بَابٌ: أي باب سجود التلاوة والشكر، تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ: أما مطلوبيتها فإجماع، وأما عدم الوجوب فلقول عمر: (إِنَّ الله لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) (٥٠٣)، ولا يقوم الركوع مقام هذه السجدة عندنا خلافًا للخطابي، وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: مِنْهَا سَجْدَتَا (اَلْحَجَّ)، لحديث عمرو بن العاص أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-[أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ
_________________
(١) تقدم لها الرقم (٣٧٣).
(٢) عن ربيعة بن عبد الله قال: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرأَ بِهَا؛ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ؛ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَد أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ - ﵁ -. وزاد نافع عن ابن عمر - ﵁ -: [إِنَّ الله لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب سجود القرآن: باب من رأى أن الله لم يوجب السجود: الحديث (١٠٧٧).
[ ١ / ٢٦٣ ]
سَجْدَتَانِ]، رواه أبو داود والحاكم (٥٠٤) وعدها في الحديث خمس عشر لأجل ﴿ص﴾ فإن السجود مشروع لها بالشرط الآتي، ومواضع السجدات معروف (٥٠٥)؛ واختلف في ثلاثة منها كما ذكرته في الشَّرْحِ، وأهملتُ رابعًا وهو ما ذكره ابن التين في شرح البخاري أن سجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٥٠٦) هي عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب تفريع أبواب السجود: الحديث (١٤٠١). والحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (٨١١/ ١٣٨) وقال: هذا حديث رواته مصريون قد احتج الشيخان بأكثرهم وليس في عدد سجود القرآن أتم منه ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(٢) ١. الأعراف / ٢٠٦: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. ٢. والرعد / ١٨: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ٣. والنحل / ٤٩ - ٥٠: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ٤. والإسراء / ١٠٧: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدً﴾.٥. ومريم / ٥٨: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾. ٦. والحج / ١٨: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. ٧. والحج / ٧٧: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ٨. والفرقان / ٦٠: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. ٩. والنمل / ٢٥ - ٢٦: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.١٠. والسجدة / ١٥: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.١١. وفصلت / ٣٧: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ١٢. والنجم / ٦٢: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُو﴾. ١٣. والإنشقاق / ٢١: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾. ١٤. والعلق / ١٩ ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
(٣) الانشقاق / ١.
[ ١ / ٢٦٤ ]
الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٥٠٧) أواخر السورة، وحكاه ابن الحاجب في مختصره أَيضًا فقال: والانشقاق آخرها، وقيل: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ وزاد موضعًا خامسًا فقال ﴿ص﴾ و﴿أناب﴾ (٥٠٨)، وقيل: ﴿مئاب﴾ (٥٠٩)، وعن النقاش أن عند أبي حنيفة ويَمان بن رِئاب سجدة عند قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٥١٠) وهذا غريب وقد حكاه القرطبي أَيضًا (٥١١)، والقديم أنها إحدى عشرة بإسقاط سجدات المفصل لحديث فيه ضعيف (٥١٢)، لاَ ﴿ص﴾، بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ، أي لله تعالى على قبول توبة داود ﵇، لحديث ابن عباس [سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا] رواه النسائي (٥١٣)، ويقوي إرساله بقول رَاوِيْهِ في البخاري (٥١٤).
تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لأنهُ ﵊ سَجَدَهَا مَرَّةً عَلَى الْمِنْبَرِ
_________________
(١) الانشقاق / ٢١.
(٢) ص / ٢٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
(٣) ص / ٢٥. قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
(٤) الحجر / ٩٨.
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى: ج ١٠ ص ٦٣.
(٦) هو حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄؛ قال: [لَمْ يَسْجُدْ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ بَعْدَمَا تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ] وفي لفظ: [سَجَدَ فِي النَّجْمِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ترَكَهَا] ومدار الحديث على الحارث بن عبيد أبي قدامة الأيادي البَصْرِيّ وقد ضعفه يحيى بن معين وحدَّثَ عنه عبد الرَّحْمَن بن مهدي؛ قاله البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (٣٨٠٤ و٣٨٠٥).
