النَّقْدُ: ضِدُّ الْعَرْضِ فَيَشْمَلُ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ.
نِصَابُ الْفِضَّةِ مَائَتَا دِرْهَمٍ، وَالذَّهَبُ عُشْرُونَ مِثْقَالًا، بالإجماع، بِوَزْنِ مَكَّةَ، لقوله - ﷺ -: [الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ وَالْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ] رواه أبوداود والنسائي بإسناد حسن صحيح (٩٢٦)، والدرهم هنا وزنه ستة دوانق، كل عشرة منها سبع مثاقيل، وَزَكاَتُهُمَا رُبْعُ عُشْرٍ، لقوله - ﷺ -: [وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ] رواه البخاري (٩٢٧)، وهي الفضُّة، وقيل: والذَّهبُ أيضًا وقوله - ﷺ -: [وَفِي كُلِّ أَرْبَعِيْنَ دِيْنَارًا دِيْنَارٌ] رواه ابن حبان والحاكم (٩٢٨)، ويجب فيما زاد على النِّصَابِ بحسابه وإن
_________________
(١) (•) فِي هامش النسخة (٣): بلغ مقابلةً.
(٢) الحديث عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال النبي - ﷺ -: [الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ؛ وَالْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب البيوع: قول النبي - ﷺ -[المكيال]: الحديث (٣٣٤٠). والنسائي فِي السنن: كتاب الزكاة: باب كم الصَّاع: ج ٥ ص ٥٤.
(٣) هو شطر من حديث أنس الطويل فِي الصحيح: كتاب الزكاة: باب زكاة الغنم: الحديث (١٤٥٤). وَالرِّقَةُ؛ قال ابن حجر: (بِكَسْرِ الرَّاءِ وتخفيفِ القَافِ؛ الْفِضَّةُ الْخَالِصَةُ سواءٌ كانت مَضْرُوبَةً أوْ غَيرَ مَضْرُوبَةٍ، قيل: أَصلهَا الوَرِقُ، فحذفت الواوُ وعُوِّضَتِ الهَاءُ؛ وقيل: يطلق على الذهب والفضَّة بخلاف الوَرِقِ، فعلى هذا، قيل: إنَّ الأصلَ فِي زكاةِ النقدينِ الفِضَّةُ فإذا بلغ الذهبُ ما قيمته مائتا درهم فِضَّةً خَالِصَةً وجبتْ فيه الزَّكَاةُ، وهو رُبْعُ الْعُشْرِ، وهذا قولُ الزهريِّ وخالفهُ الجمهورُ): من الفتح: ج ٣ ص ٤٠٩.
(٤) رواه ابن حبان فِي الإحسان: باب كتب النبي - ﷺ -: ذكر كتبة المصطفى - ﷺ - كتابه إلى =
[ ١ / ٤٨٣ ]
قَلَّ؛ صرح به فِي المحرر، وهذا بخلاف الماشية، لأنه يؤدي إلى التشقيص وسوء المشاركة، وَلاَ شَيْءَ فِي الْمَغْشُوشِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا، لقوله - ﷺ -: [وَلاَ فِي أَقَلِّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ،] رواه البخاري (٩٢٩).
وَلَوِ اخْتَلَطَ إِنَاءٌ مِنْهُمَا، أي من الذهب والفضة ستمئة من أحدهما وأربعمئة من الآخر، وَجُهِلَ أَكْثَرُهُمَا؛ زُكِّيَ الأَكْثَرُ ذَهَبًا وَفِضَّةً، لخروجه عن العهدة بيقين، وذلك بأن يزكي ستمئة من كلٍّ ولا يكفيه أن يقدر الأَكْثَرُ ذَهَبًا، فإنَّ الذهب لا يجزي عن الفضة وإن كان خيرًا منها، أَوْ مُيِّزَ، أي ليبرأ أيضًا بيقين وذلك إما بالسبك أو بالماء كما أوضحته فِي الكبير فراجعه.
وَيُزَكِّى الْمُحَرَّمُ مِنْ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ، بالإجماع، لاَ الْمُبَاحُ فِي الأَظْهَرِ، لأنه مُعَدٌّ لاستعمالٍ مباحٍ. فأشبه العوامل مِن الإبل والبقر، والثاني: أن الزكاة تجب فيه لحديث فيه وادعي نسخه (٩٣٠).
