الْمَوَاتُ: الأَرْضُ الَّتِي لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا اخْتِصَاصٌ لأَحَدٍ بِعِمَارَةٍ أَوْ غَيرِهَا؛ قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَحَدُّهُ: مَا لَمْ يَكُنْ عَامِرًا وَلَا حَرِيمًا لِعَامِر قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ أَوْ بَعُدَ، قَال الأزْهَرِيُّ: وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الأَرْضِ لَا رُوْحَ فِيهِ يُقَالُ لَهُ مَوْتَانِ، وَمَا فِيهِ رُوْحٌ حَيوَانٌ. والأصلُ فِي الْبَابِ قَوْلُهُ ﵊: [مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ] رواهُ أبُو داود والنسائيُّ والترمذيُّ وَقَال: حَسَنٌ غَرِيبٌ (١٧٠)، وَالْمِلْكُ بِهِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا.
الأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ قَطُّ إِنْ كَانَتْ بِبِلَادِ الإِسْلَامِ فَلِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا بِالإِحْيَاءِ، أَي وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الإِمَامُ، وَيَكْفِي إِذْنُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيهِ فِي الأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ (١٧١)،
_________________
(١) عن سعيد بن زيد؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: [مَنْ أَحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ؛ وَلَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الخراج والإمارة والفيء: الحديث (٣٠٧٣). والنسائي في السنن الكبرى: كتاب إحياء الموات: الحديث (٥٧٦١/ ٣). والترمذي في الجامع: كتاب الأحكام: باب ما ذُكِرَ في إحياء أرض الموات: الحديث (١٣٧٨)، وقال: حديث حسن غريب.
(٢) * عن عائشة ﵂؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَال: [مَنْ عَمَرَ أرْضًا لَيسَتْ لأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الحرث والمزارعة: باب من أحيا أرضًا مواتًا: الحديث (٢٣٣٥). * عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ عَنْ أَبِيهِ قَال: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ قَبْلَهُ فَهِيَ لَهُ؛ وَلَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: =
[ ٢ / ٩٤٧ ]
وَالْمِلْكُ فِي اللُّغَةِ: الْقُوَّةُ، وفي الشَّرْعِ: لَيسَ أمْرًا حَقِيقِيًّا قَائِمًا بِالْمَمْلُوكِ وَإِنَّمَا هُوَ مُقَدَّرٌ فِيهِ ليجري عَلَيهِ أَحْكَامَهُ، قاله الشيخ عز الدين. قال الْجُوْرِيُّ: وَمَوَاتُ الأَرْضِ صَارَ مِلْكًا لِلشَّارِعِ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ، وَلَيسَ هُوَ لِذِمِّيٍّ، لأنه نوعُ تمليكٍ يُنَافِيهِ كُفْرُ الحربيِّ فَنَافَاهُ كفرُ الذِّمِّيِّ كَالإِرْثِ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَتْ بِبِلَادِ كُفْرِ فَلَهُمْ إِحْيَاؤُهَا، لأنهُ من حقوقِ دَارِهِمْ ولا ضَرَرَ على المسلمينَ فيهِ فَملكوهُ بالإحياءِ كالصَّيدِ، وَكَذَا لِلْمُسْلِمِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَذُبُّوْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، كمواتِ دارِ الإسلامِ، فإن كانوا يذبُّون عنها، فلا؛ كالمعمور من بلادهم. ولو استولى عليه بعضُ المسلمين فالأصح أنَّه يفيد اختصاصًا كالمتحجر؛ لأن الاستيلاءَ أبلغُ منهُ، وَمَا كَان مَعْمُورًا فَلِمَالِكِهِ، لأن الإحياء لإحداث الملك وهي مملوكة، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، أي المالك، وَالْعِمَارَةُ إِسلَامِيَّةٌ فَمَالٌ ضَائِعٌ، أي يحفظُ إلى مَجِىْءِ صاحبِهِ والأمرُ فيه إلى رَأْيِ الإمَامِ، وَإِنْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةَ؛ فَالأظْهَرُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ، كالرِّكَازِ، والثاني: المنعُ، لأنها ليست بمواتٍ، وَلَا يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ حَرِيمٌ مَعْمُورٌ، لأنَّ مَالِكَ المعمورِ يَسْتَحِقُّ مَرَافِقَهُ. وهل يملك صاحب العمارة؟ فيه وجهان؛ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، قال العبادي: ولا يملك بيعه، وَهُوَ، يعني الْحَرِيمُ، مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيهِ لِتَمَامِ الانْتِفَاعِ، أي وهو المواضعُ القريبةُ من المعمور كالطريقِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ ونحوهما، ويختلفُ باختلافِ المعمورِ، وسُمِّيَ حَرِيمًا؛ لأنه يَحْرُمُ عَلَى الغَيرِ التَّعَرُّضَ لَهُ، فَحَرِيمُ الْقَرْيَةِ النَّادِي، أي وهو مُجْتَمَعُ الْقَوْمِ لِلْحَدِيثِ، ولا يُسَمَّى المجلسُ ناديًا إلا والقومُ فيه، وعبارةُ الْمُحَرَّرِ بَدَلَ النَّادِي مُجْتَمَعُ النَّادِي وهو صحيحٌ أيضًا، فإنه يقال للمجلس كما سلف ولأهله أيضًا، وَمُرْتَكَضُ الخَيلِ، أي إِنْ كَانُوا خَيَّالةً، وَمُنَاخُ الإِبِلِ، وهو الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنَاخُ فِيهِ وهو بضم
