كأنه مستند قوله في "الوسيط" في كتاب الإجارة (٥): "ولا مبالاة بخلاف ابن كيسان" وابن كيسان هذا هو الأصم، ولكن خلاف ابن أبي ليلى يمنع من دعوى إجماع
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن كيسان الأصم، وكنيته أبو بكر، شيخ المعتزلة، توفي سنة (٢٠١ هـ)، من مصنفاته: التفسير وكتاب "خلق القرآن" وكتاب "الحجة والرسل" وغيرها. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء (٢/ ٣٠١)، السير (٩/ ٤٠٢). وقد وهم محقق كتاب المغني لابن قدامة حيث ترجم له على أنه أبو العباس محمَّد بن يعقوب بن يوسف الأصم النيسابوري المحدث مسند العصر المتوفى سنة (٣٤٦ هـ). انظر المغني (١/ ٢٠).
(٢) انظر: المغني (١/ ٢٠)، المجموع للنووي (١/ ٩٣)، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (ص ٥).
(٣) شيخ الشافعية أبو المعالي عبد الملك ابن الإمام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني النيسابوري، صاحب التصانيف البديعة المشهورة منها: نهاية المطلب في دراية المذهب، البرهان في أصول الفقه، غياث الأمم، الرسالة النظامية وغيرها، توفي سنة ٤٧٨ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ١٦٧)، طبقات السبكي (٥/ ٦٥)، طبقات الأسنوي (١/ ٤٠٩)، البداية والنهاية (١٢/ ١٣٦ - ١٣٧)، وغيرها. ولم أقف على قوله هذا في البرهان في أصول الفقه، وانظر النقل عنه في: تهذيب الأسماء (٢/ ٣٠١)، المطلب العالي (١/ ٦/ ب).
(٤) القاضي أبو بكر محمَّد بن الطيَّب بن محمَّد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني، صاحب التصانيف، كان يضرب به المثل بفهمه وذكائه، من مصنفاته: كتاب الهداية، التقريب والإرشاد في أصول الفقه، وكتاب المقنع فيه، الانتصار للقرآن، وكتاب البيان عن فرائض الدين، وغيرها، توفي سنة (٤٠٣ هـ). انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٥٨٥)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٩)، البداية والنهاية (١١/ ٣٧٣)، وغيرها. وانظر النقل عنه في الموضعين السابقين من: تهذيب الأسماء والمطلب العالي.
(٥) انظر: (٤/ ١٥٣).
[ ١ / ١١ ]
الأمة، فيبقى إجماع الإمامين صالحًا لأنّ يحمل كلامه عليه، ووجدت فيما علق عنه من لفظه في تدريسه "للوسيط" (١) ما يدل على أن مراده به إجماع الإمامين (٢)، إلا أن قوله في "البسيط" (٣): "اتفقت الفِرق على ذلك" يشعر بأن مراده ههنا أيضًا إجماع الأمة فيبطله خلاف ابن أبي ليلى إن صحّ عنه (٤). ولما كنت بخراسان (٥) - حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - وقفت على "تعليق للوسيط" (٦) علَّقه عن الإمام الغزالي - ﵀ وإيَّانا - فاضل من أصحابه يقال له: خلف بن أحمد (٧)، بلغني أنه مات قبله، علَّقه من لفظ المصنف في تدريسه له بعد رجوعه إلى بلاده، وفيه بسط لفظٍ، وجودة ضبطٍ، فعلقت منه أشياء
_________________
(١) في (أ): في الوسيط.
(٢) انظر: المطلب العالي (١/ ل ٦/ ب).
(٣) انظر: (١/ل ٢/ أ).
(٤) سقط من (ب)، وراجع المجموع (١/ ٩٣).
(٥) خراسان بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق وآخر حدودها مما يلي الهند، تشتمل على أمهات المدن مثل: نيسابور، هراة، مرو، بلخ، نسا، أبيورد، سرخس، وغيرها، وخراسان قيل: نسبة إلى خراسان ابن عالم بن سام بن نوح - ﵇ - عندما استوطنها، وهي ما تعرف الآن بتركستان ويقع ضمنها الكثير من الجمهوريات الإِسلامية التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي، وهي موطن الكثير أو الأكثر من علماء المسلمين كما قال النووي. انظر معجم البلدان للحموي (٢/ ٤٠١ - ٤٠٥)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١/ ١٠٢)، وراجع حاضر العالم الإِسلامي لجميل المصري (٢/ ٤٥٣) وما بعدها.
(٦) في (أ): الوسيط.
(٧) ترجم له كل من السبكي والأسنوي ولكن لم يزيدا على ما ذكره عنه ابن الصلاح هنا، غير أن الأسنوي قال: خلف بن رحمة بدلًا عن أحمد. انظر: طبقات السبكي (٧/ ٨٣)، طبقات الأسنوي (٢/ ٢٤٧).
[ ١ / ١٢ ]
استضأت بها أنا أوردها إن شاء الله تعالى في شرحي هذا. وأما خلاف أبي حنيفة في النبيذ فقد ذكر بعض أصحابه عنه أنه رجع عنه (١)، والصحيح أن المجتهد إذا قال قولًا ثمّ رجع عنه (٢) بطل كالمنسوخ (٣)، والله أعلم.
قوله: "واختصاص الطهوريَّة به (٤) إما تعبُّد لا يعقل معناه، وإما أن يعلَّل باختصاص الماء بنوعٍ من اللطافة، والرقَّة، وتفرد في التركيب لا يشاركه فيها (٥) سائر المائعات" (٦) فتفرده في التركيب هو أنه جسم لم (٧) يركَّب إلا من جوهر الماء، بخلاف ماء الورد وغيره من المائعات، فإنها (٨) مركبة من جوهر الماء وغيره، ولهذا (٩) إذا أُغلي (١٠) الصافي منها رسب له ثقل، والماء الصافي إذا أُغلي (١١) لم يرسب له ثقل، وتفرده بهذا التركيب هو السبب في تفرده باللطافة والرقَّة، فعطف أحدهما على الآخر جمعًا بين السبب والمسبب، والله أعلم.
_________________
(١) نقل الكاساني عن نوح أنه روى في الجامع المروزي عن أبي حنيفة أنه رجع عن ذلك. بدائع الصنائع (١/ ١٥)، كذا نقله السرخسي في المبسوط (١/ ٨٨).
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر التنقيح (ل ١١/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٦/ ب).
(٤) سقط من (أ).
(٥) في (ب): فيه.
(٦) الوسيط ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٧) في (د): ولم، والواو كأنها مقحمة هنا، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) في (ب): فإنه.
(٩) في (ب): فلهذا.
(١٠) في (ب): غلي.
(١١) في (ب) أيضًا: غلي.
[ ١ / ١٣ ]
ومن فوائد هذا الاختلاف أنه إذا كان تعبُّدًا انسدَّ باب القياس عليه من أصله، وإذا كان معلَّلًا توقف امتناع (١) القياس على إثبات قصور العلَّة وقيام الفارق (٢) والله أعلم.
وقال أبو سعيد (٣) محمَّد بن يحيى (٤) تلميذ المصنف في كتابه "المحيط في شرح الوسيط" (٥) - وإنما هو منه بمنزلة المهذب من التنبيه -: "هذا البحث عديم الأثر؛ فإنه حكم على التقديرين مخصوص بالماء". وما ذكرناه أولى، والله أعلم.
قوله: "ثم (٦) المياه (٧) ثلاثة أقسام" (٨) أراد المياه الطاهرة (٩)، وقد قدَّم في عقد الباب تخصيصه بالمياه الطاهرة، وإلا فهي أربعة أقسام بالماء النجس.
_________________
(١) في (أ): امتناع إثبات.
(٢) العلَّة القاصرة هي التي لا يمكن تعدية الحكم بها من الأصل إلى الفرع لعدم وجودها في غير محل النصَّ. وقيام الفارق أي عدم وجود جامع يربط ببن الأصل والفرع، والله أعلم. وراجع: البحر المحيط (٥/ ١٤٦ - ١٥٧)، نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب روضة الناظر لابن بدران (٢/ ٣١٥).
(٣) في (د) و(ب): سعد، والمثبت من (أ).
(٤) تقدم في ١/ ٥١.
(٥) كتابه مفقود، ولم أقف على من نقل قوله هذا.
(٦) في (أ): ثم أقسام.
(٧) في (ب): المياه على.
(٨) الوسيط (١/ ٢٩٩). والأقسام الثلاثة هي: الأول: ما بقي على أوصاف خلقته، الثاني: ما تغير عن وصف خلقته ولكنه تغيرًا يسيرًا لا يزايله اسم الماء المطلق، الثالث: ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى عنه.
