الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَلْحَقُ الصَّلَاةَ مِنَ التَّخْفِيْفِ بالْقَصْرِ والجمع، وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا الْقَصْرُ، فَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ. وَالأَصْلُ فِيْهِ قَبْلَ الإِجْمَاعِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية (٦٤٣) فَأبَاحَهُ الله فِي السَّفَرِ بِشَرْطِ الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَثَبَتَ فِي السُّنَّةِ جَوَازُهُ عِنْدَ الأَمْنِ مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ (٦٤٤).
_________________
(١) (•) في النسخة (٣): يُعَاقَبُ.
(٢) النساء / ١٠١: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
(٣) . عن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطْابِ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أِنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ! فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ! فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: [صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ؛ فَاقْبَلُواْ صَدَقَتَهُ]. رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٤/ ٦٨٦). • وعن عائشة ﵂ قالت: [أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَينِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيّدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ] رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب الصلاة: =
[ ١ / ٣٤٢ ]
إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ، هذه القيود سنذكر شرحها بعد، ولم يذكر ما احترز عنه بالرباعية وهو احتراز من الثنائية والثلاثية، والإجماع قائم على عدم جواز قصرهما كما نقله الرافعي وغيره، نعم في طبقات العبادي عن محمَّد ابن نصر المروزي أنَّه يجوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة وفيه حديث في صحيح مسلم (٦٤٥)، لاَ فَائِتَةُ الْحَضَرِ، أي إذا قضاها في السفر بالإجماع،
كما حكاه ابن المنذر، نعم وفيه وجه حكاه الماوردي، ولو سافر في آخر الوقت وبقي ركعة قصّرَ بناءً على أن الكل أداء، وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ؛ فَالأَظْهَرُ قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، نظرًا إلى قيام الْعُذْرِ المرخص، والثاني: يُتِمُّ فيهما، والثالث: يَقْصُرُ فيهما.
وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ؛ فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، أي الخاصُّ بها، لأَنَّ ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ، أى متلاصقة، اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ، لأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها فلها حكمهُ، قُلْتُ: الأَصَحُّ لاَ يُشْتَرَطُ وَاللهُ أَعْلَمُ؛ لأن تلك الأبنية لا تُعَدُّ من البلد، ألا ترى أنَّه يقالُ مدرسة كذا خارج البلد،
_________________
(١) = باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء: الحديث (٣٥٠)، وفي كتاب تقصير الصلاة: باب يقصر إذا خرج من موضعه: الحديث (١٠٩٠). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (١ و٢ و٣/ ٦٨٥). وفي لفظ عند البُخَارِيّ في الصحيح: [فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ حِيْنَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيْدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ]: الحديث (٣٥٠). والنسائي في السنن: باب كيف فرضت الصلاة: ج ١ ص ٢٢٥.
(٢) الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: [فَرَضَ الله الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً] وفي لفظ: [إِنَّ الله فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُقِيْمِ أَرْبَعًا، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً] رواهما مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٥ و٦/ ٦٨٧). ومعناه: يُصلي في الخوف مع الإِمام ركعة وينفرد بأُخرى.
[ ١ / ٣٤٣ ]
لكنه وافق الرافعي في الصوم على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلًا ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر فإنَّه يفطر وإلاّ فلا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ فَأَوَّلُهُ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانَ، ليفارق مواضع الإقامة، لاَ الْخَرَابِ؛ لأنه ليس موضع إقامة كذا أطلقه هنا، وصحح في شرح المهذب فيما إذا كان حيطان الخراب قائمة أنَّه لا بد من مجاوزته، لأنه يعد من البلد، ومحل الخلاف ما إذا لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كانت فهو من البلد فتجب مجاوزة منتهى العمارة، وَالْبَسَاتِينِ، أي ولو
كانت متصلة بالبلدة محوطة بها؛ لأنها ليست للإقامة والسكنى، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون فيها قصور ودور تسكن في جميع السَّنة أو بعض فصولها، فلا بد من مجاوزتها حينئذ قاله الرافعي، وقال في شرح المهذب: الظاهر أنَّه لا يشترط، لأنها ليست من البلد فلا تصير منه بإقامة بعض النَّاس فيها بعض الفصول، ولا يشترط مجاوزة بعض المزارع أَيضًا، صرح به في الْمُحَرَّرِ وأهملهُ المصنف، وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ، أي في جميع ما ذكر.
وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخَيَامِ مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ، لأنها كدور البلد فلا بدّ مع ذلك من مجاوزة مرافقها، وَإِذَا رَجَعَ، أي المسافر إلى وطنه، اِنْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شَرَطَ مُجَاوَزَتَهُ ابْتِدَاءً، أي فينقطع التَّرَخُّصُ بمجرد ذلك، وَلَوْ نَوَى، أي من هو مستقل بنفسه، إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أي بلياليها، بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ سَفَرَهُ بِوُصُولِهِ، أي سواء كان مقصدُه أو في طريقه، لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض؛
والعازم على المقام غير ضارب في الأرض، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أن إقامة ما دون الأربع غير يومي الدخول والخروج لا يمنع القصر، أما من لا يستقل بنفسه كالعبد ينوي ذلك أو الزوجة أو الجيش ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان، الأقوى من زوائد الروضة أن لهم القصر، لأنهم لا يستقلون، فَنِيَّتُهُمْ كالعدم، وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأنه فيهما مشغول بتعب الحط والترحال، وهما من أشغال السفر، قال في شرح المهذب: وبهذا قطع
الجمهورُ، وجعله في الروضة وجهًا قويًا وهو خلاف ما في الكتاب، والثاني: يحسبان كما يحسب من مدة المسح يوما الحدث ونزع الخف.
[ ١ / ٣٤٤ ]
تَنْبِيْهٌ: نية الإقامة مطلقًا أو المدَّة المذكورة، لا فرق فيه بين أن يكون الموضعُ صالحًا للإقامةِ أوْ لا! كالمفازة على الأظهر، ثم مَحِلُّ الخلاف إذا نوى الإقامة وهو ماكث، أما إذا نواها وهو سائر، فلا يصر مقيمًا بلا خلاف، كما ادعاه في شرح المهذب، لكن في التهذيب للبغوي خلافه فاستفده (٦٤٦).
وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لأنه - ﷺ - أقامها بمكة يقصر الصلاة، رواه أبو داود ولم يضعفه، لكن في البُخَارِيّ تسعة عشر، قال البيهقي: وهي أصح الروايات فينبغي أن يُفتى بها (٦٤٧)،
_________________
(١) في التهذيب: كتاب الصلاة: باب صلاة المسافر: ج ٢ ص ٣٠٤: قال البغري ﵀: وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الإِقَامَةِ؛ فِي مَفَازَةٍ أَوْ سَفِيْنَةٍ؛ هَلْ يَصِيْرُ مُقِيْمًا؟ فِيْهِ قَوْلَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا يَصِيْرُ مُقِيْمًا؛ لأَنَّهُ نَوَى الإِقَامَةَ. وَالثَّانِي: لاَ يَصِيْرُ مُقِيْمًا؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ إِقَامَةٍ. إنتهى. وهذا ما عناه ابن الملقن ﵀ في رد ادعاء النووي ﵀ أن المسألة بلا خلاف، إذ البغوي نقل فيها الخلاف. والله أعلم.
(٢) مُدَّةُ الإِقَامَةِ الَّتِي يُقْصَرُ فِيْهَا: • أما حديث أبي داود؛ فهو من رواية عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ؛ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ؛ فَأَقَامَ فِي مَكْةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً لاَ يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ: [يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّواْ أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب متى يتم المسافر؟ الحديث (١٢٢٩)، وإسناده حسن. • أما حديث البُخَارِيّ، فهو من رواية عبد الله بن عباس ﵄؛ قال: [أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ؛ فَنَحْنُ إِذًا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا] رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب ما جاء في التقصير: الحديث (١٠٨٠). • أما قول البيهقي؛ أنَّه قال: واختلفت هذه الروايات في تسع عشرة وسبع عشرة كما ترى؛ وأصحها عندى والله أعلم؛ رواية من روى تسع عشرة. ينظر السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الصلاة: باب المسافر يقصر ما لم يجمع مكثًا: النص (٥٥٦٨). وقال في السنن الصغرى: النص (٥١١): وأصح الروايات فيه: رواية ابن المُبارك ومن تابعه. والله أعلم. أي رواية ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، أي لأن نفس الإقامة أبلغ من نيتها، وإذا امتنع القصر بِنِيَّةِ إقامة الأربع فصاعدًا فالامتناع بإقامتها أَوْلى، وحكاه في الروضة تبعًا للرافعي قولًا، وَفِي قَوْلٍ أَبَدًا، لأن الظاهر أنَّه لو زادت الحاجة لدام الرسول - ﷺ - على القصر، وفي البيهقي بأسانيد جيدة عن عدة من الصَّحَابَة ما يدل له (٦٤٨).