فَرْعٌ مُسْتَثْنَى: لو كان له حُلِيٌّ مباحٌ فمات ولم يعلم به وارثهُ حتى مضى حول وجبت زكاته؛ لأنه لم يَنْوِ إمساكه للاستعمال، وفيه احتمال لوالد الروياني.
فَمِنَ الْمُحَرَّمِ الإِنَاءُ، أي للرجال والنساء لما تقدم فِي الطهارة، وَالسِّوَارُ؛ وَالْخَلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ، لأنهُ يُنَافِي شَهَامَتَهُ (٩٣١)، فَلَوِ اتَّخَذَ، الرجل، سِوَارًا بِلاَ
_________________
(١) أهل اليمن: ج ٨ ص ١٨١. والحاكم فِي المستدرك: كتاب الزكاة: الحديث (١٤٤٧/ ٢١) حكاه بطوله: وصححه.
(٢) رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الزكاة: باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة: الحديث (١٤٥٩).
(٣) لحديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: [مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزَكِّي، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الزكاة: باب الكنز ما هو؟: الحديث (١٥٦٤). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الزكاة: الحديث (١٤٣٨/ ١١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي.
(٤) • قلتُ: وأصل النهى لحديث النهي عن تشبه الرجال بالنساء؛ لحديث ابن عباس =
[ ١ / ٤٨٤ ]
قَصْدٍ، أي استعمال مباح لا محرم ولا كنز، أَوْ بِقَصْدِ إِجَارَتِهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ فَلاَ زَكَاةَ فِي الأَصَحِّ، أما فِي الأُولى: فلحصول الصياغة، والظاهر كونها للاستعمال وإفضاؤها إليه، وأما فِي الثانية: فكما لو اتخذهُ لِيُعِيْرَهُ ولا أثرَ للأُجرة كأجرة الماشية العوامل، والثاني: يجب، أما فِي الأُولى: فلعدم القصد، وأما فِي الثانية: فلأنه مُعَدٌّ للنماءِ فأشبه ما لو اشترى حُلِيًّا ليتجر فيه، وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ، أي بحيث يمنع الاستعمال، وَقَصَدَ إِصْلاَحَهُ، أي فلا زكاة فِي الأصح، وإن تمادت عليه أحوال لدوام صورة الحُلي وقصد الإصلاح، والثاني: تجب لتعذر الاستعمال، فإن لم يقصد إصلاحه بل قصد جعله تِبْرًا أو دراهم انعقد الحول عليه من يوم الانكسار، وإن لم يقصد هذا ولا ذاك، فأَولى الوجهين الوجوب فِي الشرح الصغير؛ والأظهر فِي الكبير: المنع.
وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ، لقوله - ﷺ -: [أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيْرُ لإِنَاثِ
أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا] (٩٣٢)، إِلاَّ الَأنْفَ، أي لمن جدع أنفه وإن أمكن اتخاذه من فضة لأن الذهب لا يصدأ، ولقصة عرفجة الصحيحة فيه (٩٣٣)، وَالأُنْمُلَةَ وَالسِّنَّ،
_________________
(١) ﵄؛ عن النبي - ﷺ -: [أَنَّهُ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ؛ وَالمُتَشَبِّهِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب اللباس: باب لباس النساء: الحديث (٤٠٩٧). • وكذلك لحديث أبى هريرة - ﵁ - قال: [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَعَنَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ]. رواه الإمام أحمد فِي المسند: ج ٢ ص ٣٢٥. وأبو داود فِي السنن: الحديث (٤٠٩٨).
(٢) عن أبي موسى الأشعري؛ رواه الإمام أحمد فِي المسند: ج ٤ ص ٣٩٤ و٤٠٧. والنسائى فِي السنن: كتاب الآنية: باب تحريم الذهب على الرجال: ج ٨ ص ١٦١. والترمذي فِي الجامع: كتاب اللباس: باب ما جاء فِي الحرير والذهب: الحديث (١٧٢٠)، وقال: حديث حسنٌ صحيح.
