تَجِبُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ فِي الأَظْهَرِ، لأنها مضافة فِي الحديث إلى الفطر من رمضان وهو حديث ابن عمر [فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ] متفق عليه (٩٤٣)، والثاني: أنها تجب بطلوع الفجر؛ لأنها قربة متعلقة بالعيد فلا يتقدَّمُ وقتها على العيد كالأضحية، والثالث: أنها تجب بمجموع الوقتين لتعلقها بالفطر والعيد جميعًا، ثم فَرَّعَ على الراجح فقال: فَتُخْرَجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ
الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ، وعلى الثاني: ينعكسُ الحكمُ، وعلى الثالث: لا وجوب فيهما.
وَيُسَنُّ أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنْ صَلاَتِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أمر بها [أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى] متفق عليه (٩٤٤).
وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَما عَنْ يَوْمِهِ، لأنه قد ورد: [أُغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ] (٩٤٥) ويلزمه قضاؤها مع ذلك لخروجها عن الوقت، وَلاَ فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ،
_________________
(١) رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الزكاة: باب صدقة الفطر على العبد: الحديث (١٥٠٤). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر: الحديث (١٢/ ٩٨٤).
(٢) عن ابن عمر ﵄؛ قال: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيْرِ وَالْكَبِيْرِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ). رواه البخاري فِي الصحيح؛ كتاب الزكاة: باب فرض الصدقة للفطر: الحديث (١٥٠٣). ومسلم في الصحيح: كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر: الحديث (١٣/ ٩٨٤).
(٣) حديث: [أُغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ] قال ابن الملقن فِي خلاصة البدر المنير: كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر: الحديث (١٠٨٣): رواه الدارقطني بحذف عن =
[ ١ / ٤٩٥ ]
أي أَصْلِيٍّ بالاجماعِ؛ وفي المرتدِّ الأقوال فِي ملكه، إِلاَّ فِي عَبْدِهِ، أي بإرثٍ ونحوه، وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ، أي فإنها تجب عليه بناءً على من وجبت فطرته على غيره وجبت على الْمُؤَدِّي عنه ويتحملها المؤدي، والثاني؛ لا، بناء على أنها وجبت على المؤدي ابتداء.
وَلاَ رَقِيقٍ، لعدم ملكه أو ضعفه، وَفِي الْمُكَاتَبِ وُجْهٌ، أنها تجب عليه فِي كسبه كنفقته، وقيل: على سَيِّدِهِ لأنه مِلْكُهُ، والأصحُّ: لا وجوب عليهما، وهذا فِي الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة فتجب على سيده جزمًا، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ قِسْطُهُ، لأن الفطرةَ تتبعُ النفقةَ وهي مشتركة، وهذا إذا لم تُجْرِ مُهَايَأَةٌ بينه وبين السيِّدِ، فإن جرت فتختصُّ بمن وقع زمن الوجوب فِي نوبته، ونسب الماوردي إلى الجمهور خلافه وقال: إنه أظهرُ.
فَرْعٌ: حكمُ العبدِ المشترك حكم المبعَّضِ.
وَلاَ مُعْسِرٍ، بالإجماع؛ ثم حَدَّهُ بقولهِ: فَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ شَيْءٌ فَمُعْسِرٌ، وإنما اعتبر الفضل عن القوت؛ لأنه لا بُدَّ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، كما فِي الكفَّارَةِ بجامع الطُهرةٍ ويشترط كونهما لاَئِقيْنِ بِهِ (٩٤٦)، والثاني: لا؛ والفرقُ أنَّ الكفَّارة بدلًا
_________________
(١) الطلب والحاكم فِي علوم الحديث والبيهقي بلفظ: [اغْنُوهُمْ طَوَافَ هَذَا الْيَوْمِ] كلهم من رواية ابن عمر. وفي إسناده أبو معشر المديني وهو ضعيف. قال البيهقي: غيره أوثق منه. إهـ. قُلْتُ: هو كما قال: رواه الدارقطني فِي السنن: كتاب زكاة الفطر: الحديث (٦٧) من الكتاب: ج ٢ ص ١٥٢ - ١٥٣. والحاكم فِي معرفة علوم الحديث: ذكر النوع الحادي والثلاثين من علوم الحديث: ص ١٣١. والبيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الزكاة: باب وقت إخراج زكاة الفطر: الحديث (٧٨٣٢). وقال ابن الملقن فِي تحفة المحتاج: الحديث (٩٤٧): قُلْتُ: بَلْ هُوَ وَاهٍ.