_________________
(١) في السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الصلاة: باب مَن قال يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا: • عن جابر بن عبد الله قال: (أَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِتَبُوكَ عِشْرِيْنَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ): النص (٥٥٧٤) قال البيهقي: تفرد معمر بروايته مسندًا. ورواه علي بن المبارك وغيرُه عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي - ﷺ - مرسلًا. • عن جابر - ﵁ - قال: (غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ؛ فَأَقَامَ بِهَا بِضْعَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ): النص (٥٥٧٥). • عن ابن عباس ﵄، قال: "أَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِخَيْبَرَ أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ): النص (٥٥٧٦) وقال: تفرد به الحسنَ بن عُمَارَةَ وهو غَيْرُ محتجٍ به. • عن ابن عُمَرَ أَنَّه قال: (أَرْتَجَ- أي دامَ وأطبقَ- عَلَيْنَا الثَّلْجُ وَنَحْنُ بِأَذَرْبِيْجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرِ فِي غُزَاةٍ، قال ابن عمر: وَكُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ): الأثر (٥٥٧٧). • عن عبد الله بن عمر؛ يقول: (أُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ مَا لَمْ أُجْمِعْ مُكْثًا، وَإِنْ حَبَسَنِي ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ لَيْلَةً): الأثر (٥٥٧٨). • عن الحسن قال: (كُنَّا مَعَهُ -أي مع عبد الرحمن بن سَمُرَةَ- شَتْوَتَيْنِ لاَ نَجْمَعُ وَنَقْصُرُ الصَّلاَةَ): الأثر (٥٥٧٩). • عن حفص بن عبيد الله بن أنس: (أَنَّ أَنَسًا أَقَامَ بِالشَّامِ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ شَهْرَيْنِ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِر): الأثر (٥٥٨٠). • عن أنس - ﵁ -: (أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَقَامُواْ بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلاَةَ): الأثر (٥٥٨١). • عن ابن شهاب قال: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي وَسَعْدِ بْنِ وَقّاصِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَامَ أُدْرِجَ فَوَقَعَ الوَجَعُ بِالشَّامِ، فَأَقَمْنَا بالسَّرْغِ خَمْسِيْنَ لَيْلَةً، وَدَخَلَ رَمَضَانُ، فَصَامَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَفْطَرَ سَعْدُ وَأَبَى أَنْ يَصُومَ، فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَنْتَ صَاحِبُ رَسُول الله - ﷺ - وَشَهِدْتَ بَدْرًا، وَالْمِسْوَرُ يَصُومُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَنْتَ تُفْطِرُ، قَالَ سَعْدٌ: إِنِّي أَفْقَهُ =
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ لاَ التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ، أي فإنَّه لا يقصر لذلك، والفرق بين المحارب وغيره أن للحرب أثرًا في تغيير صفة الصلاة، وهذا ليس وجهًا على اصطلاحه بل طريقة، وَلَوْ عَلِمَ، أي المحارب وغيره، بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَا قَصْرَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه مطمئنٌ ساكنٌ بعيدٌ عن هيئة المسافرين، وقيل: يجرى فيه الخلاف كغيره (•).
