ذكر أن حدَّ السفر: (الانتقال مع ربط القصد بمقصد معلوم) (١). وهذا يحتاج إلى تمام بأن يقال: الانتقال من محل الإقامة؛ كيلا ينتقض بالانتقال من دار إلى دار هما في بلدة واحدة ونحو ذلك.
وقوله: "الهائم، وراكب التعاسيف لا يترخص" (٢) قال الشيخ أبو الفتوح العجلي: هما عبارتان عن معبَّر (٣) واحد (٤). وليس كذلك إنما الفرق بينهما مما يشكل، والفرق والله أعلم: أن الهائم الذي خرج على وجهه ولا يدري أين يتوجه وإن سلك طريقًا مسلوكًا. وراكب التعاسيف: لا يسلك طريقًا، وكلاهما مشتركان في أنهما لا يقصدان (٥) مقصدًا معلومًا (٦)، والله أعلم.
قوله في ابتداء السفر أنه: "الانفصال عن الوطن، والمستقر" (٧) فالمستقر أعم من الوطن؛ فإنه يشمل مقر المقيم غير المستوطن (٨).
_________________
(١) انظر: الوسيط ٢/ ٧١٥.
(٢) الوسيط ٢/ ٧١٥. وبعده: وإن مشى ألف فرسخ.
(٣) في (د): من غير، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) انظر النقل عنه: في تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/١٨٥.
(٥) في (ب): لا يقصدان طريقًا مسلوكًا قصدًا معلومًا.
(٦) انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/١٨٥، المصباح المنير ص: ٢٤٧.
(٧) الوسيط ٢/ ٧١٥. وقبله: وأمر السفر ظاهر، وإنما الغموض في بدايته ونهايته. أما البداية فهي الانفصال إلخ.
(٨) الوطن: مكان الإنسان ومقره. والمستوطن الذي اتخذ وطنًا. انظر: الصحاح ٦/ ٢٢١٤، المصباح المنير ص: ٢٥٤.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قوله في السفر من البلد غير المسوَّر: "لا يشترط مجاوزة المزارع، والبساتين التي يُخرج إليها للتنزه" (١) فقوله "للتنزه" احتراز مما إذا كانوا يسكنونها ولو في بعض فصول السنة، فإنه يشترط في الترخص مجاوزتها (٢)، والله أعلم.
ما ذكره في ترخص المسافر من قرية من أنه لا بدَّ فيها من مجاوزة المزارع والبساتين المحوطة دون التي ليست بمحوطة (٣). مخالف لما ذكره غيره؛ ففي طريقة العراق: أن القرية كالبلدة في أنه ليس يشترط مجاوزة البساتين والمزارع (٤). وفي طريقة شيخه إمام الحرمين: أنه لا يشترط في القرية مجاوزة المزارع محوطة كانت أو غير محوطة، ويشترط مجاوزة البساتين إن كانت محوطة، ولا يشترط إن لم تكن محوطة (٥)، والله أعلم.
قوله: "النادي والدمن" (٦) فالنادي ههنا: مجلس الناس ومجتمعهم للحديث (٧). والدِمن: بكسر الدال المهملة جمع دمنة وهي ما تلبد من
_________________
(١) الوسيط ٢/ ٧١٥.
(٢) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٧٣/ ب، فتح العزيز ٤/ ٤٣٦، روضة الطالبين ١/ ٤٨٤، ورجَّح في المجموع ٤/ ٣٤٧ عدم اشتراط مجاوزتها؛ لأنها ليست من البلد، فلا تصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض فصول السنة.
(٣) انظر: الوسيط ٢/ ٧١٦.
(٤) انظر: الحاوي ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠، المهذَّب ١/ ١٠٢، حلية العلماء ٢/ ٢٢٩، فتح العزيز ٤/ ٤٣٧، المجموع ٤/ ٣٤٨، وصححه النووي فيه.
(٥) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل ١٧٤/ أ.
(٦) الوسيط ٢/ ٧١٦. قال الغزالي: "الثالث الصحراء: والانفصال عنها بمجاوزة الخيام، والنادي، والدمن".
(٧) انظر: الصحاح ٦/ ٢٥٠٥، القاموس المحيط ٤/ ٤٥٤.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
السرجين (١) ونحوه، وقيل: أراد بها مطارح التراب، والمواضع التي يتردد أهل الخيام إليها (٢).
