لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، لأنها أهمُّ؛ شَرَعَ فِي الْمُعَامَلاتِ، لأنها ضَرُورِية، وَأَخَّرَ عَنْها رُبْعَ النِّكَاح لأنَّ شَهْوَتَهُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الأكْلِ وَنحوه، وَأَخَّرَ عَنْهُ رُبْعَ الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ؛ لأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ غَالِبًا إِنمَا هُوَ بَعدَ الْفَرَاغ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالفَرج.
والْبَيْعُ في اللغة: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بشَيْءٍ، وفي الشرع: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَنحْوِهِ مِنَ الحُدُودِ؛ والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأحَل الله الْبَيْعَ﴾ (١) مع السُنة الشهيرة الآتية والإحماع.
_________________
(١) البقرة / ٢٧٥. دَلَالَةُ البَيع في اللغَةِ وَالاصطِلاح: • البيع في اللغة مُطْلَقُ المُبَادَلَةِ؛ أي مُبَادَلَةُ المَالِ بِالمَالِ؛ وهو من الأضداد، يطلق على أمرين؛ أحدهما: الشِّرَاءُ؛ وهو قبولُ المَالِ، تقول العرب: بعتُ بمعنى شَرَيتُ، وبالعكس. قال الله تعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي باعوه، وقال تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. ويقال لكل من المتبايعين بَائِعٌ وبيع وَمُشْتَرٍ وَشَارٍ. والأمرُ الثانى: الْعَقْدُ المُرَكبُ منَ الإِيجَابِ وَالقبولِ. والذي يُعَيِّنُ المرادَ في كل ما تقدم هو القرينة الصارفة للدلالة اللغوية إلى معنى عرفي أو شرعى. • وفي الاصطلاح الفقهي؛ الْبَيعُ هُوَ تَملِيْكُ البَائِع مَالًا لِلْمُشتَرِى بِمَال يَكُونُ ثَمَنًا لِلْمبِيْع؛ فيجري بإعطاءِ المُثْمَنِ وَأخْذِ الثْمَن. والشِّرَاءُ إِعطَاءُ الثمَنِ وَأخذُ المُثْمَنِ. بإيجابِ وقبولٍ بينهُما بالتراضى. فالبيع شرعًا: هُوَ مبَادَلَةُ مَال بمَال تَملِيكًا وَتَملُّكًا عَلَى سَبِيلِ الترَاضِى. أَوْ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ مِنْ غَنر جِنْسِهِ تَملِيكًا وَتَملُّكًا عَلَى سَبِيْلِ الترَاضى وله أنواع سيأتى الصنف ﵀ عليها ضمنًا في شرحه.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
شَرْطُهُ الإِيْجَابُ: كَبِعتُك وَملكتكَ، وَالقَبُولُ: كاشتَرَيتُ وَتَمَلكْتُ وَقَبِلْتُ، لقوله ﵊: [إِنمَا الْبَيْعُ عَن تَرَاضٍ] صححهُ ابنُ حِبَّان (٢)، والرِّضى أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه؛ وهو الصيغة فلا تكفي المعاطاة، والأقوى أنها تكفي في كل ما يعده الناس بيعًا، والمراد بالشرط: ما لا بد منه. وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِيْمَا لَيْسَ بِضمنِيٍّ مِنَ الْبُيُوع، أما الضمنيُّ منها كما إذا قال أعتق عبدك عني على كذا، فيكفي فيه الالتماس. والجواب كما ذكره في كفارة الظهار. وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي، أي في غير قَبِلْتُ، ونَعَم لحصول المقصود تقدَّم أو تأخَّر، أما قبلتُ؛ فلا (٣). وبه صرح القفال في فتاويه والإمام أيضًا؛ ومثلها: نَعَم.
وَلَوْ قَالَ: بِعنِي؛ فَقَالَ: بِعتُكَ؛ انعَقَدَ فِي الأظْهرِ، أي وإن لم يقل ثانيًا ابتعتُ؛
_________________
(١) الحديث عن أبى سعيد الخدري - ﵁ -؛ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: [إنمَا البيع عَنْ تَرَاضٍ]. رواه ابن ماجه في السنن: كتاب التجارات: باب بيع الخيار: الحديث (٢١٨٥). في الزوائد: إسناده صحيح؛ ورجاله موثوقون. رواه ابن حبان في صحيحه في موارد الضمآن: الحديث (١١٠٦).
