أَصَحُّ حديث في الباب قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ] رواه أبو داود والنسائى وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٧٥).
_________________
(١) • لحديث أبى هريرة - ﵁ -؛ قال: (رَخَّصَ النَّبِىُّ - ﷺ - في بَيْع الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ الثَّمَرِ فِيْمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ). رواه البخارى في الصحيح: كتاب المساقاة: باب الرجل يكون له مَمَرٌّ: الحديث (٢٣٨٢). ومسلم في الصحيح: كتاب البيوع: باب تحريم بيع الرطب: الحدبث (٧١/ ١٥٤١). • لحديث زيد بن ثابت - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - (أَنَّهُ رَخّصَ في بَيْع الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتِّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ). رواه مسلم في الصحيح: باب تحريم بيع الرطب بالتمر في العرايا: الحديث (٥٩/ ١٥٣٩).
(٢) رواه أبو داود في السنن: كتاب البيوع: باب إذا اختلف البيّعان: الحديث (٣٥١١). =
[ ٢ / ٧٣٥ ]
إِذَا اتفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْع، أي وكذا على غيره من عقود المعاوضات إلّا قبل عمل القراض والجعالة كما قاله الامام وخص المصنف البيع بالذكر لغلبته ولذلك ترجه بالمتبائعين دون المتعاقدين، ثُمَّ اختلَفَا فِي كَيْفِيَّتهِ كَقَدْرِ الثمَنِ أَوْ صِفَتِهِ، أي وكذا جنسه، أَوِ الأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ قَدْرِ الْمَبِيع، أي وكذا جنسه وصفته، وَلَا بَيِّنَةَ؛ تَحَالَفَا، لقوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ] رواه البيهقى بإسناد حسن أو صحيح (٧٦)، وكل منهما منكرٌ ومُدَّعِى، لأن البائع يدعى زيادة الثمن مثلًا وينكر النقص، والمشتري يعكسُ، واحترز بقوله (وَلاَ بَيِّنَةَ) عما إذا كانت له بيِّنة؛ فإنه يُقْضَى له بها، فإن أقاما بيِّنتين قضي بأسبقهما تاريخًا وإلّا تحالفا تفريعًا على قول التساقط (•).
فَرْعٌ: لو اختلفا في عين المبيع فقط، فإن كان الثمن معينًا تحالفا، وكذا إن كان في الذمة على الأصح في الشرح الصغير.
فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْي قَوْلِ صَاحِبهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلِهِ، لأنه يدعى عقدًا وينكر عقدًا فينفي ما ينكره ويثبت ما يدعيه، وُيبْدَأُ بِالْبَائِع، أي ندبًا على الأصح، لأن المبيع يعود إليه بعد التحالف، وَفِي قَوْلٍ: بِالْمُشتَرِي، لأن المبيع في ملكه فيقوى جانبه، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ، لأن كل واحدٍ مُدَّعِى وَمُدَّعَى عَلَيْهِ فلا ترجيح، فَيَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ،
_________________
(١) = والنسائي في السنن: كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعان: ج ٧ ص ٣٠٣. والحاكم في المستدرك: الحديث (٢٢٩٣/ ١٦٤)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي قال: صحيح. عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٢) الحديث عن ابن عباس ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: [لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوإهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ؛ وَلكِنَّ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الدعوى: باب البينة: الحديث (٢١٨٠٥). (•) في هامش النسخة (٣): بلغ مقابله حسب الطاقة على نسخة قريت على المصنف وعليها خطه.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
أي تفريعًا على هذا كما لو تداعيا عينًا في أيديهما، فَإن الحاكم يبدأ بيمين من شاء منهما قطعًا، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدِ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإثْبَاتًا، لأنه أقرب إلى فصل القضاء، والثانى: أنه يفرد النفى بيمين؛ والإثبات بأخرى، لأنه مدعي ومدعى عليه، ويقَدَّمُ النَّفْيُ، أي استحبابًا على الأصح لأنه الأصل في اليمين، وإنما ينقل إلى الإثبات لنكولٍ أو شاهدٍ أو لَوثٍ، فَيَقُولُ: مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا، أي وكذلك المشتري أيضًا يقول ما اشتريت بكذا أو لقد اشتريت بكذا، وَإِذَا تَحَالَفَا فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ، أي بنفس التحالف لحديث ابن مسعود؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أَمَرَ بِالبَائِعِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ ثمَّ يَتَخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ] رواه النسائى وصححه الحاكم وفيه انقطاع (٧٧)، والثانى: ينفسخ، لأن التحالف يحقق ما قالاه، بَلْ إِن تَرَاضَيَا وِإلَّا فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فأشبه الرد بالعيب، أَوْ الْحَاكِمُ، لقطع النزاع، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، لأنه فسخٌ مجتهدٌ فيه، فأشبه العنَّةَ وهذا الوجه رجحه جماعة، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيع، ليصل إلى مالكه، فَإِنْ كَان وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ مَاتَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، لقيامها مقامه، قال في المطلب: والمشهور وجوب المثلِ في المثلى، قُلْتُ: وبه جزم صاحب الْمَعِيْنِ وقال: إنه محل وفاق، وَهِيَ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ، لأن مورد الفسخ العين والقيمة بدل عنها، فإذا فات الأصل تعين النظر في القيمة إلى ذلك الوقت، والثانى: قيمة يوم القبض؛ لأنه يوم دخوله في ضمانه، والثالث: أقصى قيمة من يوم البيع إلى التلف كالبيع الفاسد، والرابع: أقل قيمة من يوم العقد إلى القبض، وَإن تَعَيَّبَ رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، أي وهو ما نقص من القيمة، لأن الكل مضمون على المشتري بالقيمة، فكان بعضه مضمونًا ببعضها، وَاخْتِلاَفُ
_________________
(١) رواه النسائى في السنن: باب اختلاف المتبايعين: ج ٧ ص ٣٠٣. والحاكم في المستدرك: الحديث (٢٣٠٤/ ١٧٥). والبيهقى في السنن الكبرى: الحديث (١٠٩٥٩). وفيه انقطاع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود - ﵁ -. قاله الدارقطني في عللهِ.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا، أي كاختلافهما؛ لأنها يمين في المال، فقام الوارث مقام المورث، كاليمين في دعوى المال، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، فَقَالَ: وَهَبْتَنِيهِ فَلاَ تَحَالُفَ، أي إذا لم يتفقا على عقد، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ، فَإِذَا حَلَفَ رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةَ بِزَوَائِدِهِ، أي المتصلة والمنفصلة إذ لا ملك له ولا يحتاج إلى فسخ.
وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْع وَالآخَرُ فَسَادَهُ فَالأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِيَ الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ، لأن الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين هو الصحةُ، والثاني: يصدق مدعى الفساد، لأن الأصل عدم العقد الصحيح، وقول المصنف (الْبَيْعِ) لو أبدله بالعقدِ كان أصوب، لأن الخلاف جارٍ أيضًا في عقود المعاوضات؛ كالإجارة والنكاح ونحوهما، نعم يستثنى من ذلك مسائل موضحة في الأصل فراجعها.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَجَاءَ بعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبيعَ صُدِّقَ الْبَائِعُ بيَمِينِهِ، لأن الأَصل السلامة وبقاء العقد، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم يعترف بقبض ما ورد عليه العقد، والأصل اشتغال ذمة الْمُسَلَّم إليه، وفي البيع اتفقا على قبضِ ما اشْتَرَاهُ، وتنازعا في سببِ الفسخِ، والأصلُ عدمه، والثانى: يصدق الْمُسَلَّمُ إليه كالبيع.