الأَصْلُ فِيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيْهِمْ ﴾ الآية (٧١٢)، وَفَعَلَتْهَا الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ، هِيَ أَنْوَاعٌ، أي تزيد على العشرة، اختار الشافعي منها ما ذكره المصنف:
الأَوَّلُ: يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي، جهة، الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبُ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ، وَيُصَلّيَ بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتَيْهِ وَحَرَسَ صَفٌّ، فَإِذَا قَامُواْ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا، وَحَرَسَ الآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَّهَدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِعُسْفَانَ، هذه الكيفية رواها مسلم من حديث جابر، لكن فيه أن الصف
الأول سجد معه في الركعة الأُولى، والثاني: في الثانية، وذكر الشافعي في المختصر عكس ذلك وكلاهما جائز، والأفضل ما ثبت في السُّنَّة (٧١٣)، وَلَوْ حَرَسَ فِيهِمَا،
_________________
(١) النساء / ١٠٢: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
(٢) • حديث جابر رواه مسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٣٠٧/ ٨٤٠).
[ ١ / ٣٨٠ ]
أي في الركعتين، فِرْقَتَا صَفِّ، أي على التناوب، جَازَ، أى قطعًا كالصفين، وَكَذَا فِرْقَةٌ، أي تحرس فيهما، فِي الأَصَحِّ، لأنه قد لا يَتَأَهَّلُ للحراسةِ إلاّ مُعَيَّنُونَ، والثاني: لا يجوز، لأن التخلف يتضاعف حينئذ ويزيد على ما ورد به الخبرُ.
• الثَّانِي: يَكُونُ فِي غَيْرِهَا فَيُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَطْنِ نَخْلٍ، هذه الكيفية متفق عليها في الصحيحين (٧١٤).
• أوْ تَقِفُ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ، وَيُصَلِّيَ بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدَوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُواْ فَأَتَمُّواْ ثَانِيَتَهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِذَاتِ الرِّقَاعِ، هذه الكيفية متفق عليها أيضًا فيهما (٧١٥)، وَالأَصَحُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ، صلاة، بَطْنِ نَخْلٍ، لأنها أعدل بين الطائفتين، والثاني: عكسه ليحصل لِكُلِّ واحدٍ فضيلة جماعة بالتمام، وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ، أى الفرقة الثانية، وَيتَشَهَّدُ، لأن السكوت مخالف لهيئة الصلاة، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ، ليدركهما معه الفرقة الثانية، ولا فرق بين الفاتحة وغيرها قاله الفارقي، فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا فَبِفِرْقَةٍ رَكعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ، لأن عكسه يكلف الثانية تشهدًا غير محسوب لها لوقوعهِ في أَوَّلِهَا، والثاني: الأفضل
_________________
(١) والنسائي في السنن: كتاب صلاة الخوف: ج ٣ ص ١٧٥ - ١٧٦. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة الخوف: الحديث (٦١١٩). • حديث أبي عياش الزُّرَقِيِّ. رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب صلاة الخوف: الحديث (١٢٣٦). والنسائي في السنن: كتاب صلاة الخوف: ج ٣ ص ٧٧ - ١٧٨. والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (٦١١٨).
(٢) رواه البخاري في الصحيح: كتاب المغازي: باب غزوة ذات الرقاع: الحديث (٤١٣٦). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٣١١/ ٨٤٣).
(٣) رواه البخاري في الصحيح: كتاب المغازي: الحديث (٤١٢٩). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٣١٠/ ٨٤٢).