(٢) سيأتي الاستدلال على مسائل الإيجاب والاستيجاب، أو الإيجاب والقبول، بالقياس. والأصل من السُّنْة فيه، حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -؛ قال: (غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلينَا أبو بَكرٍ أمرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَينَا. فَلمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَينَ الْمَاءِ سَاعَة، أمَرَنَا أبو بَكْرٍ فَعَرَّسنَا؛ ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيهِ وَسَبَى وَانظُرُ إِلَى عُنَقٍ مِنَ الناسِ فِيهِمُ الذْرَارِي فَخَشِيْتُ أنْ يَسْبقُونى إلَى الجَبَل، فَرَمَيتُ بِسَهْمٍ بَينَهُم وَبَيْنَ الجَبَل، فَلَمَّا رَأوِا السَّهمَ وَقَفُوا، فجِئْتُ بِهم أسُوَقُهُم؛ وَفِيهمُ امرَأةٌ مِنْ بَنِى فَزَارَةَ عَلَيها قُشَعٌ مِن أدمٍ مَعَها ابنَةٌ لَها منْ أحسَنِ العَرَبِ، فَسُقتهُم حَتىَ أتَيْتُ بِهِم أبا بَكْرٍ، فَنَفَلَنِى أبو بَكْرٍ ابنَتَها، فَقَدمنَا المَدِينَةَ، وَمَا كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا، فَلَقِينِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي السُّوقِ، فَقَالَ: [يَا سَلَمَةَ هبْ لِيَ المَرأةَ] فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَقَد أعجَبَتنِى، وَمَا كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا. ثُمَّ لَقِينِي رَسُولُ الله - ﷺ - مِنَ الغَدِ في السُّوقِ، فَقَالَ لِي: [يَا سَلَمَةَ، هب لِيَ المَرأةَ لله أبوكَ] فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ. فَبَعَثَ بِها رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَى أهْلِ مَكْةَ فَفَدَى بِها نَاسًا مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا أسْرَى بِمَكةَ). رواه مسلم في الصحيح: كتاب الجهاد: باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى: الحديث (٤٦/ ١٧٥٥).
[ ٢ / ٦٧١ ]
لدلالته على الرضى، وَالثانِي: لا، لأنه قد يقول بعني لاستبانة الرغبة.
وينْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، أي مع النية، كَجَعَلتهُ لَكَ بِكَذَا فِي الأصحِّ، قياسًا على الكتابة والخلع، والثانى: لا، لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب، وأطلق المصنف الخلاف، ومحله في بيع لم يُشترط فيه إشهاد، فإن شرط فيه فلا ينعقد بها قطعًا، لأن الشهود لا يطلعون على النيةِ، اللهُمَّ إلَّا إذا توفرت القرائن، فالظاهر كما قال الغزالي: انعقاده، قال الإمام: ومحل الخلاف السابق إذا عدمت القرائن، فإذا حصلت وأفادت التفاهم فيحب القطع بالصحة.
وُيشترَطُ أَن لا يَطُولَ الْفَصلُ بَيْنَ لَفظَيهِما، أي فإن طال وهو ما أشعر باعراضه عن القبول ضَرَّ، لأن الطول يخرج الثانى عن أن يكون جوابًا عن الأول، ولو عَبَّرَ بقوله بين الايجاب والقبول بدل بين لفطيهما لكان أولى؛ ليدخل الخط والإشارة من الأخرس، والمعاطاة إذا جَوَّزْنَاها، وقد عَبَّرَ بذلك في الروضة، قُلْتُ: ويشترط أيضًا أن لا يتخلل بينهما كلام أجنبى عن العقد، وأن لا يتغير الايجاب قبل القبول، ويشْتَرَطُ فِي الطَّلاقِ أَنْ يَقصدَ لَفْظَهُ أَوْ معنَاهُ؛ ولا بد من ذلك هنا أيضًا.
وَأن يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: بعتُكَ بِألْفٍ مُكَسَّرةٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِألْفٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَصِحَّ، لأنه قَبِلَ غير ما أوجبه البائع، وكذا لا يصحُّ عكسهُ من طريق أَولى، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بمئة فقبل أحدهما وعيَّنَهُ، ففيه احتمالان في فتاوى القفال، قُلْتُ: ولا يشترط الاتفاق في اللفظ، نعم يشترط أن يقع القبول ممن وقع معه الخطاب؛ وبقاء الأهلية إلى تمام الصيغة.
