اَلْجَنَائِزُ: بِالْفَتْحِ لاَ غَيْرَ، جَمْعُ جَنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، قِيْلَ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ؛ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَقِيْلَ: عَكْسُهُ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَذَكَرَ هَذَا الْبَابَ هُنَا وَإِنْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لأَنَّ الأَهَمَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، وَمِمَّا يُفْعَلُ بِهِ الصَّلاَةُ؛ فَلِهَذَا ذُكِرَ فِي رُبُعِ الْعِبَادَاتِ.
لِيَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، أي استحبابًا؛ لأنه أزجر له عن المعاصي وأحضُّ له على فعل الطاعات (٧٨٧)، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، أي استحبابًا أيضًا كما صرح به فِي البيان، لأنه ربما فاجأَهُ الموتُ وقد سلف فِي أول الاستسقاء حكمة رَدِّ المظالم بعد التوبة (٧٨٨)، وَالْمَرِيضُ آكَدُ، لأنه أقرب لرجوعه عن المعاصي، وَيُضْجَعُ
_________________
(١) لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة / ١٠٦]. ولحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -[أَكْثِرُواْ ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ] يعني الْمَوْتَ. رواه الترمذي فِي الجامع الصحيح: كتاب الزهد: باب ما جاء فِي ذكر الموت: الحديث (٢٣٠٧)، وقال: هذا حديث حسنٌ غريب. والنسائي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب كثرة ذكر الموت: ج ٤ ص ٤.
(٢) • عن أَبِي قُتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: [مُسْتَرِيْحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ] قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيْحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: [الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيْحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ ﷿! وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيْحُ مِنْهُ؛ الْعِبَادُ؛ وَالْبِلاَدُ؛ وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ]. رواه =
[ ١ / ٤١١ ]
الْمُحْتَضِرُ، أي وهو من حضره الموت ولم يمت (٧٨٩)، لِجَنْبِهِ الأَيْمَنَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، كالموضوع فِي اللحد، لأنه أبلغُ فِي الاستقبال، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانِ وَنَحْوِهِ، أي كما إذا كانت به علَّة تمنع من ذلك، أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمُصَاهُ لِلْقِبْلَةِ، والوجه الثاني: أنه يضجع على قفاه وَأَخْمَصَاهُ (٧٩٠) إلى القبلة كما يوضع
_________________
(١) البخاري فِي الصحيح: كتاب الرقاق: باب سكرات الموت: الحديث (٦٥١٢). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٦١/ ٩٥٠). * عن أبي هريرة - ﵁ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: [اجْتَنِبُواْ السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ] قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: [الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ؛ وَأَكْلُ الرِّبَا؛ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيْمِ؛ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ؛ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ] وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: [هُنَّ تِسْعٌ] فذكر معناه وزاد: [وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلاَلُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا]. رواهما أبو داود فِي السنن: كتاب الوصايا: الحديث (٢٨٧٥ و٢٨٧٦). وإسنادهما حسن.
(٢) لحديث البراء بن معرور حين أوصى أن يُوَجَّهَ إلى القبلة؛ عن أبي قتادة - ﵁ - قال: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِيْنَ قَدِمَ الْمَدِيْنَةَ سَأَلَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَقَالُواْ: تُوُفِّىَ؛ وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا احْتَضَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [أَصَابَ الْفِطْرَةَ، قَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ إِلَى وَلَدِهِ] ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ وَقَدْ فَعَلْتَ]. رواه الحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٠٥/ ٤١)، وقال: هذا حديث صحيح، فقد احتج البخاري بنعيم بن حماد، واحتج مسلم بن الحجاج بالدراوردي؛ ولم يخرجا هذا الحديث، ولا أعلم فِي توجيه المحتضر إلى القبلة غير هذا الحديث. ووافقه الذهبي بقوله: صحيح. وأخرجه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب ما يُستحب من توجيهه نحو القبلة: وقال: قال إبراهيم النَّخْعِيُّ: (كَانُواْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُواْ بِهِ الْقِبْلَةَ، يَعْنِي إِذَا حُضِرَ الْمَيِّتُ)؛ الحديث (٦٧٠٠) و(٦٧٠١)، وقال: وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ حَيًّا وَمَيِّتًا. وهو مرسلٌ جَيِّدٌ.
(٣) الأَخْمَصَانِ: هُمَا أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ، وَحَقِيْقَتُهُمَا الْمُنْخَفِضُ مِنْ أَسْفَلِهِمَا. قاله النووي فِي دقائق المنهاج: ص ٤٩.
[ ١ / ٤١٢ ]
على المغتسل وعليه العمل، وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، للأمر به فِي صحيح مسلم (٧٩١) والجمهور على الاقتصار على لا إله إلاّ الله، بِلاَ إِلْحَاحٍ، لئلا يضجر (٧٩٢). وهذا التلقين قبل التوجيه صرَّح به الماوردي.
وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ ﴿يس﴾، للأمر به كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان (٧٩٣)، وروى الآجريُّ فِي النصيحة من حديث أُمِّ الدرداء مرفوعًا [مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ ﴿يس﴾ إِلاّ هُوِّنَ عَلَيْهِ] (٧٩٤)، وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ ﷾، للأمر به كما أخرجه مسلم (٧٩٥)، ومعناه أن يظُنَّ أن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك.
_________________
(١) حديث أبي سعيد الْخُدْرِيِّ وأبي هريرة ﵄؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [لَقِّنُواْ مَوْتَاكُمْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ]. رواهما مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب تلقين الموتى: الحديث (١/ ٩١٦) و(٢/ ٩١٧).
(٢) لحديث معاذ بن جبل - ﵁ -، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله دَخَلَ الْجَنَّةَ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي التلقين: الحديث (٣١١٦). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الدعاء: الحديث (١٨٤٢/ ٤٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي بقوله: صحيح.
(٣) لحديث مَعْقِلِ بْنِ يَسَار، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: [إِقْرَؤُا ﴿يس﴾ عَلَى مَوْتَاكُمْ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: الحديث (٣١٢١)، وقال: هذا لفظ ابن العلاء. والبيهقي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ما يستحب من قراءته: الحديث (٦٦٩٦). وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي المحتضر: الحديث (٢٩٩١).
(٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ٤ ص ٢٩٨. وحكاه ابن حجر فِي المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: كتاب الجنائز: الحديث (٦٨٩). وفي إسناده مروان بن سعيد، ضعيف. وله شاهد بما تقدم.
(٥) • عن جابر - ﵁ -؛ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يَقُولُ: [لاَ يَمُوتُنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ]. رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنة: الحديث (٨١/ ٢٨٧٧). • وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: قَالَ الله ﷿: [أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي]. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب التوحيد: باب قول الله =
[ ١ / ٤١٣ ]
فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ، للاتباع كما أخرجه مسلم (٧٩٦)، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، أي عريضةٍ تعمهما وتُربط فوق رأسهِ لئلا يقبح منظرهُ ويدخله الهوام، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، تسهيلًا للغسل، وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، للاتباع (٧٩٧)، وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، لئلا ينتفخ (٧٩٨)، وقدَّره بعضُهم بعشرينَ درهمًا، وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، أي لا على فراش لئلا يحمى فيتغير (٧٩٩)، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، أي التي مات فيها،
_________________
(١) ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: الحديث (٧٤٠٥). • عن أنس؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى شَابٍّ، وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: [كَيْفَ تَجِدُكَ؟] قَالَ: وَاللهِ! يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَرْجُو الله وَإِنِّى أَخَافُ ذُنُوبِيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ، إِلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَاف]. رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: الحديث (٩٨٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٢) عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِى سَلَمَةَ، وَقَدْ شقَ بَصَرَهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: [إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ] فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَقَالَ: [لاَ تَدْعُو عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ] ثُمَّ قَالَ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِيْنَ وَاخْلِفْهُ فِي عَقِبهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِيْنَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ]. رواهَ مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب فِي إغماض الميت: الحديث (٧/ ٩٢٠).
(٣) عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن؛ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵁ - زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِيْنُ تُوُفِّيَ سُجَّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ). رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب اللباس: باب البرودِ والحبرِ والشَّمْلة: الحديث (٥٨١٤). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٤٨/ ٩٤٢).
(٤) عن عبدِ اللهِ بْنِ آدَمَ؛ قَالَ: مَاتَ مَوْلَى لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ مَغِيْبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَنَسٌ: (ضَعُواْ عَلَى بَطْنِهِ حَدِيْدَةً). رواه البيهقى فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب ما يستحب من وضع شيء على بطنه: الأثر (٦٧٠٦)، وقال: وَيُذْكَرُ عَنِ الشَّعْبِىِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّيْفِ يُوضَعُ عَلَى بَطْنِ الْمَيِّتِ، قَالَ: (إِنَّمَا يُوضَعُ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنْتَفِخَ).
(٥) عن عِكْرِمَةَ مَولى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (لَمَّا فُرِغَ مِنْ جهازِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وُضِعَ عَلَى سَرِيْرِهِ فِي بَيْتِهِ - ﷺ -) رواه البيهقي فِي السنن: الكبرى: الأثر (٦٧٠٧).
[ ١ / ٤١٤ ]
لأنها تحمى عليه فيتغير، وقيَّدها فِي الوسيط بالمُدْفِية، وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ، لأنها أشرف الجهات، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ، لوفور شفقته، وَيُبَادِرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تُيُقَّنَ مَوْتُهُ، للأمر به كما أخرجه أبو داود (٨٠٠).
وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ، بالإجماع؛ ومراده إذا كان الميت مُسلمًا، نعم يجب تكفين الذُّمِّي ودفنه فقط وفيه وقفة كما سيأتي، وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، كذا وافق هنا الرافعي على ذلك بخلاف ما صححه فِي غسل الجنابة كما سلف فِي بابه، وَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ، لأن الميت ليس من أهلها، والثاني: نعم كغسل الجنابة وفيه قوة لأنه عمل، فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كاَفِرِ، بناءً على عدمِ وجوبِها. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنا مأمورون بغسله ولم يغسل.
وَالأَكْمَلُ وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ مَسْتُورٍ، أيْ لا يدخله إلاّ الغاسل ومن يُعينه، لأنه كان فِي حياته يستتر عنده فكذلك يستتر بعد موته، عَلَى لَوْحٍ، لئلا يصيبه الرشاش، وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ، لأنَّهُ - ﷺ - غُسِّلَ فِيْهِ كما صححه الحاكم (٨٠١)، بِمَاءٍ
_________________
(١) عن الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَح، أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَالَ: [إِنِّي لاَ أَرَى إِلاَّ أَنَّ طَلْحَةَ قَدْ حَدَثَ فِيْهِ الْمَوْتُ؛ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُواْ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِجِيْفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أَهْلِهِ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب التعجيل بالجنازة: الحديث (٣١٥٩). ورواه البيهقي فِي السنن: الحديث (٦٧١٦). وفي إسناده نظر.
(٢) لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: لَمَّا أَخَذُوا فِي غَسْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِذَا هُمْ بِمُنَادٍ مِنَ الدَّاخِلِ: (لاَ تَنْزِعُواْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَمِيْصَهُ). رواه الحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٠٦/ ٤٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي فِي التلخيص، فقال: على شرطهما. ورواه بإسناد آخر من طريق بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو محتج به فِي الصحيحين: الحديث (١٣٣٨/ ٧٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي بقوله: على شرطهما.
[ ١ / ٤١٥ ]
بَارِدٍ، لأنه يصلبه، والحار يسرع إليه الفساد؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يحتاج إليه.
وَيُجْلِسُهُ الغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَائِهِ، لأن اعتداله يحبس الخارج، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، لئلا يتمايل رأسه، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَيَمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا، أى فِي التكرار لا فِي شدة الإجهاد، قال الماوردي: بحيث لا يؤدي إلى هتك الميت؛ لأن احترامَهُ واجبٌ، لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ (•)، أي من الفضلات كالحي يتغوط ويبول أوَّلًا، وخشية من خروجه بعد الغسل، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، كما يستنجي الحيُّ بعد قضاء حاجته، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَى، وَيْدْخِلُ أُصْبُعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، كما يستاك الحي، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذًى كَالاِسْتِنْثَارِ وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، أي حتى يراعي المضمضة والاستنشاق، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا] متفق عليه (٨٠٢)، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ،
أى كالخطمى لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [اِغْسِلْنَهَا بَمَاءٍ وَسِدْرٍ] متفق عليه أيضًا (٨٠٣)، وَيُسَرِّحُهُمَا، أي شعر رأسه ولحيته، بِمِشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، ليقل الانتتاف، وَيَرُدُّ الْمُنْتَتَفَ إِلَيْهِ، أي ويدفنه معه (٨٠٤)، وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، أى المقبل
_________________
(١) (•) فِي الهامش نسخة (٣): بَلَغَ مُقَابَلَةً فَصَحَّ.
(٢) رواه البخاري فِي الصحيح عن أُمِّ عطية ﵂: كتاب الجنائز: باب يُبْدَأُ بميامن الميت: الحديث (١٢٥٥). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب غسل الميت: الحديث (٤٢ و٤٣/ ٩٣٩).
(٣) هو حديث أُمِّ عطية ﵂؛ قالت: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِيْنَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: [اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلنَّ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي] فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقوَهُ، فَقَالَ: [أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ]. تعنى إِزَارَهُ. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (١٢٥٣). ومسلم فِي الصحيح: الحديث (٣٦/ ٩٣٩).