[ ١ / ٣٨١ ]
عكسه تأَسِّيًا بعليٍّ - ﵁ - ليلة الْهَرِيْرِ (•)، وَيَنْتَظِرُ، أي تفريعًا على الأظهر الفرقة الثانية،
فِي تَشَهُّدِهِ، أى الأول، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ، أى انتظاره في قيام الثالثة، أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأُولى على التخفيف، والثاني: أن انتظاره في التشهد أفضل ليدركوا معه الركعة من أولها. وقوله (فِي الأَصَحِّ) صوابه في الأظهر كما فِي الروضة تبعًا للشرح، أَوْ رُبَاعِيَّةً، أي بأن كانوا في الحضر أو أرادوا الإتمام في السفر، فَبِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً، أي وفارقته كل فرقة من الثلاثة الأُولى، وصلَّت ثلاثًا وسلمت وهو منتظر فراغها ومجئ أخرى، وانتظر الرابعة في التشهد حتى أتموا وسلم بهم، صَحَّتْ صَلاَةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ، لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، والثاني: تبطل صلاة الجميع، وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ، أي إذا فرقهم فرقتين، مَحْمُولٌ فِي أُوْلاَهُمْ، لأنَّهُ حالُ القدوة، وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لأنه في حكم القدوة وهو منتظر لهم، فهو كَسَهْوِهِمْ في سجدة رَفع الإمام منها، والثاني: لا، لأنهم منفردون بها حقيقة، ويعبر عن الخلاف؛ بأنهم يفارقونه
حكمًا أم لا؟ لاَ ثَانِيَةُ الأُوْلَى، لانقطاعهم عن الإمام حقيقة وحكمًا، وَسَهْوُهُ فِي الأُوْلَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لاَ يَلْحَقُ الأَوَّلَيْنِ، لمفارقتهم له قبل السهو، وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلاَحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، احتياطًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لظاهر الآية، ووجه الاستحباب أن وضعه لا يفسد الصلاة قطعًا، والخلاف مخصوص بطهارة السلاح وعدم منعه صحة الصلاة وأن لا يؤذي غيره، وأن لا يظهر الخطر بتركه،
والوضع بين يديه كالحمل.
• الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ قِتَالٌ أَوْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ، أى وإن لم يلتحم القتال فلم يَأْمَنُواْ أن يركبوهم إذا انقسموا فرقتين، فَيُصَلِّيَ كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٧١٦) أي مستقبلي القبلة وغير مستقبليها،
_________________
(١) (•) الْهَرِيْرُ: يقالُ هرِيْرُ الْكَلْبِ: صَوْتُهُ دُوْنَ نُبَاحِهِ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى الْبَرْدِ.
(٢) البقرة / ٢٣٩: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا =
[ ١ / ٣٨٢ ]
وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، أي بسبب العدو للضرورة، وَكَذَا الأَعْمَالِ الْكَثِيرَةِ، أي كالضربات المتوالية، لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، كما لو اضطروا إلى المشي فمشوا، والثاني: لا لندوره، وهو ضعيف؛ لأنه إنكار للمشاهدة، والثالث: تبطل إن كُرِّر في شخص لا أشخاص، أما إذا لم يحتج إليها فإنها تبطل قطعًا، لاَ صيَاحٍ، أي فإنه لا يعذر فيه مطلقًا لعدم الحاجة إليه بل الكمىُّ الْمُقَنَّعُ السَّاكِتُ أَهْيَبُ (•)، ويلْقِي السِّلاَحَ إِذَا دُمِيَ، لأنه يبطل الصلاة، قال الإمام: أو يرده سريعًا إلى قرابه الذي تحت ركابه، وخالف الروياني، فَإِنْ عَجَزَ أَمْسَكَهُ، وَلاَ قَضَاءَ فِي الأَظْهَرِ، لأن التلطخ به غالب، والثاني: يجب لندوره، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ، لقول ابن عمر - ﵁ -: (وَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكَثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا تُوْمِئُ إِيْمَاءً) رواه مسلم (٧١٧)، وَالسُّجُودَ أَخْفَضَ، أي جعله أخفض من الركوع تمييزًا بينهما، وَلَهُ ذَا النَّوْعِ، أي وهو صلاة شدة الخوف (٧١٨)، فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، أي فلا يجوز في القتال المحرم بالإجماع، والمراد بالمباح هنا مالا إثم فيه ولو كان واجبًا كقتال البغاة، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ وَسَيْلٍ، أي إذا لم يجد معدلًا عنهما لوجود الخوف، وَسَبُعٍ، أي
_________________
(١) لَمْ تكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾. (•) الكميُّ: الشُّجَاعُ الَّذِي كَمَى نَفْسَهُ أَيْ سَتَرَهَا بِاللُّبْسِ يُقَالُ: أَكْمَى الشَّيْءَ إِذَا سَتَرَهُ. وَالْمُقَنَّعُ لاَبِسُ الْبَيْضَةِ.
