اَلكُسُوفُ: مَا انْكَسَفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ (•)، وَالأَشْهَرُ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ تَخْصِيْصُ الْكُسُوفِ بالشَّمْسِ، والْخُسُوفِ بِالْقَمَرِ، وَادَّعَى الْجَوْهَرِىُّ أَنَّهُ أَفْصَحُ (٧٥٩).
هِيَ سُنَّةٌ، بالإجماع؛ وقول من قال: إنها فرضُ كفايةٍ شاذ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَةٌ. ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ، أي ففي كل ركعة قيامان وركوعان صحت الأخبار بذلك ولم أر فيها قراءة الفاتحة فى كل قيام وإنما فيها أنه قرأ فيهما، وكأنَّ الشافعي أَلحق القيام الثاني بالركعة الكاملة (٧٦٠)، وَلاَ يَجُوزُ زَيِادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ، أي وكذا رابع وخامس وأكثر، لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلاَ نَقْصُهُ، إلى
_________________
(١) (•) في نسخة (١): الْكُسُوفُ: مِنْ كُسِفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ.
(٢) عن أبي بكرةَ قالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا؛ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْحَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: [إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا؛ فَصَلُّواْ وَادْعُواْ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الكسوف: الحديث (١٠٤٠).
(٣) عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - نُودِيَ: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ. فَرَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَكْعَتَينِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ. قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا). رواه البخاري في الصحيح: كتاب الكسوف: باب طول السجود في الكسوف: الحديث (١٠٥١). ومسلم في الصحيح: كتاب الكسوف: الحديث (٢٠/ ٩١٠).
[ ١ / ٣٩٩ ]
الركوع الثاني، لِلإِنْجِلاَءِ فِي الأَصَحِّ، كسائر الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها، والثاني: تجوز الزيادة حتى ينجلي، لأنه ثَبَتَتِ الزيادةُ على ذلك، ولا محمل لذلك إلاّ الحمل على تمادي الكسوف، ووجه النقص أن سببها الكسوف فيزيد بزيادته وينقص بنقصانه (٧٦١).
فَرْعٌ: لو صلى الكسوفَ كهيئة سُنَّةِ الظُّهْرِ ونحوها صَحَّتْ صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل، نقله في شرح المهذب عن مقتضى كلام الأصحاب، ولا يجتمع مع تصحيح منع النقص عند الانجلاء فَتَأَمَّلْهُ.
وَالأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، أي وسوابقها من دعاء الافتتاح والتعوذ، الْبَقَرَةَ، أي إن أحسنها أو قَدْرَها إن لم يحسنها، وَفِي الثَّاني كَمَائَتَيْ آيِةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مَائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابِعُ مَائَةٍ تَقْرِيبًا، هذا نصُّهُ في الأُمِّ والمختصر، وله نصٌّ آخر في البويطي لا يخالفه، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مَائَةٍ، آية، مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، والثَّالِثِ سَبْعِينَ، أي بتقديم السِّيْن على الباء، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تقْرِيبًا، هذا نصهُ في الأُمِّ والمختصر والبويطى، وفي موضع آخر منه أنه يسبح في كل ركوع بقدر قراءته، والظاهر: أن المراد بالآيات المذكورة المتوسطة لا الطوال ولا القصار، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ، كما لا يزيد في التشهد، ولو عبَّرَ بالأظهر كما عبر به في الروضة كان أحسن. قُلْتُ: الصَّحِيحُ تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أي من حديث ابن عمرو وغيره (٧٦٢)، وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيّ أَنَّهُ يُطَوِّلُها نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَالله أَعْلَمُ، هو كما قاله وقد رأيته في موضعين منه،
واختار في الروضة أن السجود الأول كالركوع الأول والثاني كالثاني، قال:
_________________
(١) لحديث عن عائشة ﵂، (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلِّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجْدَاتٍ). رواه مسلم في الصحيح: كتاب الكسوف: الحديث (٧/ ٩٠١). ورواه مسلم عن جابر أيضًا: الحديث (٦/ ٩٠١).