قوله: "قال الشافعي: لو نزلوا في وادٍ والسفر في عرضه (٣) فلا بدَّ من جزعه" (٤) فقوله "في عرضه" لك أن تقرأه بفتح العين، ولك أن تقرأه بضمها أي جانبه، وهو بضمها أيضًا: وسطه، والجميع راجع إلى معنى واحد (٥)، وفيه احتراز مما إذا كان السفر في طول الوادي. وجزعه: هو بفتح الجيم، وإسكان الزاي المنقوطة أي قطعه (٦). وهذا وما ذكره في الربوة والوهدة (٧) المراد به ما إذا لم يتسع ذلك بحيث يخرج عن كون جميعه منسوبًا إليهم (٨). أما إذا اتسع فلا يعتبر غير مجاوزة الخيام، والنادي، والدمن، وملعب الصبيان، وحظائر الإبل والغنم، ونحو ذلك (٩). وفي قول صاحب الكتاب في المحتطب: "إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين" (١٠) تنبيه على ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) السرجين: الزبل. انظر: المصباح المنير ص: ١٠٤.
(٢) انظر: القاموس المحيط ٤/ ٢١٣، المصباح المنير ص: ٧٦، المجموع ٤/ ٣٤٩.
(٣) في (د): عروضه، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ب).
(٤) الوسيط ٢/ ٧١٦. ولفظ الشافعي في الأم ١/ ٣٢٠: "فإن كان في عرض وادٍ، فحتى يقطع عرضه". أهـ
(٥) انظر: مختار الصحاح ص: ٤٢٦، المصباح المنير ص: ١٥٣.
(٦) انظر: لسان العرب ٢/ ٢٧٤، القاموس المحيط ٣/ ١٦.
(٧) قال الغزالي: "وقال الأصحاب: إن كانوا على ربوة فلا بدَّ من الهبوط، أو في وهدة فلا بدَّ من الصعود". أهـ الوسيط ٢/ ٧١٦. والربوة: ما ارتفع من الأرض. والوهدة: ما انخفض من الأرض. انظر: مختار الصحاح ص: ٢٣١، ٧٣٨، القاموس المحيط ١/ ٤٨٢، ٤/ ٣٦٤.
(٨) انظر: فتح العزيز ٤/ ٤٣٨، المجموع ٤/ ٣٤٨.
(٩) انظر: المراجعين السابقين.
(١٠) الوسيط ٢/ ٧١٦.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قوله في الإقامة: "إذا زادت على ثلاثة أيام انقطع الترخص، ولا يحسب في الثلاث يوم الدخول ويوم الخروج" وكذلك قوله في العزم على الإقامة مدة تزيد على ثلاثة أيام (١). فهذه عبارة شيخه أيضًا (٢). وعبارة الشافعي (٣)، ومعظم أصحابه (٤) في ذلك إقامة أربعة أيام، ومفهومه وما صرَّح به بعضهم أنه لا يعتبر في ذلك الزيادة على ثلاثة أيام إذا لم تبلغ الأربعة (٥)، وعبارة صاحب الكتاب عند التحقيق راجعة إلى ذلك؛ لأنه وإياهم لا يحسبون في ذلك يومي الدخول والخروج، ويلزم من ذلك أن يكون ما ذكره (٦) من الزيادة على ثلاثة أيام تمام الأربعة وهو يوم؛ لأن ما دون اليوم يكون يوم الدخول، أو يوم الخروج لا محالة، وقد اشترطنا في الزيادة أن تكون خارجة عن يومي (٧) الدخول والخروج، وهذا لطيف فافهمه، ولا نقول مثل ذلك في عبارة شيخه؛ لأنه قد صرَّح بالمخالفة فقال: "إن نوى مقام أربعة أيام، أو مقام ثلاثة أيام ولحظة صار مقيمًا" (٨). وإنما يستقيم هذا مع القول باحتساب يومي الدخول والخروج،
_________________
(١) انظر: الوسيط ٢/ ٧١٧.
(٢) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٧٦/ ب.
(٣) انظر: الأم ١/ ٣٢٠، مختصر المزني ص: ٢٩.
(٤) انظر مثلًا: التلخيص لابن القاص ص: ١٧٤، الحاوي ٢/ ٣٧١، التعليقة للقاضي حسين ٢/ ١٠٥٩، المهذب ١/ ١٠٣، حلية العلماء ٢/ ٢٣٢.
(٥) انظر: التلخيص لابن القاص الموضع السابق، فتح العزيز ٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧، المجموع ٤/ ٣٦١.
(٦) في (د) و(ب): ما ذكراه، والمثبت من (أ).
(٧) في (ب): يوم.
(٨) نهاية المطلب ٢/ ل ١٧٦/ ب. ولفظه: "مقام ثلاثة أيَّام وزيادة".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وسياق كلامه يشعر (١) بأن في ذلك خلافًا، وهو (٢) كذلك؛ فقد حكى فيه صاحب "التهذيب" (٣)، وغيره (٤) وجهين، والله أعلم.
قوله: "ثم المقيم فوق الثلاث إذا كان عازمًا على أن شغله لا يتنجَّز في الثلاث فلا يترخص" (٥) هذه عبارة غير مرضية، وقد غيرت في بعض النسخ، وتمامها، وتحريرها بأن يقال: المقيم فوق الثلاث إذا كان عازمًا من الابتداء على أن شغله لا ينجزه (٦) في الثلاث، فيجعل التنجيز من فعله، والله أعلم.
