هِيَ أَرْبَعَةٌ، أما النقض بها فلما ستعرفه من الأدلة، وأما عدمه فيما عداها فلأن الأصل: أن لا نقض حتى يثبت ولم يثبت فيه نص، والقياس ممتنع في هذا الباب، لأن علَّة النقض غيرُ معقولةٍ. والتعبير بالأسباب أحسنُ من التعبير بالنقض، وإن عبَّر به المصنفُ بعدُ، لأنَّ الصَّحيح أن طهارتَهُ انتهت بالحدثِ ولا يُقَالُ بطلت، ونظيره الخلاف الأصولي في أنَّ النسخَ رَفْعٌ أو بيانٌ.
أَحَدُهَا: خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ؛ أي سواء فيه مخرج البول والحيض، أوْ دُبُرِهِ، أي معتادًا كان أو غيره، ورأيت في فتاوى القفال: أن بللَ فرج المرأة إذا وصل إلى موضع يجبُ عليها غَسْلُهُ في الْغُسْلِ، أن وضوءها يُنتقض، قال: وإن خرج إلى محل لا يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء؛ فلا؛ لأنه في حكم الباطن (٩٦)، إِلَّا الْمَنيَّ، لوجوب الأكبر به، كما في الحدِّ مع التعزير. وادعى الماورديُّ: الاتفاق على وجوب
_________________
(١) * لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة / ٦]. * ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا؛ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ؛ أَخَرجَ مِنْهُ شَيءٌ أمْ لا؟ فَلا يِخْرُج مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب من تيقن الطهارة ثم شك له أن يصلى: الحديث (٩٩/ ٣٦٢). * ولحديث ابن عباس ﵄، وعلي بن أبي طالب - ﵁ -: [إنَّ الوُضُوءَ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ]: السنن الكبرى: الرقم (٥٧٠ و٥٧١ و٧٤٨).
[ ١ / ٧٤ ]
الوضوء بخروج دم الحيض، وليس كما ذكر، فقد حكم ابن الصلاح عن ابن خَيْرَانَ أنه قال في لطيفةٍ: إن الحيض والنفاس لا يوجبان الوضوء ثم رأيته بعد ذلك فيه، وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ؛ أي مخرج بدله، تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ نَقَضَ، لتعينه مخرجًا، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الأَظْهَرِ، لأنا جعلناه كالأصلي، ولا فرق بين المعتاد والنادر، والثاني: لا تنتقض، لأن الضرورة في جعله مخرجًا إنما هي في المعتاد، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، كالفصد والحجامة كما قاله في اَلْمُحَرَّر، والثاني: ينقض فيهما كالمخرج المعتاد والمعدة فوق السرة كما قاله ابن سينا وأهل اللغة، ثم هذا فِي الانسداد العارض دون الأصلي ويخرج بقوله (انْسَدَّ).
الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ، بالإجماع؛ وحد العقل: أنه صِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيْحِ؛ كما قاله الشيخ أبو إسحاق، وعن الشافعي - ﵁ -: أنه آلة التمييز، وادعت الفلاسفة قِدَمَهَ، ثم قيل: إنه جوهر لطيف في البدن يثبث شعاعه فيه بمنزلة السراج في البيت، وقيل: إنه بسيط، وسيأتي الخلاف في محله في الجنايات إن شاء الله تعالى (٩٧)،
_________________
(١) مَبْحَثٌ: مَفْهُومُ زِوَالِ العَقْلِ: اَلْعَقْلُ في اللغة: الرَّبْطُ ومَسْكُ الأشياءِ؛ ومنه عَقَلَ الدابة أى ربطها. ويراد بالعقل هنا، ملكة الإدراك وخاصيته الذهنية. وحكى ابن الملقن ﵀ اختلاف الناس في حدِّه. وبإيجاز نقول: إن العقل على ثلاثة ضروب؛ الأول: العقل بالذهن، وهو العقل بالفطرة؛ والثاني: العقل بالتفكير، وهو الإدراك بأن يقبل الذهن العلم ويمسكه؛ والثالث: العقل بالفكرة، وهو تمييز الأشياء بالعلم والفهم وتقدير المقادير ومعرفة حدود الأوامر والنواهي. * أما العقل بالذهن، العقل بالفطرة، فهو الخاصية التي أودعها الله ﷿ خلق الإنسان فجعل له ذهنًا فيه القابلية على التفكير والقدرة على الإدراك، وتبقى هذه الخاصة قدرة كامنة مال م يسْتَنْهِضِ الإنسان كوامنها وينشط فاعلياتها في الأدراك. فإن لم يتقصد في ذهنه ذلك النهوض والنشاط، فإنَّها تجرى بفاعليتها الوجدانية من غير قصد، فتحاكي الوجدان وأثر الواقع المحسوس فيه، من غير التسلط عليه، بل تبقى أسيرة هذا الوجدان، أي يحكمها الواقع المحسوس والشعور المتولد تجاهه. وبهذا يفقد الإنسان أهليته بين الناس، فيكون عرضة للهواجس والترهات، وتبعًا لغيره لا محالة؛ =
