اَلْمَوَاقِيتُ: جَمْعُ مِيْقَاتٍ، ومعناهُ لُغَة: الْحَدُّ، وَهُنَا زَمَانُ العِبَادَةِ وَمَكَانُهَا.
وَقْتُ إِحْرَامِ الحَجِّ: شوَّالٌ وَذوُ القَعدَةِ وَعَشرُ لَيَالٍ، أي بأيامها، مِن ذِي الْحِجَّةِ، كذا فسر به ابن عباس قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وجماعة من الصحابة (١٠٤١)، والمرادُ وقت الإحرام به، لأن فعله لا يحتاج إلى أشهر.
فَرْعٌ: إذا مات الحاج عن نفسه في أثنائه، فقولان أظهرهما: وهو الجديد لا يجوز البناء عليه، والقديم: نعم. فعلى هذا لو مات بعد فوات وقت الإحرام؛ فقيل: يحرم النائب بعمرة، والأصح: يحرِم بحج ويأتى ببقية الأعمال، وإنما يمنع من إنشاء الإحرام بعد أشهر الحج إذا ابتدأه وهذا بينى على سابق.
وَفي لَيلَةِ النحْرِ وَجْهٌ، لأن الليالي تتبع الأيام؛ ويوم النحر لا يصح فيه الإحرام فكذلك ليلته، وفي قول: أن ذا الحجة كله وقت الإحرام وهو شاذ، فَلَو أَحْرَمَ بِلىِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انعَقَدَ عُمْرَةَ، أي مجزية عن عمرة الإسلام، عَلَى الصحِيح، أي سواءً كان عالمًا أو جاهلًا، لأن الإحرام شديد التعلق، فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله، والثانى: لا ينعقد عمرة؛ بل يتحلل بعمل عمرة ولا يكون ذلك مجزيًا عن عمرة الإسلام، كما لو فَاتَهُ الحجُّ، لأن كل واحد من الزمنين ليس وقتًا للحج، وقوله (عَلَى الصَّحِيْح) صوابه على الأظهر، فإنه أصحُّ الطرق فيه.
فَرْعٌ: لو أحرم بعمرة ثم يحج في غير أشهره، فلا ينعفد إحرامه حجًا، لأنه في
_________________
(١) • البقرة / ١٩٧. • روى عن ابن عباس بأسانيد؛ قوله: (وَهُنَّ شَوَّالُ؛ وَذُو القُعدَةِ؛ وَعشرٍ مِنْ ذِى الحِجَّةِ؛ يَجعَلُهُن الله سُبحَانَهُ لِلْحَجِّ، وسائِرُ الشهُورِ لِلْعُمرَةِ). رواه الطبراني في جامع البيان: النص (٢٨٤٥ و٢٨٤٦).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
غير أشهره (١٠٤٢)، ولا عمرة، لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضى أبو الطب فَصُورَةُ مسألة الكتاب حينئذ في شخص حَلاَلٍ.
وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لإحرَامِ العُمرَةِ، لوروده في أوقات مختلفة كما هو مشهور في الأحاديث، نعم: المقيمُ بمنى للرمي لا تنعقد عمرته لاشتغاله بالرمى، والمبيت؛ نصَّ عليه، ومنه يؤخذ امتناع حجتين في عام واحد، وهو إجماع كما نقله القاضى أبو الطيب.
فَرْعٌ: يستحب الإكثار منها لا سيما في رمضان [فَإِن عُمْرَةَ فِيهِ تَعدِلُ حُجَّةً مَعَهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ] كما صححه الحاكم على شرط الشيخين (١٠٤٣)، وسمعتُ بعض مشايخنا يحكي عن قاضى القضاة بمكة نجم الدين الطبري الشافعي ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيهما أفضل؟ ثالثها: إن استغرق زمن الاعتمار بالطواف فالطواف أفضل وإلا فالاعتمار أفضل، ولم أرَ حكايتها لغيره، قال: ولو ذكر بعد رمضان عشر ذى الحجة لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَا مِنْ أيامٍ العَمَلُ
_________________
(١) لحديث ابن عباس ﵄؛ قال: (لاَ يُحْرِمُ بِالحَجِّ إلَّا في أشْهُرِ الحَجِّ؛ فَإن مِنَ سُنةِ الحَجِّ أن يُحْرِمَ بِالحَجِّ فِى أشهُرِ الحجِّ). رواه الحاكَم في المستدرك: كتاب المناسك: الحديث (١٦٤٢/ ٣٤)، وقال: صحيح على شرط الشيخين؛ ووافقه الذهبي قال: على شرط البخارى ومسلم.
