النَّجِسُ في اللغة: القَذَرُ، وفي الشرع: مَا فَضَّلَهُ المصنف بزيادة ذكرتها في الشرح (٢٠٥)، وعدَّها المصنفُ ليعلم منه بقاء ما عداها على الأصل وهو الطهارة؛ فقال: هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، أما الْخَمْرُ فهو إجماع، وغيره من الْمُسْكِرِ كهو بجامع التنفير عن السُّكْرِ، وخرج بالمائع الْبَنْجُ وغيره من الْحَشِيْشِ الْمُسْكِرِ؛ فإنه حرامٌ ليس بنجسٍ (٢٠٦)؛ لكن يرد عليه الخمرة إذا انعقدت وهي مسكرة؛ فإن حكم التنجيس باقٍ، ونقل عن بعض العلماء المتأخرين: أن في نجاسة الحشيشة ثلاُثة أَوْجُهٍ في مذهب أحمد وغيره، أصحها: نجاستها، ثالثها: ينجس مائعها دون يابسها ولم أرَ ذلك عندنا.
وَكَلْبٍ، للأمر به بإراقة ما ولغ فيه (٢٠٧)، وَخِنْزِيرٍ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ
_________________
(١) (النَّجْسُ) ن ج س: بالفتح؛ وبالكسر؛ وبالتحريك؛ النَّجَسُ، والنَّجِسُ، في اللغة ضدُّ الطاهر أو القَذَرُ. والنَّجَاسَةُ: القَذَارَةُ. كان الأَوْلى أن يقول: باب إزالة النجاسة. قال ابن الملقن في العمدة شرح المنهاج: النجاسة في الشرع: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكانه: مخطوط. وقال غيره: كل عين حُرِّمَ تناولها على الإطلاق في حال الاختيار مع إمكان التناول وسهولة التمييز لا لحرمتها ولا لضررها ولا لاستقذارها. قاله صاحب بداية المحتاج إلى شرح المنهاج: ج ١ ورفة (١٥) مخطوط.
(٢) * الْبِنْجُ: ب ن ج: بِالكَسْرِ: الأصلُ: وَبالْفَتْحِ لُغَةٌ بِسَمَرْقَنْدَ. نَبْتٌ مُسْتَنْبَتٌ غَيْرُ حَشِيْشِ الْحَرَافِيْشِ. مُخَّبِّطٌ لِلْعَقْلِ؛ مُجَنِّنٌ؛ مُسَكَّنٌ لأَوْجَاعِ الأَوْرَامِ وَالْبُثُورِ وَوَجَعِ الأُذُنِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَوْجَاعِ. وَبَنَّجَهُ: أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ. * في دقائق المنهاج: ص ٣٦؛ قال النووي: قول المنهاج: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ. ليحترز عن الْبَنْجِ وغيرهِ من الحشيش الْمُسْكِرِ، فإنهُ حرامٌ ليس بنجسٍ. إنتهى.
(٣) لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، =
[ ١ / ١٢٢ ]
خِنْزِيْرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٢٠٨)، وَفَرْعِهِمَا، أي وهو ما تَوَلَّدَ من كلب وخنزير؛ وكذا ما تَوَلَّدَ من أحدهما مع حيوان طاهر؛ لأنه مخلوق من نجس فكان مثله.
وَمَيْتَةِ غَيْر الآدَمِيِّ، وَالسَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، بالاجماع، وطهارة ميتة الآدمى دليلها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢٠٩) وصح من حديث ابن عباس: [لاَ تُنَجِّسُواْ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسلِمَ لاَ يَنْجِسُ حَيًِّا وَلاَ مَيِّتًا] (٢١٠) وطهارة ميتة السمك والجراد إجماع.
وَدَمٍ، أى المسفوح ليخرج الكَبِدُ والطّحَالِ والباقي على اللحم وعظامه (٢١١)،
_________________
(١) = فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب: الحديث (٨٩/ ٢٧٩).