[ ١ / ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهؤلاء الناس ضعاف العقول، أو قد أصابهم آثار مرض الكسل العقلي. * أما العقل بالتفكير، وهو الإدراك، بأن يقبل العقل العلم جملة، فيدرك الأشياء والأفكار من غير تركز منتج أو أَنَّهُ يتجه إلى التركيز الفكري الثفافي والعلمي فقط، فالعقل بالتفكير إدراك يحصل حين استعمال الإنسان عقله بالحكم على الأشياء أو تصورها في الذهن في أقل تقدير، وهو بوصفه فاعلية ذهنية هو والإدراك والفكر بمعنى واحد. فالعقل القدرة على مسك الأفكار بالإدراك وإنتاجها في الذهن. وفي دلالة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٢] يُفهم منه واقع العقل وحَدِّه؛ بأنه واقع محسوس وعلم يفسر هذا الواقع بالحكم عليه. لهذا؛ فإن العقل هو القدرة على ربط الواقع المحسوس بالمعلومات السابقة. وتجري عملية الربط هذه بالإدراك؛ أي بتمثل الواقع في الذهن والحكم عليه بإثبات أو نفي وهذا هو التركيز الفكري الثقافي والعلمي؛ وإلا فهو تصوُّر. * أما العقل بالفكرة، فهو استعمال العقل لما هو نافع، نافع بذاته أو نافع لغيره؛ فإدراك الأفكار على حقيقتها الموضوعية والتعامل معها بصدق، أو إدراك الأفكار على حقيقتها الخبراتية أو الفنية والتعامل معها بهدف وقصد. فقد تجد المرء عاقلًا في جانب خبراتي أو علمي مادي أو فني، ولكنه في الجانب الفكري لا عقل له؛ لأنه لم يستعمله بطريقته أو لأنه لم يصدق في إدراك الفكرة الموضوعية، قال القرطبي: قيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ (أي في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور / ٣٢]) قال: تلك عقول كادها الله؛ أى لم يصحبها بالتوفيق): الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ٧٣. قلتُ: والتوفيق تهيأة الأسباب للطباعة كما تقدم. وقال القرطبي: (وإنما يعطى الكافر الذهن فصار حجة عليه، والذهن يقبل العلم جملة. والعقل- أي الفطري- يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي) [ج ١٧ ص ٧٣] أى ينشط طبيعيًا حين التعامل مع السمع، وييقى القصد في الصدق في الجد. فإن لم يصدق ولا يجد، فكأنه لم يسمع ولم يعقل، ولهذا خسر النفع، فلم ينفعه عقله، وصار كمن لا عقل له. روي أن رجلًا نصرانيًا تاجرًا من أهل جَرَشْ كان له ثبات ووقار، قدم المدينة؛ فقال رجل: يا رسول الله! ما أعقل هذا النصراني! فقال: [مِهْ! إِنَّ الكَافِرَ لاَ عَقْلَ =
[ ١ / ٧٦ ]
إِلَّا نَوْمَ مُمَكَّنٍ مَقْعَدَهُ، للأمن من الخروج في هذه الحالة، نعم؛ لو نام على قفاهُ ملصقًا مقعدته بالأرض انتقض، وتخرج هذه باعتبار اَلْمُحَرَّر القعود (٩٨).
الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرأَةِ، عمدًا كان أم سهوًا أو غيرها من حيّ
_________________
(١) لَهُ! أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ؛ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيْرِ﴾]. وفي حديث ابن عمر: فَزَجَرَهُ النْبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: [مِهْ! فَإِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَعْمَلُ فِي طَاعَةِ اللهِ]. (في المطالب العالية: الرقم (٣٢٩٦): قال ابن حجر: موضوع؛ من كتاب العقل في مسند الحارث. وقال القرطبي: ذكره الترمذي الحكيم. أبو عبد الله بإسناده). * قلتُ: وليس الضربين الثاني والثالث، هما المراد في قوله: (زَوَالُ الْعَقْلِ). وإنما المراد فقد الذهن خاصة العقل والقدرة على الإدراك، أي ذهاب العقل مع غيبوبة إغماء أو جنون. أما أنَّ وجود حضور الذهن بكمون خاصة العقل للإدراك، يجعل المرء في موضوع الخطاب وموضع التكليف، فلأنه يميز العلم بالسماع ويميز الأشياء به، ويميز ما يسمع ويبصر من جهته. * أما قوله (أنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح) فليس بإطلاق، لأن الثواب والعقاب لا يعرفان بالعقل، وإنما يعرفان بالشريعة والنقل؛ وهذا له مبحثه في أصول الفقه. أما قول الشافعي - ﵁ -: (إنه آلة التمييز) فصحيح؛ ولكنه ليس حدًّا للعقل ولا تعريفًا له؛ وإنما هو وَصَفُ العَقلِ من حيث وظيفته بأنه أداة التفكير وآلة التمييز بين الأشياء وشرط التكليف في عرف الشريعة. هذا المبحث للضرورة فاقتضى التنويه إليه.
(٢) إطلاق لفظ النوم لا يتصور منه إلا مضطجعًا، بل لا يقع لفظ النوم مطلقًا إلا أن يكون مضطجعًا، قال الإمام الشافعي - ﵁ -: (وأن معلومًا؛ أن من قيل له: فلان نائم! فلا يتوهم إلا مضطجعًا، ولا يقع عليه اسم النوم مطلقًا إلا أن يكون مضطجعًا) الأُم: ج ١ ص ١٢. وقال: قال الله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فَسَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ أرْضَى عِلْمَهُ بِالِقُرْآنِ، يَزْعُمُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِينَ مِنَ النَّوْمِ. وقال: وَأَحْسَبُ مَا قَالَ كَمَا قَالَ؛ لأَنَّ فِي السُّنْةِ دَلِيلًا عَلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ مَنْ قَامَ مِنْ نَوْمِهِ؛ أي حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: [إذَا استَيْقَظَ أحَدُكُم مِنْ نَومِهِ فَلا يَضَعَ يَدَهُ في الوَضُوء حَتَّى يَغْسِلَهَا، فإنَّهُ لا يدرى أحدٌ أينَ بَاتَتْ يَدَهُ]. انتهى. والحديث أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضئ يده المشكوك في نجاستها في الإناء: الحديث (٨٧/ ٢٧٨). والبيهقى في السنن الكبرى: الحديث (٥٧٨).
