الوُضُوءُ: هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ؛ لأَنَّهُ بِفَتْحِهَا الْمَاءُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الوَضَاءَةِ وهي: النَّظَافَةُ؛ وَالنَّضَارَةُ؛ وَالضِّيَاءُ مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ؛ لأنَّ قِيَاسَ الْمَصْدَرِ التَّوَضُّوءُ عَلَى وَزْنِ التَّعَلُّمِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُصُوصِيَّتِهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ (١٢٤).
_________________
(١) قلت: ليس من مباحث الفقه الخلاف في اختصاص الأُمَّة الإِسلاميَّة بالوضوءِ، لأنه خلاف في غير معرفة الأحكام الشرعية والعلم بها بما يفيد العمل أو التشريع؛ إلا إذا =
[ ١ / ٨٩ ]
فَرْضُهُ سِتَّةٌ، أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أىِ رفع حكمه؛ وإلاّ فالحدث إذا وقع لا يرتفعُ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ، قلتُ: وكذا نية أداء الوضوء فقط، أو الطهارة عن الحدث، أو أداء فرض الوضوء، أو الطهارة للصلاة أو لغيرها مما يتوقف على الوضوء، قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِنَّمَا الأعْمَالُ بالنّيَّاتِ] (١٢٥) وشرط النية العلم بالمنويِّ به، وقوله (مُفْتَقِرٌ إِلَى طُهْرٍ)؛ لو أبدله بقوله: مفتقر إليه؛ كما فعل في الغسل لكان أحسن، لأن المكث في المسجد وقراءة القرآن يتوقفان على طهرِ وهو الغسلُ، ولا يصح الوضوء بِنِيَّةِ استباحتهما.
وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الاِسْتِبَاحَةِ، قلتُ: وكذا نية أداء الوضوء كما صرَّح به في الحاوي الصغير، وهذا ما نص عليه في البويطي أيضًا، دُونَ الرَّفْعِ، لبقاء الحدث، عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، أى في الصحة بنِيَّة الاستباحة؛ والمنعُ بنيَّةِ الرفع،
_________________
(١) جاء نصٌّ يفيد معنى فينظر بحسبه. والذى يُعنى به الفقيه في هذا المقام، ما جاء بسند صحيح عن أبي مالك الأشعري؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: [الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالله أكبَرُ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؛ وَالصَّوْمُ جُنْةٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النْاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أوْ مُوبِقُهَا] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (١/ ٢٢٣). والبيهقى في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: جماع أبواب سُنَّة الوضوء: الحديث (١٨٦).
(٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ]. صحيح البخاري: كتاب بدء الوحي: باب كيف بدأ الوحي: الحديث (١)، وفي كتاب الإيمان: باب ما جاء في العمل بالنية: الحديث (٥٤) وفي كتاب مناقب الأنصار: باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه: الحديث (٢٥٢٩) وفي كتاب النكاح: باب من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى: الحديث (٣٨٩٨) وفي كتاب الأيمان والنذور: باب النية: الحديث (٥٠٧٠) وفي كتاب الحيل: باب في ترك الحيل: الحديث (٦٦٨٩). وصحيح مسلم: كتاب الإمارة: باب (١٥٥/ ١٩٠٧).
[ ١ / ٩٠ ]
والثاني: يجوز الاقتصار على أيهما شاء، لأن نية رفع الحدث تتضمن الاستباحة.
وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه يحصل، وإن لم ينوِه فأشبه ما لو نوى الفرض وتحية المسجد، والثانى: لا، لأنه اشترك بين الفرض وغيره، ومراده بالنية المعتبرة أن يكون ذاكرًا لها سواء كان في أول الوضوء أم في أثنائه، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ فِلاَ الأَصَحَ، لأنه لا يتوقف على نية رفع الحدث، والثاني: نَعَمْ، لتوقف الاستحباب عليه، أمَّا ما لا يُنْدَبُ له الوضوء؛ فلا يصح جزمًا.
وَيَجِبُ قَرْنُهَا بأَوَّلِ الْوَجْهِ، أي بِأوَّل ما يغسل منه لِتَقْتَرِنَ بأَوَّل الفرض كالصلاة، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ، لاقترانها بجزء من الوضوء، والأصح المنع؛ لأنها لم تقترن بفرض، والسنن توابع. ثم محل الخلاف: ما إذا غربت النّيَّةُ قبل غسل الوجه، أما لو استمرت حتى شرع في غسل الوجه جاز وهو الأفضل، وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الأصَحِّ، كما في تفريق أفعاله، والثاني: لا؛ كالصلاة.
الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، أي انغساله بالإجماع، وَهُوَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ رَأسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، أي إلى آخرهما، وَمَا بَيْنَ أذُنَيْهِ، لأن الوجه ما تقع به المواجهة، والمواجهة تقع بما ذكره، وخرج بقوله غالبًا الأصلع، وقال الإمام: لا يحتاج إلى هذا القيد، لأنه منبت وإن انحسر عنه الشعر لسبب، قلتُ: ويستحب غسل الْمَاقَيْنِ بالسبابتين لحديث فيه (١٢٦).
_________________
(١) الْمَأْقَيْنِ: تَثْنِيَةُ مَأْق، بِفَتْحِ الْمِيْمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، وَرُبَّمَا تَرْكُ هَمْزِهِ. وآخِرُهُ قَافٌ مثناة؛ وَهُوَ طَرْفُ العَيْنِ الَّذِي يَلِى الأنْفَ. وَفِي رِوَايَةٍ (مَأْقِيَينِ) بِيَائَيْنِ بعدَ القافِ وهو تثنيةُ مَأَقِي، وهو لغةٌ في الْمَأْقِ. عن شهر بن حوشب عنَ أبى أُمامة [الباهليِّ] قال: وَصَفَ وُضُوءَ رَسُول اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ ثَلاثًا ثَلاَثًا، وَلاَ أَذْكُرُ كَيْفَ ذَكَرَ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ. وَقَالَ: وَالأُذُنَان مِنَ الرَّأسِ، قال: وَكَانَ رَسُولُ اللَهِ - ﷺ - يَمْسَحُ الْمأَقَيْنِ، وَقَالَ بِأُصْبُعَيْهِ؛ وَأَرَانَا حَمَّادُ وَمَسَحَ مَأْقَيْهِ. رواه الأمام أحمد في المسند: ج ١ ص ٢٥٨. ولفظ أبي داود: عن أبي أمامة وذكر وُضُوء النبي - ﷺ - قال: كان رسول اللَه - ﷺ - يمسح المأقين؛ قال: وقال: =
[ ١ / ٩١ ]
فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، لحصول المواجهة به، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الأصَحِّ، لمحاذاته بياض الوجه، ولذلك يعتاد النساء والأشراف تنحية الشعر عنه، لاَ النَّزْعَتَانِ وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ، لأنهما في تدوير الرأس. قُلْتُ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأسِ، وَالله أعْلَمُ، لاتصال الشعر به، وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ، وَحَاجِبٍ؛ وَعِذَارٍ؛ وَشَارِبٍ؛ وَخَدٍّ؛ وَعَنْفَقَةٍ؛ شَعْرًا وَبَشَرًا، كَالسِّلْعَةِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ (•)، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ، كاللِّحية؛ والأصح الوجوب؛ لأن كثافتها نادرة، وَاللِّحْيَةُ، أي من الرجل، إِن خَفتْ كَهُدْبٍ، وَإِلَّا فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، أي ولا يجب غسل باطنها للمشقة، والخفيفة ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب على الأصح، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ، لخروجه عن محل الفرض كالذوآبة من الرأس، والراجح الوجوب لحصول المواجهة به.