قوله: "روي أن رسول الله - ﷺ - قصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يومًا، وروي سبعة عشر يومًا، وروي عشرين يومًا" (٧) أما ثمانية عشر، وسبعة عشر ففي إقامته - ﷺ - عام فتح مكة، وفي حرب هوازن (٨). أما ثمانية عشر فقد رويناه في
_________________
(١) في (أ) و(ب): مشعر.
(٢) في (د): وهي، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) انظر: التهذيب ص: ٦٥١، وصحح أنه لا يحسب.
(٤) كالقاضي حسين في التعليقة ٢/ ١٠٩٥، وصحح الرافعي عدم احتسابهما انظر: فتح العزيز ٤/ ٤٤٧.
(٥) الوسيط ٢/ ٧١٧.
(٦) في (أ): يتنجَّز.
(٧) الوسيط ٢/ ٧١٧. وقبله: ثم المقيم فوق الثلاثة إذا كان عازمًا على أن شغله لا يتنجَّز في الثلاثة فلا يترخص إلا إذا كان شغله قتالًا ففيه قولان: أحدهما يترخص لما روي أن رسول الله - ﷺ - قصر إلخ.
(٨) مراده بحرب هوازن غزوة حنين، وهوازن قبيلة مضرية عدنانية يعود نسبها إلى قيس عيلان، وهي من أهم بطون قيس عيلان، ومواطنها ما بين غور - كل ما انحدر سيله مغرِّبًا - تهامة إلى ما وراء بيشة وناحية السراة، والطائف، وذي المجاز، وحنين، وأوطاس، وما صاقبها من البلاد. ومن هوازن تفرعت قبيلة ثقيف. انظر: البداية والنهاية ٤/ ٣٢١، مرويات غزوة حنين وحصار الطائف ١/ ٢٣، ٣٧.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
"سنن أبي داود" (١)، ورويناه في كتاب "السنن الكبير" (٢) عن عمران بن الحصين، وفي إسناده علي بن زيد (٣) وليس بالقوي (٤). وأما رواية سبعة عشر بنقصان ثلاثة من عشرين فقد رويناه من وجوه عن ابن عباس ﵄، منها في "السنن" لأبي داود (٥). لكن الذي روينا (٦) عن ابن عباس في "صحيح البخاري" (٧)
_________________
(١) انظره كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر؟ ٢/ ٢٣ رقم (١٢٢٩).
(٢) انظره كتاب الصلاة ٣/ ٢١٦ رقم (٥٤٧١)، وأخرجه الترمذي بنحوه في جامعه أبواب الصلاة، باب ما جاء في التقصير في السفر ٢/ ٤٣٠ رقم (٥٤٥) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) هو أبو الحسن علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري الأعمى، أصله حجازي، وهو معروف بعلي بن زيد بن جُدعان، قال عنه الحافظ ابن حجر: "ضعيف"، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم مقرونًا، والأربعة، توفي سنة ١٣١ هـ وقيل قبلها. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/ ١٨٦، السير ٥/ ٢٠٦، تقريب التهذيب ص: ٤٠١.
(٤) قال الحافظ ابن حجر: "وعلي ضعيف، وإنما حسَّن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق". أهـ التلخيص الحبير ٤/ ٤٤٩، وراجع تذكرة الأخيار ل٨٠/ أ.
(٥) انظره كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر؟ ٢/ ٢٤ رقم (١٢٣٠)، والحديث بهذا اللفظ رواه ابن حبان في صحيحه - انظر: الإحسان ٦/ ٤٥٧ رقم (٢٧٥٠) -، قال النووي: "إسناده صحيح على شرط البخاري". المجموع ٤/ ٣٦٠، وقال ابن الملقن: "وإسناده على شرط البخاري". تذكرة الأخيار ل ٨٠/ أ.
(٦) في (أ) و(ب): رويناه.
(٧) انظره - مع الفتح - كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر ٢/ ٦٥٣ رقم (١٠٨٠).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
تسعة عشر، بنقصان واحد من عشرين، وذكر الحافظ أحمد البيهقي أن هذه أصح الروايات عن ابن عباس، قال: "ويمكن الجمع بينهما بأن يكون من قال (١): سبعة عشر يومًا لم يعد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: تسعة عشر عدهما، ومن قال: ثمانية عشر عدَّ أحدهما، والله أعلم" (٢). وأما رواية عشرين يومًا ففي غزوة تبوك (٣)، روينا من حديث جابر بن عبد الله قال: (أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) أخرجه أبو داود (٤)، وذكر (٥) الحافظ أحمد البيهقي أنه غير محفوظ مسندًا، بل مرسلًا من غير ذكر جابر (٦). فالأصح إذًا ما رواه البخاري وهو تسعة عشر يومًا، وهذا يقتضي تعينها (٧) دون سائر الأعداد على القول بأنه لا تجوز الزيادة في ذلك على مدة إقامته
_________________
(١) في (د): قال من، بالتقديم والتأخير، والمثبت من (أ) و(ب).