فَصْلٌ: طَوِيلُ السَّفَرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً، قال الليث: هو الذي عليه النَّاس، واستحب الشَّافعيّ - ﵁ - أن لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة في ضبطه، ويعتبر القدر المذكور هنا ذهابًا وهو تحديد على الأصح، وقيل: تقريب، واحترز بِالْهَاشِمِيَّةِ عَنِ الأَمَوِيَّةِ فإنَّها أكثر، وبها حدد الشَّافعيّ في القديم فقال أربعون ميلًا يريد أُمَوِيَّةً. قُلْتُ: وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ، أي ودبيب الأَقْدَامِ، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، أي في اعتبار المسافة، فَلَوْ قَطَعَ الأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ، أي لسرعة السير بالهواء، قَصَرَ، وَالله أَعْلَمُ، لأنها مسافةٌ صالحةٌ للقصر فلا يؤثر قطعها في زمنٍ يَسِيْرٍ كما لو قطعها في البر على فرس جوادٍ في بعض يوم.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ، لأن كون السفر طويلًا لا بد منه، وهذا لا يدرى أن سفرَهُ طويلٌ أَمْ لاَ؟ ومن هذا تؤخذ مسألة الأسير إذا لم يعلم أين يذهبون به فإنَّه يقصر إذا سار معهم مرحلتين، وقد نقله في الروضة عن النص، وَلَا طَالِبِ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، أي وإن طال سفره كما ذكرنا في الهائم، وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ، أى بكسر
_________________
(١) = مِنْهُمْ): الأثر (٥٥٨٢). • ثُمَّ قْلْتُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثُمَّ أَجْمَعَ أَهُلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ. ينظر: الجامع الصحيح: أبواب الصلاة: باب ما جاء في كَمْ تقصرُ الصلاةُ؛ تعليقان للترمذي على الحديث (٥٤٨): ج ٣ ص ٤٣٤. (•) في هامش نسحة (٣): بلغ مقابلة على نسخة قُرِيَتْ على المصنِّفِ وعليها خطُّهُ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
الصاد، طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ، قَصَرَ وَإِلاّ، أي لم يكن له غرض سوى القصر، فَلَا فِي الأَظْهَرِ، لأَنَّهُ طوَّلَ الطريق على نفسه من غير غرض، والثاني: يَقْصُرُ كما في سائر الأَسْفَارِ الطويلة وصححه الماوردي، ونظيرر هذا الخلاف ما إذا سَلَكَ الْجُنُبُ في خروجهِ من المسجد الطريق الأبعد من غير غرض، والأصح في الروضة: أنَّه لا كراهة ولا خلاف في أنَّه إذا سلك الْقَصِيرَ لا يقصر.
وَلَوْ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمِرِهِ فِي السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُ، أي كل واحد منهم، مَقْصِدَهُ، أى بكسر الصاد، فَلَا قَصْرَ، لفقد الشرط وهو تحقق السفر الطَّويل؛ كذا قاله البغوي والرافعي، وهو ظاهر فيما لم يجاوزوا مرحلتين، فإن جاوزوهما قصروا وإن لم يعرفوا المقصِدَ، فَلَوْ نَوَواْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، قَصَرَ الْجُنْدِيُّ دُونَهُمَا، لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، كذا علله الرافعي وهو ظاهر في المتطوع
دون المثبت في الديوان، واحترز بقوله (وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ) عما إذا عرف؛ فإنهم يترخصون.
وَمَنْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا انْقَطَعَ، أي فلا يترخص بشيء قطعًا، فَإِنْ سَارَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ، أي فلا يجوز القصر إلاّ أن يقصد مرحلتين، وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ؛ لأن الْقَصْرَ رُخْصَة شُرعت إعانةَ للمسافر على مقصدهِ، والعاصي لا يُعان، فلم يكن مرادًا بعموم الآية.
فَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَلَا تَرَخُّصَ فِي الأَصَحِّ، كما لو أنشأ السفر بهذه النية، والثاني: يرخص له مراعاة للابتداء، ومحل الخلاف ما إذا استمر القصد، فإن تاب ترخص قطعًا، ذكره الرافعي في اللُّقَطَةِ، وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ فَمُنْشِئٌ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبةِ، أي فإن كان منه إلى مقصده مسافة القصر (٦٤٩)؛
_________________
(١) • لحديث عمر بن الخَطَّاب - ﵁ -؛ قال: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ فِي الْقَصْرِ: [صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُواْ صَدَقَتَهُ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة =
[ ١ / ٣٤٨ ]
قصر وإلاّ فلا، وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، لأن ذلك سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كما أخرجه مسلم وأَحمد (٦٥٠)، وقوله (بِمُتِمِّ) شمل المقيم والمسافر إذا نوى الإتمام.