(٢) البقرة / ١٧٣.
(٣) الاسراء / ٧٠.
(٤) رواه الحاكم في المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٤٢٢/ ١٥٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: على شرطهما. قال ابن الملقن في التحفة: وقال الحافظ ضياء الدين في أحكامه: إسناده عندي على شرط الصحيح. ورواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس من قوله: [اَلْمُسلِمُ لاَ يَنْجِسُ حيًّا وَلاَ مَيَّتًا] وقال البيهقي: وهذا هو المعروف. إنتهى. قلت: ورواه ابن أبى شيبة في الكتاب المصنف: كتاب الجنائز: باب من قال: ليس على غاسل الميت غسل: النص (١١١٣٤). وإسناده صحيح موقوفًا. أو كما قال الحاكم وتابعه الذهبي فيه.
(٥) لما أسنده الإمام الشافعي ﵀ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ الْمَيتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ؛ وَالدَّمَانِ] أحْسَبُهُ قال: [الكَبِدُ وَالطِحَالِ]. كتاب الأُمَ من كتاب الصيد والذبائح: باب ذكاة الجراد والحيتان: ج ٢ ص ٢٣٣، وهو في مسند الأمام الشافعي: الحديث (١٥٥٤). والحديث إسناده صحيح موقوف: قال ابن حجر في تلخيص الحبير: ج ١ ص ٣٨: وكذا صحح الموقوف: أبو زرعة وأبو حاتم؛ ثم قال: نعم؛ الرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره، هي في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا، وحرم علينا كذا؛ مثل قوله: أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية، لأنها في معنى المرفوع والله أعلم. إنتهى.
[ ١ / ١٢٣ ]
وَقَيْحٍ، لأنه دم استحال إلى نتن، وَقَيْءٍ، كالغائط (٢١٢)، وَرَوْثِ، لأنها رجس كما صَحَّ في البخاري (٢١٣) والأنفحة في حكمه؛ فإنها لبن يستحيل في جوف السَّخْلة، لكنها طاهرة إن أخذت من مذبوحة لم تطعم غير اللبن، وَبَوْلٍ، لأنّا أُمِرْنا بالتنزه منه (٢١٤)، وَمَذِيٍّ، وَوَدِيٍّ، بالإجماع (٢١٥)، وَكَذَا مَنِيِّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي الأَصَحِّ، كسائر المستحيلات.
_________________
(١) عن معدان بن طلحة عن أبى الدرداء - ﵁ -؛ [أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَاءَ فَأَفْطَرَ] قال: فَلَقِيْتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ! فَقَالَ: صَدَقَ [أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وُضُوءَهُ]. رواه أبو داود في السنن: الحديث (٢٣٨١) وإسناده صحيح إن شاء الله.
(٢) * هو حديث ابن مسعود - ﵁ -؛ قال: أتى النبي - ﷺ - الغائط، فأمرنى أن أتيه بثلاث أحجار؛ فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجدهُ، فأخذت روثة فأتيته بها، فألقى الروثة وقال: [هَذَا رِكْسٌ]. وفي سنن الدارقطني زاد: [إِئْتِنِي بِحَجَرٍ]. رواه البخاري في الصحيح في الوضوء: باب لايستنجي بروث: الحديث (١٥٦). وسنن الدارقطني: ج ١ ص ٥٥. * في دقائق المنهاج: ص ٣٦؛ قال النووي ﵀: وقوله (الرَّوْثُ) أحْسَنُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ: الْعَذِرَةُ؛ لأَنَّ العَذِرَةَ مُخْتَصَّةٌ بِفَضْلَةِ الآدَمِيِّ، وَالرَّوْثُ أَعَمُّ، لأَنَّهُ إِذَا عُلمَتْ نَجَاسَةُ الرَّوْثِ مَعَ أَنَّهُ مُخْتَلَفْ فِيْهِ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَالْعِذْرَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا أَوْلَى، وَلاَ عَكْسَ.
