قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٧٢٧)، قِيْلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلاَةِ صَلاَةُ عِيْدِ النَّحْرِ؛ وَبِالنَّحْرِ الأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ.
هِيَ سُنَّةٌ، لمواظبته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عليها، غير واجبة لحديث الأعرابي الصحيح: [هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ] (٧٢٨)، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأنها من شعائر الإسلام كرَدِّ السَّلامِ، ويُستثنى من ذلك الحاج بِمِنَى فإنه لا يخاطب بالعيد، نص عليه كما نقله الماوردي في كتاب الحج.
وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً، بالإجماع، وَلِلْمُنْفَرِدِ؛ وَالْعَبْدِ؛ وَالْمَرْأَةِ؛ وَالْمُسَافِرِ، كسائر النوافل، وَوَقْتُهَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، لخروج وقت الكراهة، وإن كان لها سببًا، ويقتضي كلام المصنف الفوات إذا شهدوا بالرؤية بعد الزوال يوم الثلاثين وعدلوا بعد الغروب، وقلنا الْعِبْرَةُ بالتعديل وهو الأصح، وليس كذلك بل يصلي من الغد أداءً
_________________
(١) الكوثر / ٢. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: (وقالَ أخرونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ: صَلِّ يَوْمَ النَّحْرِ صَلاَةَ الْعِيْدِ، وَانْحَرْ نُسُكَكَ. وأسند عن أنس بن مالكٍ، قَالَ: [كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَنْحَرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي، فَأُمِرَ أَنْ يُصَلِّي ثُمَّ يَنْحَرَ]: في جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ج ١٥ ص ٤٢٣: النص (٢٩٥٤٠).
(٢) لحديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ؛ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ] فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: [لاَ؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الإيمان: باب الزكاة من الإسلام: الحديث (٤٦). ومسلم في الصحيح: كتاب الإيمان: باب بيان الصلوات: الحديث (٨/ ١١).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وَهِيَ رَكْعَتَانِ، بالإجماع (٧٢٩)، يُحْرِمُ بِهِمَا، أي بِيِنَّةِ صلاةِ العيدِ، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، كسائر الصلوات، ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَبَّرَ في العيدين الأضحى والفطر ثنتى عشرة تكبيرة في الأُوْلى سَبْعًا وفي الاخرة خَمْسًا سوى تكبيرة الإحرام، رواه الدارقطني وصححه البخاري (٧٣٠).
فَرْعٌ: لو صلى خلف من يكبّر ثلاثًا أو ستًا تابعه على الأظهر لئلا يخالفه.
يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةِ مُعْتَدِلَةٍ، يُهَلِّلُ؛ وَيُكَبِّرُ؛ وَيُمَجِّدُ، لأثر فيه في البيهقي عن ابن مسعود بنحوه بسند جيد (٧٣١)، قال المصنف في شرح مسلم: وجمهور العلماء على أن هذه التكبيرات ولاءً، خلافًا لعطاء والشافعي وأحمد (٧٣٢).
_________________
(١) لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ -؛ قال: [صَلاَةُ الأَضْحَى رَكْعَتَانِ؛ وَصَلاَةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ؛ وَصَلاَةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ؛ وَصَلاَةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ؛ تَمَامٌ لَيْسَ بِقَصْرٍ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ] رواه النسائي في السنن: كتاب العيدين: عدد صلاة العيدين: ج ٣ ص ١٨٣. وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: صلاة الجمعة: الحديث (٢٧٧٢). وإسناده صحيح.
(٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جَدِّهِ [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَبَّرَ فِي الْعِيْدَيْنِ الأَضْحَى وَالْفِطْرِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيْرَةً؛ فِي الأُوْلَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ] رواه الدارقطني في السنن: كتاب العيدين: الحديث (٢٠): ج ٢ ص ٤٧ - ٤٨. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب التكبير في صلاة العيدين: الحديث (٦٢٦٣)، وقال: قال أبو عيسى: سألت البخاري عن هذا الحديث؛ فقال: هو صحيح. قُلْتُ: قاله الترمذي في العلل الكبرى: باب في التكبير في العيدين: ج ١ ص ٢٨٨.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي: كتاب صلاة العيدين: باب يأتي بدعاء الافتتاح عقيب تكبير الافتتاح ثم يقف بين كل تكبرتين يهلل الله تعالى: الأثر (٦٢٧٨)، قال عبد الله: (تَبْدَأُ فَتُكَبَّرُ تَكْبِيْرَةً تَكْبِيْرَةً بِهَا الصَّلاَةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ). وروى عن عطاء أنه قال: (يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيْرَةٍ؛ ثُمَّ يَمْكُثُ هُنَيْهَةً، ثُمَّ يَحْمَدُ الله وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ يُكَبِّرُ) يعني في العيد: الأثر (٦٢٨١).
(٤) عبارة الإمام النووى ﵀ كما في شرح مسلم: ج (٥ - ٦) ص ٤٢٩ - ٤٣٠: قال: =
[ ١ / ٣٨٩ ]
وَيَحْسُنُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، هذا ما ذكره الجمهور، وهى الباقيات الصالحات على قول ابن عباس وجماعة (٧٣٣)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لأنه استفتاح للقراءة فلتكن عَقِبَهَا، وَيَقْرَأُ، أي الفاتحة كما في سائر الصلوات، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، أي سوى تكبيرة القيام، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، للحديث السالف (٧٣٤)، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيعِ، لحديث مرسل وأثر عن عمر - ﵁ - منقطع ضعيف (٧٣٥).
فَرْعٌ: يُسَنُّ أَنْ يَضَعَ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ بين كُلِّ تكبيرتين على الأصح.
_________________
(١) (وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متواليةً متصلةً، وقال عطاءُ والشافعيُّ وأحمدُ يُستحبُّ بين كُلِّ تكبيرتين ذكر الله تعالى وروى هذا أيضًا عن ابن مسعود - ﵁ -). إهـ.
(٢) عن عطاء وسعيد بن جبير؛ عن ابن عباس؛ في قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف / ٤٦] قال: (سُبْحَانَ اللهِ؛ وَالْحَمْدُ للهِ؛ وَلاَ إِلَهَ إِلَّا الله؛ وَالله أَكْبَرُ) رواه الطبري في جامع البيان: النص (١٧٤٠٦).
(٣) حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، تقدم في الرقم (٦٥٣). قُلْتُ: ولحديث كثير ين عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيْدَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى بِسَبْعِ تَكْبِيْرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيْرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) رواه الترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: ما جاء في التكبير في العيدين: الحديث (٥٣٦). وقال: حديث جدِّ كثير حديث حسن، وهو أحسن شيء في هذا الباب عن النبي - ﷺ -. وفي العلل الكبير: ج ١ ص ٢٨٨؛ قال الترمذي: سألت مُحَمَّدًا عن هذا الحديث، فقال: لَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَبِهِ أَقُولُ. إ. هـ.
(٤) • أما الحديث فعن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄، قال: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ؛ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَهُمَا كَذَلِكَ، وَرَكَعَ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ؛ ثُمَّ قَالَ: [سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] ثُمَّ يَسْجُدُ وَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ، وَيْرْفَعُهُمَا فِي كُلِّ تَكْبِيْرَةٍ يُكَبِّرُهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ) رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: الحديث (٦٢٨٠). • أما الأثر، عن بكرة بن سوادة (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيْرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَالْعِيْدَيْنِ) رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب رفع اليدين: الأثر (٦٢٨١)، وقال: هذا منقطع.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وَلَسْنَ، أي هذه التكبيرات الزائدة، فَرْضًا وَلاَ بَعْضًا، أى فلا سجود بتركهن عمدًا أو سهوًا، نعم يُكْرَهُ تركهُنَّ أو ترك واحدة منهن والزيادة فيهن نصَّ عليه، وَلَوْ نَسِيَهَا، أى التكبيرات، وَشَرَعَ فِي القِرَاءَةِ فَاتَتْ، لأن محلها قبل القراءه، فلو عاد لم تبطل صلاته والظاهر أن العمد كالنسيان، وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبَّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ، لبقاء القيام، وهو محله فإن ركع مضى في صلاته ولم يكبِّر، فإن عاد بطلت صلاته
جزمًا، قاله الرافعي ولعله مع العلم، أما الجاهل فيعذر.
وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الأُوْلَى ﴿ق﴾ وَفِي الثَّانيةِ ﴿اقْتَرَبَتْ﴾ بِكَمَالِهِمَا، اقتداء به - ﷺ - كما رواه مسلم (٧٣٦)، وثبت فيه أيضًا أنه قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٧٣٧) قال في الروضة: وهو سُنَّة أيضًا، جَهْرًا، بالإجماع (٧٣٨).
_________________
(١) عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِا اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ بِهِ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيْدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة العيدين: الحديث (١٤ و١٥/ ٨٩١). والترمذي في الجامع الصحيح: أبواب الصلاة: باب في القراءة في الأضحى والفطر: الحديث (٥٣٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه البيهقي موصولًا في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب القراءة في العيدين: الحديث (٦٢٨٤).
(٢) عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيْرٍ قالَ: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْعِيْدَيْنِ وَفِي الْجُمْعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَقْرَأُ بِهِمَا). رواه مسلم في الصحيح: كتاب الجمعة: باب ما يقرأ في صلاة الجمعة: الحديث (٦٢/ ٨٧٨). والترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (٥٣٣)، وقال: حديث حسنٌ صحيح.
(٣) لِمَا جَاءَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ - ﵁ - قَالَ: (الْجَهْرُ فِي صَلاَةِ الْعِيْدَيْنِ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْخُرُوجُ فِي الْعِيْدَيْنِ إِلَى الْحَبَّانَةِ مِنَ السُّنَّةِ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب الجهر بالقراءة: الأثر (٦٢٨٨).
[ ١ / ٣٩١ ]
وَيُسَنُّ بَعْدَهُمَا خُطْبَتَانِ، اقتداءً به - ﷺ - وبالخلفاء الراشدين فإنهم خطبوا بعدها،
والمعتمد في التكرار القياس على الجمعة (٧٣٩).
أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمْعَةِ، أي كما بيناها في بابها، ولا يجب القيام هنا على الأصح، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ وَفِي الأَضْحَى الأُضْحِيَةَ، أى يذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه لأنه لائق بالحال، يَفْتَتِحُ الأُوْلَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، تكبيرات، وَلاَءً، لقول بعض التابعين أنه من السُّنَّة وهو موقوف على الأصح (٧٤٠)، قال الإمام: وتُشبه الخطبتين بصلاة العيد، فإن الركعة الأُولى تشمل على سبع تكبيراتٍ مع تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس تكبيرات مع تكبيرة القيام
والركوع، وهذه التكبيرات ليست من نفس الخطبة، وإنما هي مقدماتها نص عليه.
وَيُنْدَبُ الغُسْلُ، كالجمعة، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، كما في الأذان للصبح، وَفِي قَوْلِ بِالْفَجْرِ، كالجمعة والفرق ظاهر، وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، أي عند اتساعه؛ لأنه أفضل، وإنما خرج - ﷺ - إلى الصحراء لضيق مسجده، وَقِيلَ بِالصَّحْرَاءِ، تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ (٧٤١)، إِلاَّ لِعُذْرٍ، أي
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄؛ قال: (شَهِدْتُ الْعِيْدَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃؛ فَكُلُّهُمْ كَانُواْ يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ). رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: الحديث (٩٦٢). وعن ابن عمر ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُواْ يُصَلُّونَ الْعِيْدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) رواه البخاري في الصحيح: باب الخطبة بعد العيد: الحديث (٩٦٣). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة العيدين: الحديث (٨/ ٨٨٨).