(٤) لرواية ابن حبان لحديث أُمِّ عطية، وفيه قال: قال أيوب: وقالت حفصة: [إغْسِلْنَهَا =
[ ١ / ٤١٦ ]
من عنقه وصدره وفخذه وساقه، ثُمَّ الأَيْسَرَ، كذلك، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرَ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ فَيَغْسِلُ الأَيْسَرَ كَذَلِكَ، للحديث السالف [إِبْدَأْنَّ بِمَيَامِنِهَا] (٧٠٦)، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ، أي منظفة، وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، أي كغسل الجنابة فإن لم يُنَقَّ زاد وسُنَّ الإيتار (٨٠٥)، وَاعْلَمْ أنه يغسل بعد زوال السدر ثلاثًا بالقراح، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُوْلَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيِّ، أما السدر فللحديث السالف، لكن ظاهره يقتضى أنه فِي الجميع، وأما
الخطمى فلأنه قائم مقامه والخِطمى بكسر الخاء وحكى فتحها، ثُمَّ يُصَبُّ مَاءَ قَرَاحٍ، أي خالص وهو بفتح القاف، مِنْ فَوْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، أى وهذه أول الثلاث كما سلف، وَأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلَ كَافُورٍ، لأن الجسم يتصلَّبُ به وتَنْفِرُ الهوامُ من رائحتهِ، وفي الأخرة آكد للحديث الصحيح فيه (٨٠٦)، ويستثنى من ذلك الْمُحْرِمُ كما سيأتي، وخرج بالقليل الكثير إلاّ أن يكون صلبًا، وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ، أي بعد الغسل، نَجِسٌ، أي من الفرج وغيره، وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ، تطهيرًا له،
وَقِيلَ، يجب إزالته، مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، ليختم أمره بالأكمل، وَقِيلَ: الْوُضُوءُ، أى وجب إزالته مع الوضوء إن خرج من الفرج كالحي، أما إذا خرج من غير الفرج فلا يجب غير إزالته قطعًا، وللإمام احتمال فِي إعادة الغسل، والخلاف فِي الخارج قبل التكفين، أما بعده فلا يجب وضوء ولا غسل قطعًا، قال المصنف فِي شرح المهذب: وإطلاق الجمهور يحمل عليه.
_________________
(١) ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ] ينظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي الغسل: باب ذكر البيان بأن أمَّ عطية إنما مشطت قرونها بأمر المصطفى - ﷺ - لا من تلقاء نفسها: الحديث (٣٠٢٢).
(٢) للأثر عن أصحاب عبد الله يقولون: (الْمَيِّتُ يُغْسَلُ وِتْرًا، وَيُكَفَّنُ وِتْرًا، وَيُحَمَّرُ وترًا). أخرجه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب ما يغسل به الميت وسُنَّة التكرار فِي الغسلة: الأثر (٦٧٣٢). وللحديث السالف: [ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا].
(٣) لرواية البخاري عن أُمِّ عطية بلفظ: [وَاجْعَلنَّ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا]. رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (١٢٦١).
[ ١ / ٤١٧ ]
وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، إلحاقًا لكل جنس بجنسه، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ، كالزوجة وأَولى، اللهم إلاّ أن تكون مزوجة أو معتدة أو مستبرأة، وَزَوْجَتَهُ، لحديث صحيح فيه (٨٠٧) ويستثى الرجعية، وَهِيَ زَوْجَهَا، بالإجماع كما نقله ابن المنذر؛ ويستثنى الرجعية أيضًا (٨٠٨)، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً، وَلاَ مَسَّ، أى عند غُسْلِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ خوفَ انتقاض طُهْرِ الْمَاسِّ (٨٠٩).
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلاَّ أَجْنَبِيٌّ، أى والميتُ امرأة أجنبيةٌ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ، أي وكان الميت رجُلًا، يُمِّمَ، أي الْمَيِّتُ، فِي الأَصَحِّ، إلحاقًا لفقد الغاسل بفقد آلة الغسل لما فِي الغسل من النظر الْمُحَرَّمِ، والثاني: يغسل فِي ثيابه ويلفُّ الغاسلُ خِرقةً على يدهِ ويغمض طرفَهُ ما أمكنه إلاّ لضرورة، وصححه الماوردى ونقله عن النص وزيف الأول.
وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ أَوْلاَهُمْ بِالصَّلاَةِ، عليه كما سيأتي بيانه، والأصح: أن الزوجة لا تقدم عليهم بل يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم، قال القاضي: لكن الخال أَولى من ابن العم لمحرميته ولا مدخل لتقديم
_________________
(١) عن عائشة ﵂؛ قالت: رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي وَأَنَا أَقُولُ: (وَارَأْسَاهُ) فَقَالَ: [بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ] ثُمَّ قَالَ: [مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ ثُمَّ دَفَنْتُكِ]، قُلْتُ: لَكَأَنَّي بِكَ وَاللهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِى فَأَعْرَسْتَ فِيْهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. ثُمَّ بُدِئَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ. رواه ابن ماجه فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي غسل الرجل امرأته: الحديث (١٤٦٥). والبيهقي فِي السنن الكبرى: الحديث (٦٧٥٨). ورجال إسناده ثقات.
(٢) لحديث عائشة ﵂؛ قَالَتْ: (لَوْ كُنْتُ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ النَّبِيَّ - ﷺ - غَيْرُ نِسَائِهِ). رواه أبو داود فِي السنن: الحديث (٣١٤١). وابن ماجه فِي السنن: الحديث (١٤٦٤) وإسناده صحيح.
(٣) لأثر عبد الله بن الحارث بن نوفل: (أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - غَسَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَلَى النَّبِىِّ - ﷺ - قَمِيْصٌ، وَبِيَدِ عَلِيِّ - ﵁ - خِرْقَةٌ يَتْبَعُ بِهَا تَحْتَ الْقَمِيْصِ). رواه البيهقى فِي السنن الكبرى: الأثر (٦٧٢١).
[ ١ / ٤١٨ ]
الوالي هنا وإن قبل به فِي الصلاة، وَبِهَا، أى وأولى النساء بغسلها، قَرَابَاتُهَا، لوفور شفقتهن، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصَحِّ، لأنهن أليق، والثاني: أنه يقدم عليهن، لأنه يطَّلِعُ على ما لا يَطَّلِعْنَ عليه، وَأَوْلاَهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، لوفور الشفقة، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّةُ، قُلْتُ: ويقدم عليها ذوات الولاء كما نص عليه إمامنا، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلاَتِهِمْ، لأنهم يطلعون على ما لا يِطلع غيرهم عليه. قُلْتُ: إِلَّا ابْنَ العَمِّ وَنَحْوَهُ، أي وهو كل قريب ليس بِمَحْرَمٍ، فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمْ، أى لا حَقَّ لهُ فِي الغسل، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ، أى على رجال القرابة، الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يطلع منها على ما لا يطلعون عليه، والثاني: لا؛ بل يقدمون عليه؛ لأن النكاح ينتهي بالموت وسبب المحرمية يدوم ويبقى.
فَرْعٌ: كل مَن قدمناه شرطه الإسلام وأن لا يكون قاتلًا.
وَلاَ يُقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلاَ يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ، إبقاءًا لأثر إحرامه (٨١٠)، وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ، أى الْمُحِدَّةُ، فِي الأَصَحِّ، لزوال المعنى فيها وهو التفجع ونحوه بالموت، والثاني: لا، كَالْمُحْرِمِ. واحترزتُ بِالْمُحِدَّةِ عن الرجعية! فإنه لا إحداد عليها. وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ، كما يتنظف الحيُّ بها، لأنها من كمال الطهارة. قُلْتُ: الأَظْهَرُ، أي المنصوص فِي الأُمِّ والمختصر، كَرَاهَتُهُ وَالله أَعْلَمُ، لأنه لم يصح فهو مُحْدَثٌ، وصحَّ النهىُّ عن محدثات الأمور (٨١١)، وكما لا يختن، قال فِي الروضة: وصرح الأكثرون
_________________
(١) لحديث ابن عباس ﵄؛ قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوقَصَتْهُ- أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: [إِغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفَّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ؛ وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُواُ رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثٌ يْوْمَ الْقَيَامَةِ مُلَبِّيًا]. رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (١٢٦٥). وفي رواية: [ولا تقربوه طيبًا]: الحديث (١٨٣٩) من كتاب جزاء الصيد. والحديث (١٨٥٠).
(٢) عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيْرًا. وَإِيَّاكُمْ =
[ ١ / ٤١٩ ]
أو الكثيرون بأن الجديد: أنه لا يستحب؛ والقديم: أنه يكره، وهذه الأمور تفعل قبل الغسل. ورأيتُ فِي كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن من سنن الغسل أخذ الشعر والتشهد عند غسله هذا لفظه.
فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، أي فيجوزُ تكفين المرأة بالحرير بخلاف الرجل والخنثى، وفي فتاوى الحناطي: أن بعض الورثة إذا أسرف فِي كفن الميت يَغْرَمُ للباقين قِيْمَةَ ما أسرفَ فيه، وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ، لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، نعم يكفي ما يستر العورة على الأصح قاله فِي الروضة وخالف فِي مناسكه الكبرى فصحح: أن أقلَّه ثوب ساتر لجميع البدن (٨١٢)، وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ، أي بخلاف الثوب الثاني والثالث؛ لأنهما حقه، والأول حقُّ الله تعالى.
وَالأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ ثَلاَثَة، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كُفِّنَ فِيها، متفق عليه (٨١٣)، ولو عبَّر بالذِّكَرِ لكانَ أَولى؛ لأنه ذَكَرَ فِي آخر الباب أن الصبى كالرجل فِي ذلك، نعم يستثنى ما لو كفن من بيت المال حيث يجب، فإن الأصح تكفينه فِي واحد
_________________
(١) وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ؛ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ]. رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب العلم: باب ما جاء فِي الأخذ بالسنة: الحديث (٢٦٧٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) لحديث خباب - ﵁ -؛ قال: [هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ؛ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ؛ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا؛ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ؛ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ؛ إِلاَّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ. فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ؛ وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخُرِ] رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (١٢٧٦). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٤٤/ ٩٤٠).
(٣) لحديث عائشة ﵂؛ قالت: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابِ يَمَانِيَّةٍ بِيْضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيْهِنَّ قَمِيْصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ) رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (١٢٦٤ و١٢٧١ و١٢٧٢). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٤٥/ ٩٤١).
[ ١ / ٤٢٠ ]
لتأدي الواجب به لا فِي ثلاثة، قال القاضي والبغوي: وكذا مالُ المسلمين عند فقد بيت المال، قال ابن الصلاح فِي فتاويه: وكذا وقفُ الأكفان، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ، أى من غير كراهة؛ لأن ابن عمر كَفِّنَ ابنًا له فِي خمسة أثواب قميص وعمامة وثلاث لفائف، رواه البيهقى (٨١٤)، والزيادة على الخمسة لا يبعد تحريمها ثم رأيته بعده مصرحًا به فِي شرح ابن يونس، وَلَهَا خَمْسَةٌ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كفَّنَ بنته أُمُّ كلثوم فِي الحَقاءِ وهو الإزارُ؛ ثم الدرع؛ ثم الخمار؛ ثم الملحفة؛ ثم أُدرجت بعد فِي الثوب الآخر، رواه أبو داود ولم يضعفه (٨١٥).
فَرْعٌ: الخنثى كالمرأة.
وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلاَثَةٍ فَهِيَ لَفَائِفُ، أى ليس فيها قميص ولا عمامة فِي حق الرجل تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فلو كانا فيه لم يكره على الأصح، والثَّلاَثُ سوابغ للمراة وكذا للرجل على الأصح، وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ، إقتداءً بفعل ابن عمر كما سلف، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، اقتداء بفعله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بأم كلثوم كما سلف، وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ، أى واللفافة الثالثة بدل القميص، لأن القميص لم يكن فِي كفنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وهذا منصوص الجديد؛ والأوَّل ينسيب إلى القديم.
وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ، للأمر به كما صححه الترمذي (٨١٦)، فلو كانت كلها حِبْرَةً لم
_________________
(١) رواه البيهقي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب جواز التكفين فِي قميص: الأثر (٦٧٩١).
(٢) رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي كفن المرأة: الحديث (٣١٥٧).
(٣) هو حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [البَسُواْ مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ. فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ. وَكَفِّنَواْ فِيْهَا مَوْتَاكُمْ] رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز. باب ما يستحب من الأكفان: الحديث (٩٩٤)، وقال: حديث ابن عباس حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهُو الَّذى يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ. وأبو داود فِي السنن: كتاب الطب: باب فِي الأمر بالكحل: الحديث (٣٨٧٨) وفيه: [وَإِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمْ الأَثمدَ: يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ].
[ ١ / ٤٢١ ]
تُكره، وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ، بالإجماع، نعم إن تعلق بعين التركة حقٌّ قُدِّمَ عليه كما سيأتي فِي الفرائض إن شاء الله تعالى، وسائر التجهيز من أصل التركة أيضًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي تركة، فَعَلَى مَن عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، اعتبارًا بحال الحياة، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ، لأنها فِي نفقته فِي الحياة فيلزمه مؤنتها بعد الموت كالسيد مع العبد، والثاني: لا يجب عليه، ونقله الجويني عن أكثر الأصحاب؛ لزوال التمكن
المقابل للنفقة. وظاهر كلام المصنف يوهم أنه لا يجب على الزوج ذلك إلاّ إذا لم يكن لها تركة لِعَطْفِهِ إِيَّاهُ على ما قدمه وهو خلاف ما فِي الروضة تبعًا للشرح فإنهما اعتبرا مالها عند عدم ماله.
فَرْعٌ: حكم مؤن التجهيز حكم الكفن ذكره الرافعي فِي الْمُحَرَّرِ.
فَرْعٌ: هل يلزمه كفن خادم الزوجة وتجهيزها؟ فيه الوجهان فِي الروضة قاله الرافعي فِي النفقات.
وَيُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ، وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا وَكَذَا الثَّالِثَةُ، قياسًا على الحيِّ؛ فإنه يجعل أجمل ثيابه فوق (٨١٧)، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، لئلا يسرع بلاء الأكفان، قال الماوردي: وهذا من افراد الشافعي - ﵁ - (٨١٨)، وَيُوضَعُ
_________________
(١) لحديث جابر بن عبدالله ﵄؛ قال: أنَّ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: [إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ]. رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب ما يستحب من تحسين الكفن: الحديث (٦٧٩٦)، وقال: أخرجه مسلم فِي الصحيح؛ قلت: فِي كتاب الجنائز: باب فِي تحسين كفن الميت: الحديث (٤٩/ ٩٤٣).
(٢) قلت: من غير مُغَالاَةٍ؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -؛ قَالَ: لاَ يُغَالَى فِي كَفَنٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: [لاَ تُغَالُواْ فِي الْكَفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيْعًا]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب كراهية المغالاة فِي الكفن: الحديث (٣١٥٤)؛ قال ابن حجر فِي تلخيص الحبير: ج ١ ص ١١٦: وفي الإسناد عمرو بن هشام مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي. لأن الدارقطني قال: إنه لم يسمع منه سوى حديث واحد.