(٢) السنن الكبرى ٣/ ٢١٥، ٢١٦.
(٣) هي بفتح التاء، وضم الباء، وهي في أطراف الشام، وتقع في المنطقة الشمالية من المملكة العربية السعودية، بينها وبين المدينة نحو أربعة عشر مرحلة (٧٠٠ كلم تقريبًا)، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وكان غزو النبي - ﷺ - لتبوك سنة تسع من الهجرة، وهي آخر غزواته بنفسه، ومنها راسل عظماء الروم. انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٤/ ٥١٥، معجم البلدان ٢/ ١٧، تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/٤٣.
(٤) في سننه كتاب الصلاة، باب إذا أقام بأرض العدو يقصر ٢/ ٢٧ رقم (١٢٣٥).
(٥) في (أ) و(ب): ولكن ذكر.
(٦) السنن الكبرى ٣/ ٢١٧. قال النووي: "رواية المسند تفرد بها معمر بن راشد وهو إمام مجمع على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض في الحديث إرسال وإسناد حكم بالمسند". أهـ المجموع ٤/ ٣٦١.
(٧) في (أ): تعيينها.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
عازم، قاصرًا صلاته على النبي (١) - ﷺ - (٢). وحكى إمام الحرمين (٣)، وغيره (٤) في ذلك طريقين: أحدهما: أن في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سبعة عشر. والثاني: ثمانية عشر. والثالث: عشرون. والثاني: أن المعتمد ثمانية عشر. قلت: والذي رأيته في كلام الشافعي ولم يحكِ صاحب "الحاوي" غيره (٥): سبعة عشر أو ثمانية عشر على الترديد. وهذا يقتضي الاقتصار على الأقل (٦) سبعة (٧) عشر، ولا ينبغي أن يعدل عن اختيار ما حققناه؛ فإنه من تحقيق أهل الحديث، وعليهم الاعتماد في مثل هذا. وفي كتاب إمام الحرمين من المزال عن وجهه في هذا المقام: أنه عكس فجعل رواية ثمانية عشر عن ابن عباس، ورواية سبعة عشر عن عمران بن الحصين، وأنه جعل رواية عشرين يومًا واردة في غزوة فتح مكة (٨)، وإنما وردت في غزوة تبوك كما سبق ذكره، والله أعلم.
قوله: "روى أن ابن عمر ﵄ أقام على قتال بأذربيجان ستة أشهر، وكان يقصُر" (٩) هذا رويناه في "السنن الكبير" (١٠)، وإسناده
_________________
(١) على النبي: سقط من (أ) و(ب).
(٢) هذا القول صححه الرافعي والنووي انظر: فتح العزيز ٤/ ٤٤٩، المجموع ٤/ ٣٦٣. والقول المقابل له: الترخص أبدًا.
(٣) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٧٩/ ب.
(٤) كذا حكاه الرافعي في: فتح العزيز ٤/ ٤٤٩ - ٤٥١.
(٥) انظر: الحاوي ٢/ ٣٧٤، وقد حكاه عن نصِّه في الإملاء.
(٦) في (د): الأول، وهو تصحيف، والمثبت من (أ) و(ب).
(٧) في (ب): تسعة، وهو خطأ؛ فإنها ليست الأقل.
(٨) انظر: نهاية المطلب ٢/ ل١٧٩/ ب.
(٩) الوسيط ٢/ ٧١٩ وقبله: .. فإن قلنا يترخص ففي الزيادة على هذه المدة - أي التي قصر فيها النبي - ﷺ - قولان: الأقيس: الجواز، لأنه لو طال القتال على رسول الله - ﷺ - استمر على القصر ولما روي أن ابن عمر إلخ
(١٠) انظره كتاب الصلاة ٣/ ٢١٧ رقم (٥٤٦٧).
[ ٢ / ٢٦١ ]
جيَّد (١). وأذربيجان الأفصح أنها بهمزة في أولها مفتوحة من غير مدٍّ، ثم ذال معجمة ساكنة، ثم راء مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة. ويقال. بهمزة ممدودة، ثم ذال مفتوحة، ثم راء ساكنة، وهذا أشهر، وهي ناحية تشتمل على بلاد معروفة (٢)، والله أعلم.