(٢) عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ أنَّهُ قَالَ: (مِنَ السُّنَّةِ تَكْبِيْرُ الإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى حِيْنَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ تِسْعَ تَكْبِيْرَاتٍ، وَسَبْعًا حِيْنَ يَقُومُ، ثُمَّ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ بَعْدُ مَا بَدَا لَهُ) رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب التكبير في الخطبة بعد العيدين: الأثر (٦٣٠٨).
(٣) • عن عُثْمَانِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ قَالَ: مُطِرْنَا فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى =
[ ١ / ٣٩٢ ]
كمطر وغيره؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلَّى بِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيْدٍ لأَجْلِ الْمَطَرِ، رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٧٤٢)، واعلم أنه استثنى من ذلك مسجد مكة شَرَّفَهَا الله تعالى لسعته وفضله، وأَلْحَقَ الصيدلاني وجماعة به الصلاة في المسجد الأقصى وسكت عنه الجمهور.
وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ، يعني عند خروج الإمام إلى الصحراء اقتداءً بعلي كرَّم الله وجهه (٧٤٣)، وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، اقتداءً به عَلَيْهِ
_________________
(١) الْمَدِينَةِ مَطَرًا شَدِيْدًا لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلِّى فِيْهِ الْفِطْرَ وَالأَضْحَى، ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الله بن عَامِرٍ بن رَبِيعَةَ: قُمْ فَأَخْبِرِ النَّاسَ مَا أَخْبَرْتَنِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن عَامِر: (إِنَّ النَّاسَ مُطِرُواْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ - ﵁ -، فَامْتنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمُصَلَّى، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَخْرُجُ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّي يُصَلَّي بِهِمْ لأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِمْ وَأَوْسَعُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ لاَ يَسَعُهُمْ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَطَرُ فَالْمَسْجِدُ أَرْفَقُ). رواه البيهقى في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب صلاة العيد في المسجد: الحديث (٦٣٥٠). • أما أنه في الصحراء تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ؛ لخبر بكر بن مبشر الأنصاري؛ قال: (كُنْتُ أَغْدُو مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى، فَنَسْلُكُ بَطْنَ بَطْحَان حَتَّى نَأْتِيَ الْمُصَلِّي فَنُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ بَطْنِ بَطْحَان إِلى بُيُوتِنَا). رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب إذا لم يخرج الإمام للعيدين من يومه: الحديث (١١٥٨).
(٢) لحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ (أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيْدٍ، فَصَلِّى بِهِم النَّبِيُّ - ﷺ - صَلاَةَ الْعِيْدِ فِي الْمَسْجِدِ). رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (١١٦٠). والحاكم في المستدرك: كتاب صلاة العيدين: الحديث (١٠٩٤/ ٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي قال: على شرطهما.
(٣) عَنْ هُزيْلٍ؛ (أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، يَوْمَ الْفِطْرِ أَوِ الأَضْحَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا) ومعنى أن يصلى أربعًا؛ ما جاء عن ابن المعتمر (أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ -، قَالَ: صَلُّواْ يَوْمَ الْعِيْدِ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ لِلسُّنَّةِ وَرَكْعَتَانِ =
[ ١ / ٣٩٣ ]
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، كما رواه البخاري وغيره (٧٤٤)، والأصح في سببه: أنه كان يذهب في أطول الطريقين، ويَرجع في أقصرهما، لأَنَّ الذهاب أفضل من الرجوع، ويقال: إنه ما مَرَّ من طريق إلّا وتفوح منها رائحة المسك، وقيل: فعل ذلك لتشهد له البقاع، فقد روي: [منْ مَشَى فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَهِدَتْ لَهُ الْبِقَاعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (٧٤٥)، قال الماوردي: في معنى شهادة البقاع تأويلان، الأول: أن الله تعالى ينطقها بذلك، والثاني: أن الشاهد أهلها لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٧٤٦).