(٩) انظر: التنقيح (ل ١١/ ب).
[ ١ / ١٤ ]
قوله: "الأول: ما بقي على أوصاف خلقته: فهو الطهور وهو الماء المطلق" (١) هذا ظاهره (٢) أنه حدَّ الماء المطلق بالباقي على أوصاف خلقته، كما حدّه به الشيخ أبو محمَّد الجويني (٣)، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٤) ولا ينبغي أن ينسب إليه تحديده ذلك بذلك؛ لأنه صرَّح من (٥) بعد في القسم الثاني في المتغير عن وصف خلقته بطول المكث، وبما يتعذر صونه عنه وغير ذلك، بأنه من الماء المطلق أيضًا، فكأنه أراد بقوله أولًا في الباقي على أوصاف خلقته: أنه هو الماء المطلق. (أي) (٦) أنه هو الأصل في ذلك والقسم
_________________
(١) الوسيط (١/ ٢٩٩).
(٢) في (أ): (ظاهر).
(٣) شيخ الشافعية، والد إمام الحرمين، أبو محمَّد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني، كان فقيهًا، مدققًا، محققًا، نحويًَّا، مفسرًا، صاحب وجه في المذهب، توفي سنة (٤٣٨ هـ)، من تصانيفه: التبصرة في الفقه، والتذكرة، وكتاب التفسير الكبير، وكتاب التعليقة. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٤٧)، السير (١٧/ ٦١٧)، طبقات السبكي (٥/ ٧٣)، طبقات الأسنوي ١/ ٣٣٨، البداية والنهاية ١١/ ٥٩. وانظر النقل عنه في: التنقيح ل ١١/ ب، المطلب العالي ١/ ل ١٣/ أ.
(٤) الشيخ، الإمام، القدوة، المجتهد أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي الشيرازي الشافعي، رحل الناس إليه من البلاد، رصنف في الأصول، والفروع، والخلاف، والمذهب، توفي سنة (٤٧٦ هـ)، من تصانيفه: المهذب، التنبيه، اللمع في الأصول، شرح اللمع. انظر ترجمته في: طبقات ابن الصلاح (١/ ٣٠٢)، وفيات الأعيان (١/ ٢٩)، طبقات السبكي (٤/ ٢١٥)، تهذيب الأسماء (٢/ ٧٢)، طبقات الأسنوي (٢/ ٨٣). وانظر قوله في: التنبيه (ص ١٣).
(٥) سقط من (أ).
(٦) زيادة من (أ).
[ ١ / ١٥ ]
الثاني ملتحق (١) به. والصحيح في تحديد الماء المطلق: أنه الماء الذي يكتفى (٢) في ذكره بمجرد اسم الماء، أو نقول: هو الماء الذي يتناوله مجرد اسم الماء (٣). ثمَّ إنه ليس من شرطه أنه لا يُقيَّد، بل قد يُقيَّد فيقال: ماء السماء، وماء البحر، وماء البئر، ونحو ذلك، وليس هذا كتقييد ماء الورد وغيره، مما لا يتناوله مجرد اسم الماء ولا يكتفى في ذكره بمجرد اسم الماء؛ وذلك لأن الماء المطلق إنما سمِّى ماءً (٤) مطلقًا؛ لأنه يطلق عليه اسم الماء ويفهم من إطلاق اسم الماء، والتقييد بالبئر ونحوه لا يمنع من فهمه (٥) من اسم الماء، بخلاف قيد ماء الورد ونحوه فإنه لا يفهم من اسم الماء إذا أطلق، وإنما يفهم إذا قُيَّد فقيل: ماء الورد، فافهم ذلك؛ فإنَّه مزلَّة قدم، ورأيت جمعًا من المصنِّفين قد زلُّوا فيه، وفيهم من جعل المطلق عبارة عما لا يتقيَّد أصلًا، وقسَّم المقيَّد إلى طهور وإلى غير طهور (٦)، والله أعلم.
قوله: "ولا يستثنى عن هذا إلا الماء المستعمل" (٧) ظاهره أنه عنده مطلق مستثنى، وهذا وإن كان خلاف ما هو الأقوى (٨)، وخلاف ما صار إليه صاحب
_________________
(١) في (أ): يلحق.
(٢) في (أ): يكتفى به.
(٣) راجع: المجموع (١/ ٨٠)، المنهاج - مع مغني المحتاج (١/ ١٧)، التنقيح (ل ١١/ ب)، كفاية الأخيار ١/ ١٧ - ١٨.
(٤) سقط من (أ).
(٥) من فهمه: سقط من (أ).
(٦) انظر: فتح العزيز (١/ ٩٤)، المطلب العالي (١/ ل ١٣/ أ).
(٧) الوسيط (١/ ٢٩٩).
(٨) راجع: التنقيح (ل ١١/ ب)، المجموع (١/ ٨٠).
[ ١ / ١٦ ]
"المهذب" (١)، وغيره (٢)، فهو قول غير واحد من الأئمة المحققين، قال صاحب "التقريب" - ومن نفس كتابه نقلت بخراسان -: "الصحيح أنه ماء مطلق منع من استعماله تعبُّدًا" (٣). وقرأت هناك أيضًا بخط الشيخ أبي محمَّد الجويني والد إمام الحرمين فيما علَّقه عن شيخه القفَّال (٤) في شرح "التلخيص" لابن القاصِّ (٥) قال: "قد (٦) سمى صاحب الكتاب الماء المستعمل مطلقًا (٧) وهذا صحيح، وكونه مستعملًا لا يخرجه عن (٨) حدِّ الإطلاق؛ لأنه نعت من نعوته كالحرِّ والبرد" (٩).
_________________
(١) الذي صار إليه صاحب المهذب أنه زال عنه إطلاق اسم الماء فصار كما لو تغير بالزعفران. المهذب (١/ ٨).
(٢) كالماوردي في الحاوي (١/ ٥٢).
(٣) انظر النقل عنه في: المجموع (١/ ٨١)، المطلب العالي (١/ ل ١٣/ أ).
(٤) شيخ الشافعية، الإمام العلامة، أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي الخرساني، كان وحيد زمانه علمًا، وحفظًا، وورعًا، وزهدًا، صاحب التصانيف، وإليه تنسب الطريقة الخرسانية، توفي سنة (٤١٧ هـ)، وقيل له القفال؛ لأنه كان يعمل الأقفال، وله شرح التلخيص، والفروع، وله الفتاوى. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٤٦)، السير (١٧/ ٤٠٥)، طبقات السبكي (٥/ ٥٣)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٣).
(٥) أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري ثم البغدادي الشافعي، صاحب المصنفات، توفي (سنة ٣٣٥ هـ)، من مصنفاته: التلخيص، المفتاح، أدب القاضي، كتاب المواقيت، وقيل له ابن القاصَّ؛ لأن أباه كان يقصُّ على الناس الأخبار والآثار. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٦٨)، السير (١٥/ ٣٧١)، طبقات السبكي (٣/ ٥٩).
(٦) في (ب): وقد.
(٧) انظر التلخيص (ص ٧٨).
(٨) في (أ): من.
(٩) انظر النقل عن القفال في: المجموع (١/ ٨١)، التنقيح (ل ١١/ ب)، المطلب العالي (١/ ل ١٣/ ب).
[ ١ / ١٧ ]
قوله: "ويدلُّ على طهارته قلة احتراز الأولين منه" (١) استدل فيما عُلَّق من درسه على عدم احتراز الأولين منه: بأنه (٢) لو احترزوا لنقل إلينا. وبمثل هذا يُثْبتُ كثيرًا من الأمور المنفيَّة التي ينسبها في هذا الكتاب وغيره إلى الأولين، والله أعلم.
قوله: "ويدل على سقوط طهوريَّته أنَّ الأولين في إعواز المياه لم يجمعوا المياه المستعملة" (٣) هذا يتضمن دعوى إجماع العلماء على ذلك قبل ظهور الخلاف، وقد قال صاحب "التقريب" - ﵀ -: "و(٤) لا نعلم (٥) بين المتقدمين فيه خلافًا" (٦). وذكر المزني (٧) أنه إجماع العلماء، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣٠١).
(٢) في (ب): بأنهم.
(٣) الوسيط (١/ ٣٠١).
(٤) سقط من: (أ) و(ب).
(٥) في (أ): يُعلم.
(٦) لم أقف على النقل عنه فيما بين يديَّ من مصادر، وقد نقل الإجماع عليه الماوردي في الحاوي (١/ ٢٩٧).