(٢) لحديث ابن عباس ﵄؛ قال: (فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ؛ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ؛ =
[ ١ / ٤٩٦ ]
تنتقل إليه بخلاف الفطرة فهى كالدَّيْنِ ولا شك أنه يشترط كونه فاضلًا أيضًا عن دست ثوب يلبسه دون الدَّيْنِ على الأشبه فِي الشرح الصغير، وأما الحاوي الصغير فجَزَمَ بالاشتراط وهو ما نقل عن الإمام الاتفاق عليه.
وَمَنْ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ لَزِمَهُ فَطْرَةُ مَنْ تلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أى بسبب زوجيَّةٍ أو قرابةٍ أو مِلْكٍ إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم، والإجماع قائم على أن الفطرة تجب على الغير بسبب الغير فِي الجملة، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ الْعَبْدِ؛ وَالْقَرِيبِ؛ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، أي وإن وجبت نفقتهم بناء على التحمل وَلاَ الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، أي حُرَّةً كانت أو أمَةً وإن كان ينفق عليها من كسبه، لأنه ليس أهلًا لِلتَّحَمُّلِ عن
زكاة نفسه فكيف يتحمل عن غيره، وَلاَ الاِبْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، أي وإن وجبت نفقتها عليه، وَفِي الإِبْنِ وَجْهٌ، كالنفقة، وأجاب الأول: بأن فَقْدَ النفقة يمكنها من الفسخ فيحتاج الابن إلى تزويجه بخلاف فقد الفطرة.
وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ أَوْ كَانَ عَبْدًا؛ فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ فِطْرَتُهَا، أى إذا كانت موسرة، وَكَذَا سَيِّدُ الأَمَةِ، فِي الأَصَحِّ (•)، بناءً على أن الوجوب يلاقي المؤدّي عنه ابتداءًا ويتحمله المؤدي، والثاني: لا تجب عليها بناء على مقابله. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لاَ يَلْزَمُ الْحُرَّةَ، وَالله أَعْلَمُ، أى ويلزم سيِّد الأَمَة لكمال تسليمها نفسها؛ بخلافه الأَمَة بدليل المسافرة والاستخدام ولا تستقر على الزوج المعسر بخلاف النففة (٩٤٧).
_________________
(١) وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةً مِنَ الصَّدَقَاتِ). رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر: الحديث (١٦٠٩). وابن ماجه فِي السنن: كتاب الزكاة: باب صدقة الفطر: الحديث (١٨٢٧). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الزكاة: الحديث (١٤٨٨/ ٦٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه؛ ووافقه الذهبي قال: على شرط البخاري. (•) فِي الأصح. فِي نسخة (٣) فقط.
(٢) الأصل فِي كل ما تقدم من زكاة الفطر عمن يكون فِي رعاية المزكي، حَدِيْثَي ابن عمر=
[ ١ / ٤٩٧ ]
فَرْعٌ: العبد إذا كان لبيت المال أو موقوفًا على مسجد لا فطرة فيهما على الصحيح، أو مُعَيَّنٍ وقُلنا: الْمِلْكُ للهِ؛ وَهُوَ الأَصَحُّ فتجبُ نفقتهُ لا محالة، والأصح فِي الروضة لا فطرة، فتسثنى هذه من القاعدة السالفة.
وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ الْعَبْدِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إخْرَاجِ فِطْرَتِهِ، لأنها لحقِّ الْمِلْكِ وهو لا يزول اتفاقًا، فِي الْحَالِ، أى بخلاف المال الغائب، لأنَّ الْمُهْلَةَ ثَمَّ شُرِّعَتْ لِمَعْنَى النَّمَاءِ وهو غير معتبر هنا، وَقِيلَ: إِذَا عَادَ، كزكاة المال، وَفِي قَوْلٍ: لاَ شَيْءَ، لأنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ؛ وهذا القول مخرَّجٌ من عدم اجزائه فِي الكفَّارةِ، وهو المذهب احتياطًا لما ذكر الرافعي فِي كتاب الفرائض فِي الكلام على أرث المفقود أن زوجة المفقود إذا قُسِّمَ ماله؛ لها أن تنكِحَ على ما أفهمه كلام الأئمة، قال: فعلى هذا؛ فالعبد المنقطع خبره بعد هذه المدة أي وهي المدة التي تغلب على الظن أنه لا يعيش بعدها، لا تجب فطرته ولا تجزى عنه الكفارة قطعًا، وموضع القولين ما قبل ذلك، أما إذا لم ينقطع خبره وكان فِي طاعته، فإن فطرته تجب وإن كان آبقًا، فالمذهب الوجوب فيه، وطرد فيما إذا حيل بينه وبين زوجته وقت الوجوب، وَالأَصَحُّ أَنَّ مَنْ أَيْسَرَ ببَعْضِ صَاعٍ يَلْزَمُهُ، للقدرة، والثاني: لا، كبعض الرقبة فِي الكفارة، والأول فَرَّقَ: بَأن الفطرة لا بَدَلَ لها بخلاف الكفَّارة.
فَرْعٌ: لو وَجد بعض مُدٍّ ففيه احتمالٌ للإمام.
وَأَنْهُ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصِّيعانِ قَدَّمَ نَفْسَهُ، اهتمامًا بها، ثُمَّ زَوْجَتَهُ، لأن نففتها آكد بدليل أنها لا تسقط. بمضيِّ الزمان، ثُمَّ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، لأن نفقته تثبت بالنص (٩٤٨) وفطرته تثبت بالإجماع، ثُمَّ الأَبَ، لأن نفقته فِي صغره قد تجب على
_________________
(١) ﵄، وقد تقدما فِي أول الباب. ثم مارواه البيهقي عن ابن عمر ﵄؛ قال: (أَقَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيْرِ وَالْكَبِيْرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تُمَوِّنُونَ). رواه فِي السنن الكبرى: كتاب الزكاة: باب إخراج زكاة الفطر: الحديث (٧٧٧٩)، وقال: إسناده غير قوي؛ والله أعلم.
(٢) لحديث جابر بن عبد الله ﵄ فِي قصة المدبر الذي باعه النبي - ﷺ - ودفع =
[ ١ / ٤٩٨ ]
أبيهِ دون أُمِّهِ فكانت نفقة أبيهِ آكَدُ من نفقة أُمِّهِ، ثُمَّ الأُمَّ، لقوة حرمتها بالولادة، ثُمَّ الْكَبِيرَ، واعلم أنه قدَّم هنا الأبَ على الأم وخالف فِي النفقات، وفرَّق فِي شرح المهذب بينهما بأن النفقة لسد الخلة والأم أحوج والفطرة للتطهير والشرف، والأبُ أولى به، ومقابل الأصح من كلام المصنف تسعة أوجه فراجعها من الشرح.