_________________
(١) = [الأُذُنَانِ مِنَ الرُّأْس]. سنن أبى داود: كتاب الطهارة: باب صفة وضوء الرسول - ﷺ -: الحديث (١٣٤). والجامع الصحيح للترمذي: كتاب الطهارة: باب ما جاء أنَّ الأذنين من الرأس: الحديث (٣٧). وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة ونيتها: باب الأذنان من الرأس: الحديث (٤٤٤) بلفظ: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْس]، وَكَانَ يَمْسَحُ رَأسَهُ مَرَّةً، وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ. قال الترمذى: هذا حديث حسن، وليس إسنادُهُ بذاكَ القائِمُ. ولكن في نصب الراية: ج ١ ص ١٨: الحديث الثامن من أحاديث الأمر بالمضمضة والاستنشاق: قال الزيلعي: وقال ابن دقيق العيد في الإمام: وهذا حديث معلول بوجهين: أحدهما: الكلام في شهر بن حوشب. والثانى: الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة. وسنان بن ربيعة أخرج له البخاري. وهر وإن كان قد لُيِّنَ فقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن معين: ليس بالقوي، فالحديث عندنا حسن والله أعلم. إ. هـ. وخلاصة الخلاف في الحديث أن إسناده صحيح؛ لاتصاله وثقة رواته. (•) السلعة: المتاع؛ وما يتجر به. وليس هو المراد هنا. والسلعة أيضًا تطلق على زيادة تحدث في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت. أو خراج في العنق، وتكون بأحجام مختلفة من حمصة إلى بطيخة. ينظر مختار الصحاح للرازى، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: مادة (س ل ع).
[ ١ / ٩٢ ]
الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ، بالإجماع، مَعَ مِرْفَقَيْهِ؛ لأن (إلى) في الآية (١٢٧). بمعنى (مع)
_________________
(١) مَبْحَثٌ: دَلَالَةُ (إِلَى) فِي آيةِ الْوُضُوءِ: (إلى) من آية الوُضُوء، قال تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة / ٦]، أما معنى (إلى) في الآية؛ فهو مما اختلف العلماء في تأويله على ثلاثة أقوال: الأول: أن (إلى). بمعنى مع؛ وهو الذي أشار إليه المصنف ﵀ بقوله (لآن إلى في الآية بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ [آل عمران / ٥٢ والصف / ١٤]. وقال غيره: كقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء / ٢]. فقالوا: إن (إلى) هنا. بمعنى مع؛ وهذا محتمل، ولكنه استعمال عرفي ليسر على باب (إلى) في اللغة. والجيدُ أن تحمل في تأويل معناها على بابها. الثاني: أن (إلى) حدٌّ، والحدُّ إذا كان من جنس المحدود دخل فيه، تقول: بعتُكَ هذا الفدَّان من ها هنا إلى ها هنا، فيدخل فيه الحدُّ المفروض؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة / ١٨٧]. فتمام الصيام نهاية حدِّ النهار وبدء حدِّ الليل. فأمر الصيام يقتضي الوجوب من غير خلاف. و(إلى) غاية، فإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقولك: اشتريتُ الفدَّان إلى حاشيته، أو اشتريتُ منك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة- والمبيع شجر، فإن الشجرة داخلة في المبيع. بخلاف قولك: اشتريتُ الفدان إلى الدار، فإن الدار لا تدخل في المحدود إذ ليست من جنسه. فشرط الله تعالى تمام الصوم حتى يتبين الليل، كما جوَّز الأكل حتَّى يتبين النهار، هذا الكلام يجري مع دلالة المفهوم، ويفيد الفقيه في الاستنباط ما لم يرد نص يعين المراد في دلالة السياق لمعنى الحرف. الثالث: أن المرافق حدُّ الساقط لا حدَّ المفروض. وتحقيقه أن قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ يقتضي بمطلقه من الظفر إلي المَنْكِب؛ لأن العرب تطلق اليد على ما يقع على أطراف الأصابع إلى الكتف، وكذلك الرُّجْلُ تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ، فالمرفق داخل تحت اسم اليد، فلو كان المعنى مع الموافق لم يُفد، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ اقتطع من حدِّ المرافق عن الغسل، وأسقط ما بين المنكب والمِرْفَق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا الكلام صحيح يجرى على الأصول لغة ومعنىً، وهو كسابقه من حيث الفائدة للفقيه. =
[ ١ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلتُ: الصحيح في دلالة (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الإضافة؛ والسُّنَّة بيَّنتْ ذلك؛ كما جاء في حديث جابر، وكما جاء في حديث عثمان - ﵁ - قال: (هَلُمُّواْ أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَغَسَلَ وَجْهَهُ؛ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ ثُمَّ أمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) رواه مسلم في الصحيح. والدَّارُقَطْني في السنن؛ وغيره. قال ابن حجر: إسناده حسن. وعلى هذا؛ فإن السُّنَّةَ بَيَّنَتْ المراد الشرعي، فتكون دلالة (إلى) فيه كما أراد الشارع؛ وليس من الضرورة تكلف هذا التفصيل وما ذهب إليه بعض الفقهاء في معنى (إلى) سيما أن السنة بيان لقصد مراد الشارع في الأحكام. والله أعلم. * أما قولهم (إلى) بمعنى (مع) فهو مما لا سبيل لوضع حرف موضع حرف في التأويل على الصحيح، وإنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرف معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف؛ لأن الحرف يدل على معنى بغيره لا بنفسه، أي في دلالة سياق النص، ويأخذ الأصولي دلالته في القواعد من تقريرات السياق كما سيأتي إن شاء الله. * أما قولهم في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال السدي والثوري وغيرهما: المعنى مع الله. قال الحسن: من أنصاري في السبيل إلى الله. وهذا القول على بابها، هو الجيد قاله القرطبي وابن عربي المالكي رحمهما الله. وقيل معناه: مَن أنصاري فيما يُقَرِّبُ إلى الله. * أما تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال القرطبي: قال ابن فورك عن الحسن: تَأَوَّلَ النَّاسُ في هذه الآية النهي الخلط فاجتنبوه مِن قِبَلِ أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة -أي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة / ٢٢٠]- وقالت طائفة من المتأخرين: إنَّ (إلى) بمعنى مع؛ كقَوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ وليس بجيد، وقال الحذاق: (إلى) على بابها وهي تتضمن الإضافة؛ أي لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل. إهـ. فالمعنى: اغسلوا أيديكم مضافة إلي المرافق؛ وقد روى الدَّارقطني عن جابر: أَنَّ النَّبِيّ -ﷺ- لَمَّا تَوَضَّأَ، أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ، فيتحقق هذا المعنى. * قال القرطبي: ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا، كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه؛ ويقول سمعت خليلى - ﷺ - يقول: [يَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ =
[ ١ / ٩٤ ]
كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١٢٨)، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ، أي غسل ما بقي لأنه من اليد، أَوْ مِنْ مِرْفَقَيْهِ فَرَأْسُ عَظْمُ الْعَضُدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه من محل الفرض، والثاني: لا يجب؛ لأن غسل المرفق لما فيه من عظم الذراع وقد زال، أَوْ فَوْقَهُ نُدِبَ بَاقِي عَضُدِهِ، أي غسله كما لو كان سليمًا لتطويل التحجيل.
الرَّابِعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأسِهِ، أَوْ شَعْرٍ في حَدِّهِ، أي حد الرأس؛ لأن المسح في الآية مجمل؛ وهو ينطلق على القليل والكثير، وكل من الشعر والبشرة يصدق عليه اسم الرأس عرفًا؛ إذ الرأس اسم لما رأس وعلا؛ بخلاف الوجه؛ فإنَّه لو غسل بشرته وترك الشعر لم يجزه؛ لأن الوجه من المواجهة وذلك إنما يقع على ظاهر الشعر، وَالأَصَحُّ جَوَازُ غَسْلِهِ؛ لأنه مسح وزيادة، والثاني: لا؛ لأنه مأمور بالمسح،
والغسل ليس بمسح، وَوَضْع الْيَدِ بِلَا مَدٍّ؛ لأن المقصود وصول الماء، ولا نظر لكيفية الاتصال، والثاني: لا؛ لأنه لا يسمى مسحًا.
الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ، للآية (١٢٩).
_________________
(١) الْمُؤمِنِ حَيْثُ بَلَغَ الْوُضُوءُ] قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا يتعدى الوضوء حدوده؛ لقوله ﵊: [فَمَنْ زَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَّمَ]. وقال غيره: كان هذا الفعل مذهبًا له، ومما انفرد به؛ ولم يحكه عن النَّبِيّ -ﷺ-. وإنما اسْتَنْبَطَهُ من قوله ﵊: [أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ] ومن قوله: [تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ] كما ذكر. * ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ٢ ص ٣٢٧ وج ٤ ص ٩٧ وج ٥ ص ١٠ وج ٦ ص ٨٦ - ٨٧ وج ١٨ ص ٩٠، وأحكام القرآن لابن عربي: ج ٢ ص ٥٦٧. أما حديث جابر فرواه الدارقطني في السنن: ج ١ ص ٨٣ وإسناده حسن.
(٢) آل عمران / ٥٢ والصف / ١٤.
(٣) آية الوضوء، من قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة / ٦]. قلتُ: وللحديث عن عبد الله بن زيد أنَّه وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: [فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَكْفأ مِنْهُ عَلَى يَدَيهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًا؛ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا؛ ثُمَّ أدْخَلَ =
[ ١ / ٩٥ ]
= السَّادِسُ: تَرْتِيبُهُ هَكَذَا، للاتباع، وحكمته شرف الوجه؛ ثم بروز اليدين والعمل بهما غالبًا؛ ثم شرف الرأس، وَلَوِ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ، أي بدلًا عن الوضوء".
فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ تَرْتِيبٍ بِأَنْ غَطَسَ وَمَكَثَ صَحَّ؛ لأن الماء يترتب على المنغمس في أوقات لطيفة، وَإِلَّا فَلَا، لفقدان الترتيب. قُلْتُ: الأَصَحُّ الصِّحَّةُ بِلَا مُكْثٍ، وَالله أَعْلَمُ، أي ويقدر الترتيب في لحظات لطيفة.
فَصْلٌ: وَسُنَنُهُ: السِّوَاكُ، لقوله ﵊: [وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ] (١٣٠) وفي رواية [عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ] علَّقَهُ البخاري (١٣١) عَرْضًا، أي عرض الأسنان، فقد قيل: إن الشيطان يستاك طولًا إلاّ في
_________________
(١) يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا؛ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ؛ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً؛ وَاحِدَةَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ] صحيح البخاري: كتاب الوضوء: باب مسح الرأس كله: الحديث (١٨٥) وباب غسل الرجلين إلى الكعبين؛ الحديث (١٨٦) وباب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة: الحديث (١٩١) وباب مسح الرأس مرة: الحديث (١٩٢) وباب الوضوء من النور: الحديث (١٩٩). وصحيح مسلم: كتاب الطهارة: الحديث (١٨/ ٢٣٥) عن عثمان بن عفان.
(٢) سنن النسائي: كتاب الطهارة: باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم: ج ١ ص ١٢، وفي كتاب المواقيت: باب آخر وقت العشاء: ج ١ ص ٢٦٧. وموطأ الإمام مالك: باب ما جاء في السواك: ج ١ ص ٦٦: الحديث (١١٥). وعلق البخاري الرواية: في كتاب الصوم: باب سواك الرطب واليابس للصائم: فاتحة الباب، وذكر الحافظ ابن حجر وصله عند النسائي. ينظر: فتح الباري: ج ٤ ص ٢٠٠.
(٣) (رواية عند كل صلاة) وصلها البخاري؛ لأنه ربما أوهم كلام المصنف بأنها تعليق، وليس كذلك؛ لأن تعليق النص عند البخاري، كما هو في النص السابق [عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ]. أما عند الصلاة: اللفظ لمسلم: وقد وصله البخاري من طريق أبي هريرة: كتاب الجمعة: باب السواك يوم الجمعة: الحديث (٨٨٧) بلفظ [مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ] وفي كتاب التمني: باب ما يجوز من اللّو: الحديث (٧٢٤٠) مختصرًا. وصحيح مسلم: كتاب الطهارة: الحديث (٤٢/ ٢٥٢).
[ ١ / ٩٦ ]
اللسان (١٣٢)، فإن الشيخ تقي الدين، قال في شرح العمدة: إنه ورد منصوصًا في بعض الروايات أن الاستياك فيه طولًا (١٣٣)، بِكُلِّ خَشِنٍ، لحصول المقصود به، نعم: الأفضل الأراك تأسيًا به ﷺ كما أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٣٤)،
_________________
(١) عن عطاء بن رباح قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُواْ عَرْضًا] قال في التحفة: رواه أبو داود في مراسيله، وفيه مع ذلك جهالة، ولعله ينجبر بطرق أُخرٍ موصولة. الحديث ضعيف: ضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير: ج ١ ص ٧٦ - ٧٧: وقال: من طريق عطاء بلفظ [إِذَا شَرِبْتُمْ فَاشْرَبُواْ مَصًّا، وَإِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُواْ عَرْضًا] وفيه مُحَمَّد بن خالد القرشي، قال ابن القطان: لا يُعرف، قلت: وثقه ابن معين] وابن حبان. إ. هـ. قلتُ: أي من طريق عطاء يصحُّ مرسلًا، كما قال ابن الملقن في التحفة. أما من طرق أُخر فإنَّه لا يصح كما قال ابن حجر في التلخيص.