[ ١ / ٧٧ ]
أو ميت عالمًا أو جاهلًا مختارًا أو مكرهًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٩٩) عطف اللمْسَ على المجئ من الغائط، ورتب عليها الأمر بالتيمم عند تعذر الماء، تدل على أنه حدث كالغائط ولا يختص اللمس بالجماع لقوله - ﷺ - لماعز: [لَعَلَّكَ لَمَسْتَ] (١٠٠) والمراد بالبشرة ظاهر الجلد وفي حكمها، وليس بينهما ستر ولا حجاب لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. واللمسُ هو الْجَسُّ باليد، والمعنى فيه أنه مظنة لثوران الشهوة، إِلَّا مَحْرَمًا فِي الأَظْهَرِ، لأنها ليست مظنة الشهوة فأشبهت الرجل، والثاني: ينقض لعموم الآية، والخلاف مبنى على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أم لا؟ وَالْمَلْمُوسُ كَلاَمِسٍ فِي الأَظْهَرِ، لاستوائهما في اللذة. والثاني: لا؛ كما في مسِّ ذَكَرِ غيرهِ، وَلاَ تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ؛ أي لا تُشتهى، وَشَعْرٌ؛ وَسِنٌّ، وَظُفْرٌ فِي الأصَحِّ، لأنها لا تقصد بالشهوة غالبًا، والثاني: ينتقض، أما في الصغيرة فلظاهر الآية، وأمَّا في الباقي فلأن الشعر له حكم البدن في الحل بالنكاح وغيره.
الرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ الآدَمِي بِبَطْنِ الكَفِّ، لقوله - ﷺ -[إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى
فَرْجهِ؛ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلاَ حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأ] رواه ابن حبان (١٠١)، والإفضاءُ لا يكوَن إلّا بباطن الكف، كما قاله أهل اللغة، والمراد بباطن الكف الراحة مع بطون الأصابع، والمراد بقُبُلِ المرأة كما قاله الإمام: ملتقى الشفرين على المنفذ، وَكَذَا فِي
_________________
(١) المائدة / ٦.
(٢) عن ابن عباس ﵄؛ أن ماعز بن مالك، أَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فقال له: [لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ لَمَسْتَ أَوْ غَمَزْتَ؟] قال: لا! قال: [فَنكْتَها؟] لا يُكَنَّي. قال: نعم. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. مسند الإمام أحمد: ج ١ ص ٢٣٨ و٢٥٥. والمعجم الكبير للطبرانى: الحديث (١١٩٣٦): ج ١ ص ٢٦٨. وصحيح البخاري: كتاب الحدود: باب هل يقول الإمام للمُقرِّ لعلَّك لمست أو غمزت؟: الحديث (٦٨٢٤). وسنن أبي داود: كتاب الحدود: الحديث (٤٤٢٧) وإسناده صحيح.
(٣) الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -، رواه ابن حبان في صحيحه: ج ٢ ص ٢٢٢: الحديث (١١١٥)، وقال: قال أبو حاتم - ﵁ -: احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي لأن يزيد بن عبد الملك تبرأنا من عهدته في كتاب الضعفاء.
[ ١ / ٧٨ ]
الْجَدِيدِ حَلَقَةُ دُبُرِهِ؛ لأنَّه أحد السبيلين فأشبه القبل، والقديم: أنه لا ينقض؛ لأنه لا يلتذ بمسِّه، ولا ينتقض بمس العانة والانثيين والإليتين وما بين القُبل والدبر؛ لأنَّه لا يسمى فرجًا، لاَ فَرْجُ بَهِيمَةٍ؛ لأنه لا حرمة لها ولا تعبد عليها.
وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، لشمول الأسم، وَمَحَلُّ الْجَبِّ؛ لأنَّه أصل الذكر، وَالذِّكَرُ الأَشَلُّ، وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الأَصَحِّ، لوجود الأسم، والثاني: لا ينقض لزوال الحياة في الأولى، وخروجه عن مظنة الشهوة، وفي الصغيرة حديث ضعيف (١٠٢) ووجهه في محل الجب أنه مس موضع الذكر لا الذكر (١٠٣)، ووجهه في الباقى عدم اللذة، وَلاَ يَنْقُضُ رَأْسُ الأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لأنَّه خارج عن سمت الكف.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الصَّلاَةُ، بالإجماع، وفي معناها سجدة التلاوة والشكر، وكذا خطبة الجمعة، وَالطَّوَافُ؛ لأنه صلاة (١٠٤)، وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ،
_________________
(١) هو حديث [روي أَنَّهُ - ﷺ - قَبَّلَ زَبِيْبَةَ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ]. في تلخيص الحبير: باب الاحداث: ج ١ ص ١٣٦: الحديث (١٨): قال ابن حجر: من حديث أبي ليلى الأنصاري. قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَ الحَسَنُ، فَأَقْبَلَ يَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ؛ فَرَفَعَ عَنْ قمِيْصِهِ وَقَبَّلَ زَبِيْبَتَهُ، قال البيهقي: إسناده ليس بالقوى. قلت: وليس فيه أنه - ﷺ - صَلَّى ولم يتوضأ. ورواه الطبراني عن طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: [رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَرَّجَ مَا بَيْنَ فَخِذَى الْحُسَيْنِ، وَقَبَّلَ زَبِيْبَتَهُ] وقابوس ضَعَّفَهُ النسائي. وليس في هذا الحديث أيضًا أنه صلَّى عقب ذلك. إ. هـ وفي تهذيب التهذيب: ج ٦ ص ٤٣٥: حرف القاف: الرقم (٥٦٣٣): قال ابن حجر: وقال ابن حبان: كان- أي قابوس- ردئ الحفظ؛ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المراسيل وأسند الموقوف. وأبوه ثقة. إ. هـ لهذا فالحديث ضعيف.
(٢) قلت: لا يتفق هذا التأويل ونص الحديث الضعيف؛ لأن فيه أنه رفع قميصه، فوقع المس على الذكر لا على موضع الذكر. فلا يستدل بالحديث على عدم النقض، بل ربما يستدل به على جواز مس فرج الصغير ورؤيته، والله أعلم.