ما ذكره من أن السفر الطويل حدُّه (٣) بالأميال (٤) ثمانية وأربعون (٥) ميلًا بالهاشمي (٦)، وكل ثلاثة أميال فرسخ (٧). فالميل: أربعة آلاف خطوة، وكل خطوة ثلاثة أقدام (٨)، فكل ميل إذًا: اثنا عشر ألف قدم. والمعتبر في كل ذلك الوسط (٩). وقوله "بالهاشمي" نسبة إلى بني هاشم (١٠)، وفيه احتراز من أميال
_________________
(١) قال ابن الملقن وابن حجر: "صحيح الإسناد". انظر: تذكرة الأخيار ل٨٠/ ب، التلخيص الحبير ٤/ ٤٥١.
(٢) هي إحدى الجمهوريَّات الإسلاميَّة المستقلة عن الاتحاد السوفياتي، وهي تقع في جنوب شرق بلاد القفقاس، وصلها الإسلام في عهد عمر - ﵁ -. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١/١٧، حاضر العالم الإسلامي ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (ب): بأميال.
(٥) في (د): وأربعين، والمثبت من (أ) و(ب).
(٦) في (أ): بالهاشمية.
(٧) الوسيط ٢/ ٧٢٠. وقبله: القيد الثاني: الطويل: وحده: مسيرة يومين، وبالمراحل: مرحلتان، وبالأميال .. إلخ. ومقدار ذلك بالكيلومترات ٨٠.٦٤ كم. انظر: المقادير الشرعية ص ٣٠٠.
(٨) سقط من (ب).
(٩) انظر: فتح العزيز ٤/ ٤٥٣، روضة الطالبين ١/ ٤٨٩.
(١٠) انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص: ٧٧، تحرير التنبيه ص: ٩٢.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
بني أميَّة، (و) (١) هي أكبر، وبها حدَّد (٢) الشافعي في القديم فقال: أربعون ميلًا (٣). يريد أميال بني أميَّة، والمقدار واحد (٤). وأخطأ بعض الشارحين "للوجيز" فأفحش (٥)؛ فزعم أن ذلك نسبة إلى هاشم جدِّ رسول الله - ﷺ - (٦). وكأنه لم يدر (٧) أن النسبة إلى بني هاشم: هاشمي، وليس يخفى أن ذلك لا يلائم حال هاشم، وإنما يلائم حال بني هاشم حين أفضت الخلافة إلى بني هاشم لما تولاها (٨) بنو العبَّاس، والله أعلم.
ذكر أن الرخص المتعلقة بالسفر الطويل والقصير (٩) أربع: الصلاة على الراحلة، وترك الجمعة، والتيمم، وأكل الميتة (١٠). قال تلميذه محمد بن يحيى: "تناول الميتة رخصة السفر والحضر جميعًا مهما تحققت الضرورة" (١١). قلت: إنما يجعل (١٢) أكل الميتة من رخص السفر حيث يكون الاضطرار ناشئًا من السفر
_________________
(١) زيادة من (أ) و(ب).
(٢) في (أ): حدده.
(٣) انظر النقل عنه في: الحاوي ٢/ ٣٦٠.
(٤) فكل خمسة من أميال بني أميَّة تعادل ستة من أميال بني هاشم. انظر: المجموع ٤/ ٣٢٣.
(٥) في (ب): فاحش.
(٦) مراده به الرافعي؛ حيث ذكر ذلك في: فتح العزيز ٤/ ٤٥٣.
(٧) في (د) يرد، وفي (ب): يدرك، والمثبت من (أ).
(٨) في (د). ولاها، والمثبت من (أ) و(ب).
(٩) في (ب): ذكر أن رخص السفر المتعلقة بالطويل والقصير
(١٠) انظر: الوسيط ٢/ ٧٢١.
(١١) لم أقف على النقل عنه فيما بين يدي من مصادر، والله أعلم.
(١٢) في (ب): جعل.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
في حق من كان بحيث لو أقام في الحضر لم يضطر، وهكذا التيمم بسبب عدم الماء، وذلك هو الغالب؛ فإن عدم الطعام والماء (١) لا يكاد يقع في الحضر. وقد يقال في التيمم: إنه أراد التيمم الذي لا تجب إعادة الصلاة المؤداة به، فإن ذلك يعم السفر الطويل والقصير على أصح القولين (٢). ولكن ذلك مخالف لظاهر لفظه، والله أعلم.
قوله: "القيد الثالث: المباح" (٣) لم يرد بالمباح ههنا ما قرره في أصول الفقه من أن المباح: ما استوى طرفاه في عدم الثواب والعقاب (٤). إنما المباح ههنا على اصطلاح الفقهاء، وهو: ما (٥) لا حرج في فعله (٦). فيدخل فيه الواجب والمندوب إليه، والله أعلم.