(٣) لحديث أنس بن مالك - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: [تَنَزَّهُواْ مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ]. رواه الدارقطني في السنن: ج ١ ص ١٢٧ وقال: المحفوظ مرسل. قلت: وإسناده حسن.
(٤) * المذْي بإسكان الذال، ويقال بكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها، ويقال في فعله: مَذَى، بتخفيف الذال وتشديدها، وأمذى؛ وهو ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة قوية عند ثورانها؛ والودي بالدال أو الذال حكاية فيه، وهو ماءٌ ثخين كَدِرٌ يخرج عقب البول. * وهو لحديث على بن أبى طالب كرم الله وجهه، قال: كُنْتُ رَجُلًا مذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَألَهُ فَقَالَ: [يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ] رواه مسلم بهذا اللفظ في كتاب الحيض: الحديث (١١٧/ ٣٠٣). والبخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب من استحيا فأمر غيره =
[ ١ / ١٢٤ ]
قُلْتُ: الأَصَحُّ طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه طاهر كالآدمي (٢١٦)، واستثنى صاحب الخصال من مني الآدمي منى الخادم وفيه نظر.
وَلَبَنُ مَا لاَ يُؤْكَلُ، لأنه عُصَارَتُهُ، غَيْرَ الآدَمِيِّ، تكريمًا له إذ نشوءه منه، نعم لبن الصغيرة التى لم تستكمل سن الحيض نجس وكذا لبن الرَّجُلِ. وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ، أي بنفسه أو بالأبانة، مِنَ الْحَيِّ، كإلية الشاة ونحوها، كمَيْتَتِهِ، أي طهارةً ونجاسةً بالإجماع (٢١٧)، إِلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ، بالإجماع أيضًا (٢١٨)، وخرج بالمأكول
_________________
(١) = بالسؤال: الحديث (١٣٢) وفي كتاب الوضوء: الحديث (١٧٨) وفي كتاب الغسل: الحديث (٢٦٩).
(٢) * الْمَنِيُّ: وهو ماء أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دَفْقَةً بعد دفقةٍ، ويخرج حال الشهوة، وَيتَلَذِّذُ بِخُرُوجِهِ؛ وبعقب خُروجه فتورٌ، ورائحته كرائحة طَلْعِ النَّخْلِ، قريبة من رائحة العجين. * وهو كما قال طاهر لحديث عائشة ﵂، قالت: [كُنْتُ أَفْركُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرْكًا فَيُصَلِّىَ فِيهِ] بألفاظ أخرجها مسلم وأبو داود والترمذي، لم تخرج عن مقصود الباب. وفي صحيح البخاري: كتاب الوضوء: باب غسل المني وفركه: الحديث (٢٢٩). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب حكم المني: الحديث (١٠٥/ ٢٨٨). وأبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب المني يصيب الثوب: الحديث (٣٧١).
(٣) لحديث أبى سعيد الخدري - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - سُئل عن جباب أسنمة الإبل وإليات الغنم؟ فقال: [مَا قُطِعَ مِنَ الْحَيِّ فَهُوَ مَيْتٌ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصيد: باب في صيد ما قطع منه قطعا: الحديث (٢٨٥٨). والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب الأطعمة: باب ما قطع من الحي فهو ميت: الحديث (١٤٨٠) وقال: حسن غريب من حديث أبي واقد الليثي بلفظ: [مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ]. وصححه الحاكم في المستدرك: كتاب الأطعمة: الحديث (١٥٠) وكتاب الذبائح: الحديث (٧٥٩٨). ويلاحظ أن مفهوم الإجماع هنا، ليس للاستدلال، وإنما يريد أنه قولٌ واحدٌ في المذهب.
(٤) لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل / ٨٠].
