وَجَدَ أَحَدُ زَوْجينِ بِالآخَرِ جُنُوْنًا، أي مُطبقًا أو متقطّعا، أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أي مُستحكِمَين، أَوْ وَجَدَها رَتْقَاءَ، أي وهو انسدادُ محِلِّ الجماع باللحمِ، أَوْ قَرنَاءَ، أي وهو عظم في الفرج يمنعُ الجِماعَ، ويقال: لحمٌ ينبتُ فيهِ، أَوْ وَجَدَتْهُ عَنِيْنًا، أي وهو الرجلُ العاجزُ عن الوطءِ، أَوْ مَحبوبًا، أي وهو المقطوعُ ذَكَرُه كلهُ، ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخ النِّكَاح، كالبيع، وأَوْلى لفواتِ مقصودِ النكاح.
قال ابنُ الرفعة: ويثبتُ أيضًا بالمرض الْمُزْمِنِ الذي لا يُتَوَقَّعُ زوالُهُ ولا يمكنُ الجماعُ معهُ لأنه يُخِل بمقصودِ النكاح فأشبَهَ البَرَصَ بل أَوْلى؛ لأن البرصَ لا يمنعُه بالكليَّةِ بل يُنَفِّرُ منهُ وهذا لا يتصورُ معهُ ولو بقي من الذكَرِ قدرَ الحشفةِ فلا خيارَ في الأظهرِ، ويثبتُ الخيارُ أيضًا إذا وجدَ الزوجةَ مستأجَرَةً قاله الماوردي؛ وفيما إذا كان مُعْسِرًا كما سيأتي في بابهِ.
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
فرعٌ مُسْتَثنى: لو زال العيبُ قبل الفسخ فلا خيارَ قطعًا، وكذا إذا عُلِمَ به بعدَ الموتِ على الأصح.
تَنبِيْهٌ: أفْهمَ قيدُ الوُجْدانِ في كلام المصنّفِ أن أحدَهما إذا كان عالمًا بالعيبِ لا خيارَ لهُ وكذا إذا زادَ على الذي رضى به في الأصحِّ، نَعَم لو حدثَ في موضع آخر؛ قال في التتِمَّةِ: لهُ الخيارُ، وكذا إذا كان من جنسٍ آخر.
وَقِيلَ: إِن وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ، أي جِنسًا وقَدرًا، فَلاَ، لتساويهما في النقصِ، والأصحُّ نعَم، لأنَّ الإنسانَ يَعَافُّ مِن غيرِهِ ما لا يعافُّهُ مِن نفسهِ، قال الرافعى: وهذا غيرُ الجنونِ، أما إذا كانَا مجنونَين أيْ جُنُونًا مُطبَقًا فلا يمكنُ إثباتُ الخيارِ لواحدٍ منهُما، أمَّا إذا كان العيبُ في أحدِهما أكثرَ وأفحَشَ وجبَ أنْ يثبتَ للآخر من غيرِ خلافٍ.
وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا فَلاَ فِي الأظْهرِ، إذ ليس فيه إلَّا زيادةُ ثُقبَةٍ من الرجُلِ وسلعةٍ في المرأةِ، والثانى: نَعَم؛ لأنهُ عيبٌ مُنَفر فاحِش، وفي محل القولينِ طُرُق أصحُّها جريانُهُمَا فيما إذا اختارَ الذكورَةَ فنكَحَ امرأةً، والأنوثَةَ فنكحت رجُلًا لأنه قد تبيَّنَ خلاف الاختيارِ، أمَّا إذا اتضَحَ بالعلاماتِ الدَّالةِ على الذكورَةِ والأنوثَةِ فلا خيارَ؛ واحترز بالواضح عن الْمُشْكِلِ، فإنهُ لا يصح نكاحهُ وذلك من زياداته على المُحَرَّر.
وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ تَخيرَتْ، أي قبلَ دخولٍ وبعده دفعًا للضررِ عنها؛ ويدخلُ في قولهِ (حَدَثَ) ما إذا جَبَّتْ ذَكَرَ زَوْجِها فإن الخيارَ يثبتُ لها على الأصح بخلافِ المشتري إذا عَيَّبَ المبيعَ، لأنها بالجَبِّ لا تصيرُ قابضَة لِحَقها كالمستأجِرِ؛ والمشتري بالتَّعيِيبِ قابض لِحَقِّهِ، إِلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، لأنها عرف قدرَتَهُ ووصلَتْ إلى حَقها بخلاف حديثِ الجَبِّ على الأصحِّ لأنه يورِثُ اليأسَ عن الوطئِ؛ والْعُنَّةُ قد يُرجَى زوالُها، أَوْ بِها تَخَيَّرَ فِي الْجَدِيدِ، قبلَ الدخولِ وبعدَهُ كما لو حدثَ بهِ، والقديمُ لا لتمَكنِهِ من الخلاصِ بالطلاقِ، وهو ضعيفٌ لتضرُّرِهِ بنِصْفِ الصَّدَاقِ، وَلاَ خِيَارَ لِوَليٍّ بِحَادِثٍ، إذ لا عارَ عليه فيه بدليلِ العُرف، وَكَذَا بِمُقَارِنِ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، لأنه لا عارَ
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
عليه بذلك وضرَرُهُ يعودُ عليها، وَيَتَخَيرُ بمُقَارِنِ جُنُونٍ، أىْ وإنْ رضيَتْ به لتعيُّرِهِ بذلكَ، وَكَذَا جُذَامٍ وَبَرَصٍ فِي الأصَح، لوجودِ العارِ، والثانى: لا؛ لأن الضرَرَ يختص بها.
فَرْعٌ: على هذا التفصيل يُخَرَّجُ حكمُ ابتداءِ التزويج؛ فإنْ دَعَت إلى تزويجِها
بمجبوبٍ أو عنينٍ فعليهم الإجابةُ؛ فإن امتنَعُوا كانوا عَاضِلِيْنَ، وإنْ دعَتْ إلى مجنونٍ فلهم الامتناعُ وكذا المجذومُ والأبرصُ في الأصح.