(٢) في تلخيص الحبير: ج ١ ص ٧٧: قال ابن حجر: ورواه أبو نعيم في كتاب السواك من حديث عائشة قالت: [كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتَاكُ عَرْضًا، وَلَا يَسْتَاكُ طُولًا] وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك. إهـ. * أما ما قاله في شرح العمدة، فإنَّه كما قال ورد منصوصًا فقد قال ابن حجر في تلخيص الحبير: أما في اللسان فيستاك طولًا، كما في حديث أبي موسى في الصحيحين، ولفظ أحمد: [وَطَرْفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ يَسْتَنُّ إِلَى فَوْقَ] قال الراوي: كأنه يستن طولًا. * أما حديث أبي موسى - ﵁ -؛ قال: [دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَهِ - ﷺ - وَهُوَ يَسْتَاكُ، وَهُوَ وَاضِعٌ طَرَفَ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ يَسْتَنُّ إِلَى فَوْق]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب السواك: الحديث (٤٥/ ٢٥٤). والنسائي في السنن: كتاب الطهارة: باب كيف يستاك: ج ١ ص ٩. والإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٤١٧، قال: قال حَمَّاد: وَوَصَفَهُ لَنَا غَيْلَانُ، قَالَ: كَانَ يَسْتَنُّ طُوْلًا. إنتهى.
(٣) عن عبد اللَه بن مسعود - ﵁ - قال: [كُنتُ أجْتَنِي لِرَسُولِ اللَهِ - ﷺ - من سِوَاكًا مِنْ أَراكٍ]. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: ج ١ ص ٨٢: وذلك في مسند أبي يعلى الموصلي. وأخرجه ابن حبان، والطبراني أَيضًا، وصححه الضياء في أحكامه، ورواه أحمد موقوفًا على ابن مسعود. إ. هـ. قلتُ: ذاك في مسند الإمام أحمد: ج ١ ص ٤٢٠ - ٤٢١. وأبو نعيم في حلية الأولياء: ج ١ ص ١٢٧ وسنده حسن. قال الهيثمي في (المجمع): ج ٩ ص ٢٨٩: فيه عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقيةُ رجال =
[ ١ / ٩٧ ]
ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنَّه يُحَرِّمُ السواك بما فيه سُمٌّ من العيدان، وأنه يكره بعود الريحان الذي يؤذي، إِلَا أُصْبُعَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تسمى سواكًا، ولا هي في معناه وهذا إذا كانت متصلة، أما إذا انفصلت؛ وقلنا بطهارتها وهو الأصح، فلا يبعد الإجزاءُ بها، وإن كان دفنها على الفور واجبًا، والثاني: يحصل؛ لأحاديث فيه واردة وهو المختار (١٣٥). وقد اكتفى به المصنف والأصحاب في غسل الميت كما سيأتي في بابه. واحترز بإصبعه عن اصبع غيره الخشنة، فإنَّها تجزي قطعًا قاله في الدقائق (١٣٦).
فَائِدَةٌ: في كيفية إمساك السواك ووضعه وقدره وموضعه، قال الترمذي الحكيم: تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته، والبنصر والوسطى والسبابة فوقه، واجعل الإبهام أسفل رأس السواك تحته كذلك السُنَّة فيه، كما روي عن عبد الله بن مسعود [وَلَا تَقْبِضِ الْقَبْضَةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ الْبَوَاسِيْرَ] قال: وَابْلَعْ رِيّقَكَ أَوَّلَ مَا تَسْتَاكُ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ مِنَ الْجَذَامِ وَالْبَرَصِ وَكُلُّ دَاءِ سِوَى الْمَوْتِ؛ ولا تبلع بعده شيئًا فإنَّه يورث الوسوسة، ولا تمص السواك مصًا فإن ذلك يورث العمى، ولا تضع السواك إذا
وضعته بالأرض عرضًا، ولكن اِنْصِبْهُ نَصْبًا فإنَّه يروي عن سعيد بن جببر أنَّه قال:
_________________
(١) أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح. إ. هـ. وحديث ابن مسعود في صحيح ابن حبان: عن زر بن حبيش: أن عبد الله بن مسعود؛ كان يجتنى لرسول الله -ﷺ- سواكًا من آراك. ج ٩ ص ١٢٠: باب ذكر تمثيل المصطفى - ﷺ - طاعات ابن مسعود: الحديث (٧٠٢٩).
(٢) عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: [تَجْزِي مِنَ السِّوَاكِ الأصَابِعُ] وعدَّهُ البيهقي ضعيفًا، وقال: وَكَذَا وَجَدْتُهُ في كِتَابِ عِيسَى بن شُعَيْبٍ: السنن الكبرى: الحديث (١٧٧) وما بَعْدَهُ. قال ابن الملقن في التحفة: ذكره الضياء المقدمي في أحكامه بإسناده؛ وقال: هذا إسناد لا أرى به بأسًا، ثم قال: رواه البيهقي. أما حديث عائشة؛ قال: [فَيُدْخِلُ إصْبِعَهُ فِي فِيهِ فَيَدْلِكَهُ] فضعيف، رواه الطَّبْرَانِي في الأوسط.
(٣) دقائق المنهاج للنووي: ص ٣٤؛ قال: قول المنهاج: (السِّوَاكُ عَرْضًا بِكُلِّ خَشِنٍ إِلَّا أصْبُعَهُ في الأَصَحِّ) فَالتِّقْيِيْدُ بِخَشِنٍ، وَاسْتِثْنَاءُ الأُصْبُعِ مِمَّا زَادَ الْمِنْهَاجُ؛ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: (أُصْبُعَهُ) احْتِرَازٌ مِنْ أَصْبُعٍ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا تَكْفِيْهِ إِذاَ كَانَتْ خَشِنَةً قَطْعًا. إنتهى.
[ ١ / ٩٨ ]
مَنْ وَضَعَ سِوَاكَهَ بِالأرْضِ عَرضًا فَجُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، قال: ولا تزيد في طول سواكك على شبر ولو قدر اصبع فما زاد عليه يركب عليه الشيطان، واقتصر على شبر ودونه؛ فإن ذلك السنة.