(٧) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي -ﷺ- سجد في ص وقال: [سَجَدَهَا دَاوُودُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا] رواه النسائي في السنن: باب سجود القرآن: ج ٢ ص ١٥٩ وإسناده صحيح.
(٨) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: [ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا] رواه البخاري في الصحيح: كتاب سجود القرآن: باب سجدة ص: الحديث (١٠٦٩).
[ ١ / ٢٦٥ ]
كما رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم (٥١٥)، ويدخل في إطلاق المصنف مشروعية السجود لها في الطواف وهو الظاهر وإن لم أرَ من صرح به، وَتَحْرُمُ فِيهَا عَلَى الأَصَحِّ، كغيرها من سجود الشكر، فعلى هذا إن فعله عامدًا عالمًا بالتحريم بطلت، أو ناسيًا أو جاهلًا فلا يسجد للسهو، والثاني: لا يحرم؛ لأن سببها التلاوة بخلاف غيرها من سجود الشكر (٥١٦).
وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، للاتباع، نعم: لا سجود لقراءة الجنب والسكران كما قاله القاضي في فتاويه، وإذا سجد المستمع مع القارئ فلا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء وله الرفع من السجود قبله، قاله في الروضة، وحاصل كلام القاضي: أنَّه لا يجب، ولكن يجوز، وَتَتَأكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارئِ، أي وإن كان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده على الأصح. قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَالله أَعلَمُ، أي وهو الذي لم يستمع بل سمع من غير قصد إلَّا أنَّه لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع، أما
أصل الاستحباب فلقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٥١٧) دخل
_________________
(١) حديث أبي سعيد الخُدرِي - ﵁ -؛ أَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ الله - ﷺ - ص وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا آخَرَ قَرَأهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَهيَّأ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: [إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيَّ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تَهيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ] فَنَزَلَ وَسَجَدَهَا. رواه أبو داود في السنن: الحديث (١٤١٠). والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (٢٨٤٤) وقال: هذا الحديث حسن الإسناد صحيح. والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب ذكر ما يستحب للمرء أن يسجد: ج ٤ ص ١٨٨: الحديث (٢٧٥٤). والحاكم في المستدرك: كتاب الجمعة: الحديث (١٠٥٢/ ٢٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
(٢) على ما يبدو لي أَنَّ الأَوْلَى بعبارته أن تكون على النحو الآتي: تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، عند تلاوة آيتها لأنه ﵊ سجدها ، وَتَحْرُمُ فِيهَا، أي تبطلها كغيرها من سجود الشكر، عَلَى الأَصَحِّ، لمن فعله عامدًا عالمًا بالتحريم. أما الجاهل والناسي فلا تبطل صلاته لعذره، ولا يسجد للسهو لعذره أَيضًا.
(٣) الانشقاق / ٢١.
[ ١ / ٢٦٦ ]
فيه السامع والمستمع ومن لم يَسْمَع أَيضًا وإن تناوله الإطلاق أَيضًا فهو خارج بالاتفاق، وإن عَلِمَ ذلك برؤية الساجدين ونحوه، وأما عدم التأكيد فلقول ابن عباس [اَلسَّجْدَةُ لِمَنِ اسْتَمَعَ لَهَا] رواه البيهقي وعَلَّقَهُ البخاري عن عثمان وعمران (٥١٨).
وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أي في محل القراءة، سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، أي سجد كل منهما لقراءة نفسه كما سبق؛ ولا يسجدان لقراءة غيرهما؛ لأنه يكره لهما الاصغاء لها، أما إذا قرأها في الركوع أو السجود فلا يسجد بخلاف ما إذا قرأها قبل الفاتحة، ويستثنى صلاة الجنازة؛ فلا يسجد فيها قطعًا إذا قرأ آية سجدة فيها ولا بعدها على الأصح، وَالْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، أي فقط فلو سجد لقراءة نفسه أو غيره أو لقراءة إمامه كغيره لكن عند سجوده بطلت صلاته للمخالفة، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ أَوِ انْعَكَسَ، أي بأن سجد هو دُون إمامه، بَطَلَتْ؛ صَلاتُهُ، لما فيه من المخالفة، وقيل: لا تبطل في الثَّانية حكاه مجلي وقد فهم من كلام المصنف: أنَّه لا يكره للإمام قراءة آية سجدة وهو كذلك، وقد صح ذلك من فعله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ في السِّرية (٥١٩).
_________________
(١) رواه البيهقي عن ابن عباس بلفظ: [إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا] في السنن الكبرى: الأثر (٣٨٧٤)، ومرسلًا عن سعيد بن المسَّيب قال: [إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا]: الأثر (٣٨٧٥)، وعن عثمان بن عفان - ﵁ -: [إِنَّمَا السَّجْدَةُ- عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا وَأَنْصَتَ] ولفظ عثمان كما في تعليق البخاري: [إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا]. وأثر عمران، قيل له: الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا؟ قال: أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا؟ كأنه لا يوجبه عليه. قال ابن حجر؛ أثر عثمان وصله عبد الرَّزّاق بسنده عن ابن المسيِّب، وابن أبي شيبة بسنده أَيضًا، والطريقان صحيحان. وأثر عمران بن حصين إسناده صحيح. ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: كتاب سجود القرآن: باب من رأى أن الله لم يوجب السجود: شرح الحديث (١٠٧٧).
(٢) لحديث ابن عمر ﵄؛ [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَرَأَ ﴿تنزيل﴾ السَّجْدَة] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (٨٠٧). والحاكم في المستدرك: الحديث (٨٠٦/ ١٣٣) بلفظ: [أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - صلى الظهرَ فَظَنَنْا أَنَّهُ قَرَأَ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَة] وقال: هذا حديث صحيح على شرط =
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أي أراد السجود، نَوَى، للحديث المشهور، وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ، للاتباع كما أخرجه أبو داود بإسناد حسن (٥٢٠)، رَافِعًا يَدَيهِ، أي كما في تكبيرة الإحرام، ولا يستحب أن يقوم ثم يكبر على الأصوب في الروضة، ثُمَّ لِلْهَوِيِّ بِلَا رَفْع وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَرَفَعَ مُكبِّرًا وَسَلَّمَ، أي بعد القعود، وكل ذلك كما في الصلاة، وقوله (كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ) أي في جميع ما سبق هناك، ويؤخذ منه الاقتصار على سجدة واحدة لأن التقدير سجدة كسجدة الصلاة، وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ
شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لما سبق، والمراد بالشرط هنا ما لا بد منه، والثاني: أنها سُنَّة وهو المنصوص، وصححه الغزالي؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراده حتَّى يكون له تحرّم، ولهذا قال أبو جعفر الترمذي: لا تشرع فيه هذه التكبيرة أصلًا، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الأَظْهَرِ، قياسًا على التحرّم، والثاني: أنَّه لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة، والأصح من زوائد الروضة: أنَّه لا يستحب التشهد، وسكتَ المصنفُ عن النية؛ والمعروف وجوبها، ونقل الرافعي عن الوسيط: أنها لا تجب؛ ثم
قال: وهو متأيدٌ بقول الشَّافعيّ، وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، وحكاه في النهاية وجهًا، وقال: كَانَ شَيْخِي لا يَذكُرُ غَيْرَهُ وَنَصُّ الشَّافِعِي يُوَافِقُهُ.
وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، أي كالطهارة وغيرها؛ لأنها صلاة في الحقيقة، كذا علله صاحب المهذب والبحر، ويشترط أَيضًا دخول وقت السجود بأن يكون قد قرأ
_________________
(١) الشيخين ولم يخرجاه أو هو سُنْةٌ صحيحة غريية أن الإمام يسجد فيما يُسِرُّ بالقراءة مثل سجوده فيما يعلن. ووافقه الذهبي.