فَصْلٌ: وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، لأنهُ خيارُ عَيْبٍ؛ فكان على الفَوْرِ كما في البيع ولا ينافي كونُهُ على الفورِ ضَربُ الْمدَّةِ في الْعُنةِ فإنها حينئَذٍ تتحققُ وإنما تُؤْمَرُ بالمبادرةِ إلى الفسخ بعد تحققِ العيبِ، والمعنى بكونه على الفور أنَّ المطالبةَ والرفعَ إلى الحاكمِ يكونُ على الفورِ، وَالفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ الْمَهرَ، إذ يقتضى الفسخ تَرَاد العوضين، وَبَعدَهُ، أي بعد الدخولِ، الأصَح أَنهُ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلٍ إِن فَسَخَ بمُقَارِنٍ، لأنه قد اسْتَمتَعَ بِمَعِيبَةٍ وهو إنما بدل المسمَّى على ظن السلامةِ ولم تحصل فكاَن العقدَ جرى بلا تسميةٍ. والثانى: يجبُ المسمّى؛ لأن الدخولَ جرَى في عقدٍ صحيح مشتملٍ على تسميةٍ صحيحةٍ فأشبه الردة بعدَ الدخولِ، والثالث: إنْ فسخَ بعيبِها فمهرُ المثلِ وإنْ فسخَتْ بعَيْبِهِ فالمسمَّى، أَوْ بِحَادِثٍ بَينَ الْعَقْدِ وَالوَطْء جَهِلَهُ الْوَاطِئ، أي ويكونُ اقترانُهُ بالوطءِ المقرر للمهرِ كالاقترانِ بالعقدِ، وَالْمُسمَّى إن حَدَثَ بعدَ وَطءٍ، لأنهُ قدِ استقر به قبل وجوبِ سببِ الخيارِ فلا تغيير، والوجهُ الثانى: يجبُ المسمَى مطلقًا لوجوبه قبل سبب الخيار، والثالث: يجبُ مهرُ المثلِ مطلقًا كالمقارن.
وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْء فَالْمُسَمَّى، لأنَّ الوطءَ قرر المسمَّى قبل وجودِها، وَلاَ يرجِعُ الزوْجُ بَعدَ الْفَسْخ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيْدِ، لأنهُ شرعَ في النكاح على أنْ يتقوَّم عليه البُضع فإذا استوفَى منفعتَهُ تقرَّرَ عليه عِوَضُهُ كما لو كان المبيعُ معيبًا فأتلفَهُ ثم فسخَ العقدَ. والقديمُ يرجعُ كما يرجعُ بقيمةِ الولدِ المغرورِ بحريَّةِ أمهِ؛ وموضعُ الخلافِ ما إذا كان العيبُ مقارنًا للعقدِ، أمَّا إذا فُسِخَ بعيبٍ حادثٍ
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
فلا رجوعَ بالمهرِ قطعًا إذ لا غرور، وقال المتولى: القولان إذا كانَ الْمَغْرُومُ هو مهرُ المثلِ، أمَّا إذا كانَ المسمَّى فلا رجوعَ. والأصح ما ذكرَهُ البغوي: أنهُ لا فرقَ بين المسمَّى ومهرِ المثلِ.
ويشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ وَكَذَا سائِرُ الْعُيُوبِ فِي الأصَح، لأنهُ مجتهدٌ فيه، والثاني: لا، كفسخ المبيع بالعيبِ، وهذا في غيرِ الْعُنةِ كما صرَّحَ به المصنفُ، أمَّا العُنةُ فيشترطُ فيها الرفعُ قطعًا، قال البغويُّ: وعلى الوجهينِ لو أخرَ إلى أنْ يأتي الحاكمُ ويفسِخُ بحضرتِهِ جازَ.
فَصلٌ: وَتَثْبُتُ الْعُنَّةُ بإِقْرَارِهِ، كغيرها من الحقوقِ ومن هذا يؤخذُ أنهُ لا تُسْمَعُ دعوَى امرأةِ الصبيِّ والمجنونِ العُنةَ عليهِما لسقوطِ قولِهِما، أَوْ بَيِّنةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ، أيْ ولا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُها بالبَيِّنَةِ لأنهُ لا مُطلَعَ للشهُودِ عليها، وَكَذَا بِيَمِيْنِها بَعْدَ نُكُولِه، أيْ عن اليمينِ، فِي الأصَحِّ، لأنها تعرِف الحالَ بالقرائِنِ وطُوْلِ الصُّحبةِ والممارسَةِ، والثاني: يقضِي عليه بالنكولِ وتضرَبُ الْمُدَّةُ بغير يَميِنها، وَإِذا ثَبَتَتْ؛ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَة، بالإجماع والمعنَى فيه مُضىُّ الفصول الأربعةِ، فإنْ كانَ ثم مانع زال فيها؛ وأوَّلُ هذهِ المدَّةِ من يومِ المرافعَةِ وضربِ القاضِي، بِطَلَبها، أي إنما يضربُ القاضي المدَّةَ بطلبِها فإنها حَقها فلو سكتَتْ فلا يَضْرِبُ. نَعَم: إنْ حملَ القاضِي سُكُوتَها على دَهشٍ أو جَهْل فلا بأسَ بتَنْبِيْهها، فَإِذَا تَمتْ، أي السَّنَةُ، رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، أي ولم يكنْ لها أنْ تفسِخَ النكاحَ، لأنَّ بناءَ الأمرِ على الإقرارِ والإنكارِ؛ فيحتاجُ إلى نظرِ الحاكمِ واجتهادِهِ، فإن قَالَ: وَطِئْتُ، أيْ إما بعدَ المُدَّةِ أو فيها وهى ثيب، حُلفَ، لأنهُ يتعذرُ إقامةُ البينَةِ عليهِ، والأصلُ سلامَةُ الشخصِ ودوامُ النكاح، وإنْ كانت بِكْرًا فالقولُ قولُها مع يمينِها، فإن نَكَلَ حُلفَتْ، أيْ وفيهِ الخلاف السالفُ، فإن حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ اسْتَقلتْ بِالْفَسْخ، كما يستقِل بالفسخ من وجدَ بالمبيع تغيُّرًا وأنكَرَ البائعُ كونَهُ عَيْبًا وأقامَ المشتري على ذلك بَيِّنَة عندَ القاضِي، وَقِيلَ: يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ، لأنهُ مَحِلُّ نظر واجتهادٍ، وجزمَ به الرافعىُّ في بابِ
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
اختلافِ المتبائعين، وَلَوِ اعتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبِسَتْ فِي الْمُدَّةِ لَمْ تُحْسَبْ، لأنَّ أثرَ المُهْلَةِ يظهرُ إذا كان الزوجُ مُخَلى مع زوجتهِ، فأما إذا لم يكُنْ، فلا حُكْمَ للمُدُّةِ.