_________________
(١) = الحديث (١١٩٩٤). وعن عروة عن عائشة ﵂: الحديث (١١٩٩٨). * قال الترمذي في الجامع: الحديث (١٣٧٨): وفي الباب عن جابر وعَمْرِو بن عوف المزني جَدِّ كَثِيرٍ وَسَمُرَةَ. حديث جابر رواه الترمذي في الرقم (١٣٧٩)، وقال: حديث حسن صحيح. وحديث عمرو بن عوف رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (١١٩٩٥) من طريق كثر بن عبد الله عن أبيهِ عن جَدِّهِ.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
الميم كما ضبطه بخطهِ، وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ، أي والسَّمَادِ وَالْقُمَامَاتِ، وَنَحْوُهَا، أي كَمُرَاحِ الْغَنَمِ، وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وسائرِ ما يُعَدُّ مِنْ مَرَافِقِهَا، ووجهُ ذلك العُرْفُ. والعملُ بذلك خَلَفًا عن سَلَفٍ، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ مَوْقِفُ النَّازِحِ، أي إنْ كَانَ يَنْزَحُ بِالدِّلاءِ بِيَدِهِ. قال الروياني: وإن كان يَنْزَحُ بِالدَّابَّةِ فَحَرِيمُهَا قَدْرَ عُمْقِهَا، وَالْحَوضُ، أي الَّذي يجتمعُ فيه الماءُ إلى أن يُرْسَلَ، كما صرَّحَ بهِ في الْمُحَرَّر، وَالدُّولابُ، أي مَوْضِعُهُ كما في الْمُحَرَّرِ أيضًا إذا كانَ الاستقاءُ به كما قيَّدَهُ في الشَّرحِ، وَمُجْتَمَعُ الْمَاءِ، قُلْتُ: وكذا الموضعُ الَّذى يُطْرَحُ فِيهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وعبارة الْمُحَرَّرِ مَصَبُّ الْمَاءِ بَدَلَ مُجْتَمَع الْمَاءِ، قُلْتُ: والظاهرُ أنَّه غيرهُ، وَذِكْرُ الْمُصَنِّفِ الْحَوْضَ مَعَ الْمُجْتَمَعِ فِيهِ نَظَرٌ، فإنَّ الحوضَ مكانُ اجتماعِ الماءِ كما قَدَّمْتُهُ عن الْمُحَرَّرِ، وهو في الروضة تبعًا للشرح، ذَكَرَ الْمَصَبَّ، والموضعَ الَّذِي يجتمعُ فيه لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، من حوضٍ ونحوَهُ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ، أي إذا كان الإستقاءُ بها؛ وَكُلُّ ذلكَ غيرُ محدودٍ وإنما بحسب الحاجة، واحترزَ بالمواتِ عن المحفورةِ في مِلْكِهِ.
فَرْعٌ: حَرِيمُ النَّهْرِ الْمَحْفُورِ فِي الْمَوَاتِ يُقَاسُ بِالْبِئْرِ.
وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي الْمَوَاتِ مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ، أي من جهتهِ وليسَ المرادُ منه استحقاقُ الْمَمَرِّ في قبالةِ البابِ على امتدادِ المواتِ بل يجوزُ لغيرهِ إحياءَ ما يقابلُ البابَ إذا أبقى مَمَرًّا له، فإن احتاج إلى انْعِطَافٍ وَازْورَارٍ فَعَلَ، وَحَرِيمُ آبَارِ القَنَاةِ مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أوْ خِيفَ الإِنْهِيَارُ، أي السقوطُ ويختلفُ بذلكَ بِصَلَابَةِ الأَرْضِ وَرَخَاوَتِهَا.
فَرْعٌ: قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إِذَا أَحْيَا أَرْضًا لِيَغْرِسَ فِيهَا؛ وَغَرَسَ؛ فَلَيسَ لِغَيرِهِ أنْ يَغْرِسَ بِجِوَارِهِ بِحَيثُ تَلْتَفُّ أَغْصَانُ الْغِرَاسِ وَبِحَيثُ تَلْتَقِي عُرُوقُهَا.
فَرْعٌ: قال الماوردي: حَرِيمُ الأرْضِ الْمُحْيَاةِ لِلزِّرَاعَةِ طُرُقُهَا وَمَغِيضُ مَائِهَا وَبَيدَرُ زَرْعِهَا وَمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ مِنْ مَرَافِقِهَا.
وَالدَّارُ الْمَحْفوفَةُ بِدُورٍ لَا حَرِيمَ لَهَا، لأنَّ الأملاكَ متعارضةٌ وليسَ جَعْلُ موضعٍ
[ ٢ / ٩٤٩ ]
حريمًا لِدَارٍ بَأَوْلى مِنْ جَعْلِهِ حريمًا لأُخْرَى، وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، أي وإن تضرر به صاحبه، ولا ضمان عليه إذا أفضى إلى تلف، فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ، لمخالفةِ العادَةِ وَالافْتِئَاتِ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَاصْطَبْلًا، أي وكذا طاحونةً، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ، أي وكذا قصَّارًا، إذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ، أي بحيثُ يليقُ بما يقصده، لأنه مُتَصَرِّفٌّ في خَالِصِ مِلْكِهِ. وفي منعِهِ إضرارٌ به. فإن فَعَلَ ما الغالبُ منه ظهورُ الخَلَلِ في حيطان الجار فالأَصَحُّ الْمَنْعُ، والثاني: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ الضَّرَرُ، واختارَ ابنُ الصلاحِ أنَّه يُمْنَعُ مِنْ كُلِّ مُؤذٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ مُطْلَقًا.