[ ١ / ٤٢٢ ]
الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، لدرء الهوام عنه وتقويته كما مضى فِي غسله، ولو حذف قوله (وَكَافُورٌ) كان أولى؛ لأنه يدخل فِي الحنوط، وَيُشَدَّ أَلْيَاهُ، إحكامًا لمنع الخارج، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بِدَنِهِ، أي كالعين والأذن والمنخر والمخرج، قُطْنٌ، أى مع حنوط لينشف فضلاتها المفسدة للبدن، ويجعل الطيب على مساجده أيضًا، أي بقطن، وَيُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، لئلا ينتشر بحركته، وكيفية اللف أن يثني جنبه الأيسر ثم الأيمن على الأصح كما يلبس الحي القباء، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ
نُزِعَ الشِّدَادُ، لاستتاره بالقبر فلا يضر انتشار كفنه (٨١٩)، وَلاَ يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذِّكَرُ مُخِيطًا، وَلاَ يُسْتَرُ رَأْسُهُ وَلاَ وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ، إبقاء لأثر الإحرام، ووقع فِي الْمُحَرَّرِ: أنه لا تلبسُ الْمُحْرِمَةُ مَخِيْطًا وَهُوَ وَهْمٌ.
فَرْعٌ: لا يعقد على الرجل المحرم ثوبه كعقد الرداء.
فَرْعٌ: الخنثى المشكل ينبغى أن يُكتفى بكشف وجهه أو رأسه.
فَصْلٌ: وَحَمْلُ الْجَنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ، للاتباع (٨٢٠) والثاني: التربيع وهو واهٍ، والثالث: أنهما سواء، وهذا إذا أراد أن يقتصر على أحدهما، والأفضل أن يجمع بينهما بأن يحمل تارة كذا وتارة كذا، وقال الماوردي:
_________________
(١) لحديث مَعْقِلَ بن يَسَارٍ؛ قَالَ: (لَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نُعِيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ فِي الْقَبْرِ نَزَعَ الأَخِلَّةَ بِفِيْهِ). رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الحديث (٦٨١٥)، وقال: رواه أبو داود فِي المراسيل. وفي الأثر عن عُقْبَةَ بْنَ يَسَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ ابْنُ أَخِي سَمُرَةَ قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِسَمُرَةَ؛ وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ قَالَ: فَقَالَ: (انْطَلِقْ بِهِ إلَى حُفْرَتِهِ، فَإِذَا وَضَعْتَهُ فِي لَحْدِهِ فَقُلْ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، ثُمَّ اُطْلُقْ عَقْدَ رَأْسِهِ، وَعَقْدَ رِجْلَيْهِ). رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الأثر (٦٨١٦).
(٢) لحديث إيراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: (رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ -؛ قَائِمًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ وَاضِعًا السَّرِيْرَ عَلَى كَاهِلِهِ). رواه الشافعي - ﵁ - فِي الأُم: كتاب الجنائز: كتاب حمل الجنازة: ج ١ ص ٢٦٩ بإسناد صحيح وذكر له شواهد أُخرى.
[ ١ / ٤٢٣ ]
بأن يحملها خمسة، وَهُوَ، أي الحمل بين العمودين، أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ وَرَأْسَهُ بَيْنَهُمَا، إي فإن عجز أعانَهُ رجلان خارجها، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخِّرَتَيْنِ رَجُلاَنِ، وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَقَدَّمَ رَجُلاَنِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ، وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، للاتباع فيهما (٨٢١)، وَيُسْرَعُ بِهَا، استحبابًا للأمر به، متفق عليه (٨٢٢)، إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ، أي فيتأنى، فإن خيف عليه تغيرًا أوِ انفجارًا أو انتفاخًا زِيْدَ فِي الإسراع.
فَرْعٌ: يُستحب لمن مَرَّت به الجنازة أن يدعو لها وأن يُثني عليها إن كانت له أهلًا، وأن يقول من رآها: سبحان الله الحىِّ الذي لا يموتُ، أو سبحان الملك القدوس، وفي الدعاء للطبراني من حديث أنس رفعه [مَنْ رَأَى جَنَازَةً فَقَالَ: الله أَكْبَرُ صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيْمَانًا وَتَسْلِيْمًا، كُتِبَ لَهُ عُشْرُونَ حَسَنَةً] (٨٢٣) وعن نافع قال: [كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى جَنَازَةً قَالَ:
هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيْمَانًا وَتَسْلِيْمًا].
فَصْلٌ: لِصَلاَتِهِ أَرْكَانُ: أَحَدُهَا: النِّيَّةُ، كغيرها من الصلوات، وَوَقْتُهَا كَغَيرهَا، أي من الصلوات كما سلف فِي بابه، وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ، أي ولا يحتاج إلى التعرض
_________________
(١) لحديث سالم عن ابن عمر ﵄، (أَنَّهُ رَأَى النَّبِىِّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ). رواه أبو داود فِي السنن: الحديث (٣١٧٩). والترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب المشي أمام الجنازة: الحديث (١٠٠٧ و١٠٠٨).
(٢) لحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ عن النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: [أَسْرِعُواْ بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةَ فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ. وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ]. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب السرعة بالجنازة: الحديث (١٣١٥). ومسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٥٠/ ٩٤٤).
(٣) رواه الديلمي فِي الفردوس بمأثور الخطاب: النص (٥٦٩٤)، قال المحقق (السعيد بن بسيوني زغلول) فِي الهامش: من حديث أنس، وفيه سليمان ابن عمر وأبو داود النخعي. إهـ. قلت: قال ابن حجر: سليمان بن عمر وأبو داود النخعي الكذاب؛ وحكى أوصافه؛ ومنها الدجال، وكان يضع الحديث. ينظر: ترجمته فِي لسان الميزان: الرقم (٣٣٢) من الجزء الثالث الصفحة (٩٧).
[ ١ / ٤٢٤ ]
لكونها فرض كفاية؛ لأن نية الفرض فِي هذا المقام تغنى عنه، وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ، ليتميز عن فرض العين، وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، أى ولا معرفته، بل لو نوى الصَّلاةَ على مَن يُصَلِّي عليهِ الإمامُ جَازَ، وهذا بخلاف الصلاة على الغائب فإنه لابد من تعيينه بقلبه، كما قاله ابن عجيل اليمني؛ وعُزِيَ إلى البسيط أيضًا، فَإِنْ عَيَّنَ، أي الميت، وَأَخْطَأَ، بأن نوى الصلاة على زيد فَبَانَ عَمْروًا، بَطَلَتْ، لأنه لَمْ يَحْضُرُ مَا نَوَاهُ، نَعَمْ لو أشار إليه صحت على الأصح تغليبًا للإشارة، وَإنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ، أى سواء عرف عددهم أم لا؟ !
الثَّانِي: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، لدوامه - ﷺ - عليها من حين موت النجاشي إلى أن توفي
كما قاله القاضي عياض (٨٢٤)، فَإِنْ خَمَّسَ، أي عامدًا، لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ، لثبوتها فِي مسلم (٨٢٥)، والثاني: نعم، كزيادة ركعة، وأجراه الجيلي فيما لو كبر سبعًا أو تسعًا وصحح الصحة، أما إذا كان ساهيًا فإن صلاته لا تبطل جزمًا، وأبدل فِي الكفاية العامد بالعالم؛ والساهي بالجاهل وعزاه إلى الرافعى وليس يجيد، وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الأَصَحِّ، لأن هذه الزيادة ليست مسنونة للإمام، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ، والثاني: يتابعه لتأكد المتابعة على الأصح.
الثَّالِثُ: السَّلاَمُ كَغَيْرِهَا، أى من الصلوات بصفته.
الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، لأن ابن عباس قرأ بها وقال [لِتَعْلَمُواْ أَنَّهَا سُنَّةٌ] رواه
_________________
(١) لحديث أبي هريرة - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيْرَاتٍ). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب فِي التكبير على الجنازة: الحديث (٦٢/ ٩٥١). وحديث جابر بن عبد الله - ﵁ -، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا). رواه مسلم فِي الصحيح: الحديث (٦٤/ ٩٥٢).
(٢) لحديث عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: كَانَ زَيْدٌ (زيد بن أرقم) يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ؛ فَقَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكَبِّرُهَا). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٧٢/ ٩٥٧).
[ ١ / ٤٢٥ ]
البخاري (٨٢٦)، بَعْدَ الأُوْلَى، للاتباع كما رواه الشافعي واستشهد به الحاكم (٨٢٧).
قُلْتُ: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الأُوْلَى، وَالله أَعْلَمُ، صرح به جماعة؛ وأشعر به نصه فِي موضع من الأُمِّ، وظاهر هذا أنه لو أخَّر قراءتها إلى الثانية فصاعدًا أنه يجزئ، والذي فِي الرافعي حكاية عن النص تأخيرها إلى الثانية، قُلْتُ: لكن روى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المروزي عن أبى أُمَامَةَ - ﵁ - قال: [السُّنَّةُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَلاَ يَقْرَأُ إِلَّا فِي التَّكْبِيْرَةِ الأُوْلَى ثُمَّ يُسَلِّمُ]، وهو حديث صحيح ملحق بالمسند (٨٢٨).
فَرْعٌ: لا يستحبُّ قراءة السورة على الأصح.
_________________
(١) عن طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ عَلَى جَنَازَةِ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ: (لِتَعْلَمُواْ أَنَّهَا سُنَّةٌ). رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (١٣٣٥). وفي لفظ عند البيهقي: (إِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ) وقال: رواه البخاري فِي الصحيح: الأثر (٧٠٥٥) من السنن الكبرى.
(٢) عن أبي أُمَامَةَ بْنُ سْهْلٍ - ﵁ -؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ (وفي رواية الحاكم- رِجَالٌ) مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ: (أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الإِمَامُ؛ ثُمَّ يَقْرَأُ بفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيْرَةِ الأُوْلَىْ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيْرَاتِ، لاَ يَقْرَأُ فِي شَىْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًا فِي نَفْسِهِ). رواه الشافعى فِي الأم: باب الصلاة على الجنازة والتكبير فيها، وما يفعل بعد كل تكبيرة: ج ١ ص ٢٧٠: وفي رواية: (ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيْمًا خَفِيْفًا حِيْنَ يَنْصَرِفُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ إِمَامَهُ). رواه الحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٣١/ ٦٧)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وليس فِي التسليمة الواحدة على الجنازة أصحُّ منه. ووافقه الذهبي فِي تلخيصه وقال: على شرطهما. والبيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب القراءة فِي صلاة الجنازة: الأثر (٧٠٥٩).
(٣) رواه النسائي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب الدعاء: ج ٤ ص ٧٥، وإسناده صحيح. قال النووى فِي مجموع شرح المهذب: ج ٥ ص ٢٣٣: قال: (رواه النسائي بإسناد على شرط الشيخين، وأبو أُمَامَة هذا صحابي). وفي المصنف لابن أبي شيبة: كتاب الجنائز: باب ما يبدأ به بالتكبيرة: النص (١١٣٧٩).
[ ١ / ٤٢٦ ]
اَلْخَامِسُ: الصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، لأنه من السُنَّة كما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (٨٢٩)، بَعْدَ الثَّانِيَةِ، كذا جزمَ به، وقياس ما سبق فِي الفاتحة عدمُ تعيينها فيها، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الآلِ لاَ تَجِبُ، كغيرها وأَولى لبنائها على التحقيق، قال فِي شرح المهذب: وبه قطع الجمهور، والثاني: تجبُ.
فَرْعٌ: يندبُ الدُّعاءُ للمؤمنين والمؤمنات عَقِبَ الصلاة على الأصح تقريبًا للإجابةِ، وهل يستحبُّ الحمدُ قبل الصَّلاَةِ؟ فيه وجهان؛ أرجحهما فِي الروضة: نعم، والثاني: لا، هو مقتضى كلام الأكثرين؛ كما قاله الرافعي. قال فِي الروضة: ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة لكِنَّهُ أَوْلى.
السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، لأنه المقصود الأعظم منها وما قبله مقدمات له، وأقله ما يقع عليه الاسم، ولا بد من تخصيصه بالدعاء، ولا يكفي أرساله للمؤمنين والمؤمنات على الأصح، بَعْدَ الثَّالِثَةِ، يعني أن محله بعد التكبيرة الثالثة، قال فِي شرح المهذب: لا يجزي فِي غيرها بلا خلاف، وليس لتخصيصه بها دليل واضح، وقياس ما تقدم فِي الفاتحة؛ أنه لا يتعين الدعاء فِي الثالثة.
السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ، لأنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام مع القدرة كسائر الفرائض، وقيل: وجهان؛ أحدهما: إلحاقها بالنافلة، والثاني: إن تعينت عليه لم تصح إلاّ قائمًا وإلاّ صحَّت قاعدًا.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، أى حذو منكبيه اقتداءً بابن عمر، كما رواه الشَّافِعِيُّ (٨٣٠) ويضع يديه بعدَ كُلِّ تكبيرة على صدره كما فِي غيرها، وَإسْرَارُ الْقِرَاءَةِ، لقول أبي أُمَامَة بْنِ سَهْلٍ إنَّهُ السُنَّة، رواه النسائي (٨٣١)، وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا،
_________________
(١) تقدم نصه وعزوه فِي الرقم (٨٢٧). وفيه: [ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-].
(٢) رواه الشافعى فِي كتاب الأُم: باب الصلاة على الجنازة والتكبير فيها: ج ١ ص ٢٧١. وباب التكبير على الجنائز: ج ١ ص ٢٨٣.
(٣) عن أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: (السُّنَّةُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيْرَةِ الأُوْلَى =
[ ١ / ٤٢٧ ]
لأنها صلاة ليل، وصححه جماعة، أما الصلاة عليه - ﷺ - فيُسِرُّ بها اتفاقًا وكذا الدعاء، وَالأَصَحُّ نَدْبُ التَّعَوُّذِ، لأجل القراءة ولقصره، دُونَ الاِفْتِتَاحِ، لطوله، والثاني: يستحبان كالتأمين، والثالث: لا يستحبان لطولهما بخلاف التأمين، ونقله فِي المهذب عن عامة الأصحاب؛ ونقل الاستحباب عن القاضي أبى الطيب وحده.
وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ إِلَى آخِرِهِ، وذكره الرافعي فِي المحرر بطوله، وهو آخذٌ بمعاني ما جمع من الدعاء، وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ، أي استحبابًا بـ[اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيْمَانِ] هذا الدعاء صححه ابن حبان والحاكم (٨٣٢)، وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي: [اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لأبَوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا وعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرِغِ الصَّبْرَ عَلَى قُلوبِهِمَا]، زاد فِي الروضة تبعًا للرافعي [وَلاَ تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلاَ تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ].
وَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ: [اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ]، للاتباع إلاّ أنه قال: ولا تُضِلَّنا بدل ولا تَفْتِنَّا، وزاد المحاملي وغيره [وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ]، ويستحبُّ تطويل الدعاء عَقِبَهَا، وقد صح من فعله - ﷺ - (٨٣٣).