(٢) لحديث ابن عمر ﵄؛ قال: [كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب: الحديث (١٤١٣) وقال: قال عبد الرَّزّاق: وكان الثَّوريّ يعجبه هذا الحديث. وقال أبو داود: يعجبه لأنه كبَّر. ورواه الحاكم في المستدرك: الحديث (٨٠٨/ ١٣٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسجود الصَّحَابَة لسجود رسول الله -ﷺ- خارج الصلاة سُنْة عزيزة. ووافقه الذهبي في التلخيص.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الآية أو سمعها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة، ولو بحرف واحد، لم يجز؛ صَرَّحَ به في شرح المهذب، ومقتضاه أن سماع الآية بكاملها شرط في القراءة حتَّى لا يكفي سماع كلمة السجدة فتنبه له. قُلْتُ: ويشترط أيضًا الكف عن المفسدات كالكلام والأكل والفعل فإن المصنف لم يعدّها هناك من الشروط.
وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا، أي في الصلاة، كَبَّرَ لِلْهَوّي وَللرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، أي فيهما معًا كما في صلب الصلاة. قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلاِسْتِرَاحَةِ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه زيادة في الصلاة لم يرد فعلها، وَيقُولُ: سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، للاتباع إلاّ أنى لم أرَ في روايته لفظة و(صوَّره) ولهذا حذفها المصنف في تحقيقه، قال الغزالي رحمه الله تعالى: يدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها وهو حسن، ونحى نحوه صاحب البحر، وقال المصنف في تحقيقه يسبّح ويدعو كغيرها ويزيد: [سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ اللَّهُمَّ أُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أجْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقبَّلْهَا مِنّي كَمَا تَقبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدْ] وهذا الدعاء رواه التِّرْمِذِيّ وحسنه الحاكم وصححه (٥٢١).
وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلِّ، لتجدد السبب بعد توفية الأول ما يقتضيه، وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الَأصَحِّ، لما ذكرناه، والثاني: يكفيه الأولى كما لو كررها قبل أن يسجد للأولى، والثالث: إن طال الفصل سجد لكل مرة وإلا فلا، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، أي وإن طالت، وَرَكعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ، أي وإن قصرتا نظرًا إلى الاسم،
_________________
(١) رواه التِّرْمِذِيّ في الجامع: أبواب الصلاة: باب ما يقول في سجود القرآن: الحديث (٥٧٩) عن ابن عباس ﵄. وقال التِّرْمِذِيّ: وفي الباب عن أبي سعيد، وهذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباس، لا نعرف إلَّا من هذا الوجه. ورواه الحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: باب التأمين: الحديث (٧٩٩/ ١٢٦) وقال: هذا حديث صحيح رواته مكيون لم يذكر واحد منهم بجرح، وهو من شرط الصحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص وقال: صحيح، ما في رواته مجروح.
[ ١ / ٢٦٩ ]
فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَضْلُ لَمْ يَسْجُدْ، أي لا أداء؛ لأنه من توابع القراءة، ولا قضاء على الأظهر؛ لأنه ذو سبب عارض فلم يُقْضَ كالخسوف، وسواء كان التأخير لعذر أو غيره كما اقتضاه إطلاق المصنف.