[ ١ / ١٢٥ ]
غيره فإنه نجس، فلو رأى شعرًا وشك هل هو من مأكول أو من غيره فالأصح من زوائد الروضة الطهارة، ومثار الخلاف أن الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم (٢١٩).
ونَبَّهَ بالشعر على الصوف والوبر والريش لما فيها من المنافع الظاهرة، قُلْتُ؛ ويستثنى أيضًا المسك فإنه طاهر بالإجماع، وكذا فأرته على الصحيح إِنِ انفصلت في حياة الظَّبْيَةِ.
وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ، وَالْمُضْغَةُ، وَرُطُوبَةِ الْفَرْجِ بِنَجِسِ فِي الأَصَحِّ، أما العلقة والمضغة فلأنهما أصل الآدمي فأشبها المني، وأما رطوبة الفرج فقياسًا على العرق، والثاني: أنها نجسة؛ ووجهه في العلقة أنه دم خارج من الرحم فأشبه الحيض، وفي المضغة ذلك أيضًا، وفي رطوبة الفرج تولدها من محل نجس، وشمل إطلاقه الفرج فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر.
فَصْلٌ: وَلاَ يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إي إلاَّ بالغسل؛ لأنه شُرِعَ لأزالة ما طرأ على العين، ولا بالإستحالة؛ لأن العين باقية وإنما تغيرت صفتها، إِلاَّ خَمْرٌ تخَلَّلَتْ، أي بنفسها ولم يقع عين فيها بالإجماع، وَكَذَا إِن نُقِلَتْ مِنْ شمْسِ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسِهِ فِي الأَصَحِّ، لخلوها عن النجس، والثاني: لا يطهر، لأنه معالجة كالإلقَاءِ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْح شَيْءٍ، أي كملح ونحوه (٢٢٠)، فَلاَ، لتحريم التخليل، وخرج بذكر الخمر
_________________
(١) قُلْتُ: إذا كان الأمر متعلق بالأشياء، فالقاعدة: (أَنَّ الأصْلَ فِي الأَشْيَاءِ جَوَازُ الإِنْتِفَاعِ بِهَا مَا لَمْ يَرِدْ دَلِيْلُ الْمَنْعِ) فهي على الإباحة حين التعامل معها، وأصل الأفعال المتعلقة بها على البراءة الأصلية من جواز الانتفاع بها حتى يرد دليل المنع. أما الأفعال، وهي متعلق الحركة، فالقاعدة: (أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَفْعَالِ التَّقَيُّدَ بِالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى قَصْدِ مُرَادِ الشَّارِعِ وَبِقَصْدِ التَّعَبُّدِ للهِ وَالْقُرْبَةِ مِنَ اللهِ ﷿). اقتضى التنويه لطفًا. وقد فصلنا القول فيها في كتابنا (مدخل إلى دراسة العلوم الشرعية) فراجعهُ.
(٢) * لحديث أنس -﵁-؛ أن النبي -ﷺ- سُئل عن الخمر تُتَّخَذُ خَلًا؟ فَقَالَ: [لاَ]. رواه =
[ ١ / ١٢٦ ]
النبيذ، فإنه لا يطهر وإن تخلل بنفسه؛ قاله القاضي أبو الطيب؛ وفيه نظر (٢٢١).
وَجِلْدٌ نَجُسَ بِالْمَوْتِ فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، لقوله - ﷺ -: [إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ
طَهُرَ] رواه مسلم (٢٢٢). أما النجس في حالة الحياة فلا يطهر ظاهره بالدباغ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لعموم الخبر المذكور وغيره (٢٢٣)، والثاني: أنه يطهر ظاهره دون باطنه، لأن الدواء لا يصيبه، وهو ضعيف؛ لأن خاصيته تصل بواسطة الماء وهو رطوبة الجلد. قُلْتُ: ويستثنى مع الخمر والجلد دَمُ الظَّبْيَة إذا استحال مسكًا، والبيضة المدرة التي صارت دمًا إذا استحالت فرخًا وقد استثناهما الرافعي.