فَرْعٌ: لو كانَ دقُّ القَصَّارِ يمنعُ ثبوتَ الْحَمَامِ لم يمنع من الدَّقِّ، قاله في البحرِ. وَيَجُوزُ إِحْيَاءُ مَوَاتِ الْحَرَمِ، كما يجوز تملك معمورهِ بالبيع والهبةِ، دُونَ عَرَفَاتَ فِي الأَصَحِّ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوُقُوفِ بِهَا، والثاني: يجوزُ كغيرها؛ فقيل: يبقى حقُّ الوقوفِ؛ وقيل: لا. وقيل: إنْ ضَاقَ (•) الباقي بقى وإلَّا فلا، وإذا قلنا يبقى حقُّ الوقوفِ قال ابنُ الرفعة: فهل يثبتُ في كُلِّ الوقتِ من الزوال يومَ عرفةَ إلى طلوعِ الفجرِ فليس لِلْمُحْيِيِّ إزعاجُهم فيه أَوْ لَهُ إزعاجُ من حصل له الوقوفُ. الأَشْبَهُ الأَوَّلُ، بل لا يَسُوْغُ غَيرُهُ. قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَّى كَعَرَفَةَ، وَالله أَعْلَمُ، لوجود المعنى -كذا جزم به المصنف- هنا، وعبَّر عنهُ بالأصحِّ في تصحيحه وذَكَرَهُ في الروضةِ بحثًا، بِلَفْظِ يَنْبَغِي، وفيه نظرٌ؛ لضيقِ مزدلفة ومِنى دُوْنَ عرفاتٍ فينبغي الجزمُ بعدمِ الجَوَازِ.
فَصْلٌ: وَيَخْتَلِفُ الإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ، أي والرجوع في ذلك إلى العُرْفِ، لأَنَّ الشرْعَ أَطْلَقَهُ وَلَا حَدَّ لَهُ في اللغة فيرجع فيه إليه وهو في كلِّ شيءٍ بحسبهِ والضابطُ التهيئةُ للمقصُودِ، فَإِنْ أَرَادَ مَسْكَنًا اشْتُرِطَ تَحْويطُ الْبُقْعَةِ، أي بالأجزاءِ وغيرهِ بحسب العادة، وَسَقْفُ بَعْضِهَا، لأنَّ اسمَ الدَّارِ حينئذٍ يقعُ عليهِ، وَتَعْلِيقَ بَابٍ، لأنَّ العادةَ في المنازل أنْ يكونَ لها أبوابٌ، وما لا باب له لا يُتَّخَذُ مسكنًا، وَفِي الْبَابِ
_________________
(١) (•) في النسخة (٢) بدل ضاق: أضاف.
[ ٢ / ٩٥٠ ]
وَجْهٌ، لأن نَصْبَهُ للحفظِ والسُّكْنَى لا يَتَوَقَّفُ عليهِ، قُلْتُ: وَفِي السَّقْفِ أَيضًا وجهٌ.
فَرْعٌ: لا يشترط السكنى بحال، وقال المحاملي: الإِيوَاءُ إِلَيهَا شَرْطٌ.
أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابٍ فَتَحْويطٌ، أي بما جرتِ العادةُ به، ولا يكفي نَصْبُ سقفٍ وأحجارٍ من غيرِ بناءٍ، لَا سَقْفٌ، لأنه العادةُ فيه، وَفِي الْبَابِ الْخِلافُ، أي السالفِ في المسكنِ، بتعليله؛ وشرطَ صاحبُ الإِفْصَاحِ: أَنْ يَعْمَلَ عَلَى الْحِيطَانِ شَوْكًا.
فَائِدَةٌ: الزَّرِيبَةُ: حَظِيرَةُ الْغَنَمِ مِنْ خَشَبِ؛ قاله الجوهريُّ.
أَوْ مَزْرَعَةً فَمَجْمَعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا، لينفصل المحيى عن غيره، وفي معناهُ نصبُ قصبٍ وحجرٍ وشوكٍ ولا يحتاجُ إلى تحويطٍ، وَتَسْويَةُ الأَرْضِ، أي بِطَمِّ المنخفض وَكَسْحِ المستعلي وحراثَتُها وَتَلْيِينُ تُرَابِهَا، فإن لم يتهيأْ ذلك إلا بما يُساقُ إليها فلا بد منه لِتَتَهَيَّأَ لِلزِّرَاعَةِ، وَتَرْتِيبُ مَاءٍ لَهَا، أي بِشَقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو بحفرِ بئرٍ أو قناةٍ، إِنْ لَمْ يَكْفِهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ، لأنهُ لا يحصل المقصودُ بدونه، فإنْ كَفَاهَا فلا يحتاج إلى ترتيب ماء لها على الصحيح، لَا الزرَاعَةُ في الأَصَحِّ، لأنها استيفاءُ منفعة؛ وهو خارج عن الإحياءِ، والثاني: لا بد منه؛ لحصول الملك، لأنَّ الدَّارَ لا تصير مُحياةً حتَّى يحصلُ فيها عَينُ مَالِ الْمُحْيِيِّ فكذلك الزراعةُ، أَوْ بُسْتَانًا فَجَمْعُ التُّرَابِ، كالمزرعة. وحكمُ الْكَرْمِ حكمُ البستانِ، وَالتَّحْويطُ حَيثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، عملًا بها، والرجوع فيما يحوط به إلى العادة، وَتَهْيِئَةَ مَاءٍ، كما سلف في المزرعة سواء، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي بخلاف الزراعة كما تقدم، والفرق أن اسم الْمَزْرَعَةِ يَقَعُ على الأرضِ قَبْلَ الزَّرْعِ بخلاف الْبُسْتَانِ قَبْلَ الْغَر، وقيل: لا يعتبر إذا لم يُعْتَبَرِ الزَّرْعُ هُنَاكَ.
فَرْعٌ: يكفي غرسُ البعضِ كما صحَّحَهُ الإمامُ.
فَرْعٌ: هل يُشترط أنْ يُثْمِرَ الغَرْسُ؟ فيه خلافٌ حكاهُ بعض الفضلاءِ المتأخرينَ، والظاهِرُ أنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.