(٣) عن عبد الرحمن بن طرفة؛ أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدٍ قَالَ: (أُصِيْبَ أَنْفِي يَوْمَ الْكُلاَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتْخَذْتُ أَنْفًا مِنْ وَرقٍ، فَانْتَنَ عَلَي. فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَتخِذَ=
[ ١ / ٤٨٥ ]
لأنهما فِي معنى الأنف، لاَ الأُصْبَعَ، لأنها لا تعمل فهو مجرد زينة بخلاف الأُنْمُلَةِ فإنه يمكنُ تحريكها، وَيَحْرُمُ سِنُّ الْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيحِ، وهو قول الأصحاب، ومقابله احتمال للإمام، وقال فِي الكفاية: الأكثرون على التحريم، وفرضه فِي سِنٍّ وَسِنَّيْنِ ولا يختص بهما وشَبَّه الأصحاب ما يمسك الفص بسن الحيوانِ.
وَيَحِلُّ لَهُ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاَتَمُ، بالإحماع (٩٣٤)، وَحِلِيَّةُ آلاَتِ الْحَرْبِ كاَلسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ، بكسر الميم وكذا أطراف السهام والدرع والخف ونحوها، لأنه يغيظ الكفار (٩٣٥)، لاَ مَا لاَ يَلْبَسُهُ كَالسَّرْج وَاللِّجَامِ فِي الأَصَحِّ، لأنه تحلية للفرس لا للفارس، والثاني: نعم كالسيف، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ، لأنه تَشَبُّةٌ بالرِّجالِ، وفيه وجه للشاشي لأن لها لبسه للحرب فلها تحليته، وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، للخبر السالف قريبًا، وَكَذَا مَا نُسِجَ بِهِمَا فِي الأَصَحِّ، كالحلى لأنه لباس حقيقي، والثاني: التحريم، لما فيه من زيادة السرف والخيلاء.
وَالأَصَحُّ تَحْرِيمُ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّرَفِ، أي فِي كلِّ ما أبحناه، كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مَائَتَا دِينَارٍ، لأن المباح لهن ما يتزين به ولا زينة فِي ذلك، والثاني: لا يحرم كما لا
_________________
(١) أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ). رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الخاتم: باب ما جاء فِي ربط الأسنان بالذهب: الحديث (٤٢٣٢). والترمذي فِي الجامع الصحيح: كتاب اللباس: باب ما جاء فِي شد الأسنان بالذهب: الحديث (١٧٧٠)، وقال: حديث حسن غريب.
(٢) لحديث أنس وابن عمر - ﵄ -؛ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ). حديث أنس رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب العلم: باب ما يذكر فِي المناولة وكتاب أهل العلم إلى البلدان: الحديث (٦٥). وحديث ابن عمر رواه فِي كتاب اللباب: باب خواتيم الذهب والفضة: الحديث (٥٨٦٥). ورواهما مسلم فِي الصحيح: كتاب اللباس: الحديثين (٦١/ ٢٠٩٤) و(٥٤/ ٢٠٩١).
(٣) لحديث أنس - ﵁ -؛ قال: (كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ فِضَّةٍ وَقَبِيْعَةُ سَيْفِهِ فِضًّةٌ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ حِلَقُ فِضَّةٍ). رواه النسائي فِي السنن: كتاب الزينة: باب حلية السيف: ج ٨ ص ٢١٩.
[ ١ / ٤٨٦ ]
يحرم على الأصح اتخاذ خلاخل كثيرة وأساور لِيُلْبَس الواحد بعد الواحد، والمبالغة فِي السرف تَبِعَ فِي اعتبارها الْمُحَرَّر، والذى فِي الروضة تبعًا للشرح اعتبار السرف من غير قيد المبالغة، وَكَذَا إِسْرَافُهُ فِي آلَةِ الْحَرْبِ، أي فإنه يحرم على الأصح.
وَجَوَازُ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِفِضَّةٍ، أي لكل أحد إكرامًا له، والثاني: لا كالأواني، وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ، كالحلية، والثاني: يجوز له أيضًا تعظيمًا للقرآن، والثالث: لا مطلقًا لنهى ورد فيه، والرابع: يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه، أما تحلية غلافه بالذهب فحرام قطعًا، لأنه ليس حلية للمصحف وخرج بالمصحف سائر الكتب، وأشار الغزالي إلى مجئ وجه فيها.
وَشَرْطُ زَكاَةِ النَّقْدِ الْحَوُلُ، كما فِي المواشى (٩٣٦)، وَلاَ زَكاَةَ فِي سَائِرِ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ، لأنه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ، وَالأَصْلُ أَنْ لاَ زَكَاةَ حَتَّى يَرِدَ النَّصُّ.