(٧) الإمام العلامة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني المصري، صاحب الشافعي كان رأسًا في الفقه والاجتهاد، مع الزهد والورع، توفي سنة (٢٦٤ هـ)، من مصنفاته: المختصر الذي ذاع صيته واشتهر، والمبسوط، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وغيرها انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (١/ ٢١٧)، المجموع (١/ ١٠٧ - ١٠٨)، السير (١٢/ ٤٩٢)، طبقات السبكي (٢/ ٩٤). ولم اهتد إلى قوله هذا في المختصر، ولم أقف على أحد نقله عنه بعد البحث.
[ ١ / ١٨ ]
قوله: "ثم سقوط الطهوريَّة (١) باعتبار معنيين: أحدهما: تأدي العبادة به (٢). والآخر: انتقال المنع إليه إلى آخره" (٣) فيه إشكال وبحث من جهات ثلاث: إحداها: أن لفظه هذا يشعر بالجمع بين المعنيين في الاعتبار؛ إما بأن يكونا جزأي العلَّة، والعلَّة مجموعهما، وإما بأن (٤) يكونا علَّتين معًا مستقلتين حتى يكون ذلك من قبيل الحكم المعلَّل بعلَّتين معًا وذكر (٥) الشيخ أبو الفتوح العجلي الأصبهاني (٦) صاحب "حواشي الوجيز": أنه لم يجمع أحد في هذا (٧) التعليل بين المعنيين، بل اختلفوا في أنه بأيَّهما يعلَّل (٨). واتبعه على نحو (٩) ذلك صاحب "شرح الوجيز" أبو القاسم الرافعي القزويني (١٠) عَصْرِيُّنا -رحمهما الله - فقال:
_________________
(١) فى (ب): طهوريته.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر الوسيط (١/ ٣٠١)
(٤) فى (ب): أن.
(٥) فى (أ) و(ب): وقد ذكر.
(٦) هو أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف بن أحمد العجلي الأصبهاني، الفقيه الشافعي، الواعظ، له كتب في شرح مشكلات الوجيز والوسيط، وكتاب تتمة التتمة، توفي سنة (٦٠٠ هـ). انظر ترجمته في: السير (٢١/ ٤٠٢)، طبقات السبكي (٨/ ١٢٦)، البداية والنهاية (١٣/ ٤٣).
(٧) سقط من (ب).
(٨) انظر النقل عنه في: المطلب العالي ١/ ل ١٧/ أ.
(٩) سقط من (أ).
(١٠) شيخ الشافعية أبو القاسم عبد الكريم بن العلامة ابي الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين الرافعي القزويني، انتهت إليه معرفة المذهب، من تصانيفه: فتح العزيز شرح الوجيز، شرح مسند الشافعي، وغيرها توفي سنة (٦٢٣ هـ). انظر ترجمته فى: تهذيب الأسماء (١/ ٢/ ٢٦٤)، طبقات السبكي (٨/ ٢٨١)، شذرات الذهب (٥/ ١٠٨).
[ ١ / ١٩ ]
"اتفقوا على أنهما ليستا علَّتين مستقلتين وإلا لما صار بعضهم إلى نفي الطهوريَّة في صورة وجود أحد المعنيين دون الثاني، وعلى أنَّهما ليستا جزأي علة واحدة وإلا لما صار بعضهم إلى إثبات الطهورية فيها" (١). وفسَّر العجلي قوله في "الوسيط" "باعتبار المعنيين": بأن العلة لا تخرج عنهما، ولا تعدوهما من حيث إن العلَّة أحدهما. ويتوجه ما قاله بأنه لمَّا كان كلُّ واحد منهما قد علَّل به معلِّل ساغ الجمع بينهما في الذكر. وهذا الاتفاق الذي ادَّعياه لم أجده منقولًا في كتب من تقدم من الأئمة، والاستدلال عليه (٢) باختلافهم في صورة انتفاء أحد المعنيين لا يصحُّ؛ فإن الخلاف (٣) يتصور فيها بأن يكون بعضهم علَّل بالمجموع فأثبت الطهورية عند انتفاء أحد المعنيين لانتفاء المجموع، وخالفه غيره فصار إلى أنَّ العلَّة المعنى الموجود دون الثاني، أو إلى أنَّ كلَّ واحد (٤) منهما علَّة مستقلة فنفى الطهورية لذلك، ويتصور الخلاف فيه أيضًا بأن يصير بعضهم إلى استقلال كل واحد منهما فينفى الطهوريَّة (٥)، ويصير آخر إلى أنَّ العلَّة المعنى المنتفي خاصة فلا ينفيها، ثم إنَّ المزني علَّل في "المختصر" (٦) بأنه ما أُدي به الفرض مرة. وهذا ظاهره التعليل بالمعنيين جميعًا؛ لأنَّ أداء فرض طهارة الحدث
_________________
(١) فتح العزيز (١/ ١٠٦).
(٢) في (أ): عليهم.
(٣) في (أ): الإطلاق.
(٤) في (د): واحدة، والمثبت من (أ) و(ب).
(٥) في (أ): الطهورية به.
(٦) انظر: - بآخر الأم - (ص ٨).
[ ١ / ٢٠ ]
من المسلم يشتمل على أداء (١) العبادة، وزوال المنع، وغسل الذمية التي تحت المسلم نادر يبعد أنَّه لاحظه في تعليله (٢)، ثم إنَّ في "البسيط" (٣) التصريح بأنه على أحد الوجهين: يعتبر مجموع الوصفين، والله أعلم.
ووقَّفني أيَّام مقامي بنَيسابور (٤) الشيخ أبو حامد الجاجرمي (٥) على المجلد الأول من "شرحه للوسيط" - وكان قد عمل بعضه - فوجدته يقول فيه: "إنَّ الأصحاب اختلفوا في العلَّة على ثلاثة أوجه: أحدها: قال بعضهم - وهو منقول عن المزني -: هي أنَّه (٦) أُدي به فرض الطهور". وذكر المعنيين الآخرين، ثمَّ جمعني وإيَّاه الطريق فقلت له: من أين ذكرت هذا؟ فقال في الخلاصة: لأنَّه أُدي به الفرض.
_________________
(١) سقط من (أ).
(٢) قال: نادر؛ لأنه قد ينقض به عليه؛ لأن غسل الذميَّة يزيل المنع من الوطء من قِبَل زوجها المسلم، ولا يشتمل على العبادة لكفرها، والله أعلم.
(٣) انظر: (١/ ل ٥/ ب).
(٤) من مدن خراسان العظيمة، فتحت في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان سنة (٣١ هـ)، كانت ذات فضائل حسنة وعمارة، واستمرت على ذلك حتى سنة (٦١٨ هـ) عندما داهمها التتار وجعلوها خرابًا وهجرها من بقي من أهلها، وقد خرج منها من أئمة العلم من لا يحصى عددًا وهي تعرف الآن باسم (نيشابور) وتقع على بعد (١٢٥) كلم من مدينة (مشهد) الإيرانيَّة. انظر معجم البلدان (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٤)، آثار البلاد وأخبار العباد القزويني (ص ٤٧٣ - ٤٧٧)، بلدان الخلافة الشرقيَّة ص: ٤٢٤.
(٥) العلامة أبو حامد محمَّد بن إبراهيم بن أبي الفضل السهلي الشافعي معين الدين، من مصنفاته: الكفاية، إيضاح الوجيز، توفي سنة (٦١٣ هـ)، وجاجرم بلدة بين جرجان ونيسابور. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٦)، السير (٢٢/ ٦٢)، طبقات السبكي (٥/ ١٩).
(٦) في (أ): أنه إذا.
[ ١ / ٢١ ]
فقلت له: هذا في "مختصر المزني" ولا كلام فيه، وإنما الجمع بين الثلاثة هو الذي ما رأيت أحدًا ذكره، ولعلَّك لما رأيت هذا مذكورًا، ورأيت الآخرَين مذكورين جمعت بينهما. فقال: يجوز. ثمَّ بعد ذلك (١) طالبته بإسناده إلى كتاب فلم يقم به، فقلت (٢) له: قد ذكره المزني، ولكن ليس ذلك معنىً ثالثًا؛ وإنما هو عبارة مختصرة عن المعنيين، والله أعلم.