فَصْلٌ: وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّهُ أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ
[ ٢ / ٩٥١ ]
أَوْ غَرَزَ خَشَبًا فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لقول رسول الله - ﷺ -[مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ] رواه أبو داود (١٧٢)، وهذه الأَحَقِّيَّةُ أَحَقِّيَّةُ اختصاصٍ لا مِلْكٍ على الأصح، لأن سَبَبَهُ الإحياءُ ولم يُوجد، لَكِنِ الأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيعُهُ، لأن حَقَّ التَّمَلُّكِ لا يُباعُ كَحَقِّ الشفيعِ، والثاني: يصحُّ ويعتمدُ حَقَّ الاختصاصِ، كبيع علو البيت للبناء والسكنى دون أسفله، وادعى الفورانيُّ: أنَّه المذهب، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ، لأنهُ حَققَ الْمِلْكَ وإن كانَ ظالمًا، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي سَوْمِ أَخِيهِ وَاشْتَرَى، والثاني: لا يملكه، لئلا يبطل حق غيره وهو أقيس، والثالث: إن انضم إلى التحجر إقطاعُ الإمام منع التملك وإلا فلا، ومحل الخلافِ إذا كان أحياها مزرعةً، فأما إذا كان له بناءٌ فلا يجوز له نَقْلُهُ والتصرفَ فيه بغير إِذْنِ مالكه كما نبَّه عليه الفارقي، ويصحُّ أيضًا بيعهُ كما قاله بعضُ متأخري أصحابنا على ما حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعِينِ، قال: وربما خالفه الرافعيُّ، وهذا أيضًا إذا لم يكن له عذر، ولم يعرض عن العمارة؛ فإنْ أعرضَ عنها مَلَكَهُ الْمُحييُّ قطعًا، وإن ترك لعذرٍ فلا قطعًا؛ قاله الجيلي، والخلافُ في المسألة شبيهٌ بما إذا عَشَّشَ الطائرُ في مِلْكِهِ وَأَخَذَ الْفَرْخَ غَيرُهُ هَل يَمْلِكُهُ؟ وكذا لو تَوَحَّلَ ظَبيٌّ في أرضهِ، أو وَقَعَ الثَّلْجُ فيها ونحو ذلكَ، وَلَوْ طَالتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ قَال لَهُ السُّلْطَانُ، أي أَوْ نَائِبُهُ: أَحْيِ أَو اتْرُكْ، لأنَّ فيهِ نوعَ حمَّى فَمُنِعَ مِنْهُ، والرجوعُ في طولِهَا إلى العادةِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ، أي لعذرٍ أبداهُ، أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً، رِفْقًا بهِ ودفعًا للضَّرَرِ عنه وأَلْحَقَ في البحرِ ما إذا لم يُبْدِ عذرًا بذلك أيضًا.
فَرْعٌ: المرجعُ في قَدْرِ هذهِ الْمُدَّةِ إلى رَأيِ السُّلْطَانِ وَلَا تَتَقَدَّرُ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الأصَحٌ.
_________________
(١) عن أسْمَرِ بْنِ مُضَرِّسٍ قَال: أَتيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعْتُهُ؛ فَقَال: [مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب الخراج: الحديث (٣٠٧١). والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (١١٩٩٧)، وإسناده حسن كما قال ابن حجر في التلخيص: ج ٣ ص ٧٢، وقال: قال البغوي: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث، وصححه الضياءُ في المختارة.
[ ٢ / ٩٥٢ ]
وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِمَامُ مَوَاتًا صَارَ أَحَقَّ بإِحْيَائِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ، لظهور فائدة الإقطاع [وَقَدْ أقْطَعَ ﵊ أرْضًا لِلزُّبَيرِ وَغَيرِهِ] (١٧٣) ومعنى إقطاعه إِذْنُهُ فِيهَا، وإذا طالت المدة أو أحياه غيره فالحكم كما سبق في المتحجر، وَلَا يُقْطِعُ إِلَّا قَادِرًا عَلَى الإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيهِ، لأنه عين المصلحة، وَكَذَا التَّحَجُّرُ، أي لا يتحجرُ إلَّا ما يمكنهُ القيامُ بعمارتهِ ولا يزيدُ، فإن زاد فالأقوى في الروضة أنَّ لغيرهِ إحياءَ الزائدِ، وَالأظْهَرُ أنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ، أي يمنع، بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَّعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ، وَصَدَقَةٍ، وَضَالَّةٍ، وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ، أي عن الذهابِ لطلبِ الرَّعْيِّ وغيرهَ وهي بضم النون لأن النبي - ﷺ -[حَمَى النَّقِيعَ -بالنون- لِلْخَيلِ خَيلِ المُسْلِمِينَ]، رواه ابن حبان (١٧٤) و[حَمَى عُمَرُ - ﵁ - الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ] رواه البخاري (١٧٥)، وإنما يجوزُ
_________________
(١) * عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ أقْطَعَ الزُّبَيرَ أَرْضًا) رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب إحياء الموات: باب سواء كل موات لا مالك له أين كان: الحديث (١٢٠٢٢). * عن عَمْرو بنُ حُرَيثٍ قَال: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ؛ فَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ وَمَسَحَ رَأْسِي، وَخَطَّ لِي دَارًا بِالْمَدِينَةِ بِقَوْسٍ، ثُمَّ قال: [أَلا أَزِيدُكَ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (١٢٠٢٠).
(٢) عن ابن عمر ﵄؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَمَى الْبَقِيعَ لِخَيلِ المُسْلِمِينَ). رواه ابن حبان في الإحسان بترتيب الصحيح: باب الحمى: الحديث (٤٦٦٤): ج ٧ ص ٩٤. والبَقِيع؛ بالباء هكذا في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، وعلى ما يبدو أنَّه تصحيف في النسخة المطبوعة بتقديم وضبط كمال يوسف الحوت. والصحيح ما أثبته ابن الملقن ﵀. ورواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب إحياء الموات: الحديث (١٢٠٢٨): بلفظ: [أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ لِخَيلِ المُسْلِمِينَ؛ تَرْعَى فِيهِ]. والنقيع: هو موضع قريب من المدينة على بعد عشرين فرسخًا، وقدره ميل في ثلاثة أميال، كان يستنقع فيه الماء أي يجتمع، حماه لنعم الفيء وخيل المجاهدين فلا يرعاه غيرها.