وِإشَارَةُ الأخْرَسِ بالعَقْدِ كَالنُّطْقِ، أي فيه للضرورة وكذا كتابته في الأصح، والحل لعقد كما ذكرهُ في الطلاق، وَشَرطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ، أي فلا ينعقد بعبارة الصبي والمجنون وكذا السفيه، لما ستعرفه في بابه، نَعَم: يُرَد عليه ما إذا بذر بعد بلوغه رشيدًا فإنه لا يعود الحجر عليه إلّا بالحاكم، كما صححه في بابه، فهذا قبل الإعادة غير رشيد ويصحُّ بيعه. قُلْتُ: وَعَدَمُ الإِكرَاهِ بِغَيرِ حَق، للحديث
[ ٢ / ٦٧٢ ]
السالف (٤)، أما إذا أُكْرِة بحق، كما إذا كان عليه دين، وامتنع من أدائه، فإن الحاكم يجبره على البيع ويصح، فإن امتنع تولاه الحاكم، ويستثنى من كلام المصنف ما إذا أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه فباع، فإنه يصح كما قاله الفاضى.
ولا يَصحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصحَفَ وَالْمُسلِمَ فِي الأظْهرِ، لما فيه من العار، والثانى: يصح كالأرث، وأصح الطريقين في المصحف طريقةُ القَطْع بِالمَنع كما رجحه في الروضة تبعًا للرافعي؛ لأن المصحف أكثر حرمة، قُلْتُ: ولا يصح شراؤه للمرتد أيضًا على الأصح لبقاء علقة الإسلام.
فرع: كتب الفقه التي فيها آثار السلف كالمصحف خلافًا للماوردي. إِلَّا أَن يعتِقَ عَلَيْهِ، أي كأبيه وابنه، فَيَصحُّ، أي الشراء، فِي الأصَح، لانتفاء الإذلال لعدم استقرار الملك، والثانى: لا يصح، لما فيه من ثبوت الملك على المسلم، ولا الْحَربِيُّ سلاحًا، وَالله أَعلَمُ، لأن الحربىَّ مستعد لقتالنا فيكون تسليمه إليه معصيةً وحينئذ فيكون معجوزًا عن تسليمه شرعًا فلا يصح، وخرج بالسلاح الحديدُ؛ لأنه لا يتعين للقتال؛ وبالحربى الذميُّ؛ لأنه في قبضتنا.
فَصلٌ: وَللْمَبِيع شرُوط، أي خمسة كما سيأتي، وقد يستغنى بالملك عن الطهارة فإن النجس لا يثبت فيه ملك بل اختصاص، والقدرة على التسليم والعلم به شرط في العاقد؛ وكذا كون الملك لمن له العقد فيبقى الملك والمنفعة.
أَحَدها: طَهارَةُ عَيْنهِ، أي أو يَطْهرُ بالغسل، لأن النجس محرم الأكل اتفاقًا وَمَا
_________________
(١) قلْتُ: لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ولحديث ابن عمر ﵄؛ عن رسول الله - ﷺ - قال: [إِن الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ في بيْعِهِمَا مَا لَم يَتَفَرقا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ البَيعُ خِيَارًا]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب البيوع: باب كم يجوز الخيار: الحديث (٢١٠٧). والدليل الصريح فيه أيضًا هو الحديث السالف عن أبي سعيد الخدرى - ﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إِنمَا البَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ].
[ ٢ / ٦٧٣ ]
حُرِّمَ أَكْلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْخَمرِ، لأنه - ﷺ -[نَهى عَنْ ثَمَنِ الأوَّلِ وَحَرَّمَ بَيْعَ الثانِي] متفق على صحته (٥)، وَالْمُتَنجسِ الذِي لا يُمكِنُ تَطهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللبَنِ، بالإجماع؛ أما ما يمكن كالثوب فيصح إلّا أن تستره النجاسة، وَكَذَا الدُّهْنِ فِي الأصَحِّ، لما تقدم في آخر النجاسات (٦)، وهذا معطوف على الْخَل واللبَنِ مما لا يمكن تطهيرُهُ لا على المتنجس، واقتضى كلامه جواز بيع الدهن إذا فرعنا على إمكان تطهيره، وهو وجه. والأصح المنع، ويشكل عليه القطع بصحة بيع الثوب المتنجس.