(٢) • ولفظه: [أقرِئهَا مِني السَّلاَمَ وَرَحْمَة اللهِ وَأخبِرهَا أنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّة مَعِى عُمْرَة فِي رَمَضَانَ]. رواه الحاكم في المستدرك: الحديث (١٧٧٩/ ١٧١)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي فى التلخيص: عامر ضعَّفه غير واحد وبعضهم قواه، ولم يحتج به البخارى. قُلْتُ: والحديث صحيح بشواهده الصحيحة. • وفي لفظ قال: [فَإِذَا كانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِى فِيهِ؛ فَإنَّ عُمرَة في رَمَضَانَ حَجَّةٌ]. رواه البخارى في الصحيح: الحديث (١٧٨٢). • وفي لفظ: [فَإذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِى، فَإنَّ عُمْرَةَ فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّة] أو [تَقْضي حَجَّةً أو حَجَّة مَعي]. رواهما مسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب فضل العمرة في رمضان. الحديث (٢٢١ و٢٢٢/ ١٢٥٦).
[ ٢ / ٥٨١ ]
الصَّالِحُ فِيهِنَّ أحَبَّ إِلَى الله مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ] (١٠٤٤) لكان حسنًا.
فرعٌ: إدخال العمرة على الحج لا يجوز في الجديد كما ذكره المصنف في آخر باب دخول مكة كما سيأتي. وَالْمِيقاتُ المَكانِيُّ لِلْحَجِّ في حَق مَن بِمَكةَ، أي افاقيًا وغيره، نَفْسُ مَكةَ، لقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس [الآتِي حَتى أَهْلُ مَكةَ مِنْ مَكةَ] (١٠٤٥)، وَقِيلَ: كُلُّ الحَرَمِ، لأن مكةَ وسائرَ الحرمِ سواءٌ في الحرمةِ، فلو فارق بنيان مكة ثم أحرم في الحرم ولم يرجع إلى مكة إلا بعد الوقوف كان مسيئًا على الوجه الأول دون الثاني، وَأَما غَيرُهُ فَمِيقَاتُ المُتوَجِّهِ مِنَ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ؛ وَمِصرَ؛ وَالمَغْرِبَ اَلْجُحفَةُ، وَمِن تِهَامَةِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجدِ اليَمَنِ؛ وَنَجدِ الحِجَازِ قَرْنٌ، وَمِنَ الْمَشرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ، لحديث ابن عباس لذلك في الصحيحين وهذا لفظه [وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأهلِ المَدِينةِ ذَا الحُلَيفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ، وَلأهْلِ نَجْدٍ قَرن المَنَازِلِ وَلأهْلِ الْيَمَنِ يَلَملَمَ] (١٠٤٦) وأما مصر وذات عِرْقٍ ففي النسائي من حديث عائشة (١٠٤٧)، وأما المغرب ففي رواية مرسلة أخرجها الشافعى - ﵁ - وقد وصلها مرة
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄؛ قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: [مَا مِنْ أيامٍ العَمَلُ الصالحُ فِيهِن أحَب إلَى اللهِ مِنْ هَذه الأيامِ العَشرِ]. رواه الإمام أحمد في المسند: ج ١ ص ٢٢٤. وأبو داود في السنن: كتاب الصوم: باب في صوم العشر: الحديث (٢٤٣٨). والترمذى في الجامع: الحديث (٧٥٧)، وقال: حديث حسن صحيح غريب. قال في مجمع الزوائد: ج ٤ ص ١٧: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. وله شاهدٌ أيضًا من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) رواه البخارى في الصحيح: كتاب الحج: باب مُهل أهلِ مَكةَ لِلْحَجِّ: الحديث (١٥٢٤).
(٣) رواه البخارى في الصحيح: كتاب الحج: باب مُهَل أهلِ الشَّام: الحديث (١٥٢٦).