وَلَوْ رَعَفَ الإِمَامُ الْمُسَافِرُ؛ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ، لأنهم مقتدون بمُتِم، وَكَذَا لَوْ عَادَ الإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ، أي يلزمه الإتمام لأنه اقتدى بمتم في جزء من صلاته، فإن لم يقتد به فلا، وَلَوْ لَزِمَ الإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلاَتُهُ أَوْ صَلَاةُ إِمَامِهِ، أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ، لأنها صلاة تعين عليه إتمامها فلم يجز له قصرها كما لو فاتته في الحضر.
وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ أَتَمَّ، لأنه
_________________
(١) = المسافرين: الحديث (٤/ ٦٨٦). وفي رواية ابن حبان: [هُوَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُواْ رُخْصَتَهُ] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل: في صلاة المسافر: الحديث (٢٧٢٩). • ولحديث ابن عمر ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: [إِنَّ اللهَ ﷿ يُحِبُ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب كراهية ترك التقيصر: الحديث (٥٥١٦). • لحديث ابن عُمَرَ وابن عباس -﵄- يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة: الأثر (٥٤٩٨) وهو صحيح عنهما. وعلقه البُخَارِيّ بصيغة الجزم كما أثبتناه أعلاه. في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب في كم يَقْصُرُ الصلاة؟ .
(٢) • عن موسى بن سلمة الهذلي، قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-) رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٧/ ٦٨٨). • عن موسى بن سلمة قال: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاس بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَنَّا إذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَربَعًا؛ وَإِذَا رَجَعْنَا إِلى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: [تِلْكَ سُنِّةُ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-]. رواه الإِمام أَحْمد في المسند: ج ١ ص ٢١٦. ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٣٤٩ ]
الأصلُ مع ظهور شعار الإقامة والسفر، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ قَصَرَ، لأن الظاهر من حال المسافر القصر، وليس للنية شعار يعرف به، فهو غير مقصر في الاقتداء، والظن في هذا كالعلم، وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: إِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ قَصَرَ فِي الأَصَحِّ؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، ومقتضى الإطلاق ما نواه، والثاني: لا يجوز القصر للشك.
وَيُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَّتُهُ؛ لأن الأصل الإتمام، فإذا لم ينوِ القصر انعقدت على الإتمام فلم يجز القصر كالمقيم، فِي الإِحْرَامِ، كسائر النيات، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، أى بأن لا يقطعها ولا يتردد فيها.
وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ أَوْ أَنَّه نَوَى الْقَصْرَ، أى أولًا أم لا، أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ، أَتَمَّ، أما الأُولى: فلفوات جزم النية، وأما الثَّانية: فلان أصل النية حاصل، والواقع من الصلاة في حال الشك محسوب من الصلاة فيتأدى ذلك الجزء على التمام ويلزمه به الإتمام، وأما الثالثة: فلأن القيام مشعر بالإتمام.
وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلإِتْمَامِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، كما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغير النية، واحتزز بقوله (بِلَا مُوْجِبٍ) عما إذا أحدث ما يوحب الإتمام، وقام لذلك فإنَّه فعل واجبًا، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ، أي وهو قائم، أَنْ يُتِمَّ عَادَ ثُمَّ نَهَضَ مُتِمًّا، لأن نهوضَهُ إلى الركعه الثالثة واجبٌ ونهوضه كان لاغيًا لسهوه.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلاَتِهِ، فَلَوْ نَوَى الإِقَامَةَ فِيهَا أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إِقَامَتِهِ أَتَمَّ، لزوال سبب الرخصة كما لو كان يصلي قائمًا فمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم.