وقال ابن أبي حمزة في اقليد التقليد: هذا الحديث هو معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ (٧٤٧).
فَرْعٌ: سائر العبادات كالجمعة، والصلاة وغيرها يُستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى، نبّه عليه المصنف في رياضه.
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، ليحصل القرب من الإمام، وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صَلاَتِهِ، لظاهر حديث أبي سعيد في الصحيحين (٧٤٨)، وَيُعَجِّلُ، إلى الخروج، فِي الأَضْحَى، للأمر
_________________
(١) لِلْخُرُوجِ) ووجه الاستدلال عنده - ﵁ -، مِن جهة التنفيذ، عن الحارث الأعور - ﵁ - قالَ: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ إلَى الْمُصَلَّى، قال: وَالْخُرُوجُ يَوْمَ الْعِيْدَيْنِ مِنَ السُّنَّةِ، وَلاَ يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلاَّ ضَعِيْفٌ أَوْ مَرِيْضٌ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب الإمام يأمر من يصلي بضعفة الناس: الأثر (٦٣٥١ - ٦٣٥٣).
(٢) لحديث جابر - ﵁ - قال: [كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمَ عِيْدٍ خَالَفَ الطَّرِيْقَ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: باب من خالف الطريق: الحديث (٩٨٦).
(٣) نقله الماوردي في الحاوي الكبير: كتاب الصلاة: باب القول في تكبير العيدين: ج ٢ ص ٤٩٦.
(٤) الدخان / ٢٩. وينظر قول الماوردي في الحاوي الكبير: كتاب الصلاة: باب القول في تكبير العيدين: ج ٢ ص ٤٩٦.
(٥) يوسف / ٦٧.
(٦) لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: [كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّي؛ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاَةُ؛ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ الْقَوْمِ =
[ ١ / ٣٩٤ ]
به، قال الماوردي في الإقناع: والاختيار أن يصلِّي الأضحى إذا مضى من النهار سُدُسُهُ وفي الفطر رُبُعُهُ (٧٤٩). قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ، ويُمْسِكُ فِي الأَضْحَى، للاتباع؛ والفرق لائح، وفي الصحيح [أَنَّهُ ﵇ كَانَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمْرَاتٍ وِتْرًا] (٧٥٠) قال الداودي: إنما استحب الفطر على التمر، لأن النخلة ممثلة بالمسلم، ولأنه قيل: إنها الشجرة الطيبة.
وَيَذْهَبُ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، كالجمعة، وَلاَ يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَامِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن أنَسًا وغيره كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام كما رواه البيهقي (٧٥١)، أما الإمام فيكره له التنفل مطلقًا لأنه متبوع.
فَرْعٌ: دخل المسجد والإمام يخطب صلى العيد لا التحية في الأصح، وصحح صاحب البيان مقابله، وهذا إذا فرعنا على الأصح، بأن المنفرد يصلي العيد كما جزم به المصنف، وموضع الخلاف إذا اتسع وقت العيد وإلا فلا صلاَة قطعًا قاله صاحبُ الْمُعِيْنِ.
فَصْلٌ: يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَي الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ
_________________
(١) فَيَعِظُهُمْ؛ وَيُوصِيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ. فَإِنْ كَانَ يُرِيْدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: باب الخروج إلى المصلي بغير منبر: الحديث (٩٥٦). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة العيدين: الحديث (٩/ ٨٨٩).
(٢) الإقناع في الفقه الشافعي للماوردي: ص ٥٤.
(٣) الحديث عن أنس قال: (كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمْرَاتٍ). رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: الحديث (٩٥٣)، وفي رواية له تعليقًا: عن أنس عن النبي - ﷺ -: [وَيَأَكُلُهُنَّ وِتْرًا].