(٢) رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة الخوف: الحديث (٣٠٦/ ٨٣٩).
(٣) مثال ذلك حديث عبدالله بن أُنيس أَنَّهُ قَالَ: دَعاَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: [إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يجْمَعُ النَّاسَ لِيَغْزُوَنِي وَهُوَ بِنَخْلَةٍ أَوْ بِعُرَنَةَ فَاْتِهِ فَاقْتُلْهُ] فخرجت متوشحًا بسيفى حتى دفعت إليه في ظعن يرتاد بهن منزلًا، حتى كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ماوصف لي رسول الله - ﷺ - من الْقُشْعَرِيْرَةِ، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مجادلة تشغلُني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسى إيماءً، ، فلما قدمت على رسول الله - ﷺ - قال: [أَفْلَحَ الْوَجْهُ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة الخوف: الحديث (٦١١٧).
[ ١ / ٣٨٣ ]
وكذا حَيَّةٍ لما قلناه، وَغَرِيمٍ عِنْدَ الإِعْسَارِ وَخَوْفِ حَبْسِهِ، أي ولا يَجِدُ بَيِّنَةً دفعًا لضرر الحبس.
فَرْعٌ: إذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال فالأظهر لا إعادة.
وَالأَصَحُّ مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، أي صلى متمكنًا العشاء؛ لأنه مُحَصِّلٌ لا خائف فأشبه متبعُ أقفيةِ الكفَّارِ؛ فعلى هذا الأشبه عند الرافعي أنه يصلي مستقرًا ويفوت الْحَجَّ، وصحح المصنف خلافه، والوجه الثاني: يصلي صلاة شدة الخوف ليجمع بين الحج والصلاة وليس يبعد، وقال في شرح المهذب: إنه ضعيف وجعله هنا وجهًا قويًا، وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ، أي إبلًا أو شجرًا، ظَنُّوهُ عَدُوًّا فَبَانَ
غَيْرُهُ، أي الحال، قَضَوْا فِي الأَظْهَرِ، لعدم الخوف في نفس الأمر، والثاني: لا؛ لقيام الخوف حينئذٍ، وهذا إذا صلّوا صلاة شدة الخوف، فإن صلّوا صلاة الخوف فلا إعادة قطعًا كما قاله الماوردي، ووافقه البغوى في صلاة بطن نخل وأجرى الخلاف في غيرها، ولو رأوا عدوًا فخافوهم فصلّوها ثم بَانَ أنه كان بينهم خندق فالقولان، وقيل: الإعادة قطعًا، ومحل الخلاف في المسألتين إذا كان العدو زائدًا على الضِّعْفِ حتى يجوزَ لهم الهرب وإلاّ فيجب الإعادةُ قطعًا، قاله الأَصْبَحِيُّ في الْمُعِيْنِ.
فَصْلٌ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، أي كاللبس والتدثر، أما اللبس فَمُجْمَعٌ عليه وأما سواه فلقول حذيفة: [نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيْرِ وَالدِّيْبَاجِ وَأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ] رواة البخاري (٧١٩)، والقز كالحرير على الأصح، والخنثى كالرجل وفيه احتمال.
وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، بالإجماع (٧٢٠)، وَالأَصَحُّ تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، لأنه أُبيح لهن
_________________
(١) عن حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: [نَهَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيْهَا؛ وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيْرِ وَالدِّيْبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب اللباس: باب افتراش الحرير: الحديث (٥٨٣٧).