_________________
(١) = مسلم في الصحيح: كتاب الأشربة: ياب تحريم تخليل الخمر: الحديث (١١/ ١٩٨٣). والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب البيوع: باب النهي عن أن تتخذ الخمر خلًا: الحديث (١٢٩٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح. * ولحديث أنس أيضًا: أن أبا طلحه سأل النبي - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرًا؛ قال: [أَهْرِقْهَا]. قال: أفلا أجعلها خلًا؟ قال: [لاَ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الأشربه: باب ما جاء في الخمر تخلل: الحديث (٣٦٧٥). والترمذي في الجامع الصحيح: الحديث (١٢٩٣)، وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال: باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في الأرض العنوة: الحديث (٢٨٣) ص ١٣٥.
(٢) قلت: لَعَلَّهُ لما تقدم من الحديث عن أنس - ﵁ -، ثم لما جاء عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قوله: [وَلاَ يَحِلُّ خَلٍّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ؛ حَتَّى يكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَهَا]. أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال: الفقرة (٢٨٨) ص ١٣٧؛ ولفظ: [لاَ تَأْكُلْ خَلًا مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَبْدَأَ الله بِفَسَادِهَا].
(٣) الإهاب هو الجلد؛ وهو الجلد قبل الدباغ أيضًا. والحديث عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي - ﷺ - قال: الحديث. رواه مسلم في كتاب الحيض: الحديث (١٠٥/ ٣٦٦). وأبو داود في السنن: كتاب اللباس: باب في أهب الميتة: الحديث (٤١٢٣).
(٤) لحديث ميمونة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - حين رأى شاة ميتة: [لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا] فقالوا: إنها ميتة؟ فقال: [يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ] والقَرَظ بفتح القاف والراء: ورق السلم. رواه أبو داود في السنن: كتاب اللباس: باب في أهب الميتة: الحديث (٤١٢٦). والنسائي في السنن: باب ما يدبغ به جلود الميتة: ج ٧ ص ١٧٤. وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٢٧ ]
وَالدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ بِحِرِيفٍ، أي بكسر الحاء كشب ونحوه، والفضول هي المعفنة للجلد، وضابط نزعها منه أن تطيب رائحته بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه الفساد والنَّتَنُ، لاَ شَمْسٍ وَتُرَابٍ، أي وإن جف الجلد وطابت رائحته لبقاء الفضلات وإنما جمدت، وَلاَ يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثْنَائِهِ فِي الأَصَحِّ، تغليبًا لمعنى الإحالة، والثاني: يجب تغليبًا لمعنى الإزالة.
وَالْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجُسٍ، أى فلا بد من غسله لإزالة بقايا الأدوية المتنجسة أو النجسة، وَمَا نَجُسَ بِمُلاَقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ غُسِلَ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ، لقوله - ﷺ -[طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ] رواه مسلم (٢٢٤)، وفي رواية للدَّارقطني [إِحْدَاهُنَّ بِالبَطْحَاءِ] (٢٢٥)، وعرقه وسائر أجزائه وفضلائه كلعابه وأَوْلى؛ لأن فمه أطيب من غيره، ونص الشافعي في البويطي أنه يتعين التراب في الأُوْلَى والأخرى وهو غريب قوي، وقوله (بِتُرَابِ) أي مع التراب فلا بد من مزجه بماء، ولو جرى الماء عليه سبع مرات كفى، قلت: ولو ولغ كلب في الإناء أو كلاب مرات فثلاثة أوجه، الصحيح: يكفيه للجميع سبعٌ، والثاني: يجب لكل
واحدة سبع، والثالث: لكل كلب سبع وكذا لو حركه في الراكد الكثير، وَالأَظْهَرُ: تَعَيِينُ التُّرَابِ، للخبر، والثاني: لا كالدباغ.
وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ، لنجاسة عينه بل أَوْلَى مِنْهُ لحرمة اقتنائه، والثاني: يكفي غسله مرة واحدة بلا تراب كسائر النجاسات، وَلاَ يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلاَ مَمْزُوجٌ بِمَائِعٍ فِي الأَصَحِّ، مثار الخلاف أن الأمر بالتراب تعبدًا؛ ومُعَلَّلٌ بالاستظهار والجمع بين نوعي طهورٍ، وتستثنى الارض الترابية، فإنه يجب غسلها سبعًا ولا يجب تعفيرها على الأصح؛ لأنه لا معنى للتعفير بالتراب.
_________________
(١) رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب: الحديث (٩١/ ٢٧٩).
(٢) رواه الدارقطني في السنن: ج ١ ص ٦٥: وفال فيه: الجارود هو ابن أبي يزيد؛ متروكٌ. قال ابن حجر: وإسناده ضعيف فيه الجارود بن يزيد وهو متروك: تلخيص الحبير: ج ١ ص ٥٢.
[ ١ / ١٢٨ ]
وَمَا تنَجَّسَ بِبَوْلِ صَبِيِّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ نُضِحَ، لأنَّهُ عَلَيْهِ الصُّلاَةُ وَالسُّلاَمُ نَضَحَهُ فِي حِجْرِهِ وَلَم يَغْسِلهُ، متفق عليه (٢٢٦)، وَأمَرَ بِالغَسْلِ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ كما حسنه البخاري (٢٢٧)، والسر في ذلك أن الله تعالى لما خلق أدم خلقت حواء من ضلعه فصار بول الغلام من الماء والطين وصار بول الجارية من اللحم والدم، قاله إمامنا كما أفاده ابن ماجه فِي سننه وهو غريب (٢٢٨)، وعنه أيضًا أن الرضاع بعد الحولين بمنزلة الطعام والشراب وهو ظاهر، وقوله (لَمْ يَطْعَمْ) أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه أو لم يأكل غيره، فيه ثلاثة أراء أوضحتها فِي الأصل، والنُّضْحُ: إصابة
_________________
(١) لحديث أُمِّ قيس بنت محصن؛ [أنَّها أتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٌ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبهِ، فَدَعَا بماءِ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب بول الصبيان: الحديث (٢٢٣). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب حكم بول الطفل.
(٢) في حديث أبي السمح قال: كنت أخدم رسول الله - ﷺ - فأتى بحسن أو حسين، فبال على صدره؛ فجئت أغسله، فقال: [يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلاَمِ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب بول الصبي يصيب الثوب: الحديث (٣٧٦). والنسائي في السنن: كتاب الطهارة: ج ١ ص ١٥٨. قال الحافظ بن حجر في تلخيص الحبير: ج ١ ص ٥٠: قال البخارى: حديث حسن. وقال في الفتح: ج ١ ص ٤٣٢: شرح الحديث (٢٢٢): وفي الفرق (أى بين بول الجارية وبول الصبي) أحاديث ليست على شرط المصنف (أي البخاري) وحكاها ومنها حديث أبي السمح. وأسنده البخاري في التاريخ الكبير: كتاب الكنى: باب الواحد: الرقم (٣٥٤): ج ٨ ص ٤٠ جزء من التاريخ الكبير وملحق به.
(٣) الحديث لأبى اليمان المصريُّ؛ قال: (سَأَلْتُ الشَّافِعِي عَنْ حَدِيْثِ النَّبِيِّ - ﷺ -[يُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلاَمِ، ويغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ] وَالْمَاءَانِ جَمِيْعًا وَاحِدٌ. قَالَ: لأَنَّ بَوْلَ الغُلاَمِ مِنَ الْمَاءِ وَالطِّيْنِ، وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ. ثُمَّ قَالَ لِي: فَهِمْتَ؟ أَوْ قَالَ: لَقِنْتَ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ضِلْعِهِ الْقَصِيْرِ. فَصَارَ بَوْلُ الْغُلاَمِ مِنَ الْمَاءِ وَالطِّيْنِ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ مِنَ اللِّحْمِ وَالدَّمِ. قَالَ، قَالَ لِي: فَهِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِى: نَفَعَكَ الله بِه). أخرجه ابن ماجه في السنن من كتاب الطهارة: باب ما جاء في بول الصبى: الحديث (٥٢٥).