وفي البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: [كَانَ السِّوَاكُ مِنْ أُذُنِ النَّبِيّ - ﷺ - مَوْضِعَ
الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ]، (١٣٧) ثم قال رفعه ابن إسحاق: وفعله زيد بن خالد الجهني الصحابي أَيضًا كذلك كما أخرجه التِّرْمِذِي وغيره (١٣٨). وروى الخطيب في كتاب من روى عن مالك عن أبي هريرة -﵁- قال: [كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَهِ - ﷺ - أَسْوِكَتَهُمْ خَلْفَ أَذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُل صَلَاةٍ] (١٣٩).
وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ، أي وإن لم يكن الفم متغيرًا لقوله - ﷺ -: [لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي
لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ] متفق عليه (١٤٠)، وصحَّ من غير طريق الحاكم [رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ] رواه الحميدي بإسناد كل رجاله ثِقَاتٌ (١٤١).
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الطهارة: باب تأكيد السواك: الحديث (١٥٨).
(٢) في الجامع الصحيح: كتاب أبواب الطهارة: باب ما جاء في السواك: الحديث (٢٢)، ثم قال الترمذي: وروى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي - ﷺ -. وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي - ﷺ - كلاهما عندي صحيح.
(٣) عن صالح بن كيسان؛ أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يروحون والسواك على أذانهم ينظر: الكتاب المصنف؛ لابن أبي شيبة: النص (١٧٩٤).
(٤) رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجمعة: باب السواك يوم الجمعة: الحديث (٨٨٧). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب السواك: الحديث (٤٢/ ٢٥٢) واللفظ لمسلم ولفظ البخاري: [مَعَ كُلِّ صَلَاةِ].
(٥) ورواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (١٦٠) موصولًا عن طريق ابن إسحاق من رواية يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن عائشة، ورواته: ثِقات، إلا أن البيهقي خاف من تدليس ابن إسحاق. وكذا رواه من وجهين ضعيفين. قلت: رواه أبو نعيم من حديث =
[ ١ / ٩٩ ]
وإذا ضممت إلى ذلك قوله -ﷺ-: [صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ] (١٤٢)
الحديث- كانت صلاة الجماعة بسواك بألف وثمانمائة وتسعين ويتضاعف ذلك بالفضل في القراءة والخشوع وكمال الطهارة وغير ذلك من الأمور المطلوبة في الصلاة مما لا يحصيه إلاّ الله تعالى وإذا ضم إلى ذلك رواية أبي داود [الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْريْنَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةٌ]، (١٤٣) وصححها ابن حبان والحاكم؛ زادت المضاعفة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم والحديث المذكور قال على أن السواك أفضل من صلاة
الجماعة؛ لأن الفضل الوارد فيه أكثر من فضلها وفيه وقفةٌ.
فَرْعٌ: لا يبعد استحبابه للطواف وسجدة التلاوة والشكر والجنازة أَيضًا.
وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، لقوله - ﷺ -[السِّواك مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ] علقه البخاري (١٤٤)، قلتُ: ويتأكد أَيضًا لقراءة القرآن؛ واصفرار الأسنان؛ ولدخول منزله؛ وعند نومه
_________________
(١) ابن عباس، ومن حديث جابر. وإسناد كلُّ منهما جيد، قاله المنذري في الترغيب. ثم أن الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج ١ ص ٩٨؛ قال: رواه البَزَّار (بسند عن عائشة ﵂) ورجاله موثوقون.
(٢) الحديث عن ابن عمر ﵄: رواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة: الحديث (٢٤٩/ ٦٥٠). وتمامه: [أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً].
(٣) الحديث عن أبي سعيد الخدري رواه ابن حبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: كتاب الصلاة: باب الإمامة والجماعة: الحديث (٢٠٥٣). والحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (٧٥٣/ ٨٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٤) الحديث عن أم المؤمنين عائشة ﵂: رواه الشافعي في الأم: ج ١ ص ٢٣: باب السواك. وإسناده صحيح. وأخرج البيهقي له طرقًا عن أم المؤمنين في السنن الكبرى: جماع أبواب السواك: الحديث (١٣٦ - ١٤٠). وعلْقهُ البخاري في الصحيح: كتاب الصوم: باب سواكِ الرَّطب واليابس: في فاتحة الباب. وهو موصول في رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان كما قال ابن حجر في الفتح: ج ٤ ص ٢٠٠.
[ ١ / ١٠٠ ]
واستيقاظه، واعْلَم: أن السواك سُنَّة مطلقًا، ويتأكد في المواضع المذكورة، وَلاَ يُكْرَه إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لقوله - ﷺ -: "لَخلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، متفق عليه؛ إلاّ [يَوْمَ القِيَامَةِ] فلمسلم (١٤٥). وإطلاق هذا الحديث مخصوص بحديث جابر بن عبد الله أن النبيَّ - ﷺ - قال: [أُعْطَيِتْ أُمَّتِي فِي رَمَضَانَ خَمْسًا وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يَمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ] رواه الحسن بن سفيان في مسنده وقال السمعاني في أماليه حديث حسن (١٤٦). والمساء بعد الزوال، قلتُ: ونزول الكراهة بالغروب على الأصح، كما يُفهمه كلامه أيضًا.
فَرْعٌ: يسنُّ السواك باليمين لما رواه أبو داود عن عائشة قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَنَعْلِهِ] زاد أحد رواته [وَسِوَاكِهِ] (١٤٧) وهي فائدة جليلة.
قال الترمذي الحكيم: الاستياك باليسار من فعل الشيطان قال: ولا ينظر في السواك ولا يستاك بطرفي السواك ولا بسواك غيرك وإن غسلته، فعن ابن عمران: [مَنِ اسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ فَقَدَ الحِفْظَ وَلاَ تَضَعِ السِّوَاكَ حَتَّى تَغْسِلَهُ] فعن الحسن: أن الشيطان يَسْتَاكُ بِهِ إِذَا لَمْ تَغْسِلْهُ؛ وَاكْبِسْ رِيقَكَ بَعْدَ السِّوَاكِ بِالتُّرَابِ أَوْ تُطَهِّرَهُ بِالْمَاءِ تَضَعْهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الأَبْرَارِ وَلِئَلاَّ يَلْعَبَ بِهِ الشَّيْطَانُ.
_________________
(١) رواه البخاري في الصحيح في مواضع عديدة: منها: كتاب الصوم: باب فضل الصوم: الحديث (١٨٩٤) وباب هل يقولُ إني صائم: الحديث (١٩٠٤). ومسلم في الصحيح: كتاب الصوم: باب فضل الصيام: الحديث (١٦٣/ ١٨٥١). وهو كما قال ابن الملقن ﵀.
(٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان: باب الصوم: فضل شهر رمضان: الحديث (٣٦٠٣): ج ٣ ص ٣٠٣.
(٣) سنن أبي داود: كتاب اللباس: باب في الانتعال: الحديث (٤١٤٠)، الراوى هو مسلم بن إبراهيم. ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب: الرقم (٦٨٨٧) وهو ثقة مأمون، متقن صدوق كثير الحديث.