ثمَّ إن قوله في "الوجيز" (٣): "لتأدي العبادة به (٤)، وانتقال المنع إليه" وقع هكذا بحرف الواو في أكثر النسخ، أو في كثير منها، وأبي الواو بمعناها من الجمع العجلي والرافعي بناءً على ما سبق، وهو متداول بين الطلبة، أما العجلي فقال: "الواو سهو من الكاتب، والصحيح أو (٥) ". وأما الرافعي فإنَّه أقرَّ الواو وجعلها بمعنى أو (٦). قلت: وهذا كالهوش (٧)؛ فإن الواو بمعناها من الجمع لا يزيد على لفظه في "الوسيط" المصرح بالجمع، فإذا كان ذلك محمولًا على أن المراد أن العلَّة لا تعدوهما كما سبق بيانه، كان ذلك بلفظ الواو بمعناها من الجمع محمولًا على مثل ذلك. وجمعني والرافعي - ﵀ وإيَّانا - جامع
_________________
(١) ثم بعد ذلك: مكررة في (ب).
(٢) في (أ) و(ب): وقلت.
(٣) انظر: (١/ ٥).
(٤) سقط من (أ).
(٥) لم أقف على قوله هذا فيما بين يديَّ من مصادر.
(٦) انظر: فتح العزيز (١/ ١٠٩).
(٧) الهوش: الهيج والاضطراب. انظر: مختار الصحاح (ص ٧٠١).
[ ١ / ٢٢ ]
همذان (١) وهو قافل من الحج وأنا راحل إلى خراسان، فدار بيني وبينه في ذلك كلام لست أحصله الآن، والله أعلم.
الثانية: أن قوله: "انتقال (٢) المنع إليه" مستنكر من حيث إنه موهم أنه انتقل من أعضاء المحدث منعٌ قائمٌ بها إلى الماء المستعمل، كما تنتقل النجاسة من محلها إلى الماء المستعمل في إزالتها، وليس كذلك؛ لأنّ هذا المنع ليس شيئًا قائمًا بالأعضاء حتى يوصف بالانتقال منها، إنما هو حكم من أحكام الشرع، ولو كان قائمًا بها لكان في حكم العرض، والعرض لا يتصور انتقاله، وأيضًا فإن انتقال المنع يتوقف على سقوط الطهوريَّة فلا يكون علَّة له أو مشبهًا (٣) بالعلَّة له (٤). وهذه العبارة من تصرفه في "الوسيط" دون "البسيط"، وإنما عبَّر شيخه إمام الحرمين (٥) وغيره (٦) وهو في "البسيط" (٧) عن ذلك: بأداء الفرض، وذلك
_________________
(١) هَمَذَان بالتحريك والذال المعجمة، وهي من مدن الجبال، قيل بناها همذان بن الفلوج بن سام بن نوح - ﵇ -، وقد فتحت في أول خلانة عثمان - ﵁ - على يد المغيرة بن شعبة - ﵁ - سنة (٢٤ هـ) وهي من أحسن البلاد، وأنزهها، وأطيبها، إلا أن شتاءها مفرط البرد، من أشهر من ينسب إليها بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات، وهي مدينة مشهورة في إيران. انظر معجم البلدان (٥/ ٤٧١)، آثار البلاد (ص ٤٨٣)، بلدان الخلافة الشرقيَّة (ص ٢٢٩).
(٢) في (أ): انتقل.
(٣) في (أ): مشتبهًا.
(٤) أي أن انتقال المنع إلى الماء المستعمل يتوقف على سقوط طهوريته ابتداءً؛ إذ لو كان طهورًا لم ينتقل منع إليه، وعلى هذا ينبغي أن يتقدم سقوط الطهورية على انتقال المنع، وإذا تقدم عليه لم يعلل به وإلا لزم الدور، والله أعلم.
(٥) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب (١/ ل ١٠٠/ ب).
(٦) كالقاضي حسين في التعليقة (١/ ٤٦٨)، والفوراني في الإبانة (ل ١/ ب).
(٧) انظر: (١/ ل ٥/ ب).
[ ١ / ٢٣ ]
شامل لغسل الذميَّة، وكذا وضوء الصبي، والوضوء للنافلة؛ لأنّ المراد بفرض الطهارة: ما لا يجوز الصلاة أو الوطء وغيرهما مما يتوقف عليها إلا به. لا ما يأثم بتركه (١)، والمُمكِّن في العذر عنه أن المراد بانتقال المنع: زوال منع من الأعضاء وثبوت منع آخر يماثله أو يقاربه في الماء، وتسمية ذلك نقلًا وانتقالًا كتسمية نسخ الكتاب نقلًا له، مع أنه ليس فيه انتقال المكتوب المنقول بعينه من موضع إلى موضع، وهذا أولى منه بذلك؛ إذ ليس في النسخ إلا إثبات المثل في محل آخر مع بقاء المنقول في محله، وهذا فيه إزالة المنقول من محله وإثبات مثله في محل آخر، فهو أقرب إلى النقل الحقيقي الذي يتوارد فيه الإزالة والإثبات على شيء (٢) واحد بعينه. وأما تعليل سقوط الطهورية به فوجهه ما يأتي في البحث الثالث، والإنصاف الاعتراف بأن قوله: "انتقال المنع إليه" تصرف منه غير لائق به و(٣) بفنِّه، والله أعلم.
الثالثة: في صلاحية المعنيين للتعليل، وقد يتخيل أنهما انما هما: أداء العبادة، وأداء الفرض، فيتجه أن يقال: ما أديت به العبادة، أو أُدي به الفرض فلا يؤدى به (٤) ذلك مرة أخرى حتى يتجدد ما تعود به صلاحيته كالعبد أو الطعام تؤدى به الكفارة، لا تؤدى به الكفارة مرة أخرى حتى يتجدد ما تعود به صلاحيته وهو تجدد الملك هناك، وتجدد الكثرة ببلوغه قلتين ههنا. وذكر
_________________
(١) انظر المجموع (١/ ١٦٠)، التنقيح (ل ١٢/ ب).
(٢) في (أ): كل.
(٣) به و: سقط من (ب).
(٤) سقط من (ب).
[ ١ / ٢٤ ]
الإمام أبو المعالي في "نهاية المطلب" (١) أن الأئمة ذكروا الأمرين لضبط المذهب، وخرَّجوا عليهما المتفق عليه والمختلف فيه، وقال: "المسلكان جميعًا لا يصلحان لإثبات أصل المذهب، وإنما معتمد المذهب ما قدمناه من التمسك بسيرة الماضين، ولكن ما كان فرضًا وعبادة فلا استرابة في أنه المستعمل الذي استدْللنا فيه بعادة الماضين، وما وجد فيه أحد هذين المعنيين تردد الأصحاب فيه، وليس منع استعمال (٢) المستعمل مما يربط بمعنى صحيح على السير"، والله أعلم.
قوله: "لأنّ تلك القوة في حكم خصلة لا تتجزأ" (٣) فقوله: تلك القوة إشارة إلى ما ذكر من القوَّتين (٤) فالمَعْني إذًا بالقوة جنس القوى، وقوله لا تتجزأ أي ثبوتًا وارتفاعًا فإذا ارتفع بعضها ارتفع كلُّها بدلالة الأدلة المعتمد عليها في أصل الباب (٥).
_________________
(١) انظر: (١/ ل ١٠٠/ ب - ل ١٠١/ أ).
(٢) في (أ): استعمال الماء الخ. والمثبت موافق لما في النهاية.
(٣) الوسيط (١/ ٣٠٢)، وقبله: المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث؟ فيه وجهان والثاني: لا؛ لأنّ تلك القوة الخ.
(٤) هما قوة الحدث، وقوة إزالة النجاسة، وهذا التعليل في مسألة: المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث؟ وجمهور الشافعية على أن المستعمل في الحدث لا يزيل النجاسة، وذهب أبو القاسم الأنماطي وأبو علي ابن خيران إلى أنه يزيلها؛ بناءً على أن للماء قوتين: قوة رفع الحدث وقوة رفع النجاسة فإذا ذهبت إحداهما بقيت الأخرى. وأجابهم الجمهور بما ذكره صاحب المتن. انظر: المهذب (١/ ٨)، فتح العزيز (١/ ١١١)، المجموع (١/ ١٥٦).
(٥) أي الأدلة الدالة على سقوط طهورية الماء المستعمل في الحدث كما في (ص ١٦٧)، فإذا ثبت سقوط طهوريته فإنه لا يزيل النجاسة وقول الغزالي: لأنّ تلك القوة في حكم الخصلة لا تتجزأ. أي أن القوتين الموجودتين في الماء هما على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فإذا فعل به أحدهما لم يصلح للآخر، والله أعلم، وراجع المجموع (١/ ١٥٦)، التنقيح (ل ١٣/ أ).