(٤) عن أيوب، قال: (رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَجِيْءُ يَوْمَ الْعِيْدِ، فَيُصَلِّي قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ). رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب المأموم يتنفل قبل صلاة العيد وبعدها في بيته والمسجد وطريقه والمصلى وحيث أمكنه: الأثر (٦٣٢٢).
[ ١ / ٣٩٥ ]
وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، أما في عيد الفطر فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٧٥٢) عند إكمالها، وأما في عيد الأضحى فالقياس على الفطر، وقال الماوردي: إنه إجماع.
فَرْعٌ: المرأةُ لا ترفع الصوت وكذا الخنثى فيما يظهر.
وَالأَظْهَرُ إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلاَةِ الْعِيدِ، لأن الكلام يباح إلى تلك الغاية، والتكبير أَولى ما يشتغل بهِ، فإنه ذِكْرُ اللهِ تعالى وشعارُ اليوم، والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لاشتغالهم بالتَّأَهُّبِ حينئذ، وَلاَ يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى بَلْ يُلَبِّي، لأنها شعاره، وَلاَ يُسَنُّ، أي التكبير المقيد، لَيْلَةَ الْفِطْر عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم ينقل، ولو شرع لَفُعِل ونُقِلَ، والثاني: يُسن كالأضحى؛ فيكبر
خلف المغرب والعشاء والصبح، ونقله البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن نص الشافعي، وأنه استدل بالآية السالفة، وجزم به المصنف في الأذكار (٧٥٣).
وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، لأن شعارهم التلبية، وإنما يتركونها بالتكبير مع أول حصاة يرمونها يوم النحر، والظهر أول الصلاة ينتهون إليها من وقت قطع التلبية، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ، أيام، التَّشْرِيقِ، لأنه آخر صلاة يصلونها بمنى، وَغَيْرُهُ كَهُوَ، أى غيرُ الحاجِّ كالحاجِّ، فِي الأَظْهَرِ، تبعًا لهم، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، كما أن في عيد الفطر يبتدي بالتكبير عقيب الغروب، وَفِي قَوْلِ: مِنْ صُبْحِ
عَرَفَةَ، ويَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا، اقتداء به - ﷺ - كما رواه
_________________
(١) البقرة / ١٨٥: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
(٢) الأذكار المنتخبه من كلام سيد الأبرار للإمام النووى: باب الأذكار المشروعة في العيدين: ص ١٥٥.
[ ١ / ٣٩٦ ]
الحاكم وصحح إسناده وفيه نظر (٧٥٤)، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ، أي المطلقة لأنه شعار الوقت (٧٥٥)، والثاني: لا، ويجعل ذلك من شعار الأداء والفرائض، والخلاف في الفوائت إذا قلنا: لا يُكبر للنوافل، أما إذا قلنا: يُكبرُ لها فيكبر هنا قطعًا، قاله في الحلية، والمراد هنا بالراتبة التابعة للفرائض وغيرها، وإن كان الأصح في غير هذا الباب الأول، وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَالله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ كَبِيرًا، أي بعد التكبيرة الثالثة، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وفي فضائل الأوقات للبيهقي بإسناده إلى أبي عثمان النَّهْدِيِّ قال: كان سلمانُ - ﵁ - يعلمنا التكبير يَقُولُ: [كَبِّرُواْ الله بِقَوْلِ الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ كَبِيْرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيْرًا، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْرًا اللَّهُمَّ أغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا] (٧٥٦).