قوله في شرط القصر: "هو اثنان: أحدهما: أن لا يقتدي بمتم. والثاني: أن يستمر على نية القصر جزمًا في جميع صلاته" (٧) هذا يفهم منه انحصار الشرط (٨) في هذين الاثنين، وليس كذلك، فإن له شروطًا منها: أن لا يقيم في جزء من صلاته، بل يستمر سفره من أولها إلى آخرها، فلو نوى الإقامة في أثناء
_________________
(١) في (ب): الماء والطعام، بالتقديم والتأخير
(٢) انظر: روضة الطالبين ١/ ٢٣٥.
(٣) الوسيط ٢/ ٧٢٢.
(٤) انظر: المستصفى ص: ٥٩.
(٥) في (أ): مما.
(٦) انظر: البحر المحيط ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، شرح الكوكب المنير ١/ ٤٢٧.
(٧) الوسيط ٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥.
(٨) في (ب): الشروط.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
صلاته، أو طرأت الإقامة نفسها بأن (١) انتهت السفينة وهو يصلي فيها إلى وسط بلده، لزمه الإتمام. ومنها: علم القاصر بجواز القصر، فلو قصر جاهلًا بذلك (٢) لم يصح قصره وإن نوى؛ لأنه لا يجوز له ترك ما أمر به من الإتمام من غير علم بما يجوز له تركه (٣)، والله أعلم.
(قوله) (٤) في عدم اشتراط الترتيب على أحد الوجهين فيما إذا أخَّر الظهر إلى وقت العصر: "وجه الفرق أن العصر في وقته، فلم يفتقر (٥) إلى تقديم غيره، بخلاف العصر في وقت الظهر" (٦) هذا مشكل وإيضاحه: أنا إنما اشترطنا الترتيب أي تقديم الظهر على العصر في الجمع (٧) في وقت الأولى لأن العصر في غير وقته، وإنما يصح مجموعًا إلى غيره وهو الظهر، فلا بدَّ (٨) من وجود الظهر المجموع إليه أولًا ليُجمع إليه غيره، بخلاف الجمع في وقت العصر، فإن العصر واقعة في وقتها، فتصح وإن لم تقدم الظهر عليها، وتصح الظهر مؤخرة بوصف الجمع لأن الجمع قد (٩) وقع ضرورة بحصولها في وقت العصر على وجه
_________________
(١) في (أ): بل.
(٢) سقط من (ب).
(٣) انظر: فتح العزيز ٤/ ٤٦٨، روضة الطالبين ١/ ٤٩٧، كفاية الأخيار ١/ ٢٧٥.
(٤) زيادة من (أ) و(ب).
(٥) في (ب): في وقتها فلم نفتقر.
(٦) الوسيط ٢/ ٧٢٨. وقبله: ثم شرائط الجمع ثلاثة: الأول: الترتيب: وهو تقديم الظهر على العصر مهما عجَّل العصر، فإن أخَّر الظهر إلى وقت العصر ففي تقديمه وجهان: ووجه الفرق إلخ.
(٧) في الجمع: سقط من (ب).
(٨) في (د): ولا بدَّ، والمثبت من (أ) و(ب).
(٩) سقط من (ب).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ما دُوِّن فيه (١)، والله أعلم.
قوله: "نيَّة الجمع عند التقديم في أول صلاة الأولى أو في وسطها" (٢) هذا اقتصار منه على القول الأصح المنصوص عليه في الجمع بالسفر (٣)، وترك القول الثاني المنصوص عليه في الجمع بالمطر وهو أنه لا يجوز إلا عند التحرم بالصلاة الأولى (٤)، ومن المتصور ذكر القولين في الجمعين (٥).
قوله (٦): "فلو نوى في أول الصلاة الثانية لم يجز. وقال المزني: يجوز" (٧) هذا ليس مذهب (٨) المزني، وإنما هو قول ثالث مخرَّج خرَّجه المزني للشافعي. وإنما قول المزني ومذهبه أن نيَّة الجمع (٩) ليست شرطًا أصلًا، ويكفي فعل الجمع وصورته (١٠). ثم إن
_________________
(١) وهذا هو الوجه الصحيح، الذي لم يذكر كثيرون سواه، وهنالك وجه آخر في أنه يشترط الترتيب كذلك، وعليه فلو أخلَّ بالترتيب كانت الأولى قضاءً. التعليقة للقاضي حسين ٢/ ١١٢٢، فتح العزيز ٤/ ٤٧٧، كفاية الأخيار ١/ ٢٧٧.
(٢) الوسيط ٢/ ٧٢٨. وقبله: الثالث - أي الشرط الثالث - نيَّة الجمع إلخ.
(٣) انظر: مختصر المزني ص: ٣٠، التلخيص لابن القاص ص: ١٧٤، التعليقة للقاضي حسين ٢/ ١١٢٧، المهذَّب ١/ ١٠٤، مجموع ٤/ ٣٧٤.
(٤) انظر: المصادر السابقة.