فَصْلٌ: وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لاَ تَدْخُلُ الصَّلَاةَ، أي حتَّى لو فعلها فيها بطلت صلاته؛ لأن سببها ليس له تعلق بالصلاة بخلاف سجدة التلاوة، وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أي لحدوث ولدٍ أو مالٍ وجاهٍ ونصرٍ على الأعداء، كما مثله في البحر، ومثل ذلك قدوم الغائب وشفاء المريض (٥٢٢)، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أي لنجاته مما ظن وقوعه به كالهدم والغرق وغيرهما (٥٢٣)، وكذا حدوث مطر عند قحط وزواله عند خوف التأذي به لعدة أحاديث في ذلك، ذكرتها في الأصل، واحترز بهجوم النعمة عن استمرارها فإنَّها لا تُسَنُّ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَى، أي في بدنه أو غيره شكرًا لله على سلامته، أَوْ عَاصٍ،
_________________
(١) لحديث أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْع بن الْحَارِث - ﵁ -؛ [أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ فَسُرَّ بهِ؛ خَرَّ سَاجِدًا للهِ تَعَالَى] رواه أبو داود في السنن: كتاب الجهاد: باب في سجود الشكر: الحديث (٢٧٧٤). والتِّرمذيّ في الجامع: كتاب السير: باب في سجدة الشكر: الحديث (١٥٧٨) وقال: هذا حديث حسن غريب. مع أن الحديث من رواية بكار بن عبد العزيز، إلَّا أنَّه لكثرة شواهده، ولأن القول فيه يكاد يكون ليس بالقوي، فإن الحديث إسناده حسن. أو كما أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (١٠٢٥/ ٣٥٢) وقال: هذا حديث صحيح، وإن لم يخرجاه، فإن بكار بن عبد العزيز: صدوق عند الأئمة، وإنما لم يخرجاه لشرطهما. وليس لعبد العزيز بن أبي بكرة رواة غير ابنه، فقال: صالح الحديث. ووافقه الذهب في التلخيص، وقال: صحيح، وبكار صدوق، وللخبر شواهد.
(٢) أو كما في حديث كعب بن مالك والمخلفين معه، وفي رواية الحاكم: [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تيْبَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابهِ أَنْ يُصَلِّىَ رَكْعَتَينِ أَوْ سَجْدَتَينِ] في المستدرك: كتاب معرفة الصَّحَابَة: ذكر مناقب كعب: الحديث (٥٨٦٢/ ١٤٦٠) وليس إسناده بذاك. ولكن في الصحيحين: في حديث توبة كعب؛ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَتهُ الْبِشَارَةُ خَرَّ سَاجِدًا. رواه البخاري في الصحيح؛ كتاب المغازي: باب حديث كعب بن مالك: الحديث (٤٤١٨). ومسلم لها الصحيح: كتاب التوبة: الحديث (٥٣/ ٢٧٦٩).
[ ١ / ٢٧٠ ]
يتظاهر بها؛ لأن مصيبة الدين أشدُّ من مصيبة الدنيا، والسجود لرؤية الكافر من باب أَوْلى فأيُّ معصية أشد من معصيته، وبه صَرَّحَ الروياني في البحر، ولو لم يرهما بل علم بوجودهما كما لو حضرا في ظلمة أو عند أعمى أو سمع صوتهما من وراء جدار، فالذي يظهر استحباب السجود أيضًا، وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي، أي تعييرًا له فلعله يتوب؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يخاف مفسدة أو ضررًا فيخفيها كما قاله في شرح المهذب، لاَ لِلْمُبْتَلَى، لئلا يتأذى به، نعم: إذا كان غير معذور كالمقطوع في السرقة أظهرها، كما قاله ابن يونس في شرحه للتعجيز، وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، أي المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها وشرائطها لما سبق في تلك، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، أي بالإيماء بخلاف الجنازة لأنها تندر، فلا يشق النزول لها؛ ولأن حرمة الميت تقتضى النزول، واحترزت بالإيماء عما لوكان في مرقد وأتم السجود فإنه يجوز قطعًا، والأصح أن الماشي يسجد على الأرض كسجدات الصلاة، فَإِنْ سَجَدَ لِتِلاَوَةِ صَلاَةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا، أي بالإيماء تبعًا لها كما في سجود الصلاة، والخلاف السابق محله إذا أتى بالسجدة وحدها وهذا التفصيل لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تُفعل في الصلاة.