فَرْعٌ: باع لحمًا على أنه لحم ميتة فبان لم مذكاة (٧)، ففيه احتمالات لوالد
_________________
(١) • أما بطلان بيع الكلب؛ فلحديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -؛ (أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ). رواه البخاري في الصحيح: كتاب البيوع: باب ثمن الكلب: الحديث (٢٢٣٧). ومسلم في الصحيح: كتاب المساقاة: باب تحريم ثمن الكلب: الحديث (٣٩/ ١٥٦٧). • أما بطلان بيع الخمر؛ فلحديث عائشة ﵂؛ قالت: لَمَا نَزَلَت الآيات الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَرَأهُن عَلَينَا؛ وَقَالَ: [حُرِّمَتِ التجَارَةُ في الخمر]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الصلاة: باب تحريم تجارة الخمر في المسجد: الحديث (٢٢٢٦). ومسلم في الصحيح: كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر: الحديث (٦٩/ ١٥٨٠)، وفي لفظ حديث أبى سعيد - ﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إِن الله حَرَّمَ الخمرَ؛ فَمَنْ أدرَكَتهُ هذِهِ الآيةُ وَعِنْدَهُ مِنها فلا يَشرب ولا بيع]. رواه مسلم في الصحيح: الحديث (٦٧/ ١٥٧٨).
(٢) لحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ أنهُ - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الفَأرَةِ تَكُونُ في السَّمنِ، فَقَالَ: [إِذَا كَانَ جَامِدًا فَألْقُوها وَمَا حَوْلَها، وَإنْ كَانَ مَائِعا فلا تَقْرَبُوهُ] تقدم في الرقم (٢٢٩) آخر باب النجاسة.
(٣) بيع الميتة لا يصح وفعله حرام؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄؛ أَنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: [إن الله وَرَسُولَهُ حَرمَ بَيْعَ الخمر وَالْمَيتَةِ وَالخِنْزيرِ وَالأَصنَامِ] فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَرَأيتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؛ فَإِنها تُطْلَى بِها السُّفُنُ وَيُدهنُ بِها الجُلُودُ وَيَسْتصبِحُ بِها الناسُ؟ فَقَالَ: [لا، هُوَ حَرَامٌ] ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [قَاتَلَ الله الْيَهُودَ؛ إن الله لمَّا حَرَّمَ عَلَيهم شُحُومَها جَعَلُوها ثُمَّ بَاعُوهُ وَأكَلوا ثَمَنَهُ]. رواه البخاري في الصحيح: باب بيع الميتة والأصنام: الحديث (٢٢٣٦). ومسلم في الصحيح: كتاب المساقاة: باب تحريم =
[ ٢ / ٦٧٤ ]
الإمام الرويانى وكان مأخذهما أن العبرة بما ظنه أو بما في نفس الأمر، والظاهر: الصحة؛ كبيع مال أبيه على ظن حياته؛ فبان موته.
الثانِي: النفْعُ، لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه سفه (٨)، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، لعدم النفع، ويستثنى من ذلك العلق لمنفعة امتصاص الدم، وَكُلِّ سَبُعٍ لا يَنْفَعُ، أي لا يؤكل ولا يصطاد ولا يقاتل عليه كالأسد ونحوه، ولا حَبَّتَي الحِنْطَةِ، لسقوط منفعتهما لقلتهما، وَنَحوها. آلَةَ اللهْوِ، أي المحرم كالطنبور وغيره لسقوط منفعتها شرعًا، وَقِيلَ: يَصِح فِي الآلَةِ إِن عُدَّ رُضَاضُها مَالًا، أي مكسرها مالًا؛ لأن فيها نفعًا متوقعًا فأشبه الجحش الصغير، أما مَا لا يُعَدُّ رضَاضُهُ مالًا كالمزمار الصغير من القصب فلا يصح على وجه شاذ، وَيصِحُّ بَيْعُ المَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصحرَاءِ فِي الأصَحِّ، لوجود النفعة فيهما، وكثرتهما لا يخرجهما عن كونهما مالًا، والثاني: لا يصح، لأنَّ بَذْلَ المالِ فيهما مع وجود مثلهما بلا تعبٍ سفةٌ، ولا يبعد تخصيص هذا الوجه بما إذا لم يكن في المبيع صفة زائدة كبرد الماء؛ وصفوه؛ وكربلة التراب؛ ونحت الصخرة؛ ونظير هذا الخلاف بيع نصف دار شائع بنصفها الآخر والأصح الصحة أيضًا، ولهذا العقد فوائد: منها عدم رجوع الوالد فيما وهب لولده وعدم رجوع البائع إلى عين ماله.