(٢) • لحديث عبدالله بن قيس (أبو موسى الأشعري) - ﵁ - قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: =
[ ١ / ٣٨٤ ]
لبسه للتزين للزوج وهو مُنْتَفٍ هنا، والثاني: لا، لما سيأتى، وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إِلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ، لأنه ليس مكلفًا ولا في معنى الرجل، قال في البيان: وهو المشهور، قال في الروضة هنا: وصححه المحققون، وقال في الزكاة: إنه الأصح المنصوص ما لم يبلغوا، والثاني: لا، كما يمنعه من شرب الخمر ونحوه، ورَجَّحَهُ ابنُ الصلاح، والثالث: يجوز قبل سبع سنين لا بعده كيلا يعتاده ورجحه الرافعي في شرحيهِ، ومحل الخلاف في غير يوم العيد، أما يوم العيد فيجوز تزينهم به وبالذهب قطعًا لأنه يوم زينة، وليس على
الصبيان تَعَبُّدٌ، نقله المصنف في شرح المهذب في باب صلاة العيدين عن الشافعي والأصحاب.
قُلْتُ: الأَصَحُّ حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيرُهُمْ، وَاللُّه أَعْلَمُ، كاللبس ولا نسلم أن إباحته لمجرد التزيين للزوج كما علل به القائل بالتحريم ثم إذ لو كان كذلك، لاختص بذات الزوج وأجمعوا على أنه لا يختص.
وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ أَوْ فُجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحَكَّةٍ، لأنه - ﷺ - أَرْخَصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ لِبْسَهُ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، متفق عليه (٧٢١)، وَالْحِكَّةُ بكسر الحاء قال الجوهري: هي الْجَرَبُ فينكر على المصنف جمعه بينهما (٧٢٢)، وَدَفْعِ قَمْلٍ، لأنه لا
_________________
(١) [أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيْرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا] رواه الإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٣٩٤ و٤٠٧. والنسائي في السنن: كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال: ج ٨ ص ١٦١ وإسناده صحيح وله شواهد. • وقوله بالإجماع؛ لا يريد به دليل إجماع الصحابة، بل أراد به اتفاق علماء المذهب على هذه الفتوى بلا خلاف ولا قول ولا وجه؛ بل قولًا واحدًا.
(٢) عن أَنَسٍ قال: (رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَوْ رُخِّصَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيْرِ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا). رواه البخاري في الصحيح: كتاب اللباس: باب ما يرخص للرجال من الحرير: الحديث (٥٨٣٩). ومسلم في الصحيح: كتاب اللباس: باب إباحة لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة: الحديث (٢٤/ ٢٠٧٦).
(٣) الْحَكَّةُ من (ح ك ك) حَكَّ الشَّيْءَ مِنْ باب رَدَّ، وَاحْتَكَّ بِالشَّيْءِ، حَكَّ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. =
[ ١ / ٣٨٥ ]
يقمل، وفي الصحيحين أيضًا أَنَّ ابن عوفٍ والزبير شَكَيَا القمل إلى الرسول - ﷺ -
فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيْصِ الْحَرِيْرِ في غزاة لهما (٧٢٣)، ولا يختص ذلك بالسفر على الأصح خلافًا لابن الصلاح، وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، أي في دفع السلاح لأنه يحصنه؛ فإن وجد غيره مما يقوم مقامه؛ فالأصح التحريم لعدم الضرورة.
وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ ابْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الاِبْرِيسَمِ، تغليبًا للحرام، وَيَحِلُّ عَكْسُهُ، أي كالخزِّ، وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يسمى ثوبَ حريرٍ والأصل الحلُّ، والثاني: يحرم تغليبًا للتحريم، وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ، أما الأول: فلأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير، أما العَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فلا بأس به، رواه أبو داود عن ابن عباس (٧٢٤)،
ويشترط أن لا يجاوز الطراز قدر أربع أصابع فإن جاوزها حرم، وأما المطرف وهو المسجّف فلأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كانت له جبة مكفوفة الجيب والفرجين
_________________
(١) وَهُوَ إِمْرَارُ جِرْمٍ عَلَى جِرْمٍ صَكًّا، وَالإِسْمُ الْحِكَّةُ بِالْكَسْرِ. وَتَحَاكَّا: اِصْطَكَّ جِرْمَاهُمَا فَحَكَّ كُلُّ الآخَرَ. قُلْتُ: ولعل المراد في الحِكَّةِ عنده عموم وخصوص، والعموم هو اسم الفعل (الْحَكِّ) والمراد به إمرار الجرم على آخر، كما سيأتى في تأثير القمل عليهما، وبهذا يكون للجمع بينهما مناسبة، والله أعلم.