(٣) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [الطَّوافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ؛ إِلَّا أَنَّ الله أَحَلَّ لَكُمْ فِيْهِ الْكَلاَمَ فَمَنْ يَتَكَلَّمُ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ]. المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج ١ =
[ ١ / ٧٩ ]
أما المس فلقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١٠٥)، وأما الحملُ فلأنه مسٌّ وزيادة، وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأنه كالجزء من المصحف، والثاني: لا يَحْرُمُ إلحاقًا بكيسه، وَخَرِيطَةٌ، وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، إلحاقًا بجلده، والثاني: لا، لأنهما ليسا من أجزائه، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الأَصَحِّ؛ لأنَّه قصد للدراسة، والثاني: لا، لأنَّه لا يقصد به الدوام بخلاف المصحف، وَالأَصَحُّ حِلُّ حَملِهِ فِي
أَمْتِعَةٍ، لأنَّ المقصود حمل غيره فلا إخلال بالتعظيم، ومن هنا يؤخذ الجواز فيما إذا حُمِلَ من حَمَلَ مصحفًا، والثاني: يحرم تغليبًا لحرمته فإن قصد حمله لم يجز قطعًا قاله الماوردي، وَتَفْسِيرٍ؛ لأنَّه ليس بمصحف، والثاني: يحرم لتضمنه قرآنًا كبيرًا، وهذا إذا كان التفسير أكثر؛ فإن كان القرآن أكثر حرم قطعًا، وَدَنَانِيرَ، أي الأَحَدِيَّة، لأنَّ القصد من ذلك غير القرآن، والثاني: يحرم لأنَّه حامل للقرآن، والخلاف جار في كتب الفقه التي فيها آيات من القرآن أيضًا ذكره الرافعي في اَلْمُحَرَّر وأهمله المصنف
لاَ قَلْبَ وَرَقِهِ بِعُودٍ؛ لأنَّه نقل للورقة فهو كحملها، والثاني: لا يحرم لما سيأتى؛ فإن قلبه بكمه حرم قطعًا، ورأيت في الاستذكار للدارمى حكاية وجه فيه وهو غريب، وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لاَ يَمْنَعُ؛ أي من مسه وحمله للدراسة للمشقة، والثاني: يمنع كغيره. قُلْتُ: الأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِه، ورقه، بِعُودٍ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقيُّونَ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنَّه
_________________
(١) = ص ٦٣٠: الحديث (١٦٨٦) وفي لفظ [إِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إِلَّا أَنْكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ]، الحديث (١٦٨٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة؛ وينظر من المستدرك الحديث (٣٠٥٨)؛ ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: ج ١ ص ١٣٩: صحيح. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج: جماع أبواب دخول مكة: باب إقلال الكلام: الحديث (٩٣٧٣) مرفوعًا والحديث (٩٣٨٤) و(٩٣٨٥).
(٢) الواقعة / ٧٩. ولقوله عَلَيْهِ الصُّلاَةُ وَالسُّلاَمُ: [لا يَمَسُّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ] ينظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم: كتاب الزكاة: الحديث (١٤٤٧/ ٢١): ج ١ ص ٥٥٣ من حديث طويل. قال ابن الملقن في التحفة: ج ١ ص ١٥٦: الحديث (٣١): رواه ابن حبان والحاكم وقال: إسناده على شرط الصحيح. إ. هـ قلت: إسناده صحيح.
[ ١ / ٨٠ ]
ليس بحامل ولا ماسِّ، كذا علله في الروضة وفيه نظر ظاهر.
فَائِدَةٌ: في فتاوى الحناطي ومنها نقلْتُ: لا يجوز جعل الذهب والفضة في كاغد كتب عليه بسم الله الرحمن الرحيم فإن فعل ذلك مع العلم بالكراهة أثم.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: قال الشيخ عز الدين: القيام للمصحف بدعة لم تعهد في الصدر الأول، وأما الصنف فقال في التبيان: القيام له مستحب لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار فالمصحف أَولى.
فَصْلٌ: وَمَنْ تَيَقْنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ عَمِلَ بِيَقِينِهِ، لأن اليقين لا يزول بالشَّكِّ، فَلَوْ تَيَقْنَهُمَا وَجَهَلَ السَّابِقَ فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الأُصَحِّ، أي إن عرفه وإلاّ توضأ، ومن لا يعتاد تجديد الطهر لا يأخذ بضده، والثاني: يتوضأ بكل حال، أخذًا بالاحتياط وهو مختار، وصححه النووي في شرحه المهذب والوسيط.
فَصْلٌ: يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلاَءِ يَسَارَهُ، وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ، لأن اليمين لها شرف (١٠٦) والصحراء كالبنيان، وروى الترمذى الحكيم في عِلَلِهِ عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: مَنْ
_________________
(١) السُّنْهُ البدء بالميامِن حين الوضوء، والوضوء طهور المسلم ومفتاح الصلاة، وجاء في الأحاديث الإرشاد إلى البدء باليمين، عن أبى، هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: [إذَا تَوَضَّأْتُم فَابْدَؤُا بِمَيامِنِكُم]، وعن سراقة - ﷺ - قال: [عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا الْخَلاَءَ أنْ يَعْتَمِدَ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى]. أما حديث أبي هريرة: فرواه أبو داود في السنن: كتاب اللباس: باب في الانتعال: الحديث (٢٤١٤). وابن ماجه في السنن: كتاب الطهارة: باب التيمن في الوضوء: الحديث (٤٠٢). وفي جامع للترمذى: كتاب اللباس: باب ما جاء في القميص: الحديث (١٧٦٦). ورواه النسائي في السنن الكبرى: كتاب الزينة: بلفظ [كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا لَبِسَ قَمِيْصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ]، والإمام أحمد في المسند: ج ٢ ص ٣٥٤. أما حديث سراقة: رواه البيهقي في السنن الكبرى وعلق تصحيحه في الترجمة: كتاب الطهارة: باب تغطية الرأس: الحديث (م [٤٦٠]). وعزاه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: (١/ ١١٨) إلى الطبراني وضعفه لأن فيه رجلًا مجهولًا، ونقل عن الحازمى قوله: لا نعلم في الباب غيره.