الثالِثُ: إِمكَان تَسْلِيمِهِ، أي حسًا وشرعًا ليوثق بالمقصود منه ولو عَبَّرَ بالتسلُّم بضم اللام كان أقرب، لأن التسليم فعل البائع، وستعرف في بيع المغصوب أن قدرة البائع ليست شرطًا، فلا يَصِح بَيْعُ الضَّالِّ وَالآبِقِ، أي وإن عرف موضعهما، لأنه غير مقدور على تسليمهما في الحال، وَالْمَغْصُوبِ، لما قلناه، فَإِن بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى
_________________
(١) = بيع الخمر والميتة: الحديث (٧١/ ١٥٨١).
(٢) لعموم حديث ورَّاد كاتب الْمُغيْرَةِ بْنِ شُعبةَ قَالَ: كَنَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بنِ شُعبةَ؛ أنْ اكتب إِلَيَّ بِشَئٍ سَمِعتَهُ مِنَ النبِى - ﷺ -؟ فَكَتَبَ إليهِ: سَمِعْتُ النبِىَّ - ﷺ - يَقُولُ: [إِنَّ الله كَرِة لَكُم ثَلاثًا: قِيْلَ وَقَالَ؛ وإِضَاعَةَ المَالِ؛ وَكَثْرَةَ السُّؤال]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب الزكاة: الحديث (١٤٧٧). ومسلم في الصحيح: كتاب الأقضية: الحديث (١٢/ ٥٩٣).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
انْتِزَاعِهِ، أي والمالك عاجز؛ صَح عَلَى الصحِيح، لأن المقصود وصوله إليه وهو متيسر، ونقله القفال في فتاويه عن النص، ولو كانت القدرة تحتاج إلى مؤنة فلا يبعد البطلان، قال القفال في فتاويه: ولو قال كنتُ أظن القدرةَ وأنا الآن لا أقدر فيحلفُ، ولا بيع بخلاف ما إذا قال حدث بيني وبينه عداوة ولا أقدر فها هنا يحلف ويفسخ البيع. والوجه الثانى: لا يصح؛ للعجز عن التسليم. فإن كان المالك قادرًا على انتزاعه صحَّ قطعًا إلا أن يكون فيه كلفة فينبغى البطلان، ولو باع المغصوب من الغاصب صحَّ قطعًا، ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده ففيه الوجهان في المغصوب.
ولا يَصِحُّ بَيعُ نصفٍ، أي وكذا رُبُع وغيرِهِ، مُعَيَّنٍ مِنَ الإنَاءِ وَالسيف وَنَحوِهِمَا، أي مما ينقص قيمته بقطعه أو كسره كالنصل والثوب النفيس، لأن الشرع منع من إضاعة المال وجواز البيع يفضي إليه.