فَائِدَةٌ: في هذا الكتاب أيضًا من حديث أنس رفعه، [إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ الله
_________________
(١) عن أبي طفيل (عامر بن واثلة - صحابي توفي سنة اثنتين ومائة) عن عليٍّ وعمَّارٍ: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَجْهَرُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ بِبِسْمِ اللهِ الرُّحْمَنِ الرَّحيْمِ. وَكَانَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ؛ وَكَانَ يُكَبِّرُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَيَقْطَعُهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ). رواه الحاكم في المستدرك: كتاب صلاة العيدين: الحديث (١١١١/ ٢٤) هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلمُ في رواته منسوبًا إلى الجرح، وقد روى في الباب عن جابر وغيره. قال الذهبي في التلخيص: بل خبَرٌ واهٍ كأنَّهُ موضوع.
(٢) قال النووى ﵀: اِعْلَمْ أَنَّ التكبيرَ مَشْروعٌ بعدَ كُلِّ صلاةٍ في أيَّامِ التَّكبير، سَوَاءً كانتْ فريضةً أو نَافلةً أو صلاةَ جنازةٍ، وسواءً كانت الفريضةُ مُؤَدَّاةٌ أو مقضيةٌ أو منذورةٌ) ينظر: الأذكار: باب الأذكار المشروعة في العيدين: ص ١٥٦.
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب كيف التكبير: الأثر (٦٣٧٥).
[ ١ / ٣٩٧ ]
تَعَالَى، فَإذَا كَانَ يَوْمُ عِيْدِهِمْ يعني يَوْمَ فِطْرِهِمْ بَاهَى بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ فَقَالَ: يَا مَلاَئِكَتِي مَا جَزَاءُ أَجِيْرٍ وَفَّي عَمَلَهُ، قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، قَالَ: مَلاَئِكَتِي عَبِيْدِي وَإِمَائِى قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُواْ يَعُجُّونَ إِلَيَّ بِالدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي لأُجِيْبَنَّهُمْ، فَيَقُولُ: ارْجِعُواْ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ. قال: فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ]، قال البيهقي: انفرد به أصرم بن حوشب الهمذاني بهذا الإسناد (٧٥٧).
فَصْلٌ: وَلَوْ شَهِدُواْ يَوْمَ الثْلاَثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ، لبقاء الوقت، وقَيَّدَ الرافعي ذلك بما إذا بقي من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة (٧٥٨)، وَإِنْ شَهِدُواْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أي في صلاة العيد خاصة، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا، وَفَاتَتِ الصَّلاَةُ، لخروج وقتها بالزوال، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، أي في باقي اليوم وضحوة الْغَدِ وبعده متى اتفق كالفرائض إذا فاتت لا يتعين وقت قضائها، والثاني: لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا، بخلاف ما بعده من الأيام، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلِّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً، لأن الغلط في الهلال كثير فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، يؤيده الوقوف في العاشر غلطًا، والأصح: أن العبرة
_________________
(١) أصرم بن حوشب الهمذانى؛ له ترجمة في لسان الميزان لابن حجر: ج ١ ص ٤٦٠: الرقم (١٤٢٤)؛ قال ابن حجر: هَالِك، وقال: قال يحيى: كَذَّابٌ خَبِيْثٌ، وقال البخاري ومسلم والنسائي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: منكر الحديث. قلتُ: ويكاد يتفق الجميع على ضعفه. وكذبه.
(٢) عن أبي عُمَيْرٍ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، (أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِىِّ - ﷺ - يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلاَلَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُواْ مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُواْ لِعِيْدِهِمْ مِنَ الْغَدِ) رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (١١٥٧). والنسائي في السنن: في العيدين: باب الخروج إلى العيدين من الغد: ج ٣ ص ١٨٠. والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (٦٣٧٦)، وقال: هذا إسنادٌ صحيح.
[ ١ / ٣٩٨ ]
في الشهادة بالتعديل كما سلف لا بوقتها، لأنه وقت جواز الحكم بها، وَاعْلَمْ: أن القضاء واجب إذا قلنا: إنها فرضُ كفايةٍ ولم يُصَلِّ في ذلك الموضع، كما نبَّهَ عليه ابن عَجِيْلٍ وصاحبُ الْمُعِيْنِ.