(٢) عن أنس - ﵁ - قال: [أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَعْنِي القملَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيْرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غُزَاةٍ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجلاد والسير: باب الحرير في الحرب: الحديث (٢٩٢٠). ومسلم في الصحيح: الحديث (٢٦/ ٢٠٧٦) وفي لفظ له: [رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي الْقُمِصِ الْحَرِيْرِ فِي السَّفَرِ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا] الحديث (٢٤/ ٢٠٧٦).
(٣) عن ابن عباس ﵄؛ قال: [إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيْرِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنَ الْحَرِيْرِ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب اللباس: باب الرخصة في العلم وخيط الحرير: الحديث (٤٠٥٥). وإسناده صحيح.
[ ١ / ٣٨٦ ]
بالديباج، رواه أبو داود أيضًا (٧٢٥) والشرط فيه الاقتصار على العادة، كما ذكره المصنف، وخرج بالحرير الذهب فإنه يحرم التطريز والتطريف به مطلقًا ومن أَلْحَقَهُ بِهِ فَقَدْ وَهِمَ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ، أى المتنجس، فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، أي كسجود الشكر لأنه ظاهر العين، نعم يُكرَهُ، لاَ جلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ، لأن الخنزير لا ينتفع به في حال حياته مطلقًا، وكذا الكلب إلا في أغراض مخصوصة، فلأنْ لا ينتفع بهما بعد الموت أَوْلى، وجلد فرع أحدهما ملحق بهما، إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ، أي ولم يجد سواه، وكذا إذا خاف على نفسه من حَرٍّ أو بَرْدٍ كما له أكل الميتة عند الاضطرار، وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ، أي في حال الاختيار، فِي الأَصَحِّ، مثار الخلاف أنَّ تحريم جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أو لِمَا خُصَّا به من التغليظ فيحرم على الأول ويحل على الثاني.
وَيَحِلُّ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أى مع الكراهة سواء نجس بعارض أو كان نجس العين كَوَدَكِ الميتة؛ لأنه - ﷺ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: [إِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُواْ بِهِ أَوْ فَانْتَفِعُواْ بِهِ] رواه الطحاوي، فقال: إنَّ رجالَهُ ثِقات (٧٢٦)، والثاني: لا يجوز؛ لأجل دُخَانِ النجاسة، وصحح المصنف في شرح المهذب في باب البيع: القطع بالأول؛ وهو مخالفٌ لجزمهِ هنا بطريقة القولين.
_________________
(١) عن عبد الله أبي عمر مولى أسماء بنت أبي بكر ﵄، قال: (رَأْيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي السُّوْقِ اشْتَرَى ثَوْبًا شَامِيًّا؛ فَرَأَى فِيْهِ خَيْطًا أَحْمَرَ، فَرَدَّهُ؛ فَأَتَيْتُ أَسْمَاءَ فَذَكَرْتُ ذلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا جَارِيَةُ نَاوِلِيْنِي جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْرَجَتْ جُبَّةً طيالسة مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفرجينِ بِالدِّيْبَاجِ) رواه أبو داود في السنن: كتاب اللباس: باب الرخصة في العَلَم: الحديث (٤٠٥٤) وأصله عند مسلم: الحديث (١٠/ ٢٠٦٩).
(٢) الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -؛ في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج: الحديث (٦٨٤): قال ابن الملقن: (رواه الطحاوي فى بيان المشكل، وقال: عبد الواحد بن زياد المذكور فيه: ثِقَةٌ إذا تفرد بحديث قُبِلَ حديثه، وكذلك إذا انفرد بزيادة قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ).
[ ١ / ٣٨٧ ]