ويصِحُّ فِي الثوْبِ الذِي لا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ، أي كغليظ الكرباس، فِي الأصَحِّ، لزوال المحذور، والثانى: لا يصح؛ لأن القطع لا يخلو عن تغيير لعين المبيع، ولا الْمَرهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ مرتَهنِهِ، لأنه عاجز عن تسليمه شرعًا لما فيه من تفويت حق المرتهن، ويلحق بالمرهون كل عين استحق حبسها كالقصار ونحو، ولا الْجانِي الْمُتَعَلقِ بِرَقَبَتِهِ مال، أي لكون الجناية خطأ أو شبه عمد أو عمد أو عفى مستحق القصاص على مال، فِي الأظْهرِ، قياسًا على المرهون وأولى؛ لأن حق الجناية يقَدم على حق المرتهن، والثانى: يصح، لأن السيد لم يحجر على نفسه بخلاف الراهن، والثالث: أنه موقوف إن فدى نفد، وإلا فلا. وهذا كله إذا باعه قبل اختيار الفداء وكان موسرًا، فإن كان معسرًا بطل على المذهب، وإن كان بعد اختيار الفداء صح وفيه نظرٌ، ولا يضُرُّ تَعَلقُهُ بِذِمتِهِ، أي كما إذا اشترى شيئًا بغير إذن سيده وأتلفه؛ لأن البيع إنما يُرَدُّ على الرقبة ولا تعلق لرب الدين بها، قُلْتُ: ولا يضر أيضًا التعلق بكسبه كما إذا زوجه، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقصاصِ، أي برقبته، فِي الأظْهرِ، لأنه يرجى سلامته ويخاف تلفه بالقصاص فيصح بيعه قياسًا على المريض، ومنهم من قطع بهذا
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وصححه في الروضة تبعًا للرافعي، والثاني: لا يصح، لأن المستحق يجوز له أن يعفو على مال. وقد تقدم أن تَعَلُّقَ المالِ مانعٌ.
الرَّابِعُ: الْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ، لقوله - ﷺ -: [لا بَيْعَ إِلَّا فِيْمَا تملُكُ] رواه أبو داود (٩)، ولا بد من زيادة قيد التمام ليخرج ببيع المبيع قبل قبضه؛ فإنه لا يصح كما سيأتى مع وجود الملك. ولو عَبَّرَ بقوله: أن يكون للعاقد عليه ولاية لكان أولى لئلا يدخلَ الفضوليُّ ومراده إخراجه، فَبيع الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، لما سلف، وَفِي الْقَدِيمِ، أي والجديد أيضًا، مُوقُوفٌ، أي المُلك، إِن أجَازَ مَالِكُهُ نَفَذَ، وَإلَّا فلا، لحديث عروة البارقى في ذلك في صحيح البخاري (١٠)، ولو عبَّرَ بقوله: فَعَقْدُ الْفُضُولِيِّ كان أَولى؛ فإن الخلاف جارٍ في كل عقد يقبل الاستنابة كما لو زوَّج أمَةَ غيره أو ابنَتَهُ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرّثهٍ، يعني ظاهرًا، ظَانًا حَيَاتَهُ وَكَان مَيِّتًا صَحَّ فِي الأظْهرِ، لصدوره من مالكه، والثانى: لا، لأنه كالعابث.
الْخَامِسُ: الْعِلْمُ بِهِ، أي عينًا وقدرًا وصفة للنهي عن بيع الغَرَرِ رواه مسلم (١١)، ويستثنى بيع الصاع من الصَّبْرَةِ المجهولة فإنه مبهم كما سيأتى؛ واختلاط حمام البرجين كما ذكره في باب الصيد، فَبَيْع أحَدِ الثوبينِ بَاطِل، لما فيه من الغَرَرِ.
_________________
(١) رواه أبو داود في السنن: كتاب الطلاق: باب الطلاق قبل النكاح: الحديث (٢١٩٠) وإسناده صحيح.
(٢) عن عُروَةَ بْنِ أبِي الْجَعدِ البَارِقِيِّ قالَ: (أعطَاهُ النبِيُّ - ﷺ - دِينَارًا يَشْتَرِى بِهِ أضحِيَة أوْ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأتَاهُ بشاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بالبَرَكَهِ، فَكَانَ لوِ اشتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيْهِ). رواه أبو داود في المسند. باب في المضارب يخالف: الحديث (٣٣٨٤). والترمذي في الجامع: الحديث (١٢٥٨). ورواه البخاري مرسلًا في الصحيح: كتاب المناقب: الحديث (٣٦٤٢).
(٣) عن أبي هريرة - ﵁ -؛ (أن رَسُولَ الله - ﷺ - نَهى عَنْ بَيْع الغَرَرِ). رواه مسلم في الصحيح: باب بطلان بيع الحصاة: الحديث (٤/ ١٥١٣). وأبو داود في السنن: باب ما جاء في في كراهية بيع الغرر: الحديث (٣٣٧٦). والترمذى في الجامع: الحديث (١٢٣٠). والنسائى في السنن: كتاب البيوع: باب بيع الحصاة: ج ٧ ص ٢٦٢.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ويصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صبْرَةٍ، أي وهى الكومة من الطعام، تُعلَمُ صِيعَانُها، لعدم الغرر والأصح أنه ينزل على الإشاعة، وَكَذَا إن جُهِلَتْ فِي الأصح، لتساوي أجزائها فتغتفر جهالة العين هنا، والثانى: لا يصح كذراع من أرض مجهولة الذِّرعَانِ وهو القياس كما لو فرقها وباع واحدًا منها، قال القفال في فتاويه ومنها نَقَلتُ: نَص الشافعيُّ على الجواز؛ وعندي لا يجوز. فقيل له: كيف تفتي في هذه المسألة؟ فقال: على مذهب الشافعي، فإن من سألني إنما يسأل عن مذهب الشافعي لا عن مذهبي.
وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أو بِزِنَةِ هذِهِ الحَصَاةِ ذَهبًا، أوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلان فَرَسه، أي ولم يعلم أحدهما قبل العقد المقدار، أَوْ بِألْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانيرَ لَمْ يَصِح، البيع للجهل بأصل المقدار، والشرط في الثالثة أن يقول بِمِثْلِ ما باع أو بقصد المثلية، وإلا ففيه الخلاف فيما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى؛ والأصح فيه الصحة.
وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ، وفِي الْبَلَدِ نَقد غَالِبٌ تعَيَّنَ، لأن الظاهر إرادتهما له، أَوْ نَقْدَانِ، أي وتفاوتت قيمتهما، لَمْ يَغْلِب أَحَدُهُمَا؛ اشتُرِطَ التعِينُ، أي باللفظ، لأنه ليس بعضها أولى من بعض.
ويصِح بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمَجهُولَةِ الصيعانِ كُل صَاع بِدِرهمٍ، لأن الصبرة مشاهدة وهى كافية للصحة ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيلَهُ مَعلُومٌ وَالغَرَرُ يَرتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَها بِمَائَةِ دِرهمٍ كُل صَاع بِدرهمٍ صَحَّ إِن خَرَجَتْ مَائَةً، لحصول الفرضين وهما بيع الجملة بالجملة ومقابلة كل واحد بواحد، وِإلَّا، أي ولم يخرج مائة، فلا عَلَى الصحِيح، لتعذر الجمع بين الأمرين المذكورين، والثاني: يصح تغليبًا للإشارة إلى الصبرَةِ فإن خرجت ناقصة خُيِّرَ أو زائدة فالزيادة للمشتري على الأصح، وقوله على الصحيح صوابه على الأظهر كما عبر به في الروضة.
وَمَتَى كان الْعِوَضُ مُعَينًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ، أي ولا يشترط معرفة قدره بالكيل والوزن اعتمادًا على التخمين، وَالأظْهرُ أَنهُ لا يَصح بَيْع الْغَائِبِ، لأنه غَررٌ وقد نُهى عنه كما تقدم، والثاني: يَصِحُّ، وَيَثبُتُ الخيارُ عِندَ الرُّؤيةِ، لحديث [مَنِ
[ ٢ / ٦٧٨ ]
اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ] لكنه حديث باطل كما قاله الدارقطني (١٢)، نعم هذا القول قال به جمهور أصحابنا كما قال الماوردي، وعلى هذا لا بد من ذكر جنس المبيع ونوعه على الأصح، والأصح طرد الخلاف فيما لم يره المتعاقدان أو أحدهما بلا فرق.
فرعٌ: الخلاف جارٍ في الوقف؛ لكن صحح ابن الصلاح في فتاويه الصحة والمصنف في الروضة من زوائده، وجزم القفال في فتاويه بالمنع، فقال: إذا اشترى عبدًا أو دارًا فعتق العبد ووقف الدار لا يصح لأنه لو صحَّ لأدى إلى انبرام العقد ولا ينبرم قبل الرؤية.
وَتَكْفِي الرُّؤيةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لا يَتَغيرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، أي كالأرض والأواني ونحوهما، إذا كان حال البيع ذاكرًا للأوصاف، كان منعنا بيع الغائب لحصول العلم الذي هو المقصود والغالب بقاؤه على ما شاهدَهُ عليه، دُون مَا يَتَغيرُ غَالِبًا، أي كالأطعمة؛ لأن الرؤية السابقة لم تفد معرفته حال العقد، ولو مضت مدةٌ يحتمل فيها التغيير وعدمُهُ كالحيوانِ فالأصح الصحة، لأن الظاهر بقاؤهُ بحاله.