(٢) تقدم في الرقم (٧٦٠).
[ ١ / ٤٠٠ ]
وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي استحباب إطالة الجلوس بين السجدتين، قُلْتُ: وحديث جابر في مسلم أنه يطول الاعتدال الثانى أيضًا (٧٦٣).
وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، اقتداء به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، ويَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ، لأنها صلاة ليل وهو إجماع، لاَ الشَّمْسِ، اقتداء به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كمَا صححه الترمذي وغيره (٧٦٤)، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ، للأتباع، خُطْبَتَيْنِ، كما في الجمعة وتجزي واحدة نص عليه، بِأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، أي وشرائطهما، قال الرافعي: وكتب الأصحاب ساكنة عن التكبير في أولهما، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ، أي من فعل الأعتاق والصدقة، وقد ثبتا في الصحيح (٧٦٥).
فَصْلٌ: وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ، أي من الركعة الأولى أو من الثانية، أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، كما في سائر الصلوات، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، لأن الأصل هو الركوع الأول والثاني تابع، والثاني: يدركها به، لأنه ركوع صحيح
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ قال: (كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلِّى رَسُولُ الله بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُواْ يَخِرُّونَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجْدَاتٍ). رواه مسلم في الصحيح: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي: الحديث (٩/ ٩٠٤).
(٢) عن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ ﵂؛ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ، وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيْهَا) رواه الترمذي في الجامع الصحيح: كتاب أبواب الصلاة: ما جاء في صفة القراءة في الكسوف: الحديث (٥٦٣)، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح. وفي رواية البخاري، عن عائشة ﵂، [جَهَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي صَلاَةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كبَّرَ فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجْدَات]. رواه البخاري في الصحيح: الحديث (١٠٦٥).
(٣) لحديث أسماء ﵂ قالت: (لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ). رواه البخاري في الصحيح: الحديث (١٠٥٤).
[ ١ / ٤٠١ ]
وقيام صحيح، وَتَفُوتُ صَلاَةُ الشَّمْسِ بِالإِنْجِلاَءِ، لأنَّا نصلي طلبًا له وقد حصل، وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، لزوال سلطانها وهو النهار، وَالْقَمَرِ بِالإِنْجِلاَءِ، لِما مَرَّ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لزوال سلطانه وهو الليل، لاَ الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ، لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت به لذهاب الليل وهو سلطانه، وفي موضع القولين طريقان، أحدهما، قاله ابنُ كج وأقرّه الرافعي: أنهما فيما إذا غاب خاسفًا
بين طلوع الفجر والشمس، فأما إذا لم يغب وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة قطعًا، والثاني: جريانُ القولين في الحالين وهو ظاهر إيراد المصنف تبعًا للجمهور كما نقله عنهم المصنف في شرح المهذب، وَلاَ بِغُرُوبِهِ خَاسفًا، لأن سلطان القمر الليل وهو باقٍ، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا.
فَرْعٌ: لا تفوتُ الخطبة بكل حال؛ صَرَّحَ بِهِ الجرجانيُّ في تحريره والمصنفُ في شرح مسلم.
وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ، قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، اهتمامًا به لوجوبه، وَإِلاَّ، أي وإن لم يخف فوت الفرض، فَالأَظْهَرُ تقْدِيمُ الْكُسُوفِ، لخوف فوته بالإنجلاء، والثاني: تقديم الفرض لوجوبه، وصحح في شرح المهذب القطع بالأول، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، كما أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ استسقى في خطبة الجمعة (٧٦٦)، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، أي ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الكسوف معها للتشريك.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ، لما يخشى من حدوث التغيّر في الميت، ولو اجتمعت الجمعة مع الجنازة فكذلك إن لم يضِق الوقت، فإن ضاق قُدِّمَت الجمعة لافتراضها.
_________________
(١) ينظر الرقم اللاحق.
[ ١ / ٤٠٢ ]