[ ١ / ٢٥ ]
قوله: "فيما إذا بلغ الماء المستعمل قلَّتين فيه وجهان: أحدهما: يعود طهورًا كالماء النجس إذا بلغ قلَّتين، ولأن الكثرة تدفع حكم الاستعمال فإذا طرأت قطعت حكمه كالنجاسة" (١) اشتمل هذا على علتين وقياسين، أحدهما: يرتفع حكم الاستعمال بالكثرة كما يرتفع حكم النجاسة بها وأولى؛ لأنها أغلظ منه، فهذا إلحاق للرفع بمثله من الرفع. والثاني: الكثرة تدفع حكم الاستعمال إذا طرأت كما تدفعه إذا قارنت (٢)، فهذا إلحاق الدفع بالدفع، ووجهه أن الدفع دلَّ على المنافاة بينهما (٣)، ويلزم منها الرفع أيضًا (٤)، ويتأكد أيضًا ذلك بالنجاسة من حيث إنَّا سوَّينا فيها بين الرفع والدفع، فإلحاق هذا بها (٥) أولى من إلحاقه بالعدة والإحرام (٦) الذَين لم يلحق الرفع فيهما بالدفع؛ لتباعد ذينك النوعين (٧) وتقارب نوعي الطاهريَّة (٨) والطهوريَّة، والله أعلم.
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣٠٣).
(٢) أي: إن الماء المستعمل انتهى بالكثرة إلى حالة لو كان عليها ابتداءً لم يضره الاستعمال، فإذا عاد إلى تلك الحالة يسقط حكم الاستعمال. انظر فتح العزيز (١/ ١١٢) بتصرُّف.
(٣) أي بين كونه كثيرًا بلغ القلتين وبين كونه مستعملًا، والله اعلم.
(٤) أي الرفع لحكم الاستعمال، والله أعلم.
(٥) في (أ): بهذا.
(٦) هكذا في جميع النسخ، ولم أجد لها تطرقًا فيما بين يديَّ من مصادر.
(٧) في (أ): المعنيين.
(٨) في (أ): الطهارة.
[ ١ / ٢٦ ]
قوله: "إذا انغمس الجنب في ماء قليل وخرج ارتفعت جنابته، وصار الماء مستعملًا. وقال الخضري (١): لا ترتفع جنابته" (٢) صورته: ما إذا انغمس ناويًا (٣)، فأما إذا لم ينوِ حتى استوى عليه الماء (٤) ارتفعت (٥) بلا مخالفة فيه من الخضري (٦). وقوله "وخرج" ليس شرطًا في ارتفاع جنابته؛ فإن جنابته ارتفعت قبل خروجه بوصول الماء إلى جميع بدنه، وإنما هو شرط في مجموع الحكمين المذكورين، وحاصله راجع إلى اشتراطه (٧) في الثاني منهما وهو صيرورة الماء مستعملًا، فإنَّ الانفصال شرط فيه (٨). قلت: ثمَّ إنهم إنما أخروا الحكم بالاستعمال إلى انفصال الماء عن الجميع لما ذكروه (٩) من أنه لو صار مستعملًا بملاقاة أول جزء من البدن لارتفاع حدث ذلك الجزء، لاحتاج في كل جزء إلى
_________________
(١) ستأتي ترجمته ١/ ٢٩ عند ترجمة المؤلف له.
(٢) الوسيط (١/ ٣٠٣).
(٣) لأنه إذا نزل ناويًا رفع الجنابة يصير الماء بنفس الملاقاة مستعملًا فترتفع الجنابة عن القدر الملاقي للماء من بدنه أول نزوله، أما الجزء الباقي من بدنه فإن الخضري منع ارتفاع الجنابة عنه؛ لأنّ الماء يصير مستعملًا بملاقاته فلا ترتفع الجنابة عنه. والصحيح الذي عليه الأصحاب أنه ترتفع جنابته؛ لأنّ الماء إنما يحكم عليه بالاستعمال بالانفصال لا قبله، والله أعلم. انظر: فتح العزيز (١/ ١١٤ - ١١٥)، المجموع (١/ ١٦٥)، التنقيح (ل ١٣/ ب).
(٤) في (ب): الماء عليه.
(٥) في (ب): ارتفعت جنابته.
(٦) وذلك لوصول الماء الطهور إلى جميع البدن "محل الحدث" مع النية، وقد نقل الاتفاق عليه بين الأصحاب الرافعي والنووي. انظر فتح العزيز (١/ ١١٢)، المجموع (١/ ١٦٥).
(٧) في (د): اشتراط، والمثبت من (أ) و(ب).
(٨) انظر: الحاوى (١/ ٣٠٠)، الإبانة (ل ٢/ أ)، نهاية المطلب (١/ ل ١٠١/ ب).
(٩) في (أ): ذكره.
[ ١ / ٢٧ ]
ماء جديد وذلك حرج، فتأخر لذلك الحكم بالاستعمال إلى الانفصال، وإلى خروج المنغمس من الماء، وهذا يحصل بدون ذلك بأن يؤخر ذلك إلى وصول الماء إلى جميع بدنه وإن لم يخرج بعد، فينبغي إذًا أن يحكم بالاستعمال قبل خروجه عند ارتفاع الجنابة عن جميع بدنه، وهكذا يلزم في الذي يصب الماء عليه أن نحكم فيه بالاستعمال عند تكامل وصول الماء إلى عضوه أو أعضائه وإن لم ينفصل بعد، هذا مشكل (١) لم أجد لهم جوابًا عنه (٢) والممكِّن فيه أن الاستعمال صورة مستمرة إلى الانفصال فيسوَّى بين الجميع في هذا الحكم، ويلحق ما بعد زوال الحدث منه بما قبله في ذلك تبعًا (٣) كما ألحقت التسليمة الثانية في عدَّها من الصلاة بما قبلها تبعًا، وإن خرج من الصلاة بالتسليمة الأولى (٤)، وحكم الاستعمال مستنده إجماع من تقدم كما تقدم (٥) ولم يثبت ذلك عنهم إلا فيما بعد الانفصال، وهذا كله على ما عرف من (٦) أن الحدث يرتفع عن كل عضو باستتمام غسله، ولا يتوقف على تمام وضوئه (٧)، فلا نقول: إنَّ ارتفاع الحدث عن وجهه يتأخر إلى تمام وضوئه، كما قاله (٨) الإمام
_________________
(١) استشكل هذا كذلك الرافعي والنووي، انظر فتح العزيز (١/ ١١٧)، المجموع (١/ ١٦٥).
(٢) في (أ): عنه جوابًا، بالتقديم والتأخير.
(٣) أي أن صورة الاستعمال أعطيت حكم الاستعمال. انظر حاشية الأذرعي - بهامش المجموع - (١/ ١٦٥).
(٤) انظر المجموع (٣/ ٤٨٢).
(٥) (١/ ١٨).
(٦) سقط من (أ).
(٧) راجع: الحاوي (١/ ٣٠٠)، المجموع (١/ ١٦٢).
(٨) في (أ): قال.
[ ١ / ٢٨ ]
أبو المعالي في "نهاية المطلب" (١) مستدلًا بامتناع مسَّ المصحف بوجهه قبل تمام وضوئه، فإنَّ هذا بعيد عجيب مخالف للمعروف (٢) ولقاعدة المذهب، وإنما امتنع مسُّ المصحف لأن شرطه تمام الطهارة في جميع بدنه، والله أعلم.
قوله في قول الخضرى: "هو غلط" (٣) يتضمن أنه ليس معدودًا وجهًا في المذهب، وأن المسألة لا خلاف فيها في المذهب، فاعرف ذلك فيه وفيما يرد عليك من أشباهه، وأيضًا فقد نُقل عن الخضرى أنه رجع عنه لمَّا عرف أنه خلاف النصِّ (٤). وهو الخضري بكسر الخاء وإسكان الضاد، وهو أبو عبد الله محمَّد بن أحمد من أئمة مرو (٥)، والله أعلم.
قوله: "إن (٦) غفل عن رفع الحدث وقصد الاغتراف" (٧) استبعد شيخه (٨) تصور هذا، فإن من ينقل الماء من الإناء فقصده الاغتراف لا غسل اليد في الماء
_________________
(١) (١/ ل ٣٨/ ب).
(٢) في (أ): المعروف.
(٣) الوسيط (١/ ٣٠٣).
(٤) نقل رجوعه الفوراني في الإبانة (ل ٢/ أ).
(٥) هو المروزي، مقدم الأصحاب الخراسانيين، والخضري نسبة إلى الخضر رجل من أجداده، عاش نيَّفًا وسبعين عامًا، وكان - ﵀ - صاحب وجه في المذهب. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٤/ ٢١٥)، تهذيب الأسماء (٢/ ٢٧٦)، طبقات السبكي (٣/ ١٠٠)، طبقات الأسنوي (١/ ٤٦٩) ومرو: أشهر مدن خراسان وقصبتها، بينها ويين نيسابور سبعون فرسخًا، وهي تقع الآن في جمهورية تركمانيا، إحدى الجمهوريات السوفيتية، والنسبة إليها مروزيّ على غير قياس. انظر: معجم البلدان (٥/ ١١٢) وما بعدها، حاضر العالم الإِسلامي لجميل المصري (٢/ ٤٥٦).