(٣) عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: [لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَرَسُولهِ]، قال: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ. =
[ ٢ / ٩٥٣ ]
ذلك إذا لم يَضُرَّ بالمسلمينَ، والثاني: لا، لأنه لا يجوز أن يحمي لنفسهِ فلا يحمي لغيره كغيرهِ (•) من الرعية وعكسه النبي - ﷺ - كان له أن يحمى لنفسه ولم يفعله فكان له أن يحمي لغيره، وخرج بالإمام الآحادُ؛ وبقوله لِرَعِي نَعَمٍ إلى آخرهِ الحمى لنفسه وبه صَرَّح بعدُ، ودخل في قوله الإمامُ نَائِبُهُ، وَأَن لَهُ نَقْضَ مَا حَمَاهُ لِلْحَاجَةِ، رعايةَ للمصلحةِ، والثاني: لا، لِتَعَيُّنهِ لتلكَ الجهةِ كالمسجدِ والمقبرةِ. أما ما حماهُ النبي - ﷺ - فلا ينقض بحال لأنهُ نَص، وبه قطعَ صاحبُ الرَّوْنَقِ وَقَال: بحوازهِ لا حَق غيرهِ من الأئمةِ إلا الخلفاءُ الأربعةُ؛ فقال فيهم قولان؛ أصحهما: أنه لا يجوز، وهذا غريب، وَلَا يَحمِي لِنَفْسِهِ، لأن ذلك من خصائصه عَلَيهِ أَفْضَلُ الصلاةِ وَالسَّلامِ ولم يقع ذلك فيه ولو وقع لكان أيضًا لمصلحةِ المسلمينِ؛ لأن ما كان مصلحة له فهو مصلحة لَهُمْ.
فَصْلٌ: مَنْفَعَةُ الشارِع، أي الأصْلِيَّةِ، الْمُرُورُ، أي وهو مستحق للناس كافة، وَيَجُوزُ الْجُلُوس بِهِ لاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَة وَنَحْوهِمَا، أي كالانتظارِ، إِذَا لَمْ يُضيق عَلَى الْمَارَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْن الإمَامِ، لاتفاق الناس عليه على تلاحقِ الأعصارِ مِنْ غيرِ نكير، وقد ذَكَرَ المصنفُ المسألةَ في الصُّلْح وعير عن الشَّارع بِالطرِيقِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّه، أي وهي المنسوجةُ من القصبِ بتشديدِ المثناة تحت على الأفْصَح، وَغَيرِهَا، أي مما ينقل معه كثوبٍ، لأن ذلك لا يضر بالمارةِ، فإن كان بِنَاء لم يجز، وَلَوْ سَبَقَ إِلَيهِ، أي إلى الشارِع، اثْنَانِ، أي وَتَنَازَعَا في موضع مِنهُ كصفة، أقْرِعَ، لعدم المزيةِ، وَقِيلَ: يُقَدمُ الإِمَامُ بِرَأيِهِ، كمالِ بيتِ المالِ.
فَرْعٌ: في ثبوتِ هذا الارتفاقِ لأهل الذمة وجهان؛ والذي يَظَهَرُ ثُبوتَه، لأنَّ ضَرَرَهُ لَا يَتَأبَّد.
_________________
(١) = رواه البخاري في الصحيح: كتاب المساقاة: باب لا حمى إلا لله ولرسوله - ﷺ -: الحديث (٢٣٧٠). والشَرَفُ: القرى التي تقترب من المدن؛ وقيل: القرى التي بين بلاد الريف وجزيرة العرب، قيل ذلك لأنها أشرفت على السواد، قال ابن الملقن في التحفة: والسَرِف بمهملة ومعجمة؛ وهو تصحيف. (•) هذه الزيادة في (١) فقط وبها يتم المعنى، والله أعلم.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
فَرْعٌ: لَيسَ لِلإِمَامِ وَلَا غَيرَهُ مِنَ الْوُلاةِ أَنْ يَأخُذَ مِمَّنْ يَرْتَفِقُ بِالجُلُوسِ وَالْبَيع وَنَحْوهِ فِي الشَّارِع عِوَضًا قَطْعًا.
وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِلْمُعَامَلَةِ، أي وكذا الصناعة كخياطة وَنَحْوهَا، ثُم فَارَقَهُ، أي فارقَ موضعَ جلوسهِ، فَإنْ فَارَقَهُ، تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَو منَتَقِّلًا إِلَى غَيرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ، لإعراضهِ عَنْهُ، وإن فارَقَهُ لِيَعُودَ لَم يَبْطُل، إِلأ أَن تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ بِحَيثُ يَنْقَطِع مُعَامِلُوهُ عَنْهُ ويألفُون غَيرَهُ، لأن الغرضَ من الموضع المتعينِ أن يُعرفَ فيعَامَلَ، وسواء فارقَ بعذرٍ أو بغيرِهِ، واحترزَ بالمعاملةِ عمَّا إذا جلسَ لاستراحة وشبهها فإن حَقهُ يبطلُ بِمُفَارَقتِهِ، أما الجَوَّالُ فينقطعُ حَقهُ بِمُفَارَقتِهِ جزْمًا، وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ ويقْرِىُء، أي القرآنَ أو العلمَ وكذا التدريسَ، كَالْجَالِسِ فِي شَارع لِمُعاملة، لأن لهُ غَرضًا في ملازمتهِ ذلكَ الموضعَ لِيَألفَهُ الناسُ، ونقل الماوردي في أحكامه هذا عن مالك؛ وحكى عن جمهور الفقهاءِ أنه متَى قَامَ بَطَلَ حَقهُ لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١٧٦)، وَلَوْ جَلَسَ فِيِه لِصَلاة لَم يَصِرْ أَحَق به فِي غَيرِهَا، أي بخلافِ مقاعدِ الأسواقِ وفي الفَرْقِ نَظرٌ، فَلَو فارَقَهُ لِحَاجَب لِيَعُودَ، أي كما إذا فارقَهُ لقضاءِ حاجة ونحرِها، لَم يَبطُلِ اختصَاصُهُ فِي تلْكَ الصلاةِ، فِي الأصَحِّ، وَإِن لَمْ يَتْرُكْ إِزارَهُ، لقوله - ﷺ -: [إِذَا قَامَ أحَدُكُم مِنْ مَجْلِسِهِ، ثم رَجَعَ إِلَيهِ، فَهُوَ أحَق بِهِ] رواه مسلم (١٧٧)، والثاني: يبطلُ حَقُّهُ لحصولِ المفارقةِ كما بالإضافةِ إلى سائرِ الصلواتِ، وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إِلَى مَوْضِع رِبَاط مُسَبلٍ أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَة، أَوْ صُوفِي إِلَى خَانِقَاهُ لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةِ وَنَحْوهِ، أي سواء خَلِفَ أحدًا فيه أو متاعه أم لا! لعمومِ الحديثِ السَّابقِ، نعم؛ لو اتخذه
_________________
(١) الحج / ٢٥.