[ ١ / ٨١ ]
بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ ابْتُلِىَ بِالْفَقْرِ (١٠٧)، وَلاَ يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، تعظيمًا له والقرآنُ أَولى، وكان خَاتَمُهُ - ﷺ - نقَشَهُ ثَلاَثَةَ أَسْطُرٍ؛ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ؛ وَرَسُولُ سَطْرٌ؛ وَالله سَطْرٌ (١٠٨)، فكان إذا دخل الخلاء وضعه، صححه الترمذي وغيره وترجم عليه ابن حبان في صحيحه بقوله: ذكر الخبر الدال على نفي إجازة دخول المرء الخلاء بشئ فيه ذكر الله (١٠٩)، وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ، تكريمًا لليمنى عن ذلك، ولأنه أسهل لخروج الفضلة (١١٠)، وَلاَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلاَ يَسْتَدْبِرُهَا،
_________________
(١) لم أجده، ولكن أخرج البيهقي في السنن الصغرى: كتاب الطهارة: باب كيفية الوضوء: الحديث (٨٧): عن عائشة ﵂ قالت: [إنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ؛ وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ؛ وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ]. قال الإمام الشافعي - ﵁ -: ويبدأ باليمنى من يديه قبل اليسرى؛ فإن بدأ باليسرى قبل اليمنى كرهت ذلك، ولا أرى عليه إعادة. الأُم: باب غسل الوجه: ج ١ ص ٢٦، وأخرج البيهقي رأي الشافعي ﵀ فقال: قال: فإن بدأ باليسرى قبل اليمنى فقد أساء؛ ولا إعادة عليه، لأنهما ذكرتا في القرآن ذكرًا واحدًا. السنن الصغرى: ج ١ ص ٧٧.
(٢) عن ثمامة حدثنا أنس: أن أبا بكر ﵁؛ لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَعَثَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ؛ وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الكتاب، وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلاَثةَ أسْطُر: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَالله سَطْرٌ. رواه البخارى في الصحيح: كتاب الخمس: باب ما ذكر من ردع النبي - ﷺ -: الحديث (٣١٠٦). والترمذى في الجامع الصحيح: كتاب اللباس: الحديث (١٧٤٧) و(١٧٤٨). وابن حبان في صحيحه: باب السبب الذى من أجله كان يضع - ﷺ - خاتمه عند دخول الحمام: الحديث (١٤٨١).
(٣) ينظر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان: ج ٢ ص ٤٤: الحديث (١٤١٠)، والحديث عن أنس بن مالك: [أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ]. ورواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب الخاتم يكون فيه ذكر الله: الحديث (١٩) وقال: هذا حديث منكر، والترمذي في الجامع: كتاب اللباس: باب ما جاء في لبس الخاتم: الحديث (١٧٤٦)، وقال: هذا حديث غريب، والنسائي في السنن: ج ٨ ص ١٧٨.
(٤) تقدم حديث سراقة: [عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا الْخَلاَءَ أَنْ يَعْتَمِدَ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى] في الرقم (١٠٢).
[ ١ / ٨٢ ]
وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، أي دون البنيان، جمعًا بين أحاديث الباب (١١١)، اللهم إلاّ أن يكون الريح يهب عن يمين القبلة وشمالها فإنهما لا يحرمان لأجل الضرورة (١١٢)، وبه صرح القفال فِي فتاويه، وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ، للاتباع، قال البغوي: وينبغي أن تكون السترة فوق سترة المصلي حتى يستر أسافل بدنه، وقال الروياني في الحلية: يشترط
_________________
(١) جمعًا لحديث أبى أيوب الأنصاري وحديث ابن عمر؛ الأَوَّلَ: عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - قال: [إذَا أَتَيْتُم الغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوها بِبَولٍ ولاَ غائِطٍ، وَلكِن شَرِّقُوا وَغَرِّبُوا]. والثِّاني: عن ابن عمر ﵄؛ قال: يقول ناس: إذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ فَلا تَقْعُد مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ وَلا بَيْتَ المَقْدَس؛ ولقد رَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مستقبلًا بَيْتَ الَمْقِدسِ لِحَاجَتِهِ. الأول رواه البخاري في الصحيح: كتاب الصلاة: باب قِبْلَةَ أهل المدينة وأهل الشام: الحديث (٣٩٤) وفي الوضوء: باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول: الحديث (١٤٤). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (٥٩/ ٢٦٤). والثانى: رواه البخاري في الصحيح: كتاب فرض الخمس: باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ -: الحديث (٣١٠٢). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (٦١ و٦٢/ ٢٦٦).
(٢) قوله: للضرورة؛ أي واقع الحال لما تحدثه الريح من التأثير في انتشار رذاذ البول أو الغائط مما يتعذر على المرء الاحتراز منه ما لم يحتاط قبل مباشرة الاستطابة بستر. وربما في الحديث عذر بما جاء عن أبى هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ أَتَى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلاَّ أنْ يَجْمَعَ كَثيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ ابْنِ آدمَ، مَنْ فَعَلَ فَقْدْ أحْسَنَ وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ]. رواه أبو داود في السنن في كتاب الطهارة: باب الاستتار من الخلاء: الحديث (٣٥). وابن ماجه في السنن في الطهارة: باب الارتياد للغائط والبول: الحديث (٣٣٧). وقال ابن الملقن في التحفة: صححه ابن حبان. قال ابن حجر في تلخيص الحبير ج ١٠ ص ١١٣: باب الاستنجاء: ومداره على أبي سعد الحيراني الحمصي وفيه اختلاف. وقيل: إنه صحابي، ولا يصح، والراوى عنه حصين الحيرانى، وهو مجهول. وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات؛ وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل. إ. هـ. فالحديث فيه ما يضعفه والله أعلم.