_________________
(١) بِأُمِّ الْقُرْآنَ مُخَافَتَةً؛ ثُمَّ يُكَبِّر ثَلاَثًا وَالتَّسْلِيْمُ عِنْدَ الآخِرَةِ). رواه النسائي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب الدُّعاء: ج ٤ ص ٧٥.
(٢) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي الصلاة على الجنازة: الحديث (٣٠٥٩). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٢٦/ ٦٢) عن أبى هريرة؛ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ وله شاهد صحيح على شرط مسلم، الحديث (١٣٢٧/ ٦٣) عن أُمِّ المؤمنين عائشة ﵂. ووافقه الذهبي؛ وأكد تصحيحه لهما. ولكن فِي رواية ابن حبان بلفظ: [مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأْحْيِهِ عَلَى الإِيْمَانِ؛ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلاَمِ].
(٣) عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، يَقُولُ: [اللَّهُمَّ عَبْدُكَ =
[ ١ / ٤٢٨ ]
وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلاَ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إِمَامُهُ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، كتخلفه بركعة لأن كل تكبيرة كركعة، وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فِي غَيْرِهَا، أي كالصلاة والدعاء بناءً على أن ما أدركه المسبوق أول صلاته فيراعي ترتيب صلاة نفسه، وَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتِ الْقِرَاءَةُ، كما لو ركع الإمام فِي سائر الصلوات عقب إحرام المسبوق
فإنه يركع معه، وَإِنْ كَبَّرَهَا وَهُوَ فِي الْفَاتِحَةِ تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الأَصَحِّ، الخلاف كالخلاف فيما إذا ركع الإمام والمسبوق فِي أثناء الفاتحة وقد تقدم بيانه فِي بابه، وَإذَا سَلَّمَ الإِمَامُ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ، كما يركع فِي غيرها ما بقي عليه، بِأَذْكَارِهَا، لقوله - ﷺ -: [صَلِّ مَا سَبَقَكَ وَاقْضِ مَا فَاتَكَ] رواه مسلم (٨٣٤)، وفِي قَوْلِ: لاَ تُشْتَرَطُ الأَذْكَارُ، لأن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام فليس الوقت وقت التطويل.
وَيُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلاَةِ، أي كالطهارة وستر العورة وغيرهما؛ لأن الله تعالى ورسوله سَمَّياها صلاة فكانت كسائر الصلوات، لاَ الْجَمَاعَةِ، كسائر الصلوات، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، لأنه لا يشترط الجماعة فكذا الجمع كما فِي غيرها (٨٣٥)،
_________________
(١) وَابْنُ عَبْدِكَ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ؛ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ؛ وَإِنْ كَانَ مُسِيْئًا فَاغْفِر لَهُ؛ وَلاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ]. رواه فِي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي الصلاة على الجنازة: الحديث (٣٠٦٢).
(٢) الحديث عن أبى هريرة - ﵁ -؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [إِذَا ثُوِّبَ بالصَّلاَةِ فَلاَ يَسْعَ إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ، وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ]. رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب المساجد: باب إتيان الصلاة بوقار وسكينة: الحديث (١٥٤/ ٦٠٢).
(٣) لفعل الصحابة من غير خلاف، فهو إجماع الصحابة؛ عن ابن عباس ﵄؛ قال: (لَمَّا صُلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أُدْخِلَ الرِّجَالُ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِمَامٍ أَرْسَالًا حَتَّى فَرَغُواْ؛ ثُمَّ أُدْخِلَ النِّسَاءُ فَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ أُدْخِلَ الصِّبْيَانُ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ أُدْخِلَ =
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَقِيلَ: يَجِبُ اثْنَانِ، لحصول الاجتماع بهما، وَقِيلَ: ثَلاَثَةٌ، لأنه أقل جمع، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ، قاله الشيخُ أبو عليٍّ بناءً على ما اعتقده من عددِ حَمَلَةِ الجنازة.
وَلاَ يَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ، أي وكذا رجلٌ واحدٌ، فِي الأَصَحِّ، نظرًا للميت، فإن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم للعبادات أكمل، والثاني: تسقط لصحة صلاتهن وجماعتهن، واحترز بقوله (وَهُنَاكَ رِجَالٌ) عما إذا لم يكونوا هناك، فإنهن يصلين للضرورة منفردات، ويسقط الفرض قاله صاحب الْعُدَّةِ، وظاهر المذهب: أنه لا يستحب لهن الجماعة فيها.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.
فَرْعٌ: تسقط بصلاة الصبى المميز على الأصح فِي الروضة وشرح المهذب، ووقع فِي المناسك الكبرى تصحيحُ مقابله وهو سبق قلم.
وَيُصَلِّى عَلَى الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ، للاتباع فِي النجاشي (٨٣٦)، واحترز بالغائب عن البلد بالحاضر فيه الغائب عن موضع الصلاة، فلا يجوز أن يصلى عليه على الأصح حتى يحضر عنده، وإن كان محبوسًا فِي البلد فهل يشرع له؟ فيه نظر!
_________________
(١) الْعَبِيْدُ فَصَلَّوْا عَلَيْهِ أَرْسَالًا، لَمْ يَؤُمُّهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَدٌ). رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: باب الجماعة يصلون على الجنازة أفذاذًا: الأثر (٧٠٠٦). قال البوصيري فِي الزوائد: إسناده فيه الحسين بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، تركه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي؛ وقال البخاري: إنه كان يتهم بالزندقة؛ ورواه ابن عَدي وباقي رجال الإسناد ثقات. إهـ. والحديث له شاهد عن أبي عسيب عند الإمام أحمد فِي المسند: ج ٥ ص ٨١، وإسناده صحيح. وآخر عند ابن ماجه فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ذكر وفاته ودفنه - ﷺ -: الحديث (١٦٢٨). وعند البيهقي بإسناد عن سالم بن عبيد وفيه ضعف. قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: (وصلاةُ النَّاسِ عليهِ افذاذًا مُجمعْ عليهِ عندَ أهلِ السُّنَنِ، وجماعةِ أَهلِ النَّقْلِ لاَ يختلفونَ فيهِ): تلخيص الحبير: ج ٢ ص ١٣٢.
(٢) لحديث جابر بن عبد الله ﵄؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ). رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب من صفَّ صفين: الحديث (١٣١٧).
[ ١ / ٤٣٠ ]
وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُا، يعني الصلاة، عَلَى الدَّفْنِ، لأنها فرض كفاية فلا تؤخر، وَتَصِحُّ بَعْدَهُ، للاتباع (٨٣٧)، وَالأَصَحُّ تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ، لأن من كان من أهل الفرض حينئذ كان الخطاب متوجهًا عليه، فمتى أدَّى كان مؤديًا لفرضه، وغيره لو صلَّى كان متطوعًا وهذه الصلاة لا يتطوع بها، وعَبَّرَ جماعةٌ عن هذا الوجه بعبارة أخرى، فقالوا: مَن كان مِن أهل الصلاة صلَّى عليه ومن لا فلا، وقد صحح الرافعي هذه فِي الشرح الصغير والأولى فِي الْمُحَرَّرِ، وَلاَ
يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِحَالٍ، أي وكذا على قبر غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لقوله - ﷺعند وفاته: [لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُواْ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ] يُحَذِّرُ مَا صَنَعُواْ، متفق عليه (٨٣٨).
فَرْعٌ: الْجَدِيدُ أَنَّ الْوَلّيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي، لأن الصلاة من قضاء حق الميت؟ فالقريب أَولى بها كولاية النكاح، والقديم الوالي أَولى، ثم إمام المسجد، ثم الولي كسائر الصلاة وبه قال أكثر أهل العلم، والمراد بالولي القريب، ومحل الخلاف إذا لم يخف الفتنة من الوالي، وإلاَّ قُدِّمَ قطعًا كما أفهمه كلام البيان، نبَّه عليه صاحب الْمُعِيْنِ، فيُقَدَّمُ الأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ، أيْ أبو الأب، وَإِنْ عَلاَ، لوفور شفقتهما،
ثُمَّ الابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الأَخُ، لأنهم أشفق كما سيأتي، وَالأَظْهَرُ تَقْدِيمُ
_________________
(١) لحديث ابن عباس ﵄؛ (أَنَّ النَّبِىَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا). رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الأذان: باب وضوء الصبيان: الحديث (٨٥٧) والحديث (١٢٤٧) والحديث (١٣٢٦) والحديث (١٣٤٠). ومسلم فِي الصحيح: باب الصلاة على القبر: الحديث (٦٨/ ٩٥٤).
(٢) عن عائشة ﵂ عن ابن عباس ﵄؛ قالا: (لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ الله - ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيْصَةً عَلَى وَجْهِهِ، فَإذَا اغْتَمَّ كَشَفهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: وَهُوَ كَذَلِكَ: [لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ] يُحَذَّرُ مِمَّا صَنَعُواْ). رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب أحاديث الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل: الحديث (٣٤٥٣ و٣٤٥٤).
[ ١ / ٤٣١ ]
الأَخِ لأَبَوَيْنِ عَلَى الأَخِ لأَبٍ، لزيادة القرب والشفقة كما فِي الميراث، والثاني: أنهما سواء، والأصح القطع بالأول، ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ الْعَصَبَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الإرْثِ، لأن المقصود الدعاء، ودعاء هؤلاء أرجى فِي الإجابة، ثُمَّ ذُوُو الأَرْحَامِ، لأنَّ دعاءَ الرَّحِمِ أقربُ إجابةً، فيقدَّمُ أبُو الأُمِّ، ثم الأخُ لِلأُمِّ، ثم الخالُ، ثم العمُّ للأُمِّ، وَلَوِ اجْتَمَعَا فِي دَرَجَةٍ، أي كَابْنَيْنِ، فَالأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى النَّصِّ، أي فِي المختصر؛ لأن دعاء الأسَنِّ أقربُ إجابةً، وفي قول مُخرَّج: أنَّ الأفقه والأقرأ مقدَّمٌ عليه كسائر الصلوات، والفرقُ لائحٌ، والمرادُ بالأسنِّ الأكبرُ سِنًَّا فِي الإسلامِ لا الشيخوخة كما فِي الصلاة، واحترز بالعدل عن الفاسق والمبتدع فإنهما كالعدم، وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ، أى كأخٍ هو عبدٌ وعمِّ حُرٌّ لأنها ولايةٌ، والحُرُّ من أهلها دون العبد.
فَرْغٌ: إذا استويا فِي السن المعتبر قُدِّمَ الأفقهُ والأقرأُ والأورعُ ثم يُقْرَعُ.
وَيَقِفُ، أي الإمامُ والمنفردُ، عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجُزِهَا، للاتباع كما حسنه الترمذي (٨٣٩)، والمعنى فِي الفرق محاولة ستر المرأة، والخنثى كالمرأة، ولا يبعد أن يأتى هذا فِي الصَّلاةِ على القبرِ.
وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلاَةٌ، لأن مقصودها الدُّعَاءُ، ويُمْكِنُ الجمعُ فيهِ، وَتَحْرُمُ، أي الصلاة، عَلَى الْكَافِرِ، بالإجماع، وَلاَ يَجِبُ غُسْلُهُ، لأنه كرامة، وليس من أهلها، نعم يجوز، وَالأَصَحُّ وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ، وفاءً بذمته، وينبغي أن يقطع
_________________
(١) عَنْ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: (صَلَّيْتُ مَعَ أَنَس بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ. فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ. ثُمَّ جَاءُواْ بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالُواْ: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيْرِ. فَقَالَ لَهُ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ. هَكَذَا رَأَيْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْجَنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا. وَمِنَ الرَّجُلِ مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: احْفَظُواْ). رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة؟ الحديث (١٠٣٤)، وقال: حديث حسن.
[ ١ / ٤٣٢ ]
بوجوب ثوب واحد (٨٤٠)، والثاني: لا، لبطلانها بالموت، وحكاه القاضي عن الأصحاب، وخرجَ بالذميِّ الحربيُّ.
وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ صُلَّيَ عَلَيْهِ، لآثار عن الصحابة فيه (٨٤١)، وخرج بالعضو الشعر والظفر ونحوهما، وبه قال الأكثرون، كما نقله عنهم فِي شرح المهذب، لكن قال فِي الروضة تبعًا للرافعي: أقربُ الوجهينِ إِنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ غَيْرِهِمَا، قال فِي الْعُدَّةِ: إلاّ شعرة واحدة فِي ظاهر المذهب؛ إذا لا حرمة لها، وقياس ما ذكره أن لايغسل أيضًا ولا يُكَفَّن، وخرجَ بالمسلمِ الكافرُ وبعلم موته عما إذا لم يعلم، نعم الدفن لا يختص بهذا، بل ما ينفصل من الحي كَشَعْرٍ ونحوه يستحب له
دفنه، قال القفال فِي فتاويه: ويغسل المقطوع من الحي ويكفن أيضًا.
وَالسَّقْطُ إِنِ اسْتَهَلَّ أَوْ بَكَى كَكَيِرٍ، لقرله - ﷺ -: [إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وُرِثَ وَصُلِّيَ
_________________
(١) * عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ؛ يَعْنِي أَبَاهُ، قَالَ: [إِذْهَبْ فَوَارِهِ وَلاَ تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتَّى تَأْتِيَنِي] فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ، فَأمَرَنِي، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ دَعَا لِي بِدَعَوَاتِ مَا يَسُرُّنِي مَا عَلَى الأَرْضِ بِهِنَّ مِنْ شَيْءٍ). رواه البيهقي فِي السنن الكبرى. كتاب الجنائز: باب المسلم يغسل ذا قرابته من المشركين: الحديث (٦٧٦٧). * عن سعيد بن جُبَيْرٍ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ نَصْرَانِيًا؟ فَقَالَ: اغْسِلْهُ وَكَفَّنْهُ وَحَنَّطْهُ، ثُمَّ ادْفِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِيْنَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِيْنَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. رواه البيهقي فِي السنن الكيرى: الأثر (٦٧٦٩).