فَرْعٌ: لو مَرِضَ هو أو حُبِسَ؛ فإنه لا يمنعُ الاحتسابَ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعدَها بِهِ بَطَلَ حَقها، كما في سائرِ العيوبِ بخلافِ الإيلاءِ والإعسارِ؛ لأن الضرَرَ يتجدَّدُ والعُنةُ عيبٌ واحدٌ لا يُتَوَقعُ إزالَتُها إذا تحققَتْ، أما إذا رضيَتْ به في الْمُدةِ أو قَبْلَ ضربِها؛ فحقُّها باقٍ على الأظهرِ، وَكَذَا لَوْ أَخلَتْهُ عَلَى الصحِيح، أيْ بأنْ قالَتْ بعدَ مُضىِّ المدة: أجَّلتهُ سَنَةً أو شَهْرًا آخرَ، لأنه على الفور، والثاني: لا، كما إذا أمهلَ بعدَ حلول الأجَلِ لا يلزم الإمهالُ.
فَصْلٌ: وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيْها إِسلاَم أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُريةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَأخْلِفَ؛ فَالأظْهرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، لأنَّ الخُلفَ في الشرطِ لا يوجِبُ فساد البيع مع أنهُ عرَّضه للفسادِ بالشروطِ الفاسدةِ، فأَوْلى أنْ لا يفسدَ النكاحَ، والثاني: البطلانُ، لأنَّ النكاحَ يعتمدُ الأوصافَ دونَ المشاهدةِ، فيكونُ اختلاف الصفَةِ كاختلافِ العينِ، والقولان فيما إذا شرطَتْ حُريَّتَهُ فَبَانَ عَبْدًا؛ هما إذا نكحَ بإذن السيّدِ، وإلاّ فلا يصحُّ قطعًا لعدمِ الإذن، وفيما إن شرطَتْ حرّيَّتُها فَبَانت أمَةً؛ هما إذا نكحَتْ بإذنِ السَّيدِ، وكان الزوجُ ممنْ يحِلُّ له نكاحُ الإماءِ، وإلا فلا يصحُّ قطعًا، ويجري القولانِ في كلِّ وصفٍ شُرِطَ ثم تَبَيَّنَ خلافُهُ سواءٌ كان المشروطُ صفةَ كمالٍ كالجمالِ والبَكَارَةِ والنسَبِ أو صفةُ نقصٍ كأضدادِها أو كان مما لا يتعلقُ به نقصٌ ولا كمالٌ وإليه أشارَ بقوله (أَوْ غَيْرُهُمَا).
فرعٌ: لو شرطَتْ حُرّيَّتَهُ فخرجَ مبعَّضًا فالذي يظهرُ أنه كما لو خرجَ عبدًا.
ثُم إِن بَان خَيْرًا مِما شُرِطَ فَلاَ خِيَارَ، أي كما إذا شُرط أنها كتابيَّةٌ فخرجَتْ مسلمةً، وَإن بَان دُوْنَهُ، أيْ بِأَنْ بَانَ نسبُهُ دونَ نسبِها، فَلَها الْخِيَارُ، أي وكذا لأوليائِها إنْ رضيَتْ لعدمِ الكفاءةِ، وإن كان مثلَ نسبِها أو فوقَهُ فالأظهرُ المنعُ لعدم
[ ٣ / ١٢٨١ ]
العارِ بهِ، ووجهُ مقابلِهِ الطمعُ في الزيادةِ، وَكذا لَهُ فِي الأصَح، للغرور، والثانى: لا؛ لإمكانِ الطلاقِ، وصحَّحَ المصنّفُ في أصل الروضة فيما إذا شرطَ حُرِّيَّتَهَا فبانَتْ أَمَة ثبوتُ الخيار إذا كان حُرًّا دونَ ما إذا كانَ عبدًا وهو خلافُ ما أطلقَهُ هنا.
فَرْعٌ: إذا شرطَتْ حُرِّيَّتَهُ فخرجَ عبدا فمقتضَى كلامِ المصنف ثبوتُ الخيارِ ولا ترجيحَ في المسألةِ في الرافعي والروضة وإذا ثبت فهو للسَّيِّدِ لا لَهَا.
وَلَوْ ظَنهَا مُسْلِمَةً أوْ حُرَّةَ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةَ أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلَّ لَهُ فَلاَ خِيَارَ فِي الأظْهَرِ، كما لو اشترَى عبدًا يظنُّهُ كاتبًا فأخلفَ ظَنهُ، والثانى: لهُ الخيارُ، لأنَّ ظاهِرَ الدارِ الإسلامُ والحُرية فإذا خالفَ ذلك ثبتَ الخيارُ كما أنهُ لَما كانَ الظاهرُ في المبيع السلامَةُ فإذا اطَّلعَ على عيبٍ به ثبتَ الخيارُ؛ ومنهم من قطَعَ بثبوتِ الخيارِ في الكتابيَّةِ دونَ الأمَةِ كما هو المنصوصُ وفرَّقَ بأنَّ الكُفْرَ منفِرٌ وبتقصيرِ ولِىِّ الكافرةِ بِترْكِ الْعَلاَمَةِ.
فَرْعٌ: لو ظنَّهَا حُرَّةَ فَبَانَتْ مُبَعَّضَةً فالذي يظهرُ أنهُ كما لو بَانَتْ أمَةً.