[ ١ / ١٠١ ]
وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلُهُ، فَإِنْ تَرَكَ، أي عمدًا أو سهوًا، فَفِي أَثْنَائِهِ، كما في الأكل (١٤٨)، وَغَسْلُ كَفْيْهِ، أي إلى كوعيه (١٤٩)، وهذا الاستحباب ليس لأجل الحدث، بل لتوقع الخبث وإن بَعُدَ قاله الإمام (١٥٠)، فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا، كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَباءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا، للأمر به في الحديث الصحيح، ولا تزول الكراهة إلاّ بغسلهما ثلاثًا (١٥١)، كما نصَّ عليه في البويطي والأصحاب وإنما لم تزل بالأُولَى، وإن كان تيقن طهارة يده بها، لأن الثانية والثالثة مكملة لمعناها، فالتطهير المقصود وإن لم
يتم، فإن تيقن الطهارة فلا كراهة، واحترز بالاناء عن البركة ونحوها، والإناء المراد؛ إناء فيه دون قلتين.
وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، للأتباع (١٥٢)، وعدم وجوبهما يدل عليه قوله عَلَيْهِ
_________________
(١) عن أنس بن مالك؛ قال: نظرَ أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - وَضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوهُ؛ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: [هَا هُنَا] فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ؛ ثُمَّ قَالَ: [تَوَضَّؤُاْ بِسْمِ اللهِ]، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَالْقَوْمُ يَتَوَضَّؤُنَ، حَتَّى تَوَضَّؤُا عَنْ آخِرِهِمْ. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: جماع أبواب سُنَّة الوضوء: باب التسمية: الحديث (١٩٢) وقال: هذا أصَحُّ مَا فِي التَّسْمِيَةِ.
(٢) اَلْكُوعُ: أو الكَاعُ؛ هو العظم الذي في مَفْصِلِ الكَفِّ، يلي الإبهامَ، وأمَّا الذي يلي الخِنْصَر فَكُرْسُوْعٌ؛ بضمِّ الكافِ؛ والْمَفْصِلُ؛ رُسْغٌ ورُصْعٌ. ينظر: دقائق المنهاج للنووى: ص ٣٤.
(٣) لحديث عثمان - ﵁ -؛ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ [أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِمَاءٍ؛ فَتَوَضَّأَ؛ فَأَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى؛ ثُمَّ غَسَلَهُمَا إِلَى الْكُوْعَيْنِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب صفة وضوء النبي - ﷺ -: الحديث (١٠٩). ورواه البيهقي في السنن الكبرى: باب صفة غسلهما: الحديث (٢١٥).
(٤) لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: [إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ؛ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ؛ حَتَّى يَغْسِلَهُمَا ثَلاَثًا، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب الاستجمار وترًا: الحديث (١٦٢). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضئ يده المشكوك في نجاستها في الإناء: الحديث (٨٧/ ٢٧٨).
(٥) لحديث عبد الله بن زيد الأنصاري؛ [أنه وصف وضوءَ رسول الله - ﷺ -؛ فَدَعَا بِمَاءٍ =
[ ١ / ١٠٢ ]
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ للمسئ صلاته [أنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ] حسنهُ الترمذي وصححه الحاكم (١٥٣)، وَالأَظْهَرُ أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، لحديث فيه ولم يضعفه أبو داود، ثُمَّ الأَصَحُّ، أي على هذا القول، يَتَمَضْمَضُ بِغَرْفَةٍ ثَلاَثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلاَثًا، أي حتى لا ينتقل إلى عضو إلَّا بعد كمال ما قبله (١٥٤)، والثاني: بسِت غرفات؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ،
_________________
(١) فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًا؛ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًا". رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب مسح الرأس كله: الحديث (١٨٥) وباب غسل الرجلين إلى الكعبين: الحديث (١٨٦). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب في وضوء النبي: الحديث (١٨/ ٢٣٥).
(٢) رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود: الحديث (٨٥٨). والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب أبواب الصلاة: باب ما جاء في وصف الصلاة: الحديث (٣٠٢) وقال: حديث حسن، ولفظه مقارب لما حكاه ابن الملقن ﵀. والحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (٨٨١/ ٢٠٨)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٣) هو حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جدَّه (كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن كعب) قالَ: "دَخَلْتُ؛ يَعْنِي؛ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ وَالْمَاءُ يَسِيْلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاْسْتِنْشَاقِ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق: الحديث (١٣٩). وعلى ما يبدو أن أبا داود لم يضعفه بسبب ترجح وجهه عنده في الخلاف، أو كما قال ابن حجر في التهذيب: قلتُ: في الحديث المذكور أنه قال: رأيت النبي - ﷺ - يتوضأ. فإن كان جدُّ طلحة بن مصرف فقد رجَّح جماعة أنه كعب بن عمرو؛ وجزم ابن القطان بأنه عمرو بن كعب؛ وإن كان طلحة المذكور ليس ابن مصرف فهو مجهول؛ وأبوه مجهول، وجده مجهول ولا يثبت له صحبة؛ لأنه لا يعرف إلا في هذا الحديث. ينظر: تهذيب التهذيب: ج ٦ ص ٥٧٧: الرقم (٥٨٣٩). قلتُ: وعلى ما يبدو أن أبا داود رجّح أنه طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب، فجده، وطلحة هذا له ترجمة في تهذيب التهذيب: (٣١١٦) وهو ثقة. ثم له قرينة من فعل الصحابة ما جاء عن شقيق بن سلمة - ﵁ - قال: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ ﵄ تَوَضَّأَ ثَلاَثًا =
[ ١ / ١٠٣ ]
لقوله - ﷺ - للقيط ابن صبرة: [أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي
الاِسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا] صححه الترمذي (١٥٥) وغيره وفي رواية صحيحة كما قاله ابن القطَّان: [إِذَا تَوَضُّاْتَ فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا] (١٥٦)؛ قُلْتُ: الأَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلاَثِ غُرَفٍ: يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَالله أَعْلَمُ، هو الذي صحَّت به الأحاديث.
قال الشيخ عزُّ الَدِّينِ: وَقُدِّمَتِ المضمضةُ على الاستنشاق لشرف منافع الفم على منافع الأنف، فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محل الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ، بالإجماع (١٥٧)، وَالْمَسْحِ؛ لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَسَحَ
_________________
(١) ثَلاَثًا؛ وَأَفْرَدَ الْمَضْمَضَةَ مِنَ الاِسْتِنْشَاقِ؛ ثم قالا: هكذا توضأ رسول الله - ﷺ -. قال ابن حجر في التلخيص: ج ١ ص ٩٠: وأنكره ابن الصلاح في كلامه على الوسيط قلتُ: روى أبو علي بن السكن في صحاحه من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة فهذا صريح في الفصل؛ فبطل إنكار ابن الصلاح. ثم حكى روايات كثيرة تعضد رواية طلحة.