(٤) الحديث عن عائشة ﵂؛ (أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقتَ لأهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيفَهِ؛ وَلأهْلِ الشَّامِ وَمِصرَ الجُحفَةَ؛ وَلأهلِ العِرَاقِ ذَات عِرْقٍ؛ وَلأهْلِ اليَمَنِ يَلملَمَ). رواه النسائي في السنن: كتاب المناسك: باب ميقات أهل مصر: ج ٥ ص ١٢٣؛ وباب ميقات أهل العراق: ج ٥ ص ١٢٥.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
في حديث آخر عن أحمد أن هذه المواقيت وقت عام حجة الوداع؛ لكن مع الشك في الرفع واضطرب نقل الرافعي والمصنف في أن ذات عرق هل هى ميقات بالنص أو باجتهاد عمر - ﵁ - كما أوضحته في الأصل؛ والأفضل لأهل المشرق أن يهلوا من العقيق (١٠٤٨).
تَنْبِيهٌ: الأجِيْرُ يُحْرِمُ مِنْ مِيْقَاتِ مُستَأجرِهِ؛ لاَ مَا مَرَّ بِهِ؛ ذَكَرَهُ شارح التعجيز وحكاه في الكفاية عن الفوراني بزيادة: أنه يُحْرِمُ أيضًا مما بإزائه الأبعد وأقرَّه عليه.
وَالأفضل أن يُحرِمَ مِنْ أَوَّلِ المِيقَاتِ، ليقطع الباقى محرمًا، ويجُوزُ مِن آخِرِهِ، لصدق الاسم عليه، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا، أي في البر أو البحر، لاَ يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ، فإن حَاذَى مِيقَاتًا أحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتهِ، اتباعًا لِعُمَرَ - ﵁ - في ذلك في البخاري من غير إنكار (١٠٤٩) فإن اشتبه عليه موضع المحاذات اجتهد، أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالأصَحُّ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذاةِ أبعَدِهِمَا، أي عن مكة وهو الأقرب إليه الذي يحاذيه، وليس له الانتظار إلى الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتى من المدينة أن يجاوز ذا الحليفة لِيُحرِمَ مِنَ الجُحفَةِ، والثاني: أن يتخير إن شاء أحرم من الوضع المحاذى لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما؛ لأنه لم يمر على ميقات منصوص عليه فتركه وقد أحرم محاذيًا للميقات، وَإِن لَم يُحَاذِ، أي في علمه، أَحرَمَ عَلَى مَرحَلَتَيْنِ مِن مَكْةَ، لأنه لا شئ من المواقيت أقل مسافة من هذا القدر وهذا من تخريج الإمام.
وَمَنْ مَسكنة بَينَ مَكةَ وَالميقاتِ؛ فَمِيقَاتُة مَسكَنُهُ، يعني القرية التي يسكنها
_________________
(١) كتاب الأُم للشافعى: باب في المواقيت: ج ٢ ص ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) عن ابن عمر ﵄؛ قال: (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَان؛ أتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: يَا أميرَ المُؤمِنِينَ إِنْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَدَّ لأهلِ نَجد قَرنا وَهُوَ جَورٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنا إِن أرَدنَا قَرْنًا شَق عَلَينَا. قَالَ: فَانظُرُوا حَذوَهاِ مْن طَرِيقِكُم. فَحَدَّ لَهُم ذَاتَ عِرْقٍ). رواه البخارى في الصحيح: باب ذات عرق لأهل العراق: الحديث (١٥٣١).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
والحلة التى ينزلها البدوىِ لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في الحديث السالف بعد ذكر المواقيت: [فَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أنشَأ] (١٠٥٠).
وَمَن بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، أي ولا يكلف العود؛ فإن جاوزه غير محرم كان كمجاوزة الميقات، وِإن بَلَغَهُ مُرِيدًا لَم تَجُز مُجَاوَزَتهُ بِغَيرِ إِحرَام، بالإجماع، والمراد هنا المجاوزةُ إلى جهة الحَرَمِ، فأمَّا إذا جاوزه إلى جهة يمينه أو يساره وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد؛ فإنه يجوز؛ ذكره الماوردي، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ العَودُ لِيحرِمَ مِنْهُ، أي وكذا من ميقات آخر مثل مسافته، صرح به الإمام، وإذا عاد فلا دمَ عليه، وكلام المصنف يوهم عدم وجوب العود إذا أحرم؛ وليس كذلك، ووجوب تأخير الإحرام إليه، وليس كذلك أيضًا، لأن الصحيح أن العود بعد الإحرام مسقط للدم كما سيأتى، فله أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطع المسافة محرمًا. إلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقتُ أَوْ كَان الطرِيقُ مُخَوفًا، أي فإنه لا يلزمه لخوف الضرر ويريق دمًا، وكذا لو خاف الانقطاع عن الرفقة أو كان به مرض شاقٌّ لما قلناه، فَإن لَم يَعُدْ لَزِمَهُ دمٌ، لقول ابن عباس - ﵁ -[مَنْ نَسِىَ مِنْ نُسُكِهِ شَيئًا أَو تَرَكَهُ فَلْيُهرِق دَمًا] رواه مالك (١٠٥١).