فَرْعٌ: يشترط لصحة القصر أَيضًا العلم بجوازه، فلو جهل جوازه فقصر لم تصح صلاته قطعًا؛ لأنه متلاعب، وفيه احتمال واهٍ.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلاَثَ مَرَاحِلَ، للخروج من خلاف من يوجب القصر؛ وكان - ﷺ - يداوم عليه (٦٥١)، والثاني: الإتمام أفضل لأنه أكثر عملًا، وقيل: هُما سواء، وإذا لم يبلغ ثلاث مراحل كان الإتمام أفضل، خروجًا من خلاف أبي حنيفة، قُلْتُ: ويستثنى من إطلاق المصنف الْمَلاَّحُ الذي يسافرُ في البحر، ومعه أهله وأولاده في سفينة، ومن يديم السفر في الْبَرِّ لغرض صحيح، فإن الأفضل لهما الإتمام، وكذا مسائل أُخر ذكرتها في الشرح فراجعها.
وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ، لما فيه من تبرئَةِ الذّمَّةِ، والمحافظة على فضيلة الوقت، وما ذكره المصنف يجمع به بين الأخبار الواردة في الباب، أما من تضرر به فإنه حرام عليه (٦٥٢)، وهل يصح صومه؟ فيه احتمالان عن الغزالي في المستصفى.
فَصْلٌ: يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ، أما جع التأخير فثابت في الصحيح (٦٥٣)، وأما جع التقديم فَحَسَّنَهُ الترمذي
_________________
(١) لحديث عائشة أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُول اللهِ - ﷺ - مِنَ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ؛ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ! قَالَ: [أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ؛ وَمَا عَابَ عَلَيَّ] رواه النسائي في السنن: كتاب تقصير الصلاة: باب المقام الذى يقصر بمثله الصلاة: ج ٣ ص ١٢٢، وإسناده صحيح.
(٢) ومنها حديث الحسن بن على عن جابر بن عبد الله - ﵃ -، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ضُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: [مَا هَذَا؟] فَقَالُواْ: صَائِمٌ، فَقَالَ: [لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الصوم: باب (٣٦): الحديث (١٩٤٦). ولفظ مسلم: [لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُواْ فِي السَّفَرِ]: كتاب الصيام: الحديث (٩٢/ ١١١٥). وزاد مسلم؛ قال شعبة: وكان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث وفي هذا الإسناد أنه قال: [عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ] قال: فلما سألته لم يحفظه.
(٣) لحديث أنس بن مالك - ﵁ -؟ قال: [كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيْغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ؛ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ =
[ ١ / ٣٥١ ]
وصححه ابن حبان والبيهقي (٦٥٤)، نعم فعل كل صلاة في وقتها أفضل إلّا الحاج، وقد ذكره في بابه، وخرج بما ذكره المصنف الصبح؛ فإنها لا تجمع مع غيرها، وكذا لا يجمع بين المغرب والعصر وهو إجماع.
فَرْعٌ: الْمُتَحَيِّرَةُ ليس لها أن تجمع، فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ. وَكَذَا الْقَصِيرِ فِي قَوْلٍ، كالتنفل على الراحلة، ولا يعتبر دوام السفر إلى فراغ الثانية بل إلى عقدها كما سيأتي، فَإِنْ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الأُوْلَى فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَإِلاَّ فَعَكْسُهُ، اقتداء به ﵊ كما هو في الحديث السالف.
وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلاَثَةٌ:
• الْبُدَاءَةُ بِالأُوْلَى، لأن وقت الثانية لم يدخل وإنما يفعل تبعًا للأولى، والتابع لا
_________________
(١) = أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس: الحديث (١١١٢). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب جواز الجمع بين الصلاتين: الحديث (٤٦/ ٧٠٤). وفي رواية مسلم: الحديث (٤٧) قال: [كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخْرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا] وفي رواية: الحديث (٤٨): [عَنِ النِّبِيِّ - ﷺ - إِذَا عَجَّلَ عَلَيْهِ السَّفَرَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخّرُ الْمَغْرِبَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِيْنَ يَغِيْبُ الشَّفَقُ].