(٢) الجامع الصحيح للترمذي: كتاب الصوم: باب ما جاء في كراهية مُبَالغة الاستنشاق: الحديث (٧٨٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب في الاستنثار: الحديث (١٤٢). والحاكم في المستدرك: كتاب الطهارة: الحديث (٥٢٢/ ٧٧) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.
(٣) في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج: ج ١ ص ١٨٤: الحديث (٧٥)؛ قال ابن الملقن: وفي رواية للحافظ أبي بشر الدولابي في جمعه لحديث الثوري: (الحديث) قال ابن القطان: إسناده صحيح.
(٤) لِحَدِيثِ عَطاء بن زَيْد: أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ: دَعَا بِإِنَاءٍ فَأفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرفَقَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكَعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ بِشَىْءٍ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا: الحديث =
[ ١ / ١٠٤ ]
رَأْسَهُ ثَلاَثًا، رواه أبو داود، وقال البيهقي في خلافياته: إسنادُه قد احتجا بجميع رواته غير عامر ابن شقيق ابن سلمة، قال الحاكم: لا أعلم في عامر طعنًا بوجه من الوجوه (١٥٨)، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ، كما في عدد الركعات.
وَمَسْحُ كُلَّ رَأْسِهِ، خروجًا من الخلاف، ثُمَّ أُذُنَيْهِ، أي بماء جديد للاتباع؛ كما رواه الحاكم وصححهِ، وكذا البيهقي (١٥٩)، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ، أو لم يرد نزعها؛ أي ونحوها كالقلنسوة والْخِمَارِ، كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، للاتباع كما أخرجه مسلم (١٦٠)
_________________
(١) = (١٥٩). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله: الحديث (٣/ ٢٢٦) والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: الحديث (٢٤٥) وقال: ورَوِّيْنَاهُ في ذلك عن عليِّ بن أبي طالب - ﵁ - وعبد الله بن زيد عن النبي - ﷺ -.
(٢) في سنى أبي داود: كتاب الطهارة: باب صفة وضوء النبي - ﷺ -: الحديث (١٠٨)، قال أبو داود: أحاديث عثمان - ﵁ - الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا؛ وقالوا فيها: ومسح رأسه؛ ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره. إنتهى، ثم في الحديث (١١٠) بسنده عن عامر بن شقيق بن جَمْرَة، عن شقيق بن سلمة قال: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلاَثًا ثَلاَثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلاَثًا، ثم قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَ هَذَا! قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: توضأ ثلاثًا فقط. أما عامر بن شقيق بن جمرة الأسدي الكوفي، ذكره ابن حبان في [الثقات] وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، صحح الترمذي حديثه في التخليل، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (٣١٧٦).
(٣) عن عبد الله بن زيد - ﵁ - قال: [رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ مَاءً لأُذُنَيْهِ خِلاَفَ الْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ]. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب الطهارة: الحديث (٥٣٨/ ٩٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وفي لفظ أخر [أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ أُذُنَيْهِ غَيْرَ الْمَاءِ الَّذِى مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ]. أما رواية البيهقي: [أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لأُذُنَيْهِ مَاءً خِلاَفَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ] وقال: هذا إسناد صحيح: ينظر: السنن الكبرى: ج ١ ص ١١٤: الحديث (٣٠٩).
(٤) لحديث المغيرة بن شعبة قال: تَخَلْفَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَتَخَلفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ =
[ ١ / ١٠٥ ]
ونقل المصنف في شرح المهذب عن الأصحاب استحباب ذلك سواء كان ذلك لعذر أو لغيره (١٦١).
قُلْتُ: ولا يجزي الاقتصار على العمامة عن الرأس عند أكثر العلماء كما حكاه الخطابي وغيره (١٦٢)، ولكن في البخاري أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفيْهِ، وفي مسلم أَنُّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ (١٦٣)، وقال ابن حزم: ستَّة من الصحابة رووا ذلك عن النبي - ﷺ - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، المغيرة وبلال وسلمان وعمر وابن أمية وكعب بنُ عُجَرَةَ وأبو ذر، وبهذا يقول جمهور الصحابة والتابعين، وقد قال الشافعي: إن صح الخبر فيه أقول به؛ قال: وقد صح الخبر فهو قوله، قُلْتُ: أجاب أصحابنا بأن هذه الأحاديث وقع فيها اختصار، والمراد
_________________
(١) قَالَ: [هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟] فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفِّيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ؛ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ؛ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الجُبَّةِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِنَاصِيِتَهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفيْهِ الحديث: السنن الكبرى (٢٦٧)، رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة: الحديث (٨١/ ٢٧٤).
(٢) المجموع شرح المهذب للنووى: ج ١ ص ٤٠٧.
(٣) قول الخطابي: (وأَبَى المسح على العمامة أكثر الفقهاء، وتأوَّلوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه يقتصر على مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره ولا ينزع عمامته من رأسه ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة كالمفسر له إلى أن قال: فلا يترك الأصل المتيقن وجوبه بالحديث المحتمل) معالم السنن للخطابى: شرح حديث ثوبان: باب المسح على العمامة: ج ١ ص ١١١.
(٤) في صحيح البخاري: عن جعفر بن عمرو عن أبيه: [رَأَيْتُ النَّبَيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ]: كتاب الوضوء: باب المسح على الخفين: الحديث (٢٠٥). وعند مسلم: في الصحيح فضلًا عن حديث المغيرة السَّلف؛ قال: "وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بنَاصِيتهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ]، فلحديث بلال أيضًا، عن كعب بن عجرة عن بلال: [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالخِمَارِ]، وفي طريق إسناد أخر قال [رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ] كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة: الحديث (٨٤/ ٢٧٥).
[ ١ / ١٠٦ ]
مسح الناصية والعمامة بدليل رواية المغيرة مسح بناصيته وعلى العمامة، أخرجها مسلم؛ ورواية بلال أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مسح على الخفين وبناصيته وعلى العمامة؛ قال البيهقي: إسنادها حسن (١٦٤).
وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، للاتباع كما صححه الترمذي وغيره (١٦٥)، وكذا ما في معناها كالعارض، واستثنى المتولي في تتمته في كتاب الحج من تخليل اللحية الكثة الْمُحْرِم، وعلَّلَه بأن التخليل سُنَّة، ونَتْفُ الشعر حرام ويخاف منه المنتف، وَأَصَابِعِهِ، لحديث لقيط السالف، قُلْتُ: وفي الدارقطني بإسناد جيد من حديث عثمان؛ تثليث التخليل، ينبغي استحبابه (١٦٦).
وَتَقْدِيمُ اَلْيُمْنَى، أي يدًا ورجلا للاتباع، والحكمة فيه التيمن إذ اليمين مأخوذة من اليُمن وهو حصول الخير، والشمال تسمى الشوما، أما الكَفَّان والخَدَّان فيطهران
_________________
(١) هو حديث مسح بعض الرأس رواه مسلم؛ كما سبق في التعليق (٨٠) و(٨٣).