(٦) في (أ): وإن.
(٧) الوسيط (١/ ٣٠٤). وبعده: فالمشهور أنه يصير مستعملا لبقاء حكم النيّة السابقة.
(٨) أي إمام الحرمين، وانظر نهاية المطلب (١/ ل ١٠١/ ب).
[ ١ / ٢٩ ]
الذي في الإناء، وقد قطعا - رحمهما الله وإيَّانا - (بأنه) (١) إذا قصد الاغتراف لم يصر مستعملًا (٢)، ولم يخرِّجاه على الخلاف فيما إذا قصد التبرُّد في أثناء الوضوء عند غسل بعض الأعضاء (٣)، فأحد الوجهين أنه لا يعتبر القصد الطارئ، وتراعى نية رفع الحدث السابقة فيرتفع (٤) الحدث؛ لأنَّ بقاءها حكمًا كبقائها حقيقة، وهذا كذلك، وينبغي أن يقال: إن ضمَّ إلى قصد الاغتراف قصد أن لا يرفع به حدث الكفِّ قطعنا بأن لا يرتفع (٥) حدثها من غير خلاف (٦)، وإن اقتصر على قصد الاغتراف ولم يتعرض لرفع الحدث بنفي ولا إثبات فينبغي إجراء ذلك الخلاف فيه. وهذا التفصيل يجري مثله في مسألة نية التبرُّد الطارئة (٧)، ونية التنفُّل في
_________________
(١) زيادة من (أ) و(ب).
(٢) انظر نهاية المطلب والوسيط في الموضعين السابقين.
(٣) ذكر النووي أن فيها وجهين، الصحيح منهما عدم صحة غسل الأعضاء التي قصد بغسلها التبرد، والوجه الآخر حكاه الخراسانيون وضعفوه وهو الصحة لبقاء حكم النية الأولى. المجموع (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، وراجع: الإبانة (ل ٨/ ب)، فتح العزيز (١/ ٣٢٩)، وقد قطع الماوردي بأنه وجه واحد وهو عدم الصحة وذلك في الحاوي (١/ ٩٩).
(٤) في (أ): ويرتفع.
(٥) في (أ) و(ب): يرتفع به.
(٦) لأنه لما جلس من الابتداء للوضوء فهو ناوٍ للاغتراف ولرفع الحدث، فإن قصد أن لا يرفع بهذا الاغتراف الحدث لم يكن هناك مجال لاصطحاب نية رفع الحدث المبتدأة لا حقيقة ولا حكمًا؛ وذلك للتصريح بعدم قصد رفع الحدث، أما إذا قصد الاغتراف ولم يتعرض لرفع الحدث بنفي ولا إثبات فيكون هنا مجال لاصطحاب نية رفع الحدث المبتدأة حكمًا، فيجري فيها الخلاف الذي ذكره المؤلف في مسألة قصد التبرد في أثناء الوضوء عند غسل بعض الأعضاء.
(٧) أي إذا صرَّح بعدم رفع الحدث مع قصد التبرد لم يصح وضوءه بلا خلاف، وإن قصد التبرد في أثناء الوضوء عند غسل بعض الأعضاء مع عدم التعرض لرفع الحدث بنفي ولا إثبات فيجري فيها الخلاف، والله أعلم.
[ ١ / ٣٠ ]
مسألة إغفال اللُمعة (١)، والله أعلم. و(٢) إذا غفل عن القصدين فقد قطع شيخه بأنه يصير مستعملًا (٣). وقال هو من عنده: "ويتجه أن يقال: هيئة الاغتراف صارفة للملاقاة إلى هذه الجهة بحكم العادة فلا يصير مستعملًا" (٤) وهذا لا يتجه بمجرد الهيئة العارية عن قصد الاغتراف مع بقاء ما سبق من قصد رفع الحدث حكمًا (٥)، وإنما اتجاهه بما ذكره في الدرس (٦) من أنه لما جلس من الابتداء للوضوء فهو ناوٍ للوضوء والاغتراف معًا فاصطحبت النِّيتان، والهيئة الآن تخص جهة الاغتراف، وتمسَّك أيضًا بحال الأوَّلين (٧)، والله أعلم.
_________________
(١) اللمعة: القطعة من النبت تأخذ في اليُبس، والموضع الذي لا يصيبه الماء في الغسل أو الوضوء من الجسد، المصباح المنير (ص ٢١٣). ومسألة نية التنفل عند إغفال اللمعة ذكرها الغزالي في الوسيط (١/ ٣٦٥) إذ قال: "وأغفل لمعة في الغسلة الأولى فانغسلت في الثانية وهي على قصد التنفل هل يرتفع الحدث؟ فيه وجهان: ووجه المنع أن نية الفرض باقية حكمًا، وقصد التنفل موجود حقيقة، فلا يتأدى الفرض به". وراجع فتح العزيز (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، المجموع (١/ ٣٣٢).
(٢) سقط من (أ) و(ب).
(٣) انظر نهاية المطلب ١/ ل ١٠٢/ أ.
(٤) الوسيط ١/ ٣٠٤.
(٥) سقط من (ب).
(٦) نقله الأذرعي في حاشيته بهامش المجموع ١/ ١٦٣.
(٧) قاله ابن الرفعة في المطلب العالي ١/ ل ٢٤/ ب - بعد أن نقل كلام ابن الصلاح السابق: "أي فإنهم كانوا يتوضؤون من الأواني الصغار ويغترفون منها، فالظاهر الغفلة عن قصد الاغتراف، وحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء رسول الله - ﷺ - كما سنذكره - بإطلاقه يدل لذلك؛ فإن الأصل عدم تجدد قصد الاغتراف". أهـ
[ ١ / ٣١ ]
قوله: "القسم الثاني: ما تغيَّر عق وصف خلقته ولكن تغيرًا يسيرًا (١) لا يزول به اسم الماء المطلق" (٢) أراد بكونه يسيرًا: كونه لم يسلب إطلاق اسم الماء وإن كان تغيرًا كثيرًا فاحشًا من حيث الصورة، كما في المتغيِّر بطول المكث (٣)، والمتغيِّر بما يجاوره (٤)، والمتغيِّر بما يجري عليه في مقره (٥)، فكل ذلك يطلق عليه أهل اللسان اسم الماء وإن تفاحش تغيُّره (٦)، والله أعلم.
قوله: "والنورة" (٧) ليس المراد به النورة المعروفة المحرَّقة بالنَّار (٨)، وإنما النورة ههنا: حجارة رخوة فيها خطوط بيض إذا جرى عليها الماء (٩) انحلت فيه (١٠)، وهي مذكورة في "نهاية المطلب" في الرمي في الحج (١١)، والله أعلم.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وفي المطبوع من الوسيط، ولعل الكلمة (لكنَّه) وذلك حتى تصح من حيث الإعراب، والله أعلم.
(٢) الوسيط (١/ ٣٠٤).
(٣) المكث: الإقامة واللبث، وهو بضم الميم وفتحها والضم أفصح؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. انظر المصباح المنير (ص ٢٢٠)، المجموع (١/ ١٦٩).
(٤) كالعود والعنبر والكافور الصلب. انظر الوسيط (١/ ٣٠٤).
(٥) كالكبريت والقار وغيرهما. انظر المغني لابن قدامة (١/ ٢٢ - ٢٣).
(٦) انظر: فتح العزيز (١/ ١٣٦ - ١٣٧)، التنقيح (ل ١٤/أ)، المطلب العالي (١/ ل ٢٦/ أ).
(٧) الوسيط (١/ ٣٠٤) حيث قال: "القسم الثاني: ما تغيَّر عن وصف خلقته، ولكن تغيرًا يسيرًا لا يزايله اسم الماء المطلق فهو طهور وكذا المتغير بما يتعذر صون الماء عنه كالتراب والزرنيخ والنورة الخ".
(٨) وهي عبارة عن أخلاط تستعمل لإزالة الشعر. انظر: المصباح المنير (ص ٢٤١).
(٩) في (ب): الماء عليها. بالتقديم والتأخير
(١٠) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢/ ١٧٥)، التنقيح (ل ١٤/ أ).
(١١) انظر: (٢/ ٢٣٢)، من مخطوطة مكتبة البلديَّة بالإسكندرية، مصر ورقمها (١٣٧٠ ب).