(٢) هو حديث معاذُ بْنُ جَبَلٍ - ﵁ -[أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيْهِمَا جَمِيْعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيْعًا، ثُمَّ سَارَ. وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْربِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيْهَا مَعَ الْعِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلاَّهَا مَعَ الْمَغْرِبِ] رواه الترمذي في الجامَع: أبواب الصلاة: ما جاء في الجمع بين الصلاتين: الحديث (٥٥٣) وقال: حديثُ معاذ حديث حسن غريب. وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب الجمع بين الصلاتين: الحديث (١٥٩١). ورواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين في السفر: الحديث (٥٦٣٠)، وقال عن الرواية: فهى محفوظة صحيحة.
[ ١ / ٣٥٢ ]
يتقدم على المتبوع، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ، لفوات الشرط، والمراد فساد كونها عصرًا أو عشاء لا أصل الصلاة، بل تنعقد نافلة على الأصح في البحر.
• وَنِيَّةُ الْجَمْعِ، لتتميز عن تقديمها سهوًا، وَمَحَلُّهَا أَوَّلُ الأُوْلَى، قياسًا على نية القصر بجامع أنهما رخصتا سفر، وَتَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا فِي الأَظْهَرِ، لأن الجمع ضم الثانية إلى الأُوْلى فيحصل الغرض بتقديم النية على حالة الضم، والثاني: يشترط عند التحرم كالقصر، والأول فَرَّقَ بأن نِيَّةَ القصر تُراد لتنعقد الصلاة ركعتين فلذلك اشترطت عند التحرم، ولو نوى مع سلام الأُولى جاز على الأصح، وقيل: يجوز بعد التحلل من الأُوْلى وقبل الإحرام بالثانية، قال في شرح المهذب: وهو قوى.
• وَالْمُوَالاَةُ بِأَنْ لاَ يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، لأنها إنما تُفعل تبعًا، وإذا فرق بينهما لم يكن تبعًا، وقد ترك الشارع - ﷺ - الرواتب بينهما لذلك، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ، أي كالسهو والإغماء، وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، لما ذكرناه، وَلاَ يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، لأنه - ﷺ - أمر بالإقامة بينهما (٦٥٥)، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ، أي فما عدُّوْهُ طويلًا ضَرَّ، وما لا؛ فلا.
وَلِلْمُتَيَمِّمِ الْجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، كالمتوضئ، وَلاَ يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ، لأنه من مصلحة الصلاة فأشبه الإقامة، بل أَوْلى لأنه شرط دونها، والثاني: لا، لأنه يحتاج إلى الطلب، وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُوْلَى بَطَلَتَاَ وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أما البطلان في الأُولى فلترك بعض أركانها وتعذر التدارك بطول الفصل، وأما في
_________________
(١) لحدبث أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ - ﵁ -؛ قَالَ: [دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّغْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلاَةَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: الصَّلاَةُ أَمَامَكَ. فَرَكِبَ. فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيْرَهُ فِي مَنْزِلهِ، ثُمَّ أُقِيْمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب إسباغ الوضوء: الحديث (١٣٩) ومواضع أخرى. ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب الإفاضة من عرفات: الحديث (٢٧٦/ ١٢٨٠).
[ ١ / ٣٥٣ ]
الثانية: فلأن شرط صحتها تقديم الأُولى، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ تَدَارَكَ، أي ومَضَتِ الصلاتان على الصحة، وِإلَّا فَبَاطِلَةٌ وَلاَ جَمْعَ، لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها، وَلَوْ جَهِلَ، أي كون الركن المتروك من أيهما، أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا، لاحتمال الترك من الأُولى، ولا يجوز الجمع لاحتمال تركه من الثانية.
وَإِذَا أَخَّرَ الأُوْلَى لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ وَنِيَّةُ الْجَمْعِ، أي عند الشروع في الصلاة، عَلَى الصَّحِيحِ، لَأن الوقت لها، والأُولى تبع وهي بخروج وقتها تشبه الفائتة، والثاني: يجب جميع ذلك كما لو سمع بالتقديم، ووقع في الْمُحَرَّرِ الجزم بوجوب نية الجمع، وهو غلط وتبعه فيه الحاوي الصغير، وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَإلَّا فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءَ، لأن التأخير قد يكون معصية كالتأخير لغير الجمع وقد يكون مباحًا كالتأخير له فلابد من نية تميز بينهما، والأصح أنه إن نوى؛ وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة؛ كفى، أو دونها فلا، كما اقتضاه كلامه في الروضة تبعًا للرافعي، وخالف في شرح المهذب، فاعتبر قدر الصلاة.
وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا فَصَارَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مُقِيمًا بَطَلَ الْجَمْعُ، أي فتعين تأخير الثانية إلى وقتها لزوال العذر، وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا لاَ يَبْطُلُ فِي الأَصَحِّ، صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد، والثاني: تبطل كما يمتنع القصر بالإقامة في أثنائها، والأول فرق بأن القصر ينافي الإقامة بخلاف الجمع، أَوْ تَأْخِيرًا فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يُؤَثَّرْ، وَقَبْلَهُ يَجْعَلُ الأُوْلَى قَضَاءً، قال الرافعي: وكأَنَّ المعنى فيه أن الصلاة الأُولى تبع للثانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها، وهذا إذا كانت الإقامة في أثناء الأُولى، فإن كانت في أثناء الثانية، قال في شرح المهذب: ينبغي أن تكون الأُولى أداء قطعًا.
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ، لأنه - ﷺ - صلّى بالمدينة سبعًا جميعًا، وثمانيًا جميعًا
الظهر والعصر، والمغرب والعشاء متفق عليه (٦٥٦) في رواية لمسلم: [مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ
_________________
(١) لحديث ابن عباس ﵄: [أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِالْمَدِيْنَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا؛ الظُّهْرَ =
[ ١ / ٣٥٤ ]
وَلاَ سَفَرٍ] (٦٥٧) قال مالك: أرى ذلك بعذر المطر، تَقْدِيمًا، أي قطعًا ومن حكى الخلاف فيه فَقَدْ وَهِمَ، وَالْجَدِيدُ مَنْعُهُ تَأخِيرًا، لأن المطر قد ينقطع فيؤدى إلى الجمع من غير وجود عُذرٍ، والقديم الجواز قياسًا على الجمع بعذر السفر.
وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ وُجُودُهُ، يعي المطر، أَوَّلَهُمَا، أى أول الصلاتين ليتحقق الجمع مع العذر، وَالأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلاَمِ الأُوْلَى، ليتحقق اتصالُ آخِرُ الأُولى بأَوَّلِ الثانية مقرونًا بالعذر، والثاني: لا يشترط، ونقله الإِمام عن الْمُعْظَمِ، وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إِنْ ذَابَا، أي وَبَلَّا الثوب، وَالأَظهَرُ: تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ، لأن الجمع جُوِّزَ للمشقة وتحصيل الجماعة،
وهذا المعنى مفقود في ضِدِّهَا، والثاني: لا يختص، لأنه - ﷺ - كان يجمع في المسجد
وبيوت أزواجه بقربهِ.
_________________
(١) = وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب مواقيت الصلاة: باب تأخير الظُّهر إلى العصر: الحديث (٥٤٣) والحديث (٥٦٢) وفي لفظ له: [صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْعًا جَمِيْعًا، وَثَمَانِيًا جَمِيْعًا، والأول عند مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٥٦/ ٧٠٥). وفي رواية لمسلم: عن ابن عباس قال: [جَمَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِيْنَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ] قال سعيد بن جبير: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: [كَيْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ]: الحديث (٥٤/ ٧٠٥).
(٢) عن عبدالله بن شقيق، قال: خَطبَنَا ابْنُ عَبَاسٍ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَبَدَتِ النُّجُومُ؛ وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ الصَّلاَة الصَّلاَة، قَالَ: فَجَاءُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيْمٍ لاَ يَفْتَرُ وَلاَ يَنْثَنِي: الصَّلاَة الصَّلاَةُ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟ لاَ أُمَّ لَكَ! ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رواه مسلم: الحديث (٥٧)، وفي رواية سعيد بن جبير: [بِالْمَدِيْنَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ] الحديث (٥٤/ ٧٠٥). ورواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب الجمع في المطر: الحديث (٥٦٤٦) وما بعده.
[ ١ / ٣٥٥ ]