فَرْعٌ: لو أحرم بعد المجاوزة بالعمرة لزمه الدم في أيّ وقتٍ أحرمَ؛ لأن العمرة لا يَتأقَتُ وَقْتُهَا، أو بالحج؛ فإن كان في سَنَتِهِ فكذلك، وإن حج من السَّنَةِ الثانية فلا، لأن إحرام هذه السَّنَةِ لا يصلح لحج سَنَةٍ قَابِلَةٍ أخرى؛ قاله القاضى والبغوي. وإن لم يُحْرمْ أصلًا، لم يلزمه شيء، قاله الماوردي، لأن الدم إنما يجب لنقصان النسك لا بدلًا منه.
_________________
(١) من حديث ابن عباس السالف في المواقيت: رواه البخاري في الصحيح: الحديث (١٥٢٤ و١٥٣٠). ومسلم في الصحيح: باب مواقيت الحج والعمرة: الحديث (١١ و١٢/ ١١٨١).
(٢) رواه الإمام مالك في الموطأ: كتاب الحج: باب ما يَفْعَلُ مَن نَسِىَ مِن نُسُكِهِ شيئًا: الحديث (٢٤٠) منه.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وِإن أَحرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالأصَحُّ أنَّهُ إِنْ عَادَ قَبلَ تلَبسِهِ بنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، لقطع المسافة من الميقات محرمًا وأداء المناسك بعده، وَإلّا فَلاَ، لِتَأدِّيهِ بإحرامٍ ناقص؛ ولا فرق بين أن يكون ذلك النسُكُ ركنًا أو سُنة، وهذا التفصيل هو ظاهر المذهب عند الأكثرين، وقيل: وجهان أو قولان: وجه عدم السقوط تَأكدُ الإساءة بإنشاء الإحرام من غير موضعه. وكان ينبغى للمصنف التعبير بالمذهب بدل الصحيح كما قررناه وكما فعل في الروضة.
تَنْبِيْهَانِ: الأوَّلُ: ظاهر كلامه يقتضي أن الدم وجب ولكن سقط بالعود، وهو وجه في الحاوي؛ وصحح: أنه لا يجب إلا بفوات العود، والثاني: الجمهور؛ كما قال في شرح المهذب: لم يتعرضوا لزوال الإساءة بالعود، وفي البيان بعد حكاية وجهين: أن الظاهر أنه لا يكون مسيئًا، وبه جزم الروياني، وقيد المحاملى ذلك بأن تكون المجاوزة بنية العود.
وَالأفضَلُ أَن يُحرِمَ مِن دُويرَةِ أَهلِهِ، لأنه أكثر عملًا، وَفِي قَولٍ: مِنَ المِيقَاتِ، لِلتْأسِّي بِهِ -ﷺ -؛ فَإنهُ أحرَمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاع مِنْهُ بالإجماع (١٠٥٢). قلْتُ: اَلمِيقَاتُ أَطهَرُ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلأحَادِيثِ الصحِيحَةِ، وَالله أعلَمُ، وهو كما قال: بل أطلق جماعة الكراهة على تقديم الإحرام على الميقات.
وَمِيقَاتُ العُمرَةِ لِمَن هُوَ خَارِجَ الحَرَمِ مِيقَاتُ الحَجِّ، لقوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في حديث ابن عباس - ﵁ - السالف، ممن أراد الحج والعمرة، وَمَن بِالحَرَمِ، أي مكيًّا وغيره، يَلزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى أدنَى الحِلِّ وَلَو بِخَطْوَةٍ، أي من أي جهة شاء من جهات الحرم، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التنْعِيمِ] (١٠٥٣)، فلو
_________________
(١) عن جابر -﵁-؛ (أن النبِي -ﷺ- أحْرَمَ فِى حَجَّةِ الوَدَاع مِنْ ذِى الحُليْفَةِ). رواه مسلم في حديث طويل: في الصحيح: الحديث (١٤٧/ ١٢١٨).