(٢) قال الإمام الشافعي - ﵁ -: (وَمَنْ أَكَلَهُ سَبُعْ أَوْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْبَغْي أَوِ اللُّصُوصُ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَنْ قَتَلَهُ، غُسِلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلاَّ بَعْضُ جَسَدِهِ صُلِّيَ عَلَى مَا وُجِدَ وَغُسِلَ ذَلِكَ الْعُضْوِ. وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ؛ أَنَّهُ صَلِّىَ عَلَى رُؤُوسٍ. قَالَ بعضُ أَصْحَابنَا عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَان: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ صَلَّى عَلَى رُؤُوسٍ. وَبَلَغَنَا أَنَّ طَائِرًا أَلْقَى يَدًا بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ، فَعَرَفُوهَا بِالْخَاتَمِ. فَغَسَلُوهَا وَصَلَّوْا عَلَيْهَا). ينظر: كتابُ الأُمِّ للشافعيِّ - ﵁ -؛ باب المقتول الذى يغسل ويصلى عليه: ج ١ ص ٢٦٨.
[ ١ / ٤٣٣ ]
عَلَيْهِ] صححه ابن حبان والحاكم (٨٤٢)، وَإِلاَّ، أي وإن لم يستهل أو لم يبك، فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كاَخْتِلاَجٍ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، لظهور احتمال الحياة بسبب الامارة الدالة عليها، ورجح فِي شرح المهذب القطع به خلاف ما فِي الروضة، والثاني: لا؛ لعدم تيقن الحياة فيه بخلاف الاستهلال، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، أي أمارة الحياة، وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ بَلَغَهَا فِي الأَظْهَرِ، لمفهوم
الحديث السالف، والثاني: نعم، لأن الرَّوْحَ تُنْفَخُ فيه حينئذٍ، كما ثبت فِي الحديث الصحيح (٨٤٣).
فَرْعٌ: فِي غسله فِي الحالة الأُولى الخلاف فِي الصَّلاة عليه، وفي الثانية: لاَ يُغْسَلُ، وفي الثالثة: يُغْسَلُ على المذهب فيهما.
فَرْعٌ: ما لم يظهر فيه خِلْقَةُ آدمى، يكفي فيه المواراة كيف كانت، وبعد ظهور خَلْقِهِ حكم التكفين حكم الغسل.
_________________
(١) فِي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: كتاب الفرائض: باب ذكر الأخبار بأن مَن اسْتُهِلَّ عند الولادة ورثوا: الحديث (٦٠٠٠). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٤٥/ ٨١) واللفظ له، وقال: الشيخان لم يحتجا بإسماعيل بن مسلم- البصرى-. وسكت عنه الذهبي. وفي كتاب الفرائض: الحديث (٨٠٢٣/ ٧٦)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أجده من حديث الثوري عن ابن الزبير موقوفًا، فكنت أحكم به. ووافقه الذهبي بقوله: على شرط البخاري ومسلم.
(٢) هو حديث ابن مسعود - ﵁ -؛ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: [إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمَّهِ فِي أَرْبَعِيْنَ يَوْمًا؛ ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ الله إِلَيْهِ الْمَلَكَ؛ فَيَنْفُخُ فِيْهِ، وَيُؤْمَرُ بَأَرْبَعٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ]. الحديث رواه البخاري فِي الصحيح فِي كتاب أحاديث الأنبياء: باب خلق أدم وَذُرَّيَّتِهِ: الحديث (٣٣٣٢). ومسلم فِي الصحيح: كتاب القدر: باب كيفية الخلق: الحديث (١/ ٢٦٤٣). والترمذى فِي الجامع: الحديث (٢١٣٧).
[ ١ / ٤٣٤ ]
وَلاَ يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، لأنه حَيُّ بِنَصِّ القرآن (٨٤٤)، ولأنه - ﷺ - لَمْ يغسل قَتْلَى أُحُدٍ وَلَمْ يُصَلِّ عليهم كما رواه البخاري (٨٤٥)، ثم المراد بترك الصلاة أنها حرام، وقيل: لا تجب بل تجوز، وَهُوَ مَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ، أي كما إذا تردي من فرسه، أو عاد إليه سلاحه، أو وجد قتيلًا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته؛ سواء كان عليه أثر أم لم يكن! وخالف القفال فِي فتاويه فقال: إذا لم نَدْرِ أقُتل أم ماتَ حتفَ أنفهِ فليس بشهيد (•)، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، أي وقطع بموته من تلك الجراحة وبقي فيه بعد انقضاء الحرب حياة مستقرة، أَوْ فِي
_________________
(١) لقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
(٢) الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: [أَيَّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًَا لِلْقُرْآنِ؟] فَإذَا أُشِيْرَ لَهُ إلَى أَحَدِهِمَا؛ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ. وَقَالَ: [أَنَا شَهِيْدٌ عَلَى هَؤُلاَءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُواْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ). رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد: الحديث (١٣٤٣). (•) فِي هامش النسخه (١) و(٢)، وجدت فائدة؛ أُثبتها كما فِي النسخة (٢): فَائِدَةٌ: الشَّهِيْدُ ثلاثةُ أقسام: شهيدٌ فِي حكم الدنيا فِي ترك الغسلِ والصَّلاة، وفي حكم الآخرة؛ وهو مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا. والثاني: شهيدٌ فِي الدنيا دون الآخرة، وهو مَنْ قاتلَ رِياءً وسُمعةً، أو قَتِلَ مُدبرًا، أو وَغَلَ مِن أجل الغنيمةِ؛ فلا يغسل ولا يُصَلِّى عليه، وليس له ثوابَ الشهيدِ الكامل فِي الآخرة. وقيل: الفارُّ ليس بشهيد، لأن الفرار من الكبائر. والثالث: فِي الآخرة فقط؛ وهم: المبطون؛ من قتله بطنه، والغريق، والحريق، واللديغ، وصاحب الهدم، والميت بداء الجنب، أو محمومًا؛ ومَن قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أو ذميٌّ فِي غير قتال، فهؤلاء شهداء فِي الآخرة لا فِي الدنيا؛ لأنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ غُسِّلاَ وهُمْ شَهِيْدَانِ بِالاتَّفَاقِ. وكذلك الميت غرييًا، وطالبُ العلمِ إذا مات على طلبهِ، والمرأةُ تموتُ بسببِ الولادةِ، ومَن عَشِقَ فَعَفَّ وماتَ. فكان هولاء يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّي عليهم، وهم شهداء فِي الدار الآخرة، كذا قالَهُ الرافعي وغيره.
[ ١ / ٤٣٥ ]
قِتَالِ الْبُغَاةِ فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الأَظْهَرِ، أما فِي الأُوْلى: فلأنه عاش بعد انقضاء الحرب، فأشبه ما لو مات بسبب آخر، وأما فِي الثانية: فلأنه قَتِيْلُ مسلمِ فَأَشْبَهَ ما لو قَتَلَهُ فِي غير القتال، والثاني: أنه شهيد فيهما، أما فِي الأُوْلى: فلأنه مات بجرح وُجد فيه، فأشبه ما لو مات قبل انقضائه، وأما فِي الثانية: فكالمقتول فِي معترك الكفار، أما إذا انقضت الحرب وليس فيه إلاّ حركة مذبوح فشهيد قطعًا، وإن انقضت وهو متوقع البقاء فغير شهيد قطعًا، ولو كان المقتول من أهل البغي فغير شهيد قطعًا، وَكَذَا فِي الْقِتَالِ، لاَ بِسَبَبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أى بل بمرض أو فجأة، لأن الأصل وجوب الغسل والصلاة عليه؛ خالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتال؛ تعظيمًا لأمره وحثًا للناس عليه، والثاني: فيه وجهان.
وَلَوِ اسْتَشْهَدَ جُنُبٌ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُغَسَّلُ، أي عن الجنابة؛ لأنها طهارةُ حدث، فلم يجزكغسل الميت، والثاني: يِغسل لأن حنظلة قتل بأُحُد جنبًا فغسلته الملائكة كما صححه ابن حبان والحاكم (٨٤٦)، وأجاب الأول: بأنه لو وجب لما سقط إلاّ بفعلنا، وأورد ابن سريح تكفينهم فمنعه الشيخ أبو إسحق وسلمة أبو الطيب، ولا خلاف أَنَّهُ لاَ يُغَسَّلُ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَوتِ، وَأَنَّهُ تُزَالُ نَجَاسَتُهُ غَيْرَ الدَّمِ، أي الذي هو من أثر الشهادة؛ لأن الذى نبقيهِ أثر الشهادة؛ وهذه ليست من أثرها، والثاني: لا تُزال، لأنّا نُهينا عن غسله مطلقًا، والثالث: إن أدَّى غسلها إلى إزالة أثر الشهادة لم يغسل وإلاّ غسل، وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخةِ بِالدَّمِ، أي استحبابًا (٨٤٧) ولو أراد الوارث أن
_________________
(١) رواه فِي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: كتاب إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة: باب ذكر حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة: الحديث (٦٩٨٦). والحاكم فِي المستدرك: كتاب معرفة الصحابة: باب ذكر مناقب حنظلة: الحديث (٤٩١٧/ ٥١٥)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
(٢) عن جابر - ﵁ -، قال: (رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ، أَوْ فِي حَلْقِهِ، فَمَاتَ؛ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ، قَالَ: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ -). رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي الشهيد يغسل: الحديث (٣١٣٣) وفي تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج: قال ابن الملقن: إسناده حسن. إ. هـ.
[ ١ / ٤٣٦ ]
يأخذها ويكفنه من عنده جاز، أما ثيابُ الحربِ فَتُنْزَعُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبُهُ سَابِغًا تُمَّمَ، أى إلى أن يتم الكفن الواجب كما فعل بِمُصْعَبِ ابْنُ عُمَيْرٍ (٨٤٨).
فَصْلٌ: أَقَلُّ الْقَبْرِ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ، أي عن نبشه، وخرج بالحفرة عما لو وضع على وجه الأرض ثم وضع عليه ما يمنع ذلك، فينبغي أن لا يكتفى به، إلا إذا تعذر الحفر، فإنه ليس بدفن، كما ذكره فِي الروضة أخر كتاب السرقة، ونقل الرافعي هنا عن البغوي فِي فتاويه ما حاصله الاكتفاء، وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ، للأمر به كما صححه الحاكم (٨٤٩).
فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَسَّعَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ورجليهِ للاتباع قامةً وبسطةً؛ لأنَّ عُمَرَ - ﵁ - أَوْصَى أَنْ يُعَمَّقَ قَبْرَهُ لذلك ولم ينكرهُ أحدٌ (٨٥٠)، والمراد، قَدْرَ قَامَةٍ، رجل، وَبَسْطَةٍ، رجل معتدل يقوم ويبسط يديه مرفوعة، قال فِي الروضة: والجمهور على أنها أربعة أذرع ونصف (•).
_________________
(١) لحديث خباب بن الأرت، وقد تقدم فِي الرقم (٨١٢).
(٢) لحديث هشام بن عامر - ﵁ -؛ قالَ: جَاءَتِ الأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالُواْ: أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: [أحْفِرُواْ، وَأَوْسِعُواْ، وَاجْعَلُواْ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلاَثَة فِي الْقَبْرِ، قِيْلَ: فَأَيَّهُمْ يُقَدَّمُ؟ قَالَ: [أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي تعميق القبر: الحديث (٣٢١٥). والترمذي فِي الجامع: كتاب الجهاد: باب ما جاء فِي دفن الشُّهداء: الحديث (١٧١٣)، وقال: وهذا حديث حسن صحيح. وقول المصنف ﵀: (وصححهُ الحاكم) فِي جميع النسخ للمخطوط عندي (١ و٢ و٣) ولَمْ أجد الحديث فِي مستدرك الحاكم على الصحيحين، لا من حديث هشام بن عامر ولا من غيره، ولهشام بن عامر ثلاثه أحاديث فقط فِي المستدرك. ولعل المصنف ﵀ نقل تصحيح الحاكم من غير المستدرك ولم يُعلم بذلك، أو أنه سبق قلم، والله أعلم، والحديث كما قال: حسن صحيح.
(٣) رواه ابن أبي شيبة فِي الكتاب المصنف: كتاب الجنائز: باب ما قالوا فِي إعماق القبر: النص (١١٦٦٢). (•) فِي هامش النسخة (٣): بَلَغَ مُقابلة على حَسْبِ الطَّاقَةِ على نُسخةٍ قريت على المصنفِ وعليها خطهُ.
[ ١ / ٤٣٧ ]
فَائِدَةٌ: قيل: إن أصل الدفن أن قابيل لما قتل أخاه هابيل لم يدرِ ما يصنع به، فأرسل الله غرابًا يبحث فِي الأرض تنبيهًا له فدفنه؛ وقال السديُّ فِي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ يعني القبر (٨٥١).
وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِنْ صَلُبَتِ الأَرْضُ، لأنه كذا صُنِعَ بِرَسُولِ الله - ﷺ -
وأوصى بذلك سعد بن أبى وقاص (٨٥٢)، فإن كانت رخوة فالشق أَولى لتعذر اللحد، وَيُوضَعُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ وَيُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ، للاتباع (٨٥٣)، وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ، أي ولو كان الميت امرأة، لأنه يحتاج إلى قوة، وهُم أحرى بذلك،
_________________
(١) الأعراف / ٢٤، وعن السِدِّيِّ عمن حدثه عن ابن عباس. رواه الطبري فِي جامع البيان: النص (١١٢١٢). قلت: أما قوله (قيل: إن أصل الدفن أن قابيل) فلا أدرى لماذا جعله بصيغة التمريض والضعف، إلا إذا أراد ذكر اسمي ابني آدم، وإلا فإن أصل الدفن معروف بنص القرآن، بأن تأسيس فكرة الدفن من قصة ابني آدم، ولو كانت معروفة من قبل لما احتاج لمثل هذا العجز، قال الله ﷿ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١].
(٢) عن عامر بن سعد بن أبى وقَّاص؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيْهِ: (إِلْحَدُواْ لِي لَحْدًا، وَانْصِبُواْ عَلَيَّ اللبن نَصْبًا؛ كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ الله - ﷺ -). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب فِي اللحد: الحديث (٩٠/ ٩٦٦). والنسائي فِي السنن: باب اللحد والشق: ج ٤ ص ٨٠.
(٣) لحديث ابن عباس ﵄؛ قال: (سُلَّ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ). رواه الشافعي فِي الأُّم: باب الخلاف فِي إدخال الميت القبر: ج ١ ص ٢٧٣ بإسنادين. ولفعل الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا؛ ينظر: الكتاب المصنف لابن أبي شيبة: كتاب الجنائز: باب ما قالوا فِي الميت من قال: يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَأْوَلاَهُمُ الأَحَقُّ بِالصَّلاَةِ، أي عليه كما سلف، وذلك من حيث الدرجة والقرب لا من حيث الصفات، لأن الأسن مقدم على الأفقه فِي الصلاة، والأفقه مقدم على الأسن فِي الدفن، وكَذَا عَلَى الأَقْرَبِ كما نص عليه فِي الأُم، والمراد بالأفقه هنا الأعلم بإدخال الميت القبر لا أعلمهم بأحكام الشرع. قُلْتُ: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً، فَأَوْلاَهُمُ الزَّوْجُ، وَالله أَعْلَمُ، لأنه أحق بمباشرتها.