(٢) عن عثمان بن عفان - ﵁ -: [أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ" رواه الترمذي في الجامع: كتاب الطهارة: باب ما جاء في تخليل اللحية: الحديث (٣١). وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبان في صحيحه: الحديث (١٠٧٨). والحاكم في المستدرك: الحديث (٥٢٧/ ٨٢) وقال: هذا إسناد صحيح، وقد تقدم القول في عامر بن شقيق. ينظر الرقم (١٥٤).
(٣) حديث لَقِيط بنُ صَبَرَة السَّالف الذكر في التعليق (٧٩)، وله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلَّلِ الأَصَابِعَ]. رواه الترمذي في الجامع: الحديث (٣٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح. أما حديث عثمان - ﵁ -؛ فلعله ﵀ قصد ما جاء عن شقيق بن سلمة قال: رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلاَثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ثَلاَثًا، وَغَسَل ذِرَاعَيْهِ ثَلاَثًا الحديث: رواه الدارقطني في السنن: باب دليل تثليث المسح: الحديث (٢): ج ١ ص ٩١. والاختلاف على عامر بن شقيق، قد حُسم آنفًا. ثم قلت: لما جاء عن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: [إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ] رواه الترمذى في الجامع: كتاب الطهارة: باب ما جاء في تخليل الأصابع: الحديث (٣٩) وقال: حسن غريب، قال ابن الملقن في التحفة: قال الترمذي في علله: سألت البخاري عنه فقال: حسن.
[ ١ / ١٠٧ ]
دفعة واحدة وكذا الأذنان على الأصح (١٦٧).
وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ، وَتَحْجِيلِهِ، للحث على ذلك؛ وهما غسل ما فوق الواجب من الوجه واليدين والرجلين (١٦٨).
وَالْمُوَالاَةُ، خروجًا من الخلاف، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ، أي إذا طال التفريق وكان بغير عذر؛ لأنه عبادةِ يبطلها الحدث فأبطله التفريق الكثير كالصلاة إذا طوّل الركن القصير عامدًا، وفرق الجديد بأن الصلاة يبطلها التفريق اليسير عامدًا ولا يبطل الوضوء إجماعًا.
وَتَرْكُ الاِسْتِعَانَةِ، لأَنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ (١٦٩)، وَالنَّفْضِ؛ لأنه كالْمُتَبَرِّئِ
_________________
(١) لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: [وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُاْ بِمَيَامِنِكُمْ] رواه أبو داود في السنن: كتاب اللباس: باب في الانتعال: الحديث (٤١٤١). وابن ماجه في السنن: كتاب الطهارة: باب التيمن في الوضوء: الحديث (٤٠٢).
(٢) عن أبي هريرة - ﵁ -؛ عن رسول الله - ﷺ - قال: [إنِّ أُمِّتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ استَطَاعَ مِنكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَل] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء: باب فضل الوضوء والغر المحجلون: الحديث (١٣٦). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (٣٥/ ٢٤٦).
(٣) لحديث عائشة ﵂ قالت: يَا رَسُولَ اللهِ! يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ؛ وَأَصْدُرُ بِنُسُكِ وَاحِدٍ؟ قال: [انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ، فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيْمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِيْنَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا -أَيِ الْعُمَّرَةُ- عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِك أَوْ نَصَبِكِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب العمرة: باب أجر العمرة على قدر النصب: الحديث (١٧٨٧). ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام: الحديث (١٢٦) من الباب. والشاهد في المسألة قوله ﵊ [وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ] شكٌّ من الراوى. قال النووي ﵀: (هذا ظاهر في أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثر النصب والنفقة، والمراد النَّصَبُ الذي لا يَذُمُّهُ الشرع وكذا النفقة) المنهاج شرح صحيح مسلم: ج ٧ ص ٤٠٢، وعقَّبَ عليه ابن حجر في الفتح بقوله: (وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطرد، فقد يكون بعض العبادة أخف من بعض؛ وهو أكثر فضلًا وثوابًا بالنسبة إلى الزمان كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، =
[ ١ / ١٠٨ ]
من العبادة (١٧٠)، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ؛ لأنه أثر عبادة فكان تركه أَوْلَى، والثانى: أنه مكروه كإزالة الخلوف، والثالث: أنه مباح وهو قوي (١٧١).
وَيقُولُ بَعْدَهُ: [أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهرِينَ، سُبْحَانَكَ
_________________
(١) وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره ) فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٣ ص ٧٨٠. وسيأتى الكلام فيه، في كتاب النذور إن شاء الله. وأما ما جاء من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -؛ قال: إنى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَقِي مَاءً لِوُضُوئِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعِيْنَهُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: [إِنِّي لاَ أُحَبُّ أَنْ يُعِيْنَنِي عَلَى وُضُوئِي أَحَدٌ]. قال ابن الملقن في التحفة: رواه البزار بإسناد ضعيف، وقال: لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار وفيه أبو الجنوب ضعيف: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج ١ ص ٢٢٧: باب في الاستعانة على الوضوء. وقد صحَّت أحاديث في صبِّ الماء على يدي رسول الله - ﷺ -، رواها البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: باب الرجل يوضئ صاحبه: الرقم (٣٩٠ و٣٩١) عن أسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة ﵄.
(٢) قلتُ: ليس كذلك؛ لما جاء في حديث ميمونة: [ثم تنحى فَغَسَل قَدَمَيْهِ؛ ثُمَّ أُتِيَ بمنديلٍ، فلم يَنْفُضْ بها] وفي لفظ [فأتيتهُ بِخُرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنفُضُ بِيَدِهِ] وفي لفظ [فناولتُهُ ثَوْباَ فَلَم يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيهِ]، عن ابن عباس عن خالته ميمونة: البخاري في الصحيح: كتاب الغسل: الحديث (٧ و١٦ و١٨). ومسلم في الصحيح: كتاب الحيض: باب صفة غسل الجنابة: الحديث (٣٧/ ٣١٧). وأما حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: " إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَاَشْرِبُواْ أَعْيُنَكُمْ مِنَ الْمَاءِ؛ وَلاَ تَنْفُضُواْ أَيْدِيَكُمْ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ] فهو حديث ضعيف لا يُحتجُّ به، قال ابن الملقن: رواه ابن أبي حاتم في علله، وابن حبان في تاريخه وَوَهَّيَاهُ.
(٣) لحديث ميمونة ﵂ السالف: وفي شرحه الحديث من صحيح مسلم: ج ٣ ص ٢٣٦: قال النووى: وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث، وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه. قال: فإذا كان النفض مباحًا، كان التنشيف مثله وأُوْلى لاشتراكهما في إزالة الماء والله أعلم.
[ ١ / ١٠٩ ]
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" الأحاديث صحيحة في الحث على ذلك، وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأعْضَاءِ إِذْ لاَ أَصْلَ لَهُ، قلت: لا بل له طرق ضعيفة وفضائل الأعمال يتسامح فيها، وهي موضحة في تخريجي لأحاديث الرافعى والوسيط (١٧٢).