وَلَوْ أَذِنَتْ في تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنتْهُ كفْوءًا فَبَان فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبِهِ وَحِرْفَتِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهَا، لأن التقصيرَ منها ومن الوليِّ حيثُ لم يبحَثْ، وليس كظَن السلامَةِ عنِ العيبِ إذ الغالِبُ السلامَةُ وهنا لا يمكِنُ أنْ يقالَ الغالِبُ الكفاءَةُ، قُلتُ: لَو بَان مَعِيْبًا أَوْ عبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ، وَالله أَعلَمُ، نَصَّ على الأوْلى صاحِبُ الشَّامِلِ، وعلى الثانيةِ البغويُّ، وإطلاقُ الغزالي يقتضي المنعَ، وتبعَهُ في الحاوي الصغير، وقال الرافعي: ينبغي أنْ يكونَ الحكمُ في الرق كما لو نكحَ امرأة على ظَنِّ أنها حُرَّة فبانَتْ أَمَةً وهذا البحثُ من الرافعىِّ صرَّحَ به الإمامُ نقلًا.
فَرْعٌ الظاهرُ أن الْمُبَعَّضَ في ذلك كالعبدِ وإنْ لم أَرَهُ منقولًا.
وَمَتَى فُسيخَ بِخُلْفٍ فَحُكْمُ المَهْرِ وَالرُّجُوع بِهِ عَلَى الْغار مَا سبَقَ فِي الْعَيْبِ، أي فيسقطُ قبلَ الدخولِ ويجبُ بعدَهُ ولا يرجعُ به على من غَرَّهُ، وَالتغرِيرُ وَالْمُؤثَرُ تَغْرِيْرٌ قَارَن الْعَقْدَ، أيْ فإنْ كانَ سابقًا فلا اعتبارَ به في صحَّةِ العقدِ ولا في الخيارَ،
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
وأمَا الرجوعُ بالمهرِ، إذا قضينَا بالرجوع على الغَارِّ فالتغريرُ السابقُ كالمقارِنِ كذا ذكرَهُ الإمامُ والغزالي، والفرقُ أيْ إنْ تعلَّقَ الضمانُ بالتغريرِ أوسعُ بابًا، وَلَوْ غرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنَاهُ فَالوَلَدُ قَبْلَ الْعِلْمِ حُرٌّ، لظنِّهِ الحُرِّيَّةَ، أمَّا بعدَهُ فهو رقيقٌ، وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيْمَتُهُ لِسَيِّدِهَا، لأنهُ فَوَّتَ الرِّقَّ لظنّهِ الحريَّةَ وتُعتبر قيمتهُ يومَ الولادةِ، ويَرْجِعُ بِهَا، أي بقيمتِهِ، عَلَى الغَارِّ، أيْ إذا غُرِّم؛ لأنه هو الذي أوقعَهُ في الْغَرَامَةِ، وَالتغريرُ بِالْحُريَّةِ لاَ يُتَصَوَّرُ مِنْ سَيِّدِهَا، لأنهُ متَى ما قالَ: زَوَّجْتُكَ هذه الْحُرَّةَ أو على أنها حُرَّة عُتِقَتْ كذا قالهُ الرافعى؛ وفيه نظر؛ لأنَّ ذلك ليس صريحًا في الإنشاءِ، بَل مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْهَا، أى ولا اعتبارَ بقولِ من ليسَ بعاقدٍ ولا معقودٍ عليهِ، ويتصوَّرُ أيضًا في مسائلَ أُخَر غيرُ ما ذكرَهُ؛ منها ما إذا كان اسمُها حُرَّة، ومنها إذا رهَنَها وهو معسر وأذنَ له المرتهِنُ في تزويجِها في وجها وشرطَ حرِّيَّتَها، ومنها لو كان سفيهًا وزوُّجها بإذن ولِيِّهِ، فَإن كَان مِنهَا تَعَلّقَ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا، أي فتطالَبُ به إذا عُتِقَتْ ولا يتعلَّقُ بِكَسبِها ولا بِرَقَبَتِهَا، وَلَوِ انْفَصَلَ الوَلَدُ مَيْتًا بِلاَ جِنَايَةِ فَلاَ شَيْءَ فيْهِ، أيْ عليهِ لعدمِ تَيَقنِ حياتهِ، وإنِ انفصلَ بجناية فإنْ كانَ أجنبيًا فيجبُ على عَاقِلَةِ الجانِي غُرَّةُ الجنينِ، ويَغْرَمُ المغرور عُشْرَ قيمةِ الأُم للسَّيدِ، وإن زادَتْ على قيمَةِ الغُرَّةِ على الأصح وإن كان المغرورُ أو عبْدُهُ أو سَيِّدُ الأمَةِ؛ فللسَّيِّد أيضًا عُشْرُ قيمةِ الأُمِّ.
فَرْعٌ: خيار الغُرور على الفورِ على أصح الطريقين كخيارِ العيبِ.
فَصْلٌ: وَمَنْ عُتِقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ أَوْ مَنْ فِيْهِ رِقٌّ تَخَيَّرَتْ فِي فَسْخ النِّكَاح، بالإجماع، وصورَةُ المسألةِ ما إذا وقعَ العِتْقُ في الصحةِ وفي المرضِ بعدَ الدخولِ أو قبلَهُ وخرجَتْ من ثُلُثِ مالِ المعتقِ سوَى الصَّدَاقِ، أمَّا إذا لم تخرجْ من الثُّلُثِ إلا بِضَمِّ الصدَاقِ إلى المالِ فلا خيارَ لها، إذ لو ثبَتَ وترتبَ عليه الفسخُ لَسَقَطَ الصداقُ فَيُرَقُّ بعضُها بسبب سقوطهِ ومتى عاد الرِّقُّ في بعضِها امتنَعَ الخيارُ فثبوتُهُ يؤدِّي إلى نفيِهِ فَمُنِعَ من أصلِهِ.
فَرْعٌ: لو عُتِقَ الزوجُ قبلَ أنْ يفسخَ العتيقَةَ؛ فالأظهرُ أنهُ لا خيارَ لها لزوالِ الضرَرِ.