[ ١ / ٨٣ ]
أن تكون قدر ذراع (١١٣)، وَلاَ يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَجُحْرٍ، وَمَهَبِّ رِيحٍ، وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ، وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلاَ يَتَكَلِّمُ، وقال ابن كج: لا تجوز قراءة القرآن فيه تعظيمًا له، وَلاَ يَسْتَنْجِى بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ، أي في غير الاخلية المعتادة، ويَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: [بِسْمِ اللهِ، اللِّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخَبَثِ وَالْخَبَائِثِ] (١١٤)، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ: [غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الِّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي] (١١٥) لآداب واردة في ذلك، وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبى شيبة: أن نوحًا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يقول: الحمد لله الذي أذاقنى لذته وأبقى فيَّ منفعته
_________________
(١) عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: [كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ؛ فَقَالَ: يَا مُغِيْرَةُ: خُذِ الإِدْوَاةَ، فَأَخَذْتُهَا؛ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ؛ فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ؛ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ؛ فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ سُحمِّها فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أسْفَلِها؛ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَمَسَحَ على خُفْيْهِ، ثُمَّ صَلَّى]. الشاهد [حَتَّى تَوَارَى عَنَّى]. رواه البخاري في الصحيح في كتاب الصلاة: باب الصلاة في الُجبَّة الشاميَّة: الحديث (٣٦٣). ومسلم في الصحيح في الطهارة: الحديث (٧٧/ ٢٧٤). وفي رواية غير الشيخين قال المغيرة - ﵁ -: [كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أبْعَدَ] مسند الإمام أحمد: ج ٤ ص ٢٤٨، وسنن أبي داود: الحديث (١).
(٢) لحديث أنس بن مالك؛ يقولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ قَالَ: [اللَّهُمَّ ]. رواه البخارى في الصحيح: كتاب الوضوء: باب ما يقولُ عند الخلاء: الحديث (١٤٢).
(٣) لحديث أم المؤمنين عائشة مستدلًا به، قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: [غُفْرَانَكَ]. سنن ابي داود: الطهارة: باب ما يقول الرجل إذا خرج الرجل من الخلاء: الحديث (٣٠)، والجامع الصحيح للترمذي: الطهارة باب ما يقول إذا خرج من الخلاء: الحديث (٧) وقال: هذا حديث حسن غريب. وسنن ابن ماجه: الطهارة: الحديث (٣٠٠). وإسناده صحيح. وقال الحاكم في المستدرك: ج ١ ص ٢٦١: الحديث (٥٦٢/ ١١٧) والحديث (٥٦٣/ ١١٨): هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي. والسنن الكبرى للبيهقي: كتاب الطهارة: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء: الحديث (٤٦٤) وما بعده وقال في الحديث (٤٦٨) وزاد عليه: [غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ]؛ وقال: الزيادة لا تصح. أما النص الذى اعتمده المصنف ﵀؛ فهو أثر لأبي ذر: ينظر: المصنف لابن أبي شيبة: الأثر (٢٩٨٩٨).
[ ١ / ٨٤ ]
وأذهب عني أذاه (١١٦)، والسر في الاستغفار؛ أنه لما خلص من النَّجْوِ المثقل للبدن، سأل التخليص. بما يثقل القلب، وهو الذنب لتكمل الراحة. ومن مهاب الرياح المراحيض المشتركة، فينبغى البول في إناء وإفراغه فيها ليسلم من النجاسة، قال الترمذي الحكيم في علله: وبلغنا عن ابن عباس أن المرأة إذا تطهرت على رأس خلائها بالماء تبتلى بخروج الريح من قُبُلِهَا، وقوله (بِالْمَاءِ) يخرج الحجر، وقوله (فِي
مَجْلِسِهِ) هو في غير الأخلية لما سلف.
وَيَجِبُ الاِسْتِنْجَاءُ، لقوله - ﷺ -: [وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ] (١١٧)، بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، للحديث المذكور وغيره، والماء بطريق الأَوْلى لأنه يزيل العين والأثر (١١٨)، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، لقصة أهل قباء في ذلك وقد أخرجها البزار (١١٩)، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ
_________________
(١) رواه ابن شيبة في الكتاب المصنف: ج ١ ص ١١٦: النص (٢٩٨٩٧).
(٢) الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنَّمَا أنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإذَا أَتَى أحَدُكُمْ الغَائِطِ فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وِلاَ يَسْتَدْبِرْهَا وَلاَ يَسْتَطيبْ بيَمِيْنِهِ، وَكَانَ يَأمُرُ بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ، وَنَهَى عَن الرَّوثَةِ، وَالرِّمَّةِ - العظم البالي-] أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب كراهية استقبال القبلة عند الحاجة: الحديث (٨). وفي سنن ابن ماجه: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة: الحديث (٣١٣). وبنحوه في سنن النسائي: كتاب الطهارة: باب النهي عن الاستطابة بالروث: ١/ ٣٨. ولفظ المتن رواه الشافعى - ﵁ - في الأُم: ج ١ ص ٢٢. وفي مسند الإمام أحمد: ج ٢ ص ٢٥٠. وإسناده صحيح فهو حديث حسن صحيح.
(٣) قُلْتُ: ولما جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت لنسوة: مُرْنَ أزواجكن أن يستنجوا بالماء، فإني أستحييهم؛ [وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُهُ]. أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج ٥ ص ٩٥ و١١٣ و١٧١ و٢٣٦. والجامع الصحيح للترمذي: كتاب الطهارة: باب ما جاء في الاستنجاء: الحديث (١٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وسنن النسائي: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: ج ١ ص ٤٢. والحديث إسناده صحيح.