وَيَكُونُونَ وِتْرًا، يعني عدد الدافنين؛ لأنهُ - ﷺ - دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ كما
صححه ابن حبان (٨٥٤)، وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِهِ لِلْقِبْلَةِ، للاتباع، فلو وضع على اليسار كره، أما وضعه للقبلة فواجب على الأصح، وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ إِلَى جِدَارِهِ، وكذا رجلاه ويجعل فِي باقي بدنه بعض التجافي، وَظَهْرُهُ بِلَبِنَةِ وَنَحْوِهَا، أى وهذا يمنعه من الاستلقاء وذاك من الانكباب، وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ بِلَبِنِ، لأنه به يتم الدفن، وَيَحْثُو مَنْ دَنا ثَلاَثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ، أي بيديه جميعًا، لأنه - ﷺ - حَثَى من قبل رأس الميت ثلاثًا (٨٥٥). وقوله (مَنْ دَنَا) فيه إشارة لأخراج من بَعُدَ لكن عبارة ابن الرفعة: يستحبُّ ذلك لكل من حضر الدفن، ثُمَّ يُهَالُ، أي يصب، بِالْمَسَاحِي، لأنه أسرع إلى تكميل القبر، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ شِبْرًا فَقَطْ، ليعرف فيزار ويحترم، واستثنى الشيخان تبعًا للمتولي قبر المسلم بدار الكفار فيُخفى صيانه عنهم، وَالصَّحِيحُ أَنَ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ، تأسيًا بقبره - ﷺ - وقبري صاحبيه كما صححه الحاكم (٨٥٦)
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄؛ قال: (دَخَلَ قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَالْفَضْلُ؛ وَسَوَّى لَحْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ الَّذِي سَوَّى لُحُودَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ). رواه فِي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب وفاته - ﷺ -: الحديث (٦٥٩٩).
(٢) عن أيى هريرة؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ. فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلاَثًا). رواه ابن ماجه فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي حثو التراب فِي القبر: الحديث (١٥٦٥) وإسناده صحيح.
(٣) لحديث القاسم؛ قال: (دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا أُمَّة، إِكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ ﵄؛ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاَثَةِ قُبُورٍ؛ لاَ مُشْرِفَةٍ، وَلاَ لاَطِئَةٍ؛ =
[ ١ / ٤٣٩ ]
والثاني: أن تسنيمه أَولى، وعلل بمخالفة شعار الروافض وهو غَلَطٌ! فكيف نترك سُنَّة لموافقة مبتدع، وَلاَ يُدْفَنُ اثْنَان فِي قَبْرٍ، لأنه - ﷺ - كان يدفنُ كلَّ ميتٍ فِي قبر ويأمر به، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، أي بأن كثر القتلى أو الموتى فِي وباء أو هدم أو غيرهما، وعسر إفراد كل ميت بقبر، فيدفن الاثنان والثلاثة فِي قبر كقتلي أُحد، فَيُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا، إلى القبلة للاتباع (٨٥٧)، فيقدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، ويقدم الأب على الابن والأم على البنت دون الابن. وقوله (وَلاَ يُدْفَنُ) أي لا يستحب، صرح به الرافعي وغيره، وصرح السرخسي: بأنه لا يجوز.
فَرْعٌ: لا يجمع بين الرجال والنساء إلاَّ عند تأكد الضرورة، إلاّ إذا كان بينهما زوجية أو محرمية، فلا منع، قاله ابن الصباغ وغيره، ويجعل بين الميتين حاجز من التراب.
فَرْعٌ: لا يجوز أن يدفن ميت فِي موضع ميت حتى ييلى الأول بحيث لا يبقى منه شيء لا لحم ولا عظم؛ نقله فِي شرح المهذب عن الأصحاب قال: وقول الرافعي المستحبُّ فِي حال الاختيار أن يدفن كل إنسان فِي قبر فَمُأَوَّلٌ عن موافقتهم، قُلْتُ: وسُئل الحناطى عن ذلك ومن فتاويه نقلتُ. وصورته هل يجوز أن يدفن ميت فِي قبر ميت آخر بعد ما بلى الأول وصار ترابًا ومضى دهر طويل؟ فأجاب: بأن الأظهر جوازه إذا لم يوجد موضع آخر لدفن الثاني فيه.
وَلاَ يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَلاَ يُوْطَأُ، لأنه صحَّ النهى عنهما (٨٥٨)، ويُستثنى ما إذا
_________________
(١) مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ). رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي تسوية القبور: الحديث (٣٢٢٠). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٦٨/ ١٠٤)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) لحديث جابر؛ (أَنُّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) رواه البخاري وتقدم فِي الرقم (٧٤٧).
(٣) لحديث أبى هريرة - ﵁ -؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ]. رواه مسلم فِي =
[ ١ / ٤٤٠ ]
دعت الضرورة إلى الوطء كما إذا كان لا يصل إلى قبرِ ميِّتهِ إلاّ به، وفي الكافي: أنَّهُ يجوزُ وَطْؤُهُ لضرورةِ الدَّفنِ، وهَلْ يجوزُ لضرورةِ الزيارةِ؟ يحتملُ وجهين.
فَرْعٌ: قُلْتُ: يُكره الاستناد إليه ايضًا.
وَيَقْرُبُ زَائِرُهُ كَقُرْبِهِ مِنْهُ حَيًّا، احترامًا له (٨٥٩).
فَضْلٌ: وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ، للحث عليها (٨٦٠)، قَبْلَ دَفْنِهِ، لأنه وقت شدة الجزع، وَبَعْدَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لأن الحزن فيها موجود، وبعدها الغالب سُكُون قلب المصاب، فيُكره حينئذ، لأنه تجديدٌ للحزن، وابتداؤها من الدفن، وقيل: من الموت، وصححه الخوارزمي فِي كافيه قال: وقيل: بعد الدفن إلى تمام ذلك اليوم، ويستثنى ما لو كان الْمُعَزِّي أوِ الْمُعَزَّى غائبًا، فإنها تستحب وإن كانت بعد الثلاث.
وَيُعَزِّى الْمُسْلِمُ بالْمُسْلِمُ: أَعْظَمَ الله أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وغفر، لِمَيَّتِكَ.
وَبِالْكَافِرِ: أَعْظَمَ الله أَجْرَكَ وَصَبَّرَكَ، أي ويعزي المسلم بالكافر الذمي لأنهما لائقتان بالحال، وَالْكاَفِرُ، أى الذمي، بِالْمُسْلِمِ: غَفَرَ الله لِمَيِّتِكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ،
_________________
(١) الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٩٦/ ٩٧١).
(٢) لحديث عمارة بن حزم - ﵁ -؛ قال: رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: [لاَ تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ وَلاَ يُؤْذِيْكَ]. رواه الحاكم فِي المستدرك: كتاب معرفة الصحابة: باب ذكر عمارة بن حزم: الحديث (٦٥٠٢/ ٢١٠٠)، وسكت عنه هو والذهبي. قال الهيثمى: (رواه الطبراني فِي الكبير وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام وقد وثق) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: كتاب الجنائز: باب البناء على القبور والجلوس عليها: ج ٣ ص ٦١.
(٣) لحديث ابن مسعود - ﵁ -؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: [مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ]. رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي أجر من عَزَّي مُصابًا: الحديث (١٠٧٣)، وقال: هذا حديث غريب وروى بعضهم عن محمد بن سُوقة بهذا الإسناد مثله موقوفًا ولم يرفعه. ورواه ابن ماجه فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي ثواب من عَزَّى مُصابًا: الحديث (١٦٠٢). وفي الباب أحاديث فيها نظر.
[ ١ / ٤٤١ ]
لما ذكرناه، وأهمل المصنف الكافر بالكافر لأنه اختار فِي شرح المهذب تركها، وفيه نظر إذا رُجِيَ إسلامُ المعزى فيقول له: أخلف الله عليك ولا نقص عددك.
وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، بالإجماع، وَبَعْدَهُ، للاتباع لكن قبله أولى (٨٦١)، وقال ابن الصباغ: بعده مكروه، وقال الشيخ أبو حامد: وبعده ممنوع.
وَيَحْرُمُ النَّدْبُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ، أي كقولهم واكهفاه واحبلاه، وَالنَّوْحُ، أي وهو رفع الصَّوت بهذه الأشياء، وَالْجَزَعُ بِضَرْبِ صَدْرِهِ وَنَحْوِهِ، أي كشف الثوب وضرب الخد للنهي عنه (٨٦٢).
_________________
(١) * لحديث أبى هريرة - ﵁ -؛ قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَاجْتَمَعَ النَّسَاءُ يَبْكِيْنَ عَلَيْهِ) فَقَامَ عُمَرُ ينْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيْبٌ]. رواه النسائي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب الرخصة فِي البكاء على الميت: ج ٤ ص ١٩. والحديث صحيح الإسناد ولا يضر من تَكَلَّفَ وَضَعَّفَهُ. * أما قوله: (لكن قبله أولى)؛ فلحديث أنس - ﵁ -؛ قال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَينِ- وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ- فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِبْرَاهِيْمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ- وَإِبْرَاهِيْمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ- فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ الله - ﷺ - تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: [يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ] ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ: [إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهْيِمُ لَمَحْزُونُونَ]. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب قول النبي - ﷺ -[إِنَّا بِفِرَاقِكَ لَمَحْزُونُونَ]: الحديث (١٣٠٣).
(٢) * لحديث عبدالله بن مسعود - ﵁ -؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: [لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ]. رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب ليس منا مَن ضرب الخدود: الحديث (١٢٩٧)، وباب ما ينهى من الوَيلِ: الحديث (١٢٩٨). * ولحديث الحارث بن عبيد (أبو مالك الأشعري) - ﵁ -؛ قال: [أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ؛ وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ؛ =
[ ١ / ٤٤٢ ]
قُلْتُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ: يُبَادَرُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيَّتِ وَوَصِيَّتِهِ، مسارعة إلى فكاك نفسه، وقد صحح ابن حبان والحاكم حديث [نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ- أي محبوسة- بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ] (٨٦٣)، وتنفيذ وصيته تعجيلًا للخيرات، وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، للنهي عنه، إِلاَّ لِفِتْنَةِ دِيْنٍ، للنص فيهِ؛ وتمني الشهادة من المحبوبات (٨٦٤)، قال ابن عباس: [لَمْ يَتَمَنَّ نَبِيٌّ الْمَوْتَ غَيْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ] (٨٦٥) وقال غيره: إنما تمنى الوفاة على الإسلام لا الموت (٨٦٦).
وَيُسَنُّ التَّدَاوِيَ، للأمر به فإن تركه توكلًا فهو فضيلة، ونقل القاضي عياض الإجماع على عدم وجوبه وفيه نظر فِي الخائف من الهلاك إذا قدر على التداوي (٨٦٧)،
_________________
(١) وَالإِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ؛ وَالنَّيَاحَةُ] وَقَالَ: [النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ]. رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب التشديد فِي النياحة: الحديث (٢٩/ ٩٣٤).
(٢) عن أبي هريرة - ﵁ -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: [نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ]. رواه ابن حبان فِي الإحسان: فصل فِي الصلاة على الجنازة: الحديث (٣٠٥٠). والحاكم فِي المستدرك: كتاب البيوع: الحديث (٢٢١٩/ ٩٠) ولفظه: [نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ]، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٣) لحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [لاَ يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتُ، وَلاَ يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ اِنْقَطَعَ عَمَلُهُ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إِلاَّ خَيْرًا]. رواه البيهقي فِي السنن: كتاب الجنائز: الحديث (٦٦٦٠)، وقال: رواه مسلم فِي الصحيح. نعم فِي كتاب الذكر والدعاء: باب كراهية تمني الموت: الحديت (١٣/ ٢٦٨٢).
(٤) رواه الطبري فِي جامع البيان: سورة يوسف: الآية (١٠١): النص (١٥١٩٠).
(٥) نقله القرطبي فِي الجامع لأحكام القرآن: ج ٩ ص ٢٦٩.
(٦) مَبْحَثٌ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي سُنِّيَّةِ التَّدَاوِي: * اَلأَصْلُ فِي الإِنْسَانِ السَّلاَمَةُ لاَ الْمَرَضُ: قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال تعالى: =
[ ١ / ٤٤٣ ]
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] فالأصل فِي الانسان أن يكون على طبيعة خلقه فِي الاستواء والاعتدال، وهى الحال الناشطة به للقيام بمسؤولياته فِي الحياة، بالقيام بالطاعات وتقصد القربات، أى القيام بالتكاليف الشرعية من تحمل الواجبات وترك المحرمات والزيادة فِي طلب القربات والمندوبات والحذر من المكروهات، واختيار من العمل ما يُطمع فيه برضوان الله والقبول عنده سبحانه وتعالي.
وإذا طرأ على الانسان ما يضحره او يعوقه عن مهامه أو أدائها بالتي هي أحسن وعلى الوجه الأتم الأكمل؛ أو يحول بينه وبين حاله السوية المعتدلة فِي حسن التقويم، فإنه يقتضي المعالجة على الفور أو التراخى بحسب الحال الطارئة عليه فِي حينها. لأن الطارئ قد يكون مما لا يحتاج الانسان فيه إلى فكر ونظر ليعالجه، لما فطر الله على معرفته الإنسان والحيوان بالغريزة، مثل ما يدفع الجوع والعطش وهكذا. ومنه ما يحتاج إلى الفكر والنظر كدفع ما يحدث فِي البدن من عوارض قد تخرجه من الاعتدال، أو يحدث فِي النفس ما يخرجها عن المعهود والاستقرار، أى يخرجها عن حال الاطمئنان وزوال الخوف. وكلا النوعين مرض يحتاج المعالجة.
والمرض هو الفتور والسَّقَمُ؛ والفتور سكون بعد حِدَّةٍ، ولين بعد شدَّةِ وضعف بعد قوَّةٍ، والمراد هنا؛ بالسكون عن النشاط الطبيعي لفطرة الإنسان فِي إشباع جوعاته من المأكل أو المشرب، أو فِي إشباع شعور العجز فيه والتدين بالعبادة والاتباع؛ فيضعف الإنسان عن القيام بمهامه على الحال السوية لحياته وضروراتها المطلوبة منه.