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
وَالأظْهَرُ أنهُ عَلَى الْفَوْرِ، كخيارِ العيبِ، والثانى: إلى ثلاثة أيامٍ لأنها مُدَّة قريبة فَيَتَرَوَّى فيها، فَإن قَالَتْ: جَهِلْتُ الْعِتْقَ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنِهَا إِنْ أَمْكَنَ، بِأن كَان الْمُعْتِقُ غَائبًا، إذِ الأصلُ عدمَ العِلْمِ فإنْ لم يمكن فلا؛ لأن ما تدَّعِيْهِ خلافُ الظاهرِ، وَكَذَا إِن قَالَت: جَهِلْتُ الْخِيَارَ بِهِ فِي الأظْهَرِ، لأن الظاهرَ معها إذ لا يعرفُ ذلك إلا الخواصُّ من الناسِ. والثانى: لا تُصَدَّقُ، كما في الرَّد بالعيبِ، قال في البحر: ومن أصحابِنا من قالَ: إنْ كانَ مثلُها لا يعلمُ بأنْ جُلِبَتْ أعجميَّة قُبِلَ قولُها، وإنْ عُلِمَ أنَّ مثلَها يعلمُ لأنها مُخَالِطَة للفقهاءِ مُسَائِلَة للعلماءِ لا يُقْبَلُ قولُها، وإنِ احتملَ الأمرينِ فقولانِ وهو مقتضَى ما أوردَهُ في الشَّامِلِ في باب اللّعَانِ.
فَرْعٌ: لو ادَّعَتْ جهْلَ الفورِ فَكَجَهْلِ الخيارِ بهِ؛ قالهُ ابن الصباغ في باب اللِّعَانِ وهو القياسُ.
فَإن فَسَخَتْ قَبْلَ وَطءٍ فَلاَ مَهْرَ، أيْ وإنْ كان حقًّا للسَّيدِ، لأنَّ الفسخَ حصَلَ بسبَبِها ولم يستنِدْ إلى عيبٍ بالزوج وليس لِلسَّيِّدِ منعُها من الفسخ لِمَا يلحَقُها من الضرَرِ مع البقاءِ، وَبَعْدَهُ، أيْ وبعدَ الوطءِ، بِعِتْقِ بَعْدَهُ وَجَبَ الْمُسَمَّى، لاستقرارِهِ بالوطءِ، أَوْ قَبْلَهُ، أيْ وكانَتْ جاهلةَ به، فَمَهْرُ مِثْلِ، لأن الفسخَ يستنِدُ إلى حالَةِ العِتْقِ فصارَ الوطؤ كأنهُ في نكاح فاسدٍ، وَقِيلَ الْمُسَمَّى، لِمَا سلَفَ في الفسخ بالعيبِ، وَلَو عُتِقَ بَعضُهَا أَوْ كُوتِبَتْ أو عُتِقَ عَبْدٌ تَحتَهُ أَمَة فَلاَ خِيَارَ، أمَّا في الأولين: فلبقَاءِ النقصانِ وأحكامِ الرِّقِّ، وأمَّا في الثالثة: فلأنَّ معتمَدَ الخيارِ الخبرُ وليسَتِ الصورةُ في معنى صورَةِ النصِّ لأنه لا يُعَيَّرُ بافتراش الناقصَةِ ويمكنُهُ الخلاصُ بالطلاقِ.
فَرْعٌ: هذا الفسخُ لا يحتاجُ إلى مراجعةِ الحاكمِ ولا المرافعَةَ إليهِ؛ لأنهُ ثابت بالنصِّ والإجماع.
فَرْعٌ: للزوج وطؤُ العتيقةِ ما لم يفسِخْ وكذا لزوج الصغيرةِ والمجنونةِ العتيقَتَيْنِ وطْؤُهُمَا ما لم تفسخَا بعدَ البلوغِ والإفاقةِ ذكرَهُ في الروضة من زوائده.
فَصْلٌ: يَلزَمُ الوَلَدَ، أيْ ذَكَرًا كان أو أنثى، إِعْفَافُ الأبِ، أيِ الحُر ولو كافرًا
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
في الأصحَّ، وَالأجدَادِ، أي سواء كانوا من جهةِ الأب أو الأم، عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه من حاجاتِهِ المُهِمَّةِ كالنفقَةِ والكِسْوَةِ وعلى هذا سبيلُ الإعفافِ سبيلُ النفقةِ على الأصح، والثانى: لا يلزمُ؛ وهو مخرَّجٌ كما لا يلزمُ إعفافُ الابنِ؛ أما العبدُ فلا يلزمُ إعفافُهُ، بِأن يُعِطيهُ مَهْرَ حُرةٍ، أي المرادُ بالإعفافِ أن يُهَئ لهُ مستمتعًا إمَّا بأن يعطيَهُ مَهرَ حُرَّةٍ، أَوْ يَقُولَ: أَنكِح وَأعْطِيكَ المَهْرَ أَو يَنْكِحَ لَهُ بإذْنِهِ، أي ولو كتابيَّة في الأصحِّ، ويُمهِرَ أَو يُمَلكَهُ أَمَةً، أي لم يَطَأهَا، أوْ ثَمَنَهَا، لأن بذلك يندفعُ عن الأبِ المحذورُ، ثُمَّ عَلَيهِ مُؤْنَتُهُمَا، أي مُؤنَةُ الأبِ ومنكوحتُهُ أو مملوكتُهُ؛ لأن ذلك من تَتِمَّةِ الإعفافِ، ولَيسَ لِلأبِ تَعيِيْنُ النِّكاح دُون التسَرّي وَلاَ رَفِيعَةٍ، أىْ رفيعَةُ المهرِ، أمَّا لِجَمَال أو شَرَفٍ؛ لأنَّ ذلك قد يُجحِفُ بالولدِ، وَلَوِ اتفَقَا عَلَى مَهْرٍ فَتَعْيِيْنُهَا لِلأبِ، لأنهُ مُطْلَقُ التصَرف، وَيجِبُ التجدِيدُ إِذَا مَاتتْ أَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ، أيْ أو رَضَاع، أَوْ فَسَخَهُ بِعَيْب، كما لو دفعَ إليه نفقتَهُ فَسُرِقَت منهُ، وكَذَا إِن طَلَّقَ بِعُذْرٍ، أي كشقاقٍ ونُشُوزٍ، فى الأصَحِّ، كما في الموتِ ولا يجبُ إذا طلَّقَ لغيرِ عُذْرٍ لتقصيره، والثاني: لا يجبُ مطلقًا؛ لأنه الْمُفَوِّتُ، والثالث: مقابلُهُ؛ حكاهُ في الوسيط؛ لأن تكليفَهُ إمساكَ زوجةٍ واحدةٍ عسيرٌ.