وَتَكْفِي رُؤيةُ بَعضِ الْمَبِيع إِن دَل عَلَى بَاقِيهِ كظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، لأن الغالب أجزاؤها لا تختلف وتعرف جملتها برؤية ظاهرها، واحترز بقوله: (إِنْ دَل عَلَى بَاقِيْه) عن صبرة البطيخ والباذنجان ونحوهما مما يختلف؛ فإنه لا بد من رؤية كل واحد منها حتى لا تكفي رؤية أحد جانبي البطيخة، وَأنْمُوذَج الْمُتَمَاثِلِ، أي وهو عين القمح مثلًا كرؤية بعض الصبرة بشرط إدخاله في المبيع بعد إلقائه في الصُّبْرَةِ؛ وإلا فلا يصح، لأن المبيع غير مرئي، والمراد بالمتماثل المتساوي الأجزاء لا المثلى، أَوْ كَان صِوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَة كَقِشْرِ الرُّمانِ وَالْبَيْضِ، وَالْقشرَةِ السُّفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللوْزِ، لأن
_________________
(١) رواه الدارقطني في السنن: كتاب البيوع: الحديث (٨ و١٠) من الباب. والبيهقى في السنن الكبرى: كتاب البيوع: باب من قال يجوز بيع العين الغائبة: الحديث (١٠٥٦٢)، وقال: لا يصح.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
بقاءَه فيه من صلاحه وكذا بيع الخشكنان، واحترز بالخلقي عن جلد الكتاب فإنه لا تكفى رؤيته بل لا بد من تقليب كل ورقة، واحترز بِالْقِشْرَةِ السُّفْلَى عن العُليا؛ فإنه لا يصح البيع قبل إزالتها.
وَتعتَبَرُ رُؤيةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، لاختلاف الغرض بذلك وقد أوضحت ذلك في الأصل، وَالأصَح أَنَّ وَصفَهُ بِصِفَةِ السلَمِ لا يَكْفِي، أي عن الرؤية وكذا سماع وصفة بطريق التواتر، لأن الرؤيةَ تُفِيْدُ أُمُورًا تَقْصُرُ عنها العبارة؛ فليس الخبر كالعيان، والثانى: تكفى؛ لأن ثمرة الرؤية المعرفة وهما يفيدانها.
ويصِحُّ سَلَمُ الأعمَى، أي سواء أسلم في شيء أو أُسلم إليه فيه، لأن السلم يعتمد الوصف لا الرؤية ثم يوكّل من يقبض عنه على الوصف المشروط، ولا يصح قبضه بنفسه على الأصح، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره، وَقِيلَ: إِن عَمِيَ قَبْلَ تميِيزِهِ أي أو خُلق أعمى، فلا، لأنه لا يعرف الألوان ولا يُمَيِّزُ بينها، والأصح الصحة؛ لأنه يعرف الصفات والألوان بالسماع ويتخيل فرقًا بينها، ومحل هذا الخلاف ما إذا كان رأس المال موصوفًا في الذمة؛ فإن كان معينًا فهو كبيع الغائب.
فَرعٌ: لو كان الأعمى رأى شيئًا مما لا يتغير صحَّ بيعه وشراؤه؛ إذا صححنا ذلك من البصير وهو المذهب ذكره في الروضة. ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أنَّ عقودَ الأعمَى غيرُ حائزةٍ إلا عندَ وجودِ سبعَ خِصَالٍ: الْكِتَابَةِ؛ وَالسَّلَمِ، وَإِذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ أوْ بَاعَ مَا شَاهدَهُ قَبْلَ الْعَمَى؛ أو زوَّج ابنتهُ أو أختهُ وكان شاهِدَهما قبلَ العمَى، وكذا إذا أجَّرَهُما وقد شاهدَهُما في صحتهِ. وهذه درر مستَخرجة من البحر نختم بها الباب. لو قال: بعتك هذا العبد الكبير، وكان صغيرًا صحَّ، ولو قال الوكيل عند البيع: بعتك عبدي هذا هل يجوز؟ وجهان. ولو باع ثوبًا على أنه من قطن؛ فإذا هو من كتان؛ فإن لم يعلما لم يجز؛ وإن علما احتمل وجهان.
[ ٢ / ٦٨٠ ]