(٤) عن ابن عباس - ﵁ - قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة / ١٠٨] فسألهم النبي - ﷺ -؟ فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء. =
[ ١ / ٨٥ ]
جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، لأن الذي يحصله الحجر يحصله ذلك، وخرج بالجامد المائع وبالطاهر النجس وبالقالع القصب الأملس ونحوه وبغير المحترم كالعظم وغيره من المطعومات، وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأظْهَرِ، لأنه قبله لزج لا ينشف بخلاف ما بعده، إذْ ينقله إلى طبع الثياب، والثانى: يجوز مطقًا، لأنه مزيل غير محترم، والثالث: لا يجوز مطلقًا، لأنه مأكول، وَشَرْطُ الْحَجَرِ أَنْ لاَ يَجِفَّ النَّجَسُ، لأنه إذا جف لا يزيله الحجر، وفي فتاوى القفال: أنه لو غسل ذكرَهُ بالماء ثم قبل أن يجف بال تنجس الكل بالْمُلاَقَاتِ، وإن لم يستنج حتى جف ذكره، وكان بوله بحيث يجوز الاستنجاء ثُمَّ بال مرة أخرى، فإن كان البول الثاني يبلُّ ما كان يبلُّ الأوَّلُ جاز الاستنجاء وإلاّ فلا، قال: وكذا لو تَغَوَّطَ ولم يستنج حتَّى جَفَّ ثُمَّ تَغَوَّطَ مَرَّةَ أُخرى فحكمه على ما ذكرنا، وَلاَ يَنْتَقِلَ، أي النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج، وَلاَ يَطْرَأُ أَجْنَبِيٌّ، أي نجس آخر أجنبي كما لو استنجى بشيء نجس، وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ العَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ، أي إن كان غائطًا، وَحَشَفَتَهُ، أي إن كان بولًا، جَازَ الْحَجَرُ فِي الأَظْهَرِ، أمَّا في النَّادر؛ فبالقياس على المعتاد، وأمَّا في المنتشر فلأنه مما تعم البلوى به، والثانى: لا فيهما، أما في النَّادر فلأنه لا حرج فيه، وأما في المنتشر فلأنه نادر.
_________________
(١) رواه البزار في كشف الأستار. والحديث ضعيف؛ معلول بـ (محمد بن عبد العزيز) قال الدارقطني: ضعيف. وقال النسائي: متروك. وقال أبو حاتم: هم ثلاثة أخوة مُحَمَّد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم. قال ابن حجر في بلوغ المرام: حديث ضعيف. والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بدون الأحجار. سنن أبى داود: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: الحديث (٤٤). وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: الحديث (٣٥٧). والجامع الصحيح للترمذي: كتاب التفسير: سورة التوبة: الحديث (٣١٠٠). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وله ما يعضده من رواية الحاكم في المستدرك: ج ١ ص ٥٥، وأحمد في المسند: ج ٣ ص ٤٢٢. ينظر: تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني: ج ١ ص ١٢٣.
[ ١ / ٨٦ ]
وَيَجِبُ ثَلاَثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، لأن القصد عَدَدُ المسحاتِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَ وَجَبَ الإِنْقَاءُ، أي برابع وأكثر، وسُنَّ الإِيْتَارُ، لقوله - ﷺ -[مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرَ] متفق على صحته (١٢٠)، وُكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ، لتتوارد المسحات على المحل، وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ، لقوله - ﷺ -: [أَوَلاَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أَحْجَارٍ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرَبة] (١٢١)، ويُسَنُّ الاِسْتِنْجَاءُ بِيَسَارِهِ، تأسيًا بالشارع وتكريمًا لليمنى (١٢٢)، وَلاَ اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ، وَبَعْرٍ بِلاَ لَوْثٍ فِي الأَظْهَرِ، كالريح، والثاني: نعم، لأنه لا يخلو عن رطوبة وإن خَفِيَتْ.
فَائِدَةُ: ذكر أبو عبد الله الترمذي الحكيم في كتاب العلل أدابًا حسنةً لقاضي
_________________
(١) عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: [إِذَا اسْتَجْمَرَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِترًا]. صحيح البخارى: كتاب الوضوء: باب الاستنثار في الوضوء: الحديث (١٦١) وباب الاستجمار وترًا: الحديث (١٦٢). وصحيح مسلم: كتاب الطهارة: باب الايتار من الاستنثار والاستجمار: الحديث (٢٠ و٢٢/ ٢٣٧).
(٢) عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الاستطابة فقال: [أَوَلاَ يَجِدُ أحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أحْجَارٍ، حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ، وَحَجَر لِلْمَسْرَبَةِ] والمسربةُ مجرى الحدث من الدُّبُرِ. قال في التحفة: رواه الدارقطني، والبيهقي؛ وقال: إسناده حسن، وخالف العقيلي فأعلَّهُ. قلتُ: هو كما قال؛ وفي سنن الدارقطني: كتاب الطهارة: ج ١ ص ٥٦، وحسَّنه، والبيهقي في السنن الكبري: كتاب الطهارة: باب كيفية الاستنجاء: الحديث (٥٥٥ و٥٥٦). وأعلَّهُ العقيلي بـ (أُبَيّ بن العباسِ) ضعفه ابن معين، وأنكر حديثه الإمام أحمد، وقال النسائى: ليس بالقوى. وروى له البخاري حديثًا واحدًا في ذكر خيل النبي - ﷺ - وحسَّن الذهبي حديثه. ينظر: تلخيص الحبير: ج ١ ص ١٢٢: الحديث (٢٧) والترجمة (٣٠٨) من تهذيب التهذيب.