(٥) لقول الشافعي: "والسنة في المطر كالسنة في السفر". انظر: مختصر المزني والتلخيص في الموضعين السابقين.
(٦) في (أ) و(ب): وقوله.
(٧) الوسيط ٢/ ٧٢٨. قال المزني - بعد أن نقل قول الشافعي: "فإن نوى مع التسليم الجمع كان له الجمع -: هذا عندي أولى" المختصر ص: ٣٠.
(٨) في (ب): قول.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) لم أجده منصوصًا عليه في المختصر، ولكن نقله عنه الشاشي في: حلية العلماء ٢/ ٢٤٢.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
القول الثالث الذي خرَّجه المزني إنما هو تجويز إيقاع نيَّة الجمع بين الصلاتين، فلو أنه نوى الجمع في أول الصلاة الثانية فالظاهر من كلام المفرِّعين على تخريجه هذا أن ذلك لا يجوز؛ لأنها جازت بين الصلاتين لتعلق الجمع بالصلاتين، قال إمام الحرمين: "ليس يبعد عن القياس تجويز ذلك" (١). على هذا إذا عرفت هذا فالذي ذكره في الكتاب اختصار منه لكلام شيخه في ذلك على وجه يخلُّ بفهم المنقول عن المزني موهمًا غيره، والله أعلم.
قوله: "جمع رسول الله - ﷺ - بالمدينة من غير خوف ولا سفر. قال الشافعي - ﵁ -: ما أراه إلا من عذر المطر" (٢) هذا رواه الشافعي (٣)، وغيره (٤) عن مالك بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال مالك: "أرى ذلك كان في مطر" (٥). هذا الحديث رواه مسلم في "صحيحه" من وجهين: أحدهما: هكذا. والثاني: "جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر" (٦). فلا
_________________
(١) نهاية المطلب ٢/ ل١٩٧/ ب.
(٢) الوسيط ٢/ ٧٢٩ - ٧٣٠. وقبله: السبب الثاني - أي للجمع -: المطر، وقد جمع رسول الله إلخ.
(٣) في: المسند ص: ٤٤٩، السنن ١/ ١٣٤، مختصر المزني ص: ٣٠.
(٤) فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه - مع النووي - كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر ٥/ ٢١٥ عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين ٢/ ١٤ رقم (١٢١٠) عن القعنبي عن مالك، والنسائي في سننه كتاب المواقيت، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ١/ ٣١٥ رقم (٦٠٠) عن قتيبة عن مالك، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة، ٣/ ٢٣٦ رقم (٥٥٤٣) من طريق الشافعي عن مالك.
(٥) انظر: الموطأ - مع الزرقاني - كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ١/ ٤١٧ رقم (٣٢٨).
(٦) انظر: صحيح مسلم الموضع السابق ٥/ ٢١٦ - ٢١٧.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
حجة إذًا فيه، وقد حمل الجمع فيه (١) عمرو بن دينار (٢) - وهو أحد رواته - على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول (٣) وقتها (٤). ولم يمنعنا مثل هذا التأويل (٥) من القول بالجمع في السفر (٦)؛ لأن في بعض رواياته الثابتة التصريح بما معناه الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما (٧)، فينبغي إذًا أن يَعدل إلى الاحتجاج بالقياس على الجمع في السفر (٨)، ويعضده بورود فعل مثل ذلك في
_________________
(١) سقط من (ب).
(٢) أبو محمد عمرو بن دينار الجمحي مولاهم المكي التابعي قال عنه النووي: أجمعوا على جلالته، وإمامته، وتوثيقه، وهو أحد أئمة التابعين، وأحد المجتهدين أصحاب المذاهب. وقال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت"، روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٢٦ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/ ٢٣١، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٧، تذكرة الحفاظ ١/ ١١٣، تقريب التهذيب ص: ٤٢١.
(٣) سقط من (ب).
(٤) انظر قوله هذا في: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب التهجد، باب من لم يتطوع بعد المكتوبة ٣/ ٦٢ رقم (١١٧٤)، وصحيح مسلم الموضع السابق، والسنن الكبرى ٣/ ٢٣٨.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (د): في الجمع بالسفر، والمثبت من (أ) و(ب).
(٧) من النصوص الدالة على ذلك: الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس - ﵁ - قال: "كان النبي - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما". انظر: صحيح البخاري مع الفتح - كتاب تقصير الصلاة، باب يؤخِّر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ٢/ ٦٧٨ رقم (١١١١)، وصحيح مسلم - مع النووي - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر ٥/ ٢١٤. وروى البيهقي عن أنس - ﵁ - قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل). انظر: السنن الكبرى كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في السفر ٣/ ٢٣١ رقم (٥٥٢٣)، قال النووي: "صحيح الإسناد". المجموع ٤/ ٣٧٢.