ويطلق الفتور غالبًا على العامل النفسي الذى يُسَكَّنُ بنشاط الإنسان بعد حدة، ويلين به بعد شدة، وهو ما يظهر بالخمول والتكاسل، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء / ١٩ - ٢٠] أي لا يسكنون عن نشاطهم فِي العبادة. فالفتور أحوال للنفس وتقلباتها فِي الدافع إلى الاتباع والميل إلى فعله بسكون أو حدة، لين أو شدة، ضعف أو قوة [ينظر مادة (مرض) ومادة (فتور) ومادة (سقم) فِي: معجم مقاييس اللغة، ترتيب القاموس المحيط: مختار الصحاح: المفردات فى غريب القرآن]. وَالسَّقَمُ المرضُ المختصُّ بالبدن.
وتنظر حال الانسان فِي الفتور، هل السكون واللين والضعف من سَقَمٍ أم من اضطرابِ خلجات النفس وقلق تدفقاتها العاطفية بدافع الشعور الفطري فِي داخله وتأثير العامل الفكري فِي معالجته، فتأتي فِي النفس شجون الحيرة والقلق أو متطلبات الأمان وحوافز الخوف، فصراع الأهواء، هوى الفطرة وهوى الفكرة، مما يحتاج =
[ ١ / ٤٤٤ ]
الإنسان فيه إلى توازن الميل، وهذا كله من أمراض القلوب. وتأتى معالجة أمراض القلوب بالرجوع إلى بارئها وفق ما جاء به النبي مُحَمَّد - ﷺ -، فيقلب الإنسان فكره ومعتقده، بما يوصله إلى إرادة العمل بدافع التقوى على أساس الإيمان بالله وباليوم الآخر، ويجعله متبعًا إيمانًا واحتسابًا، وتسليمًا يرفع الحرج من الصدر. فمعالجة العامل النفسي المرضي تأتي بطريقة تحويل الأفكار إلى قناعات، أى تقوية الإيمان بها بإدراك الصلة بالله ﷿ عن طريق البحث والنظر، والتعلم والدراسة، والتفكر والتدبر.
وتدخل المعالجة فِي عموم إقراره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ للصحاية بقولهم: [إِجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً].
أما أمراض الأبدان (السقم) وهو موضوع البحث، أى ما يطرأ فِي الجسم من عوارض أو على البدن، فإنه فِي غالبه يرجع فِي إدراكه إلى علم الأطباء وما توصل الباحثون إلى معرفته بالتجربة وإدراك سبل معالجته بالممارسة والخبرة. وهو مما يحتاج إلى فكر أهل الاختصاص والدراية من الأطباء ونظرهم؛ والعلم به يدفع ما يحدث فِي البدن مما أخرجه عن الاعتدال، وذلك بإذن الله. وما يحدث فِي البدن مما يخرجه عن الاعتدال هو إما إلى حرارة أو برودة، وكل منهما إما إلى رطوبة أو يبوسة أو إلى ما يتركب منهما. وغالب ما يقاوم الواحد منهما بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن وقد يقع من داخله وهو أعسرهما.
ويهدف الإنسان فِي التداوي إلى حفظ الصحة بما يعينه على القيام بالتبعات الشرعية وتحمل مسؤولياتها بكفاءة عاليه ونشاط، وإلى حفظ الصحة أَشَارَ القرآنُ الكريمُ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وذلك أن السفر مظنة النصب وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد، فأرخص الله للمسافر الفطر إبقاءً على الجسد وحفظًا للصحة والله أعلم. وكذلك الاحتماء عن المؤذي جاء فِي قوله تعالي: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٢٩] ومنه استنبط العلماء جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، وهذا ما يخالف الإسلام به دين الترهب والتقشف فِي معتقدات الأديان الأخرى، بأن يضعفوا قواهم الجسمية حتي تقوى فيهم الناحية الروحية، فنجد الإسلام يحث على الشدة والقوة.
ثم كذلك يحصل التداوى كالجراحة أو العقاقير أو ما إلى ذلك؛ وجاء فِي هذا المعنى فِي أن الأصل إزالة الأذى؛ وقوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] =
[ ١ / ٤٤٥ ]
فدلالة الخطاب تشير إلى جواز حلق الرأس الذى منع منه الْمُحْرِمُ، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن فِي الرأس. والأصل فِي الطب أنه خير للإنسان بما يحفظ الصحة له ويحميه من الأذى، أو يعالجه من الفتور والسقم، لأن فِي التداوى شفاء بإذن الله يرجع حال الإنسان الجسمية إلى حال الاعتدال.
* حَثُّ النَّاسِ عَلَى التَّدَاوِي وَطَلَبِ الدَّوَاءِ:
قال تعالى عن لسان إبراهيم -﵇ -: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨/ ٨٠] فبعد الخلق احتاج الناس إلى معرفة ربهم وسبل عبادته وطرائق طاعته، فبعث لهم الأنبياء والرسل، وأنبت لهم من خشاش الأرض ما يعيشون به فيأكلون، وأجرى لهم الأنهار وفجر لهم العيون ليشربون. وإذا حصلت الحاجة بشكلها الطبيعي فسلوك الإنسان مطلوب ليتناول ما سخره الله له من الطيبات ويتجنب ما حرم عليه من الخبائث. والمرض عارض طارئ على الإنسان من جراء اضطراب عملية اهتدائه، فشفاؤه بالاتباع أي اقتفاء أثر الرسول؛ وإذا كان مرضه من سقم وهو علل الجسم وطوارئه، فقد جعل الله فِي التداوي سبيلًا للشفاء بإذن الله. فجعل الله إطعامه للإنسان بما أحل له من الطيبات وحرم عليه الخبائث؛ وجعل شفاءه للإنسان المريض بما أحل له من الدواء وحرم الخبيث (أي السم) وبين رسول الله - ﷺ - أن فِي الطب خيرًا فقال: [ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً].
ولقد حث الشارع الناس على التداوي، فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [تَدَاوَوْا] عن أسامة ابن شريك؛ قال: شَهِدْتُ الأَعْرَابَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: [عِبَادَ اللهِ! وَضَعَ الله الْحَرَجَ إِلاَّ مَنِ اقْتَرَضَ مِنْ عِرْضِ أَخِيْهِ شَيْئًا. فَذَاكَ الَّذِي حَرَجٌ]، فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لاَ نتَدَاوَى؟ قَالَ: [تَدَاوَوْا، عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلاَّ الْهَرَمُ]. ولما كان طلب الدواء لازمًا للإنسان، أرشد الشارع إليه، وهو مما يحتاج فيه إلى البحث والنظر وطلب العلم. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَا أَنْزَلَ للهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً (أَوْ شِفَاءً) عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ] وفي دلالة الخطاب إشارة إلى أن من الأدوية ما لا يعلمه كل أحد؛ بل فى عصرنا الراهن صار علم الدواء واسعًا ومتشعبًا وفيه متخصصون.
ونَبَّهَ الشارعُ على أن التداوى لا يتنافى مع التوكل على الله، ولا يناقض مفهوم =
[ ١ / ٤٤٦ ]
القدر، يل ليس موضوعه القدر، ذلك أنه سُئل رسول الله - ﷺ -: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا، وَرُقي نَسْتَرْقِي بِهَا، وَتُقىً نَتَّقِيْهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ قال: [هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ]، لأن قدر الله لا يسبقه شئ، فكيف يرد؟ عن أسماء بنت عميس قالت؛ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرَ تُسْرُعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: [نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ].
والتداوي بقصد الشفاء من الأفعال التي كلف الله بها الإنسان، فهي من الأعمال التي يجب أن يتقيد بها المسلم بالأحكام الشرعية. كدفع الجوع كالأكل، ودفع العطش بالشرب والارتواء، مع الفارق فِي النتيحة، لأن المرض يقع على الإنسان بقضاء الله، وجعل الله له الدواء، والشفاء من عند الله ﷾، فإذا أصاب دواء الداء برئ المريض بإذن الله، وإذا لم يصبه أجره على الله فِي الصبر والاحتساب. باستثناء الهرم، أي الموت، لأنه لا دواء له، والهرم نقص الصحة طبيعيًا، فحال الأنسان فيه يقترب من الموت.
ولقد نهى الشارع عن التداوي بحرام، فعن أبي الدرداء - ﵁ - قال، قال رسول الله - ﷺ -: [إِنَّ الله أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ].
وعن أم سلمة مرفوعًا: [إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ]. وعن ابن مسعود موقوفًا: [إِنَّ الله لَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ شِفَاءَكُمْ فِيْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ]. وعن أبي مسعود قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيْثِ). ومن دلالة النصوص المتقدمة يتضح للمكلف أن الأصل فِي الدواء ما كان حلالًا، ويحرم التداوي بالخبيث أو الحرام.
ولقد رخص الشارع التداوى بالحرام أو المحرم لعذر؛ عن أنس أن النبي - ﷺ - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فِي لبس الحرير لحكة كانت بهما ورخص للأعراب المرضى أن يشربوا من أبوال الإبل بقصد التداوي بعد حصول الشكوى، ذلك: [أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُرَيْنَةَ أَتَوا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالوْا: إِنَّا قَدِ اجْتَوَيْنَا الْمَدِيْنَةَ وَعَظُمَتْ بُطُونَنَا، وَارْتهَشَتْ أَعْضَاؤُنَا؛ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَلْحَقُواْ بِرَاعِي الإبِلِ، فَيَشْرَبُواْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَحِقُواْ بِرَاعِي الإِبِلِ فَشَرِبُواْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا الحديث].
والرخصة ما شرع من الأحكام لعذر، فيحصل بها إذن للمكلف من الشارع أن يفعل خلاف العزيمة فِي القيام بالفعل الممنوع أو ترك الفعل الواجب، وهى مقترنة بالحال التى استوجبها العذر فِي حينه، وليست على الدوام أو الإطلاق. وفي بحث =
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَيُكْرَهُ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهِ، أي على تناول الدواء للنهي عنه (٨٦٨).
وَيَجُوزُ لأَهْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ، أي كأصدقائه، تَقْبِيلُ وَجْهِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قَبَّلَ عُثمانَ بن مَظْعُونٍ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبَّلَ الصِّدِّيقُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - أيضًا (٨٦٩)، بل قال الروياني: يستحبُّ، وقال المصنف فِي الروضة فِي أوائل النكاح من زوائده: لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح كما قيده بذلك.
_________________
(١) التداوي بالمحرم من الخبائث والنجاسات ما يتحقق فيه مفهوم الرخصة، إذ خصَّ الشارع للمكلف بالتداوى بالبول وهو نجاسة، والتداوى بالحرير والذهب وهما ممنوعان على الرجال. ويلاحظ أن ما يُرخص الشارع للمكلف به ليس بالضرورة فِي حال تحقق الهلاك، لأن الرخصة متعلقه بالعذر المضطر وهو خوف الهلاك لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة / ١٧٣ والأنعام / ١٤٥] أما تحقق الهلاك قطعًا، فهو حال أخرى غير الاضطرار، وتنظر من زاوية ما يؤدي إلى الحرام ويوصل إليه، وهذا ليس خاصًا بالرخصة، بل يشمل غيرها من المباحات، أي يقوم إدراك حكم الشارع فيه على أصل قاعدة (ما يوصل إلى الحرام حرام شرعًا) مما يوجب على المكلف نوع الفعل؛ وهذا من موضوعات أصول الفقه ولا مجال لبحثه هنا. قُلْتُ: يندب التداوى، بقصد تقوية الجسم والبدن للعبادة والزيادة فِي الطاعة. والله أعلم.
(٢) عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الْجُهَنِيِّ؛ قال: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: [لاَ تُكْرِهُواْ مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ فَإِنَّ الله يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيْهِمْ]. رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الطب: باب ما جاء: لا تكرهوا مرضاكم: الحديث (٢٠٤٠)، وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه فِي السنن: كتاب الطب: الحديث (٣٤٤٤)، قال البوصيرى فِي الزوائد: إسناده حسن.
(٣) * أمَّا تَقْبِيْلُ رَسُولِ الله - ﷺ - لِعُثْمَانَ بْنِ مَضْعُون، فمن حديث عائشة ﵂؛ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَضْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيْلُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ). رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: الحديث (٦٨١٣). * أَمَّا تَقْبِيْلُ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -؛ فأخرجه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب الدخول على الميت: الحديث (١٢٤١ و١٢٤٢).
[ ١ / ٤٤٨ ]
وَلاَ بَأْسَ بِالإِعْلاَمِ بِمَوْتِهِ لِلصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ نَعَى النَّجَاشِيُّ فِي اليوم الذي مات فيه (٨٧٠)، بِخِلاَفِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ، أي فإنه مكروهٌ وهو النداء بذكر مفاخره ومآثره.
وَلاَ يَنْظُرُ الْغَاسِلُ مِنْ بَدَنِهِ إِلاَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ، لأنه عورة كذا علله شارح التعجير، وحُكم المسِّ حُكم النظر، ويُكره نظرُ الْمُعِيْنِ أيضًا إلاّ لضرورة، وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ، أي لكونه محروقًا ولو غسِّل تهرّأ، أو فُقِدَ الماء يُمِّم، لأنه غسلٌ؛ لا لإزالة العين فناب التيمم عنه كغسل الجنابة.
وَيُغَسَّلُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ الْمَيِّتَ بِلاَ كَرَاهَةٍ، لأنهما طاهران كغيرهما، وَإِذَا مَاتَا غُسِّلاَ غُسْلًا وَاحِدًا فَقَطْ، لأن الغسل الذى كانَ عليهما قد انقطع بالموت، وَلْيَكُنْ الْغَاسِلُ أَمِينًا، للأمر به كما رواه ابن ماجه (٨٧١)، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا ذَكَرَهُ، ليُترحم عليه، أَوْ غَيْرَهُ حَرُمَ ذِكْرُهُ، لأنه ثبت الأمر بالكف عن مساوئ الموتى (٨٧٢)،
_________________
(١) * لحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ؛ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا). رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز؛ الحديث (١٢٤٥). * وعن أنس بن مالك - ﵁ -؛ قال: قال النبي - ﷺ -: [أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأْصِيْبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيْبَ؛ ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيْبَ] وَإِنَّ عَيْنَىْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَذْرِفَانِ [ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيْدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ]. رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (١٢٤٦).
(٢) الحديث عن عبد الله بن عمر؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لِيُغَسِّلَ مَوْتَاكُمُ الْمَأْمُونُون]. رواه ابن ماجه فِي السنن: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي غسل الميت: الحديث (١٤٦١)، قال فِي الزوائد: فِي إسناده بَقِيَّة، وهو مُدلس، وقد رواه بالعنعنة. وفيه مبشر بن عبيد وقد طعن به الأئمةُ.