(٢) عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂؛ (أن النبِي - ﷺ - بعَثَ مَعَها أخَاها عَبْدَ الرحْمَن؛ فَأعمَرَهَا مِنَ التنْعِيمِ). رواه البخارى في الصحيح: باب الحج على الرَّحْل: =
[ ٢ / ٥٨٥ ]
لم يكن الخروج واجبًا لاعتمرت من مكانها، لضيق الوقت. وقد يوهم قوله (وَلَو بِخَطْوَةٍ) أنها أقل ما يكفي فليس كذلك.
فَرْعٌ: إذا أرادَ مَنْ بِمَكةَ القِرَانَ كفاهُ الإحرامُ مِنْ مَكةَ على الأصح تغليبًا للحج.
فإن لَم يَخْرُجُ؛ وَأَتَى بِأفعَالِ العُمرَةِ؛ أَجْزَأَتْهُ فِي الأظْهَرِ، لأن إِحْرَامَهُ قد انعقد وأتى بعده بالأفعال الواجبة، وَعَلَيهِ دَمٌ، لتركه الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزيه، لأن العمرة أحد النسكين، فيشترط فيه الجمع بين الحل والحرم كما في الحاج، ورأيتُ في الأم بَعْدَ نَصِّهِ على هذين القولين أن هذا أشبههما، ولم يذكر ترجيحًا في المسألة غيره فَتَنَبَّة لَهُ، والقولان متفقان على انعقاد إحرامه؛ وحكاهما الفورانى في انعقاده وهو مُؤَوَّلٌ.
فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الحِل بَعدَ إِحْرَامِهِ، أي وقبل الطواف والسعي، سقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن المسئ هو الذي ينتهي إلى الميقات على قصد النسك ثم يجاوزه، وهذا المعنى لم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف في عود من جاوز الميقات إليه محرمًا، فعلى الأول الواجب هو خروجه إلى الحل قبل الإعمال، أما في ابتداء الإحرام أو بعده، بل نصَّ المحاملي في مجموعه والجرجاني في تحريره: أنه يستحب فعله قبل الخروج؛ وهو غريب. وعلى قولنا لا يسقط الدم الواجب؛ هو الخروجِ في ابتداء الإحرام، وقوله (سَقَطَ) يأتى فيه ما سلف في الحج وإن لم أرهُ منقولًا هنا، نعَمْ عبارةُ المهذب: لم يلزمه دمٌ؛ وعبارة البيان: لا شئ عليه. ثُمَّ اعْلَمْ: أن هذا إذا خرج إليه بقصدِ النسُك، أما إذا خرج لبعض أشغاله، فالحكم كذلك أيضًا كما قاله القفال وبه أجاب البغوي.
وَأَفضَلُ بِقَاع الحِلِّ الجِعرَانَةُ، أي لمن أراد الاعتمار [لإِحْرَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
_________________
(١) الحديث (١٥١٦)، وفي رواية: قَالَت: يَا رَسُولَ الله اعتمَرتُم وَلَم أعْتَمِرْ؟ فَقَالَ: [يَا عَبْدَ الرحْمَنِ؛ اذهَبْ بِأختِكَ فَأعمِرْهَا مِنَ التنْعِيمِ]. رواه البخاري: الحديث (١٥١٨).
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وَالسلاَمُ مِنْهَا] متفق عليه (١٠٥٤). ثُمَّ التْنْعِيمُ، لأنه عَلَيهِ الصلاَةُ وَالسلاَمُ [أَمَرَ أخَا عَائِشَةَ ﵂ أنْ يَعْمِرَهَا مِنْهُ] متفق عليه أيضًا (١٠٥٥). ثُمَّ الحُدَيبِيَةُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أراد المدخل لعمرته منها فَصُدَّ؛ وكان إحرامه بها من ذي الحليفة، كما رواه البخارى في غزوة الحديبية في صحيحه (١٠٥٦). فقدَّم الأصحابُ ما فعله؛ ثم ما أمر به ثم؛ ما هَمَّ به أي من سلوك الطريق، لا هَمُّهُ بالإحرام، كما عَلِمت. وليس النظر فيها إلى المسافة بل إلى السُّنةِ.
خَاتِمَة: يُستحب لمن أحرم من بلده أو من مكة أن يخرج عَقِبَ إحرامِهِ، ولا يمكُثَ بَعْدَهُ. نصَّ عليهِ كما نقله الشيخ أبو حامد.