[ ١ / ١٢٩ ]
الماء جميع موضع البول وكذا غلبته على الأصح، ولا يشترط أن ينزل عنه، والغسل يشترط أن يغمره وينزل عنه.
وَمَا تَنَجَّسَ بِغَيْرِهِمَا، أي بغير نجاسة الكلب والخنزير وبول الصبى، إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ، أي بأن كانت حكمية وهي التي لا تشاهد لها عين ولا يحس لها طعم ولا لون ولا رائحة، والعينية نقيض ذلك، كَفَى جَرْيُ الْمَاءِ، أي بنفسه وغيره إذ ليس ثَمَّ ما يزال (٢٢٩)، وَإِنْ كَانَتْ، أي عينِيُّة، وَجَبَ، أي بعد زوال عينها، إِزَالَةُ الطَّعْمِ، لأن بقاءه يدل على بقائها، وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ للضرورة، فإن سهل ضر البقاء، لأنهما يدلان على بقاء العين، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ، لأن بقاءه يدل على بقاء العين فصار كالطعم، وهذا في رائحة تدرك عند شم الثوب دون ما يدرك بالهواء قاله في البسيط، قُلْتُ: وفي اللون وجه أشار إليه في اَلْمُحَرَّر وحذفه المصنف، قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعًا ضَرَّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَالله؛ أَعْلَمُ، لقوة دلالتهما على بقاء العين، والثاني: لا، لاِعْتبارِهما منفردين فكذا مجتمعين وهو ضعيف كما صرح به المصنف، لأن الأصل أن الأثر يضر مطلقًا؛ خولف في الواحد للمشقة.
وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ، أي على المتنجس لقوة الوارد فإنه عامل والقوة للعامل، فإن عكس والماء قليل بلا تغير؛ فلا يطهر لضعفه، لاَ الْعَصْرُ فِي الأَصَحِّ، الخلاف مبني على طهارة الغسالة، وَالأَظْهَرُ طَهَارَةُ غُسَالَةٍ، أي قليلة في واجب، تَنْفَصِلُ بِلاَ تَغَيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ الْمَحَلُّ، لأن البلل الباقى على الْمَحل هو بعض المنفصل؛ فلو كان المنفصل نجسًا لكان المحل كذلك؛ فيكون المنفصل طاهرًا غير طهور؛ لأنه مستعمل في
_________________
(١) لحديث خولة بنت يسار أتَتِ النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إني ليس لي إلا ثوب واحدٌ، وأنا أحيض فيه؛ فكيف أصنع؟ قال: [إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ] قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: [يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلاَ يُضُرُكِ أَثَرُهُ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها: الحديث (٣٦٥) وأخرجه أحمد في المسند: ج ٢ ص ٣٨٠ وإسناده صحيح مع أنه من طريق ابن لهيعه، لأنها من رواية ابن وهب.
[ ١ / ١٣٠ ]
الخبث؛ فإن لم يَطهر المحل فهي نجسة؛ لأنها بعض المنفصل وهو نجس، والثاني: أنها نجسة لانتقال المانع إليها، والثالث: أنها طاهرة كما قَبْلَ وروده، ثم هذا كله إذا لم يَزِدِ الوزن فإن زاد أي بعد اعتبار القدر الذي يأخذه المحل من الماء فالأصح القطع بالنجاسة.
وَلَوْ نَجُسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، إذ لا يمكن انفصال النجاسة عنه (٢٣٠)، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ، قياسًا على الثوب النجس.