(٢) رواه مسلم في الصحيح: كتاب السلام: باب إذا قام: الحديث (٣١/ ٢٧٩١) عن أبي هريرة - ﵁ -. وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب إذا قام من مجلس: الحديث (٤٨٥٣). وابن ماجه في السنن: كتاب الأدب: الحديث (٣٧١٧). وعند الإمام أحمد في مواضع عديدة من المسند: ج ٢ ص ٢٦٣ و٢٨٣ و٣٨٩، ٤٨٣ و٥٣٧.
[ ٢ / ٩٥٥ ]
مسكنًا أزعجَ منهُ، ولا يجوزُ أنْ يقيمَ فيه أكثرَ من مُدَّةِ المسافرينَ ثلاثة أيام بلياليها كما قاله في المطلب، وقوله (لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوهِ) هو بدل قوله فِي الْمُحَرَّرِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَمَا أشبهَهُ فعبارةُ الكتابِ أَعَمُّ.
فَائِدَة: سُئل القفالُ عن تعليمِ الصبيانِ في المسجدِ؛ فقال: الأغلبُ من الصبيانِ الضرَرُ بالمسحدِ فَيَجُوزُ مَنْعُهُمْ (١٧٨).
فَصل: المعدِن الظاهِرُ؛ وَهُوَ مَا خَرَجَ بِلا عِلاجٍ، أي عَمَلٍ، كَنِفْطٍ وَكِبرِيتٍ وَقارٍ، أي هو الزِّفْتُ، وَمُومْيَاءَ، أي بالمدِّ والقَصرِ وهو شيء يُلقيهِ الماءُ في بعضِ البلادِ على الساحِلِ فَيَجْمَدُ وَيَصيرُ مِثْلَ القارِ، ويقال أيضًا: إِنهَا حجارة تكونُ باليَمَنِ سَوْدَاءَ، والمرادُ التي تُوجدُ في أجزاء الأرضِ لَا المأخوذِ مِن عِظَامِ المَوْتَى، وَبِرَامٍ وَأحْجَارِ رَحًى لَا يُمْلَكُ بِالإحْيَاءِ، لأَنهُ إِذَا امْتَنَعَ إِقْطَاعُهَا كَمَا سَيَأتِي فَتَملِيكُهَا أوْلَى، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاص بِتَحَجُّر وَلَا إِقْطَاع، بل هي مشتركة بينَ الناسِ كالمياهِ الجَارِيَةِ وَالكَلإِ وَالحَطَبِ (١٧٩)، فَإن ضَاقَ نَيلُهُ، أي المستخرجُ مِنْهُ، قُدمَ السابِقُ
_________________
(١) لحديث أبي سَعِيدٍ الخُدري - ﵁ - أن النبِي - ﷺ - قَال: [لا ضَرر وَلَا ضِرَارَ؛ وَمَنْ ضَار؛ ضَارهُ الله، وَمَنْ شَاقَّ؛ شَاق الله عَلَيهِ]. رواه الحاكم في المستدرك: كتاب البيوع: الحديث (٢٣٤٥/ ٢١٦)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم. ووافقه الذهبي قال: على شرط مسلم. والدارقطني في السنن: كتاب البيوع: الحديث (٢٨٩) منه: ج ٣ ص ٧٧ وإسناده حسن.