[ ١ / ٣٢ ]
قوله: "نعم في المشمَّس كراهيَّة من جهة الطبَّ" (١) هذه الكراهيَّة إذا أثبتناها على المشهور عند الأصحاب (٢)، فهل هي كراهيَّة شرعيَّة أو كراهيَّة إرشاديَّة؟ فيه وجهان:- والفرق في فنَّ أصول الفقه (٣) بينهما: أن الكراهيَّة الشرعيَّة يتعلق فيها الثواب بالترك. وكراهيَّة الإرشاد لا يتعلق بها ثواب على الترك، وفائدتها دنيويَّة لا دينيَّة، وهي مثل كراهيَّة النبي - ﷺ - أكل التمر لصهيب وهو أرمد (٤). أحدهما: أنها كراهيَّة إرشاديَّة من جهة الطبَّ، وهذا هو طريقة صاحب هذا (٥) الكتاب، وأفصح عنه في التدريس (٦) وهو ظاهر كلام الشافعي (٧). والأظهر والوجه الثاني: أنها كراهيَّة شرعيَّة، وهذا طريقة صاحب "الحاوي" (٨)، وصاحب "المهذب" (٩)،
_________________
(١) الوسيط (١/ ٣٠٥). وقبله: القسم الثاني: ما تغير عن وصف خلقته ولكن تغيرًا يسيرًا لا يزايله اسم الماء المطلق فهو طهور وكذلك الماء المسخَّن والمشمس، نعم في المشمس .. .الخ.
(٢) انظر: التعليقة للقاضي حسين (١/ ١٩٨)، الإبانة (ل ١/ أ)، نهاية المطلب (١/ ل ٦/ أ).
(٣) انظر مثلًا: البحر المحيط للزركشي (١/ ٢٩٨).
(٤) رواه ابن ماجه في كتاب الطبَّ من سننه، باب الحمية (٢/ ١١٣٩) رقم (٣٤٤٣) بلفظ: عن صهيب قال: قدمت على النبي - ﷺ - وبين يديه خبز وتمر، فقال النبي - ﷺ -: (اُدنُ فكل). فأخذت كل من التمر، فقال النبي - ﷺ -: (تأكل تمرًا وبك رمد؟) قال فقلت: إني أمضغ من ناحية أخرى، فتبسم رسول الله - ﷺ -. قال البوصيري في الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله ثقات" وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٢٨) بنحوه.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ب): الدرس. قلت: صرح بهذا في الوسيط حيث قال: نعم في المشمَّس كراهيَّة من جهة الطب.
(٧) حيث قال: "ولا أكره من المشمس إلا أن يكره من جهة الطب" الأم (١/ ٣).
(٨) انظر الحاوي (١/ ٤٣).
(٩) انظر المهذب (١/ ٤).
[ ١ / ٣٣ ]
وغيرهما (١)، والله أعلم.
قوله: "لأنَّ حمي الشمس يفصل من الإناء أجزاء تعلوا الماء كالهباء" (٢) حمي الشمس بفتح الحاء وإسكان الميم على مثال الرمي، حكاه الأزهري في "تهذيب اللغة" (٣) وغيره (٤)، يقال: حميت الشمس تحمي حميًا (٥). والهباء بفتح الهاء والباء الموحدة والمدِّ هو ما يدخل من الكوَّة (٦) مع ضوء الشمس شبيه بالغبار (٧)، والله أعلم.
الأواني المنطبعة (٨): هي التي تطرق بالمطارق، من نحاس وغيره (٩).
قوله (١٠): "ولعله لا يجري في الذهب والفضة" (١١) ليس فيه جزم بالحكم، وقد
_________________
(١) كالشاشي في حلية العلماء (١/ ٦٧)، والبغوي في التهذيب (ص ١٧)، والرافعي في فتح العزيز (١/ ١٣٥). وهذا الذي رجحه ابن الصلاح - ﵀ - هو المشهور عن الأصحاب. انظر المجموع (١/ ٨٩)، كفاية الأخيار (١/ ١٩)، نهاية المحتاج (١/ ٧٠).
(٢) الوسيط (١/ ٣٠٥) وبعده: فإذا لاقى البدن أورث البرص
(٣) (٥/ ٢٧٤).
(٤) حكاه الجوهري في الصحاح (٦/ ٢٣٣٠) عن الكسائي.
(٥) وذلك إذا اشتد حرها، انظر القاموس المحيط (٤/ ٣٤٨).
(٦) الكوَّة بفتح الكاف وضمها: الثقبة في الحائط. انظر: المصباح المنير (ص ٢٠٨).
(٧) انظر: القاموس المحيط (٤/ ٤٠٥)، المصباح المنير (ص ٢٤٢).
(٨) قال الغزالي: " والمحذور من جهة الطبَّ يختص بالحرارة المفرطة في البلاد الحارة، ولا يختص بوجود القصد، ويختص بالجواهر المنطبعة الخ". الوسيط (١/ ٣٠٥).
(٩) انظر: المجموع (١/ ٨٨)، التنقيح (ل ١٤/ ب).
(١٠) في (أ) و(ب): وقوله.
(١١) الوسيط (١/ ٣٠٥)، وقبله: ويختص بالجواهر المنطبعة فلا يجري في الخشب والخزف والجلد، ولعله لا يجري الخ.
[ ١ / ٣٤ ]
جزم غيره فقال الشيخ أبو محمَّد الجويني: "يجري فيهما أيضًا" (١). وقال الصيدلاني أبو بكر (٢): "لا يجري فيهما وفيما عدا النُّحاس" (٣)، وخصَّص النُّحاس بالاعتبار. والتخصيص بالنُّحاس موجود أيضًا في "تعليقة" القاضي حسين (٤)، وفي "التتمة" (٥)، و"التهذيب" (٦)، وغيرها (٧)، والله أعلم.
قوله: "ولأنَّ التراب مجاور فإنَّه يرسب على القرب" (٨) كان ينبغي أن يقول:
_________________
(١) نقله عنه ابنه إمام الحرمين في نهاية المطلب (١/ ل ٦/ أ)، وانظر المجموع (١/ ٨٨).
(٢) في (أ): أبو بكر الصيدلاني، بالتقديم والتاخير. وسقطت من (ب) كنيته، وهو محمَّد بن داود بن محمَّد المروزي المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر، صاحب أبي بكر القفال، له شرح على المختصر، انظر ترجمته في: طبقات السبكي (٥/ ٣٦٤)، طبقات الأسنوي (٢/ ١٢٩).
(٣) انظر النقل عنه في: نهاية المطلب (١/ ل ٦/ أ)، المجموع (١/ ٨٨)، المطلب العالي (١/ ل ٣١/ أ).
(٤) هو الإمام أبو علي الحسين بن محمَّد بن أحمد المروزي، ويقال له أيضًا: المرورذي، وهو من أصحاب الوجوه من تصانيفه: التعليق الكبير، والفتاوى، وهو يأتي كثيرًا معرفًا بالقاضي حسين، وكثيرًا القاضي فقط، ومتى أطلق القاضي في كتب متأخري الخرسانيين كالنهاية والتتمة والتهذيب وكتب الغزالي فهو المراد، توفي سنة (٤٦٢ هـ). انظر ترجمته في: طبقات العبادي (ص ١١٢)، تهذيب الأسماء (١/ ١٦٤ - ١٦٥)، طبقات السبكي (٤/ ٣٨٦). وقوله في التعليقة ١/ ١٩٨.
(٥) انظر النقل عنه في: التنقيح ل ١٥/ أ، المطلب العالي ١/ ل ٣١/ أ.
(٦) ص: ١٨.
(٧) في (ب): غيرهما. وممن خصصه به الفوراني في الإبانة ل ١/ أ.
(٨) الوسيط ١/ ٣٠٧، وقبله: المتغير بالتراب المطروح فيه قصدًا فيه وجهان: أحدهما: أنه ليس بطهور؛ لأنه مستغنى عنه. وهو ضعيف؛ فإن التغير بالتراب لا يسلب اسم الماء ولأن التراب مجاور الخ.
[ ١ / ٣٥ ]
إنَّه في حكم المجاور؛ إذ هو في تلك الحالة مخالط (١) حقيقة (٢)، والله أعلم.
قوله: "إذا (٣) تغير الماء بالملح ففيه ثلاثة أوجه" (٤) يعني به الملح المطروح فيه قصدًا (٥).