وَهِيَ صَاعٌ، لحديث ابن عمر السالف فِي أول الباب؛ وهو خمسة أرطال وثلث تقريبًا كما نقله فِي الروضة وشرح المهذب عن الدارمي، وخالف فِي رؤوس المسائل فقال: إنه تحديد، وَهُوَ سُتُّمَائَةِ دِرْهَمٍ وَثَلاَثَةٌ وَتُسْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثٌ، كذا قاله الرافعي بناء على أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهمًا، والمصنف صحح خلافه كما سبق فِي باب زكاة النبات فلذلك اعترض عليه فقال: قُلْتُ: الأَصَحُّ سِتْمَائَةِ وَخَمْسٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ لِمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَجِنْسُهُ الْقُوتُ الْمُعَشَّرُ، أي الذي يجب فيه العشر وهو البر والشعير والتمر والزبيب وما أشبهها، بعضها بالنص وبعضها بالقياس بجامع القوت، وَكَذَا الأَقْطُ فِي الأَظْهَرِ، لثبوته فِي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري (٩٤٩) وينبغي القطع
_________________
(١) ثمنه إلي مدبره، ثم قال له: [إِبْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلَأهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ فَلِذِي قَرَابَتِكَ؛ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِى قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا] يَقُولُ بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِيِنْكَ وَعَنْ شِمَالِكَ. رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الزكاة: الحديث (٤١/ ٩٩٧). والنسائي فِي السنن: باب أيُّ الصدقة أفضل: ج ٥ ص ٦٩ - ٧٠. وتفسيرهُ، حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [تَصَدَّقُواْ] فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الِله عِنْدِي دِيْنَارٌ؛ قَالَ: [تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ] قَالَ: عِنْدِي آخَرٌ. قَالَ: [تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ] قَالَ: عِنْدِي أخَرٌ. قَالَ: [تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ] قضالَ: عِنْدِى آخَرٌ. قَالَ: [تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ] قَالَ: عِنْدِي آخَرٌ. قَالَ: [أَنْتَ أَبْصَرُ]. رواه أبو داود فِي السنن: الحديث (١٦٩١). والنسائي فِي السنن: ج ٥ ص ٦٢.
(٢) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - يقولُ: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيْبٍ). رواه البخاري فِي =
[ ١ / ٤٩٩ ]
به، والثاني: لا، لأنه لا عُشر فيه، والأصح: أن اللبن والجبن فِي معناه، والأشبه أن هذا فيمن يقتَاتُهُ، وأنه لا فرق بين الحاضر والبادي فِي ذلك، وإذا جوزنا إخراج الأقط فلا يجزي إخراج المملح الذي أفسدَ كثرةُ الملح جوهرهُ؛ لأنه معيبٌ.
فَرْعٌ: الأقوات النادرة كالقت لا تجزي قطعًا.
وَيَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، كالكفارة، والصواب: أن المرادَ قُوْتُ السَّنَةِ لاَ قُوْتَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: مِنْ قُوتِهِ، لأنها تابعة له، والاعتبار بحاله وقيل: بما يأكل منه، وَقِيلَ: يَتَخَيرُ بَيْنَ الأَقْوَاتِ، لظاهر حديث أبي سعيد السالف صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعر، وأجاب الأول بأن (أو) فيه للتنويع، وَيُجْزِىُء الأَعْلَى عَنِ الأَدْنى، لأنه زاد خيرًا، وَلاَ عَكْسَ، لما فيه من الأضرار بالمستحقين،
وَالإعْتِبَارُ، أى فِي الأعلى والأدنى، بِالْقِيمَةِ فِي وَجْهٍ، رفقًا بالمساكين، وَبِزِيَادَةِ الاِقْتِيَاتِ فِي الأَصَحِّ، فَالبُرُّ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ وَالأَرُزِّ، لأنه المقتات غالبًا، وَالأَصَحُّ أَنَّ الشَّعِيرَ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ، لأنه أبلغ فِي الاقتيات، وَأَنَّ التَّمْرَ خَيْرٌ مِنَ الزَّبِيبَ، لما قلناه، والثاني: أن التمر خيرٌ منهما، لأن الغالب أن قيمته أكثر، والصواب: تقديم الشعر على الزبيب.
وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتِهِ وَعَنْ قَرِيبِهِ أَعْلَى مِنْهُ، كما لو كان عليه كفارتان فأطعم عشرة وكسى عشرة يجزيه عنهما قطعًا، وَلاَ يُبَعَّضُ الصَّاعُ، أي المخرج عن الشخص الواحد؛ لأنه واجب واحد فلا يتبعض كالكفارة الواحدة، وَلَوْكَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لاَ غَالِبَ فِيهَا تَخَيَّرَ، وَالأَفْضَلُ أَشْرَفُهَا، لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٩٥٠).
فَرْعٌ: لو كانوا فِي بلد لا قوت لهم فيها؛ أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم،
_________________
(١) الصحيح: كتاب الزكاة: باب صدقة الفطر صاعًا من طعام: الحديث (١٥٠٦). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الزكاة: الحديث (١٧/ ٩٨٥).
(٢) آل عمران / ٩٢.
[ ١ / ٥٠٠ ]
فإن استوى بلدان تَخَيَّرُوا الأفْضَلَ الأعْلَى.
وَلَو كَان عَبدُه بِبَلَدٍ آخَرَ؛ فَالأصَحُّ: أن الاعتِبَارَ بِقوتِ بَلَدِ العبدِ، بناء على أنها وجبت على العبد ثم تحملها السيد والشيء لا يُتحمل إلا كما وجب، والثاني: الاعتبار بقوت بلد السيد بناءً على أنها وجبت عليه ابتداءً. قلت: اَلوَاجِب الْحَبُّ السلِيم، أي فلا يجزي الدقيق والسويق؛ لأنه بدل ولا مُدخل للبدل في الزكوات، واحترز بالسليم عن المعيب بسوس ونحوه.
وَلَو أخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطرَةَ وَلَدِهِ الصغِيرِ الغَنِي جَازَ، لأنه مستقل بالتمليك له؛ فكأنه ملكه ذلك ثم تولى الأداء عنه بما ملكه، كَأجْنَبِي أذن، كما لو قال لغيره إقْضِ دَيني؛ فإن لم يأذن فلا يجزيه قطعًا، لأنها عبادة، فلا تسقط عن المكلف بها بغير إذنه، بخلاَفِ الكبيرِ، أي فإنها لا تقع عنه إلّا بإذنه، لأنه لا يستقل بتمليكه، وقيدهُ في شرح المهذب بالرشيد وهو ظاهر، وسواء الأب والجد والمجنون والصبي، أما الوصيُّ فإنه لا يجوز له ذلك إلا بإذن القاضى خلافًا للماوردي.
وَلَوِ اشتَرَكَ مُوسرٌ وَمُعسِرٌ في عَبدٍ، أي والمعسر محتاج إلى خدمته، بحيث لا يكلف بيعه كما سلف، لَزِمَ المُوسِرَ نِصْفُ صاعٍ، أي إذا كانت حصته منه النصف مثلًا إذ هو قدر حصته، وَلَو أَيسَرَا، أي كلًا منهما، وَاخْتلَفَ وَاجِبُهما، أي لاختلاف قوت بلدهما، أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصفَ صَاع مِن وَاجِبِهِ فِي الأصَح، وَالله أعلَمُ، لأنهما إذا أخرحا هكذا؛ أخرج كل واحد منهما ما لزمه من جنس واحد، والثاني: يخرجان من أدنى القوتين دفعًا للضرر عن المُزكيين، والثالث: يخرجان من أعلاهما حذرًا من التنويع مع النظر للمساكين، والرابع: من قوت بلد العبد لأنه طهرة له، وهذا هو الأصح؛ لأن الأصح: أن المخرج متحمل كما سلف، وقد: نبّهَ على ذلك الرافعي بعد أن صحح؛ كما صحح المصنف؛ وحذفه من الروضة وليس بجيِّدٍ منهُ.
[ ١ / ٥٠١ ]