(٢) لحديث أبيضَ بنِ حَمَّال المأربي، قال: أتَيتُ رَسُولَ الله فاستَقطَعتُهُ الملْحَ الذِي بِمَأرِبَ؛ فَأقْطَعنِيه. فَقَال رَجُل: يَا رَسُولَ الله! إِنهُ كَالمَاءِ العَد! قَال: [فَلَا إذَنْ]. رواه النسائي في السنن الكبري: كتاب إحياء الموات: باب الإقطاع: الحديث (٥٧٦٥/ ٢). رواه أصحاب السنن الأربعة بالفاظ، رواه أبو داود في السنن: كتاب الخراج: باب في إقطاع الأرضين: الحديث (٣٠٦٤). والترمذي في الجامع: كتاب الأحكام: الحديث (١٣٨٠)، وقال: حديث غريب. وابن ماجه في السنن: كتاب الرهون: باب إقطاع الأنهار والعيون: الحديث (٢٤٧٥) وفيه: فَاسْتقَال رَسُولُ الله - ﷺ - أبيضَ بنَ حَمَّال فِي قطِيعَتِهِ فِي الملْح. فَقَال: قدْ أقلتُكَ مِنْهُ عَلَى أنْ تَجعَلهُ مِنِّي صَدَقَة. فَقَال رَسُولُ =
[ ٢ / ٩٥٦ ]
بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، أي وَالرُّجُوعُ فِيهِ إلى العُرفِ فيأخذُ ما تقتضيهِ العَادَةُ لأمثالهِ قالهُ الإمامُ، فإن طلبَ زِيَادَةً فَالأصَح إِزْعَاجُه، لشدةِ الحاجةِ إلى المعادِنِ فإقامَتُهُ عليهِ كَالتحويطِ المَانِع مِنَ الأخْذِ، والثاني: لا يزعجُ وَيَأخُذُ بِحَق السَّبقِ مَا شَاءَ لِلْحَدِيثِ السَّالف [مَن سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقهُ إِلَيهِ مُسْلِم فَهُوَ لَهُ] (١٨٠)، فلو جَاءَا مَعا أقرِعَ في الأصَح، لعدم المزيةِ، والثاني: يَجْتَهِدُ الإمَامُ ويقَدمُ مَنْ يَرَاهُ أحْوَجَ كَمَالِ بَيتِ المَالِ، والخلافُ جارٍ في الأخذِ للحاجةِ وللتجارةِ على الأشهَرِ، وَالمَعدِن الباطِنُ؛ وَهُوَ مَا لَا يَخْرُجُ إِلا بِعِلاج كَذَهَب؛ وَفِضة؛ وَحَدِيد؛ وَنُحَاسٍ لَا يُملَكُ بِالحفْرِ وَالعَمَلِ، أي في مواتٍ بقصدِ التملك، فِي الأظْهَرِ، لأنَّ المواتَ لَا يملَكُ إلا بالعمارةِ؛ وحفر المعدن تَخْرِيب، ولأن المواتَ إذا مُلِكَ لا يحتاجُ في تحصيلِ مقصُودهِ إلى مِثْلِ العَمَلِ الأولِ، بخلافِ المعدِنِ، والثاني: يملكُ إلى القرار؛ لأنه لا يتوصلُ إلى منفعتِهِ إلا بتعب ومُؤنَةٍ فكان كغيره من أراضي المواتِ، أما إذا لم يتقصِدِ التمَلكَ؛ بَلْ قَصَدَ الحفرَ لينال وَيَنْصَرِفَ فلا يَمْلِكُ قَطْعًا قاله البندنيحي، وَمَن أَحيا مَوَاتًا فظَهَرَ فيهِ مَعْدِن بَاطِن مَلَكَهُ، لأنه بالإحياء مَلَكَ الأرضَ بِأجْزَائِهَا، وهو مِن أَجزَائِهَا بخلافِ الركازِ لأنه مودَّع فِيهَا، وَهَذَا إذا لم يعلم أن بها معدِنًا، فإنْ عَلِمَ واتخَذَ عليهِ دارًا فطريقان؛ أحدهما: أنه على الخلاف السابقِ، والثاني: في القطع بالملك، وأما البقعةُ المحياةُ فقال الإمامُ: ظاهرُ المذهبِ أنها لا تُملَكُ؛ لأن المعدِنَ لا يتخذ دارًا ولا مَزْرَعَة، فالقصدُ فاسد، وقيل: يملكها، وقوله (بَاطِن) ليس مرادهُ أنَّ الظْاهِرَ لا يملكُهُ فإنه يملكه أيضًا قطعًا إذا ظَهَرَ في الأرض المحياة كما صرح بِهِ الماوردي، وأنه يملكُهُ مِلكًا مؤبَّدًا قطعًا لأنَّ المعدِنَ لم يَظْهَرْ إلا بالإحياءِ فَصَارَ كَعَينٍ استَنبَطَهَا.
فَصْلٌ: وَالمِيَاهُ المُبَاحَةُ منَ الأوْدِيَةِ وَالعُيُونِ فِي الجمالِ، أي وسيول الأمطار، يَستَوي الناسُ فِيهَا، لقوله ﵊: [ثَلاث لَا يُمنَعنَ: الماءُ وَالكَلأ
_________________
(١) = الله - ﷺ -: [هُوَ مِنْكَ صَدَقة. وهُوَ مِثْلُ المَاءِ العَدِّ. مَنْ وَرَدَهُ أخَذَهُ].
(٢) ينظر الرقم (١٧٢).