فَرْعٌ: إذا وجبَ التجديدُ فإنْ كانَتْ بائنًا ففى الحالِ أو رجعيّا فبعدَ انقضاءِ المدَّةِ.
فَرْعٌ: لو خالَعَ الْحُرةَ أو أعتَقَ الأمَةَ فحُكْمُهُ حُكْمُ ما لو طَلقَ.
وإنمَا يَجِبُ إِعْفَافُ فَاقِدِ مَهْرٍ، لأن به تتحققُ الحاجةُ، مُحْتَاج إِلَى نِكَاح ويصَدَّقُ إِذَا ظَهَرَت الحَاجَةُ بِلاَ يَمِينٍ، لأنَّ تحليفَهُ في هذا المقامِ لا يليقُ بِحُرْمَتِهِ.
فَصْلٌ: وَيحرُمُ عَلَيهِ وَطْء أَمَةِ وَلَدِهِ، أي إذا كان عالمًا بالحالِ؛ لأنها ليست بزوجة ولا مملوكة، وَالمَذهَبُ وُجُوبُ مَهْرٍ لاَ حَدٍّ، لشبهَةِ الإعفافِ، نَعَمْ يُعَزَّرُ على الأصحِّ وفاءً بحق الله تعالى، وقولُهُ (وَالمَذْهَبُ) صوابه إبداله بالصحيح، فإنه قال في الروضة: لا حدَّ على الأبِ، وفيه قول مُخَرَّجٌ، والمذهبُ الأوَّلُ، وعلى هذا هو كوطء الشُّبهة، فعليهِ المهرُ للابنِ، فإن كان مُوسِرًا أخذَ منهُ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا ففي
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
ذِمَّتِهِ إلى أنْ يُوْسِرَ، وقيل: إنْ كانَ مُعْسِرًا لم يثبُتْ في ذِمَّتِهِ والصحيحُ الأولُ، وعلى القولِ المخرج هو كالزنا بأمَةِ أجنبى فإنْ أكرَهَهَا وجَبَ المهرُ أو طَاوَعَتْهُ فَوَجْهَانِ، وعبارةُ المُحَرِّر: الأصح، وهى لا تُعطى كيفيَّةَ خلافٍ. وقال الرويانىُّ في البحر: الخلافُ في الحد إذا لم يكُنِ الابنُ استولَدَها، فإنْ كان فيجِبُ الحد قطعًا، كذا قالهُ الأصحابُ؛ لأنه لا يتصورُ أنْ يملِكَها بحالٍ؛ بخلافِ ما إذا كانت موطُوءَةً غيرَ مستولدةٍ، فَإن أَحبَلَ، فَالْوَلَدُ حُر نسِيب، كما لو وطئَ جاريةَ أجنبي بشبهةٍ، ولو كان الأبُ رقيقًا ففى الحريَّةِ وجهانِ أفتَى القفالُ منهُما بالحريةِ لولدِ المغرورِ، فَإن كَانَت مُسْتَولَدَةَ لِلابْنِ لَمْ تَصِرْ مُستَوْلَدَةً لِلأبِ، لأنَّ أميَّةَ الولدِ لا تقبلُ النفلَ، وَإلاَّ، أى وإنْ لم تكُنْ مُسْتَوْلَدَةً للابنِ، فَالأظْهَرُ أنهَا تَصِيْرُ، أى مُسْتَوْلَدَةً للأبِ سواءٌ أعْسَرَ أمْ لا؛ لأنَّ حُرْمَةَ الأبوةِ وشُبْهَةَ المِلْك لا تختلفُ بهم الشُّبهة التي اقتضَتِ انتفاءَ الحدِّ ووجوبَ المهرِ، والثانى: أنها لا تصيرُ؛ لأنها ليست مِلْكًا لهُ وقتَ الإحبالِ فكان كما لو استولَدَ جاريةً بالنكاح، والثالث: إنْ كان الأبُ مُوْسِرًا فَنَعَمْ وإلاَّ فلا.
وَأنَّ عَلَيهِ قِيْمَتَهَا مَعَ مَهرٍ، كما لو استولَدَ أحدُ الشريكينِ الجاريةَ المشتركةَ؛ يجبُ عليه نصفُ القيمةِ مع نصفِ المهرِ، ولم أرَ في كلام الرافعي حكايةَ قولٍ أخرَ أنهُ: لا يجبُ عليه القيمةُ ولا المهرُ كما أفهمَهُ مقابلُ الأظهر في كلام المصنفِ؛ بل الذي فيه أنا إذا أثبَتْنا الاستيلادَ فالحكمُ ما ذكرتُهُ، وإن لم نثبتهُ فلا يجوزُ للابن بَيْعُ الأمَةِ ما لم تَضَعْ؛ لأنها حاملٌ بِحُرٍّ، وهل على الأبِ قيمتُها في الحالِ للحيلولَةِ، ثم يستردُّ عند الوضع؟ فيه وجهانِ؛ أصحهما المنعُ؛ لأن يَدَهُ مستمرة عليها، ويَنتفِعُ بالاستخدامِ وغيرهِ، لاَ قِيمَةَ وَلَدٍ فِي الأصَحِّ، لأنهُ جزءٌ منها، والثانى: نَعَمْ؛ كوطءِ الشبهة.
وَيَحْرُمُ نكَاحُهَا، أي ويحرمُ عليه نكاحُ أمَةِ ولدِهِ؛ لأنَّ لهُ فيها شبهةً يسقطُ الحدُّ بوطْئها فلم يَحِلَّ لهُ نكاحُها كالأمَةِ المشتركةِ بَيْنَهُ وبينَ غيرِهِ وهذا في الأبِ الْحُرِّ، أما الرقيقُ فيجوزُ له نكاحُها إذ ليس عليه إعفافُهُ ولا نفقتُهُ.