قوله (٦): "يفرَّق في الثالث بين الجبلي والمائي، ويشبَّه المائي بالجمد، وهو ضعيف؛ لأنه لو كان كالجمد لذاب في الشمس، ولكن تعليله: التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدًا" (٧) هذا كلام مشكل مُغلط، فاعلم أنه ليس الضمير في "ولكن تعليله" عائدًا إلى الفرق بين الجبلي والمائي، وإنما هو عائد على كون المائي لا يسلب الطهورية، فإن قوله: "ويشبَّه المائي بالجمد" المراد به أنَّه يشبَّه بالجمد في عدم السلب فقال: ليس تعليل عدم السلب فيه تشبيهه (٨) بالجمد،
_________________
(١) في (أ): مخالطه.
(٢) انظر التنقيح (ل ١٥/ أ).
(٣) في (أ): وإذا.
(٤) الوسيط (١/ ٣٠٧). والأوجه هي: لا يؤثر مطلقًا، يؤثر مطلقًا، الفرق بين الجبلي والمائي؛ حيث يؤثر الجبلي؛ لأنه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، بخلاف المائي حيث لا يؤثر في طهوريته؛ لأنه منعقد من عين الماء كالجمد والثلج. والصحيح من هذه الأوجه: أنه يسلب الجبلي دون المائي. انظر: فتح العزيز (١/ ١٤٥) وما بعدها، روضة الطالبين (١/ ١٢٠)، التنقيح (ل ١٥/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٣٤/ أ)، نهاية المحتاج (١/ ٦٦).
(٥) انظر المطلب العالي (١/ ل ٣٤/ أ).
(٦) في (أ) و(ب): وقوله.
(٧) الوسيط (١/ ٣٠٧).
(٨) في (أ): تشبيه.
[ ١ / ٣٦ ]
ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدًا (١). ثم يلزم من ذلك بطلان الفرق بين المائي والجبلي، وإجراء وجهي التراب فيهما؛ فإنهما كلاهما (٢) من أجزاء الأرض كالتراب، وفيما علقته مما علِّق عنه في درسه "للوسيط" مصداق ما شرحته (٣)، والله أعلم. الجمد ذكره صاحب "العين" (٤) بفتح الميم. وقال صاحب "االصحاح" (٥): "الجمد بالتسكين ما جمد من الماء، مصدر سمي به، والجمد بالتحريك جمع جامد، مثل خادم وخدم"، والله أعلم.
والمشهور في الملح المائي أنه لا يسلب الطهورية كالجمد، وهو المقطوع به في كثير من التصانيف المشهورة (٦)، وهو الأصح في بعضها (٧). وهو كالجمد في أنه ماء منعقد وإن لم يكن مثله في الذوب، ولا مانع من (٨) أن يكون المنعقد من الماء منقسمًا في ذلك (٩). وما ذكره في سبب ملوحة البحر (١٠) فيه نزاع
_________________
(١) لأن التراب يوافق الماء في التطهير فهو كما لو طرح فيه ماء آخر فتغير به. انظر: المهذب (١/ ٥)، وشرحه المجموع (١/ ١٠٢).
(٢) في (أ) و(ب): كليهما.
(٣) وانظر: المطلب العالي (١/ ل ٣٤/ ب).
(٤) أي الخليل بن أحمد في كتاب العين (٦/ ٨٩).
(٥) أي الجوهرى في الصحاح (٢/ ٤٥٩).
(٦) كالتلخيص لابن القاصَّ (ص ١١٤)، الإبانة (ل ١/ ب)، المهذب (١/ ٥).
(٧) كالحاوي (١/ ٤٠).
(٨) سقط من (ب).
(٩) انظر: فتح العزيز (١/ ١٤٩).
(١٠) حيث قال: "فإن ماء البحر ملح وملوحته من أجزاء سبخة في الأرض تنتشر فيه". الوسيط (١/ ٣٠٧)، وذكر في البسيط (١/ ل ٤٩/ أ) أن الماء في أصل الخلقة لا طعم له والملوحة ليست إلا من أجزاء سبخة في منابع الماء تمتزج به الخ.
[ ١ / ٣٧ ]
واختلاف (١)، والأصحُّ أنَّ الأصحَّ أنَّه يسلب الطهوريَّة؛ لأنَّه يسلب إطلاق اسم الماء (٢). وأما إجراء الخلاف في الجبلي فبعيد غريب، والمشهور فيه القطع بأنه يسلب (٣)، والله أعلم.
قوله: "إذا صُبَّ مقدار من ماء الورد أو غيره من المائعات على ماء قليل، وكان بحيث لو خالف لونه لون الماء لتفاحش تغيره، خرج عن كونه طهورًا" (٤) هذا فيه عليه استدراكات ثلاثة - اثنان عنهما جواب، والثالث لا جواب عنه مخلِّصًا.
الأول: في إطلاقه ماء الورد، والمسألة مخصوصة بماء الورد المنقطع الرائحة الموافق للماء في صفائه (٥)، وقد استبعد تصور ذلك صاحب "الشامل" (٦)، ولا يبعد عند امتداد مدته، أو يفرض فيما إذا كان الماء المصبوب عليه متغيِّرًا بطول المكث، أو نحوه تغيُّرًا صار به على وفْق صفة ماء الورد المنقطع. ويجاب عن هذا الاستدراك بأنه اكتفى بإشعار قوله: "وكان بحيث لو خالف لونه" بأنَّ الكلام فيما ليس مخالفًا للماء، والله أعلم.
_________________
(١) فقد ذكر البعض أنه هكذا نبع من الأرض. انظر المهذب (١/ ٤).
(٢) انظر: الحاوي (١/ ٤٠)، نهاية المطلب (١/ ل ٤/ أ).
(٣) انظر نهاية المطلب الموضع السابق. وذكر الخلاف في سلب الطهورية به بالأضافة للغزالي الفوراني في الإبانة (ل ١/ ب) وصحح عدم السلب، قال النووي: "وممن ذكره - أي الخلاف - في الجبلي الفوراني والروياني، ونقل الفوراني أن اختيار القفال لا يسلبان". أهـ المجموع (١/ ١٠٢).
(٤) الوسيط (١/ ٣٠٨).
(٥) انظر: فتح العزيز (١/ ١٥١)، التنقيح (ل ١٥/ ب)، المطلب العالي (١/ ل ٣٧/ أ).
(٦) انظر النقل عنه في: المطلب العالي الموضع السابق.
[ ١ / ٣٨ ]
الثاني: في قوله: "على (١) ماء قليل" ولا فرق بين القليل والكثير؛ فإنَّ الكلام في التغيُّر (٢). ويجاب عنه بأنَّه فرضه في القليل لأجل قوله في التفريع "فلو استعمل الكلَّ فهو جائز" (٣) فإنَّ المراد لو استعمل الكلَّ في طهارة واحدة. وإنما يقع هذا في القليل، لا فيما إذا كان قلَّتين.
والثالث: في تخصيصه المخالفة في اللون بالتقدير من بين المخالفات، والصواب أن المبتلى بذلك يستحضر في ذهنه المخالفات الثلاث بالأوصاف الثلاثة التي هي: الطعم واللون والرائحة. ويعتبر الوسط الأعدل من كل واحد منها، ويلحظ مقدار تأثير كل واحد منها في تغيير الماء، ويقابل بينها ثم يقدَّر الوسط من الجميع في هذا المائع. هذا تحقيق الحق في ذلك (٤). وقد يجاب له عن هذا: بأنه ذكر اللون مثالًا لا تقييدًا (٥)، وآية ذلك أن شيخه خصَّ الطعم بالتقدير (٦)، وهذا لا يصفو به المخلِّص؛ فإنه لم يذكر ذلك ذكر المثال، وليس لفظه مشعرًا به، فهو إذًا دائر بين استدراكين خافيين إما من حيث اللفظ، وإما من حيث الحكم، ولا يمكننا أن نستدل بذلك منهما على أنه يتخيَّر فيما يقدره من الأوصاف، إذ لا سبيل إليه؛ فإنه قد يكون بتقدير وصف مُغيِّرًا فيكون
_________________
(١) سقط من (أ).
(٢) في (ب): المتغير. وانظر: فتح العزيز ١/ ١٥١، التنقيح (ل ١٥/ ب).
(٣) الوسيط (١/ ٣٠٨).
(٤) انظر: المهذب (١/ ٥)، التنقيح (ل ١٦/ أ)، المطلب العالي (١/ ل ٣٧/ ب).
(٥) في (أ): تقيُّدًا.
(٦) انظر: نهاية المطلب (١/ ل ٥/ أ).
[ ١ / ٣٩ ]
سالبًا للطهوريَّة، وبتقدير (١) وصف آخر لا يغيِّر فلا يكون سالبًا لها، فيلزم أن يكون مخيَّرًا بين أن يجعله طهورًا، وبين أن لا يجعله طهورًا، وذلك محال، والله أعلم.
_________________
(١) في (أ): تقدير.
[ ١ / ٤٠ ]