[ ٢ / ٩٥٧ ]
وَالنارُ] رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح (١٨١)، فَإن أَرَادَ قَوْم سقْيَ أَرَاضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ سَقْيُ الأعْلَى فَالأعلَى، لأنه - ﷺ -[قضَى فِي سَيل مَهْزُورٍ ومُذنب أن الأعْلَى يَرْسِلُ إِلَى الأسْفَلِ وَيَحْبِسَ قَدْرَ كَعبينِ] رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (١٨٢)، ومَهْزُور: هذا بتقديم الزاي على الراء وادٍ بالمدينة، وَمُذَنبُ: اسمُ موضع بها أيضًا، وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدِ الماءَ حَتى يَبلغَ الْكَعبَينِ، للحديث المذكور، واحترز بقوله أولًا (ضَاقَ) عما إذا لم يضِق بأن كان كثيرًا يَفِي بالكُلِّ، فإنَّ كلَّ واحدِ يسقي ما شاءَ متى شاءَ، فَإن كَان في الأرْضِ ارْتفاع وَانخِفَاض أفْرِدَ كُل طَرَفٍ يسَقْي، لأنهما لو سَقَيَا معًا لزادَ الماءُ في المنخفضةِ على القدر المستحق، وطريقُهُ أنْ يسقي المنخفضَ حَتى يَبلُغَ الكعبينِ ثُمَّ يَسُدُّهُ وَيَسْقِي المُرْتفِعَ، وَمَا أخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ، يعني المباحَ، فِي إِنَاء مُلِكَ عَلَى الصحِيح، كما لو إحْتَشَّ أو احتَطَبَ، والثاني: لا يُمْلَكُ الْمَاءُ بِحَالِ، بَلْ يَكُونُ مُحْرِزُهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيرِهِ، وحكمُ المزادةِ والحوضِ الْمَسْدُودِ ونحوهِمَا كالإناء، واحترز بالإناءِ عن الداخلِ في مِلْكِهِ بسَيلٍ فَإنهُ لا يُمْلَكُ بدخولهِ في الأصَحِّ، وَحَافِرُ بِئْر بِمَوَات لِلارْتفَاقِ، أي كالسقي، أوْلَى بِمَائِهَا حَتي يَرْتَحِلَ، أي فإذا ارتحل صارت كَالنهْرِ فإن عادَ فهو كغيره، وَالمحفُورَةُ لِلتمَلُّكِ أَوْ فِي مِلك؛ يَملِكُ مَاءَهَا في الأصَح، لأنهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ كَالثمَرَةِ وَاللبِنِ، والثاني: لا يَمْلِكُ لعمومِ ثلاثٍ لا يُمْنَعنَ وَعَدَّهُ منها، وَسَوَاء مَلَكَهُ؛ أَم لَا؛ لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَاء فَضَلَ عَن حَاجَتِهِ لِزَرعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَة عَلَى الصحِيح، لحرمةِ الرُّوْح (•)، وَوجْهُ مُقابِلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى بَذلِ الْمَاءِ المُحْرَزِ في إناء،
_________________
(١) رواه ابن ماجه في السنن: كتاب الرهون: باب المسلمين شركاء في ثلاث: الحديث (٢٤٧٣). قال ابن حجر في تلخيص الحبير: إسناده صحيح.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك: كتاب البيوع: الحديث (٢٣٦٢/ ٢٣٣)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. (•) في هامش نسخة (٣): يلغز بهذا؛ فيقالُ: (مَاء مَملُوكٌ يُؤخَذُ قَهْرًا بِلا عِوَضٍ). وُجدت بِخَط مُؤلفِهِ عَلَى أصلِهِ.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
واختارَهُ الإمامُ وَنَسَبَهُ إلى المحققينَ، إِلا أَنْ يَخَافَ هَلاكَ المَاشِيَةِ فَيَجِبُ بَذلهُ بالْقِيمَةِ، لِحُرمَةِ الرُّوْح، وَمَحِلُّ الْخِلافِ أَنْ لا يَجِدَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ ماء مُبَاحًا، وأن يكون هناك كلأً يرعى، وأن يكون الماءُ في مستقرهِ وإلا فلا يجب؛ وفيهما وجه ضعيف، واشترطَ الماوردي أيضًا ألا يكونَ عليهِ فِي وُصُولِ (•) الماشيةِ إلى مائِهِ ضَرَر بِزَرْع وَلَا شَجَرِ؛ فإن استُضرَّ بها سقط حق تمكينها من المكانِ، وقيل لأربابها: إنْ أَمْكَنَكُمْ سَوْقُ الماءِ إليها حيثُ يَأمَنُ على زَرْعِهِ وَشَجَرِهِ فلزومُ بَذْلِهِ باقٍ عليهِ، وعليه تَمْكِينُكُمْ من استيفاء الفضل من مائِهِ وسوقه إلى ماشيتكم وإن لم يُمْكِنكُمْ سَقطَ عنهُ وجوبُ البدلِ، قُلْتُ: والمرادُ بالبذلِ التخْلِيَةُ بَينَ رَبِّ المَاشِيَةِ وَالبِئْرِ.
فَرعٌ: الأصح وجوبُ البذلِ للرُّعَاةِ أيضًا لأنهُمْ أَوْلَى مِنَ المَاشِيَةِ وَهُوَ وَارِد عَلَى المُصَنّف.
وَالْقناةُ المشتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصبِ خَشَبَةِ فِي عَرْضِ النهرِ فيهَا ثقَبٌ مُتَسَاوية أَو مُتَفَاوتَة عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، لأنَّ بذلك يَصِلُ الحقُّ إلى مستحقهِ، ويجوزُ أن تكونَ الثُّقَبُ متساويةً مَعَ تَفَاوُتِ الحقوقِ، إلا أن صَاحِبَ الثُلُثِ يَأخُذُ ثُقبَةً وَالآخَرُ ثُقْبَتَينِ، وقوله (ثُقَبْ) هو بالثاءِ المثلثةِ كما هو بِخَط مُؤلّفِهِ وتجوزُ قراءتُهُ بالنونِ أيضًا، وَلَهُمُ، أي للشركاء، الْقِسْمَةُ مُهَايَأة، أي ليسقي كل منهم يومًا كالمهاياةِ في النافع، وقد يكونُ الماءُ قليلًا لا يُنتفَعُ بِهِ إلا كَذَلِكَ، وخالفت المهاياة في لَبَنِ الْحَلُوبِ لأنهُ مَجْهُول.
فَرْعٌ: نَخْتِمُ بِهِ الْبَابَ: لَا حَرِيمَ لِلنَّهرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وَخَالفَهُ صَاحِبَاهُ وَهُوَ مَذْهبنَا، وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الصَّالِحِينَ يَسْتَنْكِرُ الْعَمَائِرَ التِي عَلَى حَافاتِ النّيلِ وَيَقولُ: إِنهُ لَا يَجُوزُ إِحياؤُهَا (١٨٣).
_________________
(١) (•) في النسخة (١): دخول.
(٢) * عن أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قَال رَسُولُ الله: [حَرِيمُ البئر أربعُونَ ذِرَاعًا مِنْ جَوَانِبِهَا كُلهَا، لأعطَانِ الإبِلِ وَالغَنَمِ، وَابنُ السبيلِ أولُ شَارِبٍ، وَلَا يُمنَعُ فَضل ماءٍ =
[ ٢ / ٩٥٩ ]