فَرْعٌ مُسْتَثنى: يجوزُ له نكاحُ جاريَةِ ابنهِ من الرَّضَاعِ، ذَكَرَهُ في الروضة من زوائدهِ؛ قال: يجوزُ لهُ نكاحُ أمَةَ أبيهِ وأمِّهِ قطعًا لعدمِ وجوبِ الإعفافِ.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
فَلَوْ مَلَكَ زَوْجَةَ وَالِدِهِ الذِي لاَ تحِلُّ لَهُ الأمَةُ، أي في حالِ تملكها للابنِ وكان قد نكحَها قبل ذلك بشرطهِ، لَمْ يَنْفَسِخ النّكَاحُ فِي الأصَح، لأنَّ الأصلَ في النكاح الثابتِ الدوامُ؛ وللدوامِ من القوَّةِ ما ليس للابتداءِ، والثاني: ينفسخُ، كما يمتنع نكاحُ أمَةِ نفسِهِ، وقوله (الذِي لاَ تَحِل لَهُ الأمَةِ) (•) يحترزُ به عمَّا إذا كان يَحِلُّ لهُ نكاحُها وقد أوضَحْتُ ذلك فِى الأصلِ، وَلَيسَ لَهُ نِكَاحُ أَمة مُكَاتَبه، لأنَّ للسَّيدِ في رقبتِهِ شبهةَ المِلْك ولهذا تصيرُ أمَّ ولدٍ بإيلادِهِ، فَاِن مَلَكَ مُكَاتَب زَوْجَةَ سَيِّدِهِ انْفَسَخَ النّكَاحُ في الأصَح، لأنَّ تَعَلقَ السيدِ بِمِلْك الْمُكَاتَبِ أَشَد مِن تَعَلقِ الأبِ، والثاني: لا ينفسخُ، كما سبقَ في أمَةِ ولدِهِ.
فَصلٌ: السَّيِّدُ بِأذْنِهِ فى نِكاح عَبدِهِ لاَ يَضمَنُ مَهرًا وَنَفَقَةً فِي الجَدِيْد، لأنهُ لم يلتزمْهُ تصريحًا ولا تعريضًا بذلك، ولو أذِنَ بشرطِ الضمانِ فلا ضمانَ أيضًا، لأنه لا وجوبَ عند الأذنِ، والقديمُ يضمنُ، لأنَّ الإذنَ يقتضي الالتزامَ وليسَ فيه تخصيص بالكسبِ ولا فَرقَ بين مالٍ ومالٍ، وَهُمَا فِي كَسْبِهِ، لأنهُ منهُ وإليهِ، بَعْدَ النّكَاح، أي أما قبلَهُ فلا؛ لأنهُ خاصٌّ بالسَّيدِ فهو كسائِرِ أموالِهِ فإن كان المهرُ مؤجَّلًا لم يتعلق إلاَّ بما كَسَبَهُ بعد حلولِ الأجلِ فيبدأ بالنفقَةِ ثم الفاضِلُ للمهرِ، الْمُعْتَادِ، أىْ كالاصطيادِ والاحتطابِ وما يحصّلُهُ بصنعةِ وحِرفةٍ، وَالنادِرِ، أي كالهبةِ والوصيَّةِ، فَإن كَان مَأذُوْنًا لَهُ فِي كتجَارَةٍ فَفِيْمَا بِيَدِهِ مِنْ رِبحٍ، لأنهُ نماءُ كسبهِ، وسواء الربحُ الحاصلُ قبلَ التزويج وبعده على الأصحِّ، وَكَذَا رَأسُ مَالٍ في الأصَحّ، لأنه دَين لزمَهُ بعقدٍ مأذونٍ فيهِ فكان كدَين التجارةِ، والثانى: المنعُ كسائِرِ أموالِ السَّيدِ، وهذا كلهُ في المهرِ الذي يتناولُهُ الإذنُ، أمَّا لو قَدَّرَ السيّدُ مَهْرًا فزادَ العبدُ؛ فالزيادةُ لا تتعلقُ إلاَّ بالذمَّةِ؛ وفيه احتمال للإمامِ، وإن لَم يَكُن مُكتَسِبًا وَلاَ مَأْذُوْنًا لَهُ ففِي ذِمَّتِهِ، أيْ إنْ رضيَتْ بالمقامِ معهُ؛ لأنه دَين لزمَهُ برضَى من لهُ الحقُّ فتعلَّقَ بذِمتِهِ كَبَدَلِ القَرْضِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى السَّيدِ، لأن الإذنَ لمن هذا حالهُ التزامٌ للمؤوناتِ، وَلَهُ المُسَافَرَةُ بِهِ وَيفُوتُ
_________________
(١) (•) في النسخة (١): وقوله (الذي لا تحل له نكاح الأمة). تصحيف.
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
الاِسْتِمْتَاعُ، تقديمًا لحق السَّيدِ، وَإِذَا لَمْ يُسَافِرْ؛ به (•)؛ لَزِمَهُ تَخْلِيَتُهُ لِيْلًا لِلاِسْتِمْتَاع، لأنهُ وقتُهُ وفي حقِّهِ، وَيستَخْدِمُهُ نَهَارًا إِن تَكَفلَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَإلَّا فَيُخَلِّيْهِ لِكَسبِهِما، رعاية لحقِّ الزوجةِ، وَإِنِ اسْتَخْدَمَهُ بِلاَ تَكَفلِ لَزِمَهُ الأقَلُّ مِنْ أَجْرَةِ مِثلٍ وَكُلِّ المَهْرِ وَالنَّفَقَةِ؛ لأنهُ لَمَّا أذِنَ لهُ في النكاح فكأنهُ أحالَ الْمُؤَنَ على كسبِهِ، فإذا فَوتهُ طولِبَ بها من سائِرِ أموالِهِ كذلك إذا باعَ العبدَ الجانِي وصحَّحْنَاهُ لَم (•) يلزمْهُ الفداءُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ، لأنهُ ربما كان يكسَبُ بالإنفاقِ من هذا اليوم ما يَفِى بالجميع، وعلى الوجهين المرادُ بالنفقةِ نفقةُ مُدَّةِ الاستخدامِ، وقيل: مُدَّةُ النكاح ما امتدَّت.
وَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا، أي مثلَ أن قُرن به شرطٌ فاسدٌ يُخِلُّ بمقصودِهِ كشرطِ الخيارِ وعدمِ الوطءِ، وَوَطَأ، فَمَهْرُ مِثْلٍ، أيْ قطعًا، ولم يترُك الشافعى ألفاظَ العقودِ على الصحيحةِ والفاسدةِ إلا في هذه المسألةِ، فإنه أوجَبَ فيه المهرَ حيثُ يجبُ في الصحيح، فِي ذِمَّتِهِ، لأنهُ وجَبَ برضَى مُسْتَحِقِّهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي رَقَبَتِهِ، لأنهُ إتلافٌ، وإن كان الفسادُ لكونِهِ بدون الإذنِ ففيه الخلافُ أيضًا، وَإذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ؛ استخْدَمَهَا نَهَارًا وَسلَّمَهَا لِلزوْج لَيْلًا، لأنهُ وقتُ الاستمتاع؛ ونصَّ الشافعى في البويطى: أنَّ تسليمَها بعد الثُّلُثِ الأوَّلِ فَاسْتَفِدْهُ.
فَرْعٌ: المكاتَبَةُ تُسَلمُ ليلًا ونهارًا كما قال الماروديُّ؛ وحكى القاضى فيه خِلافًا.
وَلاَ نَفَقَةَ عَلَى الزوْج حِيْنَئِذ فِي الأصَح، لِفَقْدِ التمكينِ التام، والثانى: يجبُ شطرُ النفقةِ توزيعًا لها على الزمانِ، والثالث: يجبُ الكُلُّ للتسليمِ الواجبِ، ويجري الوجهان الأوَّلانِ فيما إذا سَلِّمَتِ الحُرة نفسَها لَيْلًا واشتغلَت عن الزوج نَهَارًا قالهُ الرافعىُّ.
_________________
(١) (•) في النسخة (٢) فقط. (•) في النسخة (٢) (لم) ساقطة. لأن فداء العبد الجاني بأقل الأمرين من قيمته، وأرش الجناية، ولأن أجرته إن زادت كان له أخذ الزيادة، وإن نقصت لم يلزمه إتمام النفقة.
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
فَرْعٌ: الأصحُّ في الروضةِ وجوبُ المهرِ والحالة هذهِ؛ لأنه يجب بسببٍ واحدٍ وقد حصَلَ، والثاني: لا، كالنفقة.
وَلَوْ أَخلَى في دَارِهِ بَنتًا؛ وَقالَ للِزوج: تخلو بِهَا فِيهِ؛ لَم يَلزَمه فِي الأصَحِّ، لأن الحَيَاءَ والمروءَةَ يمنعانِهِ مِن دخولِ دارِ السَّيِّدِ، والثاني: يلزم، لتدومَ يَدُهُ على مِلْكِهِ وفيهِ وُصُولُ الزوج إلى غَرَضِهِ، فعَلَى الأولِ لا نفقةَ، وقوله (الأصَحِّ) مخالف لما في الروضةِ حيث عبرَ بالأظهَرِ، للسَّيِّدِ السَّفرُ بِهَا، لأنه مالِك رقبتهَا فيقدمُ جانبه على جانب مالِك المنفعَةِ، وللزوج صُحبتُهَا، أي ولا تمْنَعُ من ذلك ليستمتِعَ بها في وَقتهِ؛ لأن السفرَ كالحضَرِ، وَالمَذهبُ أن السَّيِّدَ لَو قتلَهَا أَو قَتَلَت نَفسَهَا قَبلَ دُخولٍ سقَطَ مَهرُهَا، وِإنَّ الحُرَّةَ لو قتلَت نَفْسَهَا، أَو قتلَ الأمَةَ أجنَبِي أو مَاتت فلاَ، كَما لَو هَلَكتا بَعدَ دُخُولٍ، لأنَّ الحرة كَالمُسَلمَةِ إلى الزوج بالعقدِ، ولهذا يملِكُ منعَهَا من السفرِ بخلافِ الأمَةِ، وَاعلَم: أن الشافعي نَص في الأمِّ في الحالين المذكورين كما ذكرَهُ المصنِّفُ على ما في الكِفَايَةِ وفي الرافعي عن النص الأولِ وحدها، ونص في الحرة إذا قتلَت نفسَها أنهُ لا يسقطُ كما ذكرَهُ أيضًا، فقيل بتقرير النصينِ كما ذكرت والأصح طردُ قولين فيهِما أصحُّهما ما ذكرناهُ، ووجهُ المنع فيهِما أنها فِرقَة حصلَتْ بانتهاءِ العُمُرِ فكانت كالموتِ، ووجهُ السقُوطِ انقطاعُ النكاح قبلَ الدخولِ مِن قِبَلِ مستحِقِّ المهرِ فكانَ كالرِّدَّة، وكان ينبغي للمصنِّف أنْ يُعَبِّرَ في قتلِ الأمَةِ نفسَها والأجنبي وموتها بالصحيح كما عبَّرَ به في الروضةِ بذلك خَلا الأول، والرافعي في المُحَررِ عبَّرَ بالظاهِرِ ومرادُهُ في الخلافِ حيثُ كان.
وَلَو بَاعَ مُزَوجَةَ فَالمَهرُ لِلبَائع، أىِ سواء جرَى الدخولُ قبل البيع أو بعده لأنهُ وجبَ بالعقدِ؛ والعقد كان في مِلْكِهِ، فَإن طُلقَت قَبلَ دُخولِ فَنِصْفهُ لَه، لأنها فِرْقة حصلَت قبلَ الدخولِ، وَلَو زَوَّجَ أمَتَهُ بِعَبدِهِ لَم يَجِب مَهرٍ، لأن السَّيِّدَ لا يثبتُ له على عبدِهِ دَين بدليلِ جنايتهِ عليهِ وإتلافِهِ، وهُنا فوائدُ في الأصلِ فَرَاجِعْهَا مِنْهُ.
[ ٣ / ١٢٨٩ ]