(٨) في (ب): بالسفر.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
المطر عن ابن عمر (١)، وابن عباس (٢) ﵄، وبما رويناه بإسناد جيِّد عن موسى بن عقبة (٣) "أن (٤) عمر بن عبد العزيز (٥) كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان مطر، وأن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن (٦)، ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك" (٧). فدَّل هذا مع غيره على شهرة ذلك وانتشاره من غير منكر، فاعتمد ذلك؛ فإن تقرير تجويز الجمع بالمطر منا مشكلات المذهب، ولذلك توقف
_________________
(١) رواه عنه مالك انظره في الموطأ - مع الزرقاني - كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ١/ ٤١٨ رقم (٣٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٣/ ٢٤٠ رقم (٥٥٥٦).
(٢) رواه عنه البيهقي في الموضع السابق من السنن الكبرى وفي سنده مجهول.
(٣) هو أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عيَّاش الأسدي مولى آل الزبير، كان بصيرًا بالمغازي النبوية، قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة فقيه إمام في المغازي. روى حديثه الجماعة، توفي سنة ١٤١ هـ، وقيل بعد ذلك. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل ٨/ ١٥٤، السير ٦/ ١١٤، تقريب التهذيب ص: ٥٥٢.
(٤) في (د): بن، والمثبت من (أ) و(ب).
(٥) هو الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بن مروان أبو حفص القرشي التابعي، ولي الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك سنة ٩٩ هـ، وكان خليفة عادلًا، صالحًا، زاهدًا، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وشهرته أطبقت الآفاق، توفي سنة ١٠١ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء ٢/ ١٧، البداية والنهاية ٩/ ٢٠٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص: ٢٢٨.
(٦) هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزومي المدني التابعي، أحد فقهاء المدينة السبعة، واسمه كنيته على الصحيح، وكان ثقة، عالمًا، عاقلًا، سخيًا، كثير الحديث، توفي سنة ٩٤ هـ بالمدينة. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ١/ ٢٥٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٦٣، طبقات الحفاظ ص: ٢٤.
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة ٣/ ٢٤٠ رقم (٥٥٥٨).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
بعض أصحابنا فيه وعنه (١)، وطرد القياس في الجمع بعذر المرض (٢) جماعة من أصحابنا فجوَّزوه (٣) منهم: أبو سليمان الخطابي (٤)، والقاضي الحسين (٥)، والروياني (٦)، وغيرهم (٧)، والله أعلم.
قوله: "وفي الثلج خلاف" (٨) هذا في (٩) الثلج الذي يذوب، ووجه المنع: أن نفضه عن الثوب ممكن (١٠)، والله أعلم.
قوله: "قال الأصحاب: التقديم بعذر المطر جائز، وفي التأخير وجهان" (١١) لا يصح ذلك عن الأصحاب، فمشهور عنهم ذكرهم قولين في ذلك لا وجهين (١٢)، والله أعلم.
_________________
(١) كالمزني انظر النقل عنه في: المجموع ٤/ ٣٨١، روضة الطالبين ١/ ٥٠١.
(٢) في (د): المطر، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) في (ب): فجوَّزه.
(٤) انظر: معالم السنن ٢/ ١٥.
(٥) لم أقف عليه في الجزء الموجود من التعليقة، وانظر النقل عنه في: فتح العزيز ٤/ ٤٨١، المجموع ٤/ ٣٨٣.
(٦) انظر النقل عنه في الموضعين السابقين من فتح العزيز والمجموع.
(٧) نقله النووي كذلك عن المتولي صاحب التتمة. انظر: المجموع الموضع السابق.
(٨) الوسيط ٢/ ٧٣١. وقبله: ولا خلاف أن الأوحال والرياح لا تلحق بالمطر، وفي الثلج إلخ.
(٩) سقط من (ب).
(١٠) الوجه القائل بجواز الجمع هو الصواب الذي قطع به الجمهور في الطريقتين كما قال النووي، والوجه الثاني المانع شاذ ضعيف أو باطل. انظر: المجموع ٤/ ٣٨١. وقد علل القاضي حسين وجه المنع بأن السنة وردت في المطر، والمطر مخصوص من القياس، فلا يقاس عليه غيره. انظر: التعليقة ٢/ ١١٢٧.
(١١) الوسيط ٢/ ٧٣١. وبعده: لأنه بالتقديم يفرغ قلبه، وفي التأخير لا يأمن انقطاع المطر.
(١٢) انظر: المهذب ١/ ١٠٥، حلية العلماء ٢/ ٢٤٣، وقد نقل فيها وجهين القاضي حسين في التعليقة ٢/ ١١٢٦، والفوراني في الإبانة ل ٤٦/ أ. وأصحهما عدم الجواز، انظر: المجموع ٤/ ٣٨١.
[ ٢ / ٢٧٠ ]