(٣) عن سلمان الفارسي - ﵁ -؛ قال: [نَهانَا رَسُولُ الله - ﷺ - أنْ نَسْتَنْجِي بِالْيَمِيْنِ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (٥٧/ ٢٦٢). وأبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب كراهية استقبال القبلة عند الحاجة: الحديث (٧)، والترمذي في الجامع: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالحجارة: الحديث (١٦) وقال: حسن صحيح. وغيرهم.
[ ١ / ٨٧ ]
الحاجة؛ لم أَرَ مِنْ أصحابِنا من تعرض لها فاستفدها، فقال: سُمِّيَ الخلاء لاسم شيطانٍ موكلٍ بذلك الموضع اسمُه خلا وأورد فيه حديثًا مرفوعا من رواية بُريدة قال: [فَإِذَا أَتَيْتَ الْخَلاَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ تَقْصِدُ الشَّيْطَانَ فَاحْذَرْكَيْدَهُ وأقِلْ مِنْ إِتْيَانِهِ بِقِلَّةِ الطَّعَامِ وَكُنْ وُجِلًا مُسْتَحِيًا مِنْ خَالِقِكَ مُسْتَحْقِرًا لِنَفْسِكَ] فقد قال فضيل ابن عياض: إنِّي لأَمْقُتُ (١٢٣) نفسي من كثرة ترددي إلى الخلاء؛ وعِظ نفسك حياءً من ربك، وامشِ متواضعًا متفكرًا في نعمة الله عليك حين أطعمكَ وسقاكَ؛ وأَخْرَجَهُ عَنْكَ حِيْنَ آذَاكَ، ولا تعدُ إليه عدْوًا من غير عذر، فقد روي أن من عدا إليه فكأنما استقبل الشيطان، وقِفْ على باب الخلاء وقلْ: اللهم اجعل دخولي عبرة، وأمط الأذى عني رحمة ترحمني بها، فعن أنس: أن الشيطان يتباعد عنك إذ ذاك، ولا تبصق في بولك، ولا على ما يخرج منك من العذرة، فقد روي: أنه يبتلى بالوسوسة وصفرة الأسنان، وعن عطاء أنه قال: مَنْ بصق على ما يخرج منه بلي بالدم هو وأولادُه أو
أحد من عَقبه، ولا يستاك على رأس الخلاء، فعن ابن عباس: أنه يورث النسيان، وعنه أنه من فعل ذلك فذهب بصرُه فلا يلومنّ إلاّ نفسه، ولا يمتخط، فعن أنس: أنه يورث الصمم، ولا تقلب خاتمك مرة بعد أخرى فقد روي: أنه يأوي إليه الشيطان، وتقوم موليًا عما يخرج منك، فقد روي: أن فيه شفاء من تسعة وتسعين داء أدناها البرص والجذام، وتجتهد أن تجعل بينك وبين السماء سترة، فعن الضحاك قال: إن من فعل ذلك أمطرت عليه الرحمة من عنان السماء، فماذا قمت اعتمد على يمينك،
فقد روي عن كعب أنه قال: يؤتى الحكمة. ولا تنظف فرجك بالأرض، فقد روي عن عقبة بن عامر: أن الأرض تخاصمه يوم القيامة، ولا تقتل قملة بل ادفنها؛ فقد روى محمد بن على بن أبي طالب أنه قال: [مَنْ قَتَلَ القَمْلَ وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَلاَئِهِ بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ شَيْطَانٌ يُنْسِيْهِ ذِكْرَ اللهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحًا]، ولا تلقى ما تستنجي
_________________
(١) لَمَقَ (ل م ق) واللْمْقُ: اَلْكِتَابَةُ وَالْمَحْوُ، ضِدٌّ. وَضَرْبُ العَيْنِ بِالْكَفِّ خَاصَّةَ؛ والنظر وما ذاق لماقًا: شينًا. وما تَلَمَّقَ: مَا تَلَمَّجَ؛ واللَّمْجُ الأكلُ بأطرافِ الفَمِ. القاموس المحيط للفيروزآ بادي.
[ ١ / ٨٨ ]
به على رأس ما يخرج منك من بول أو عذرة، فعن مكحول: أن من فعل ذلك تدودت أسنانه وغلبت الرياح عليه، ولا تقم حتى تشد سراويلك، فعن قتادة: أن من دام على ذلك تدود بطنه وغلب الدم عليه حتى يكون موته منه، ولا تشتغل بشيء من الأعمال ولا تغمض عينيك فإن ذلك أعني التغميض يورث النفاق فِي القلب كما قاله الحسن، ولا تحمل معك الماء إلى الخلاء بيسارك فعن كعب أن ذلك
فعل الشيطان ويفقد ثواب وضوئك، ولا تضع يديك على صدغيك وتجعل رأسك بينهما، فعن أويس القرني: أن ذلك يورث قساوة القلب والبرص، ويذهب الرحمة والحياء، ولا تستند إلى حائط وغيره كفعل الجبابرة والشياطين فإنه يذهب ماء الوجه وينفخ البطن، بل تقعد على قدميك معتمدًا عليهما وتأخذ فرجك بين إصبعيك السبابة والوسطى حتى تفرغ، فأما المرأة فإنها تضع طرف أصابع يدها اليسرى على عانتها فهو أقطع لبولها وأنظف لذلك، بلغنا عن قتادة: أنه أمر النساء والرجال به، والرجل يفرج بين رجليه وفخذَيْهِ ليستوي ظهره ويخرج بوله مستويًا، وأما المرأة فإنها تضم أطراف ركبتيها بعضها إلى بعض فيخرج بولها مستويًا لا يصيبها، وأما البندنيجي من أصحابنا فقال: يضمُّ إحدى فخذيه إلى الأخرى، قال الترمذي: ولا تضع يدك اليسرى على اليمنى، فإن ذلك مقعد الشيطان. ولا تضع رأسك على ركبتيك، فقد قال الحسن بلغني: أن من فعل ذلك كان موته بداء البطن.