(٣) * عن ابن عمر ﵄؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [أذْكُرُواْ مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ؛ وَكُفَّواْ عَنْ مَسَاوِيهِمْ]. رواه أبو داود فِي السنن: الحديث (٤٩٠٠). والترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: الحديث (١٠١٩)، وقال: هذا حديث =
[ ١ / ٤٤٩ ]
إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ، أي بأن كان مبتدعًا مظهرًا لها فيذكره للزحر عن بدعته، فلا ينبغي أن يذكر شيئًا من العلامات التي تكره، فقد يَسْوَدُّ الوجه لثوران الدم ويميل لالتواء عصبٍ.
وَلَوْ تَنَازَعَ أَخَوَانِ، أي فِي درجة، أَوْ زَوْجَتَانِ، أي فِي الغسل، أُقْرِعَ، قطعًا للنزاع، وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ، أي فِي تجهيزه لأنه وارثه.
وَيُكْرَهُ الْكَفَنُ الْمُعَصْفَرُ، أي للمرأة، أما للرجل فحرام كحياته، وَالْمُغَالاَةُ فِيهِ، للنهي عنه، وَالْمَغْسُولُ أَوْلَى مِنَ الْجَدِيدِ، لأن مآلَهُ إلى البلى.
وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ فِي تَكْفِينِهِ بِأَثْوَابٍ، لأنه ذَكَرٌ فأشبه البالغ، وَالْحَنُوطُ مُسْتَحَبُّ، أي وليس بواجب، كما لا يجب الطيب للمفلس وإن وجبت كسوته، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، لجريان العادة كالكفن ومنهم من حكاه قولًا، وَلاَ يَحْمِلُ الْجَنَازَةَ إِلاَّ الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى، لأن النساء يضعفن عن الحمل.
وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَّةٍ، أي كحملها فِي قُفَّةٍ أو غِرَارَةٍ (٨٧٣) ونحوهما، وَهَيْئَةٍ يَخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا، أي بل تحمل على لَوْحٍ وَنَحْوِهِ.
_________________
(١) غريب. إهـ. لأن فِي إسناده عَمْران بنُ أنسٍ المكِّيُّ منكر الحديث. * أو لحديث عائشة ﵂؛ قالت: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: [خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي. وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ]. رواه الترمذي فِي الجامع: الحديث (٣٨٩٥)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. ورواه أبو داود فِي السنن: كتاب الأدب: باب فِي النهي عن سب الموتى: الحديث (٤٨٩٩) مرسلًا بلفظ: [إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ لاَ تَقَعُواْ فِيْهِ]. * أو لحديث أُم منَصور بن عبد الرحمن؛ عن عائشة ﵂، قالت: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - هَالِكٌ بِسُوءٍ! فَقَالَ: [لاَ تَذْكُرُواْ هَلْكَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ]. رواه النسائي فِي السنن: باب النهي عن ذكر الهلكى إلا بخير: ج ٤ ص ٥٢.
(٢) الْقُفَّةُ بِالضَّمِّ؛ كَهَيْئَهِ الْقَرْعَةِ تُتَّخَذُ مِنَ الْخُوْصِ، وَالْغِرَارَةُ بِالْكَسْرِ وَاحِدَةُ غَرَائِرَ وَهِيَ شَيْءٌ مِنَ التِّبْنِ، وَالْغِرَارَةُ النُّقْصَانُ وَيُرَادُ بِهِ الْقِلِّةُ؛ وَالشَّيْءُ الْغِرَارُ الَّذِي فِيْهِ نَقْصٌ.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وَيُنْدَبُ لِلْمَرأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ، أي وهو النَّعْشُ كالقبة على السرير لما فيه من الصيانة، وَلاَ يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا، للتأسي (٨٧٤)، أما الذهاب فالمشي أفضل كما سلف، ويكره الركوب إلاّ لعذر كبعد المكان، وَلاَ بَأْسَ بِاتِّبَاعِ الْمُسْلِمِ جَنَازَةَ قَرِيبهِ الْكَافِرِ؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أمر عليًا أن يواري أبا طالب كما رواه أبوَ داود (٨٧٥)، ولا يُكره أيضًا خلافًا للروياني.
فَرْعٌ: لا تَحْرُمُ زيارةُ قبرهِ على الأصح.
وَيُكْرَهُ اللَّغَطُ فِي الْجَنَازَةِ؛ لأن الصحابة كرهوا رفع الصوت عندها كما رواه البيهقي (٨٧٦)، وَاِتْبَاعُهَا بِنَارٍ، أي يُبَخَّرُ بين يديها فِي مجمرة إلى القبر بالإجماع (٨٧٧)، والمعنى فِي ذلك التفاؤل.
فَرْعٌ: ويُكرهُ أنْ يكونَ عند القبرِ مجمرةٌ حالَ الدفن أيضًا.
وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ، أي وكذا مسلم، بِكُفَّارٍ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلاَةُ، توصلًا إلى الواجب، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، أي صلاة واحدة، بِقَصْدِ الْمُسلِمِينَ وَهُوَ الأَفْضَلُ وَالْمَنْصُوصُ، عليه؛ لأنه ليس فيه صلاة على كافر حقيقة،
_________________
(١) لحديث جابر بن سَمُرَةَ؟ قَالَ: [صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ، فَأُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ، قَالَ: فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنَحْنُ نَتْبَعُهُ نَسْعَى خَلْفَهُ]. رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب الركوب عند الانصراف من الجنازة: الحديث (٦٩٥٣)، وقال: رواه مسلم فِي الصحيح. وهو كذلك فِي كتاب الجنائز: باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف: الحديث (٨٩/ ٩٦٥).
(٢) تقدم فِي الرقم (٨٤٠).
(٣) فِي السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الجنائز: باب كراهية رفع الصوت فِي الجنائز: الأثر (٧٢٨٣): عن قيس بن عباد قال: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الذِّكْرِ).
(٤) لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: [لاَ تُتْبَعَنَّ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلاَ نَارٍ]. رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: باب لا يتبع الميت بنار: الحديث (٦٧٥٢).
[ ١ / ٤٥١ ]
أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِيًا الصَّلاَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَاَن مُسْلِمًا. وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، أي ويعذر فِي تردده فِي النية للضرورة.
فَرْعٌ: الحكم كذلك إذا اختلط الشهيد بغيره.
فَرْعٌ: يدفنون بين مقابر المسلمين والكفار.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ تَقَدُّمُ غُسْلِهِ، وَتُكْرَهُ قَبْلَ تَكْفِينِهِ، فلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ، أي كأن وقع فِي بئر، وَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، لفقد الشرط، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجَنَازَةِ الْحَاضِرَةِ وَلاَ الْقَبْرِ، عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، تنزيلًا لها منزلة الإمام، وقد تقدم لك ما فِي تقدم المأموم عليه فِي بابه، قال الإمام: ولا يبعد أن يقال التجويز هنا أَولى؛ لأنها ليست إمامًا متبوعًا حتى يتيقن (•) تقدمه، واحترز بالحاضرة عن الغائبة؛ فإن ذلك يُحْتَمَلُ فيها للحاجة، وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، أي من غير كراهة، بل صرَّح الشيخ أبو حامد وغيره بالاستحباب للاتباع، فِي سهيل بن بيضاء وأخيه كما أخرجه مسلم، قال ابن حبان: وما يعارضه باطل (٨٧٨).
وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفِهِمْ ثَلاَثَةً فَأَكْثَرَ، لقوله - ﷺ -[مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلًاثةُ صُفُوفٍ
فَقَدْ أَوْجَبَ]، صححه الحاكم وفي لفظ [فَقَدْ غُفِرَ لَهُ] (٨٧٩)، وَإِذَا صُلَّيَ عَلَيْهِ
_________________
(١) (•) فِي النسخة (٣): يَتَعَيَّنُ.
(٢) عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر؛ أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ فَتُصَلَّىَ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: (مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاء إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب الصلاة على الجنازة فِي المسجد: الحديث (٩٩/ ٩٧٣). وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل فِي الصلاة على الجنازة: الحديث (٣٠٥٤ و٣٠٥٥).
(٣) عن مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ؛ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَتَقَالَّ النَّاسُ عَلَيْهَا؛ جَزَّأَهُمْ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -[مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ، فَفَدْ أَوْجَبَ]. رواه الترمذي =
[ ١ / ٤٥٢ ]
فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَّى؛ لأنه - ﷺ - صلَّى على قبور جماعة، ومعلوم أن هؤلاء ما دفنوا إلاّ بعد الصلاة عليهم، وَمَنْ صَلَّى لاَ يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ، أي لا تستحب الإعادة، وإن صلّى منفردًا، لأن الجنازة لا يُتَنَفَّلُ فيها بخلاف غيرها، فلو صلَّى صحَّت، وفيه احتمال قوي للإمام، والثاني: يستحبُّ كغيرها، والثالث: تَحْرُمُ، حكاه الرويانى.
فَرْعٌ: تقع الثانية نفلًا، وقيل: فرضًا.
وَلاَ تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ، أي ولا لانتظار أحد غير الولي، ولا بأس بانتظار وليها إن لم يخف تغيرها، فإذا صُلِّيَ عليه بودر إلى دفنه فتلك كرامته، ولو قيل بالتأخير لأجل كثرتهم لم يبعد.
وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلاَةِ، لقوله - ﷺ -: [الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ
مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ] قال البيهقي: هو أصح ما فِي الباب إلاّ أن فيه إرسالًا (٨٨٠)، وَلَوْ نَوَى الإِمَامُ صَلاَةَ غَائِبٍ، وَالْمَأْمُومُ صَلاَةَ حَاضِرٍ، أَوْ
_________________
(١) فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي الصلاة على الجنازة وَالشَّفَاعَةُ للميت: الحديث (١٠٢٨). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (١٣٤١/ ٧٧)، ولفظه: [مَا صُفَّ صُفُوفٌ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى جَنَازَةٍ إِلَّا أَوْجَبَتْهُ]، وقال: هذا اللفظ حديث ابن عليه فِي لفظ المحبوبي: [إِلَّا غُفِرَ لَهُ]، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي بقوله: على شرط مسلم.
(٢) • عن مكحول عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [صَلُّواْ خَلْفَ كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ، وَجَاهِدُواْ مَعَ كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ]. رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب الصلاة على من قتل نفسه غير مستحل لقتلها: الحديث (٦٩٣٢). وقال: قال عليٌّ (الإمام الدارقطني): مَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبي هريرة، وَمَنْ دُونَهُ ثِقَاتٌ. ثم قال: قد رُوى فِي الصَّلاة على كُلِّ بَرِّ وَفَاجِرٍ والصَّلاةُ عَلَى مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله أَحَادِيْثٌ كُلُّها ضَعِيْفَةٌ غَايَةَ الضَّعْفِ، وَأَصَحُّ ما رُوى فِي هذا البابِ حَدِيْثُ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ فِي كتاب السنن؛ إِلَّا أَنَّ فِيْهِ إِرْسَالًا كما ذكره الدَّارَقُطْنُّي ﵀. إهـ. قُلْتُ: رواه أبو داود فِي السنن: الحديث (٢٥٣٣). =
[ ١ / ٤٥٣ ]
عَكَسَ؛ جَازَ؛ لأن اختلاف نيتهما لا يضر كما لو اقتدى فِي الظهر بالعصر.
وَالدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ، للاتباع، قُلْتُ: إلَّا فِي حق الشهيد، فإنه يستحب أن يدفن حيث قتل للحديث فيه (٨٨١) وإن لم أره منقولًا عندنا، قال الحناطي فِي فتاويه؛ ومنها نقلت: ولو دفن لا يجوز نبشه، ثم نقل عن القفال أنه قال فِي فتاويه: إنه يجوز، والدفن فِي البيت ابتداء مكروه، واحتج بما روى أنه - ﷺ - أذن لامرأة فِي نقل ميتها من بدر إلى مدافن قومها (٨٨٢)، وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ بِهَا، لما فيها من الوحشة.
_________________
(١) • قُلْتُ: بل هو منقطعٌ لا يحتج به. أمَّا أنْه يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيْثِ، بَلْ لأنَّهُ لَمْ يُنْقلْ نَهْيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَه سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ - ﷺ - فِي الصَّلاَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ. وَإِنَّمَا تَرَكَ هُوَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ، وَسَكَتَ عَنْ فِعْلِ النَّاسِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ وهو ما جاء فِي الحديث (٦٩٣٣) فِي السنن الكبرى للبيهقي، ورواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على القاتل نفسه: الحديث (١٠٧/ ٩٧٨) عن جابر بن سمرة قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ). • عن البيهقي ﵀: وَرُوِيْنَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيْمَ الْحَنْظَلِيِّ أَنَّهُ - ﷺ - إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِيُحَذِّرَ النَّاسَ بِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَلاَ يَرْتكِبُواْ كَمَا ارْتَكَبَ.
(٢) حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّواْ إِلَى مَصَارِعِهِمْ؛ وَكَانُواْ قَدَّ نُقِلُواْ إِلَى الْمَدِينَةِ). رواه النسائي فِي السنن: كتاب الجنائز: باب أين يدفن الشهيد: ج ٤ ص ٧٩ وإسناده صحيح.
(٣) • المعروف أن أُمَّ جابرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ حَمَلَتْ عَبْدَ اللهِ زَوْجَهَا، ففي رواية البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ حُمِلَ الْقَتْلَى لِيُدْفَنُواْ بِالْبَقِيْعِ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُواْ الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ، بَعْدَمَا حَمَلَتْ أُمِّي أَبي وَخَالِى عَدِيْلَيْنِ لِتَدْفِنَهُمْ فِي الْبَقِيعِ، فَرُدُّواْ). فِي السنن الكبرى: باب من كَره نقل الموتى من أرض إلى أرض: الحديث (٧١٦٩). • أما غير الشهداء، ففيه نظر، فإذا كان الغرض صحيحًا، فلا بأس أن ينقل قبل دفنه إلى غير الأرض التي قبض فيها؛ فقد حُمل سعد بن أبي وقَّاص وأُسامة بن زيد ﵄ من العقيق إلى المدينة؛ وأوصى ابن عمر أن يدفن بسرف وهي غير الأرض التي قبض فيها. • أما حديث سعد بن أبي وقاص، فعن أُمِّ داود بن قيس؛ قالت: مات سعد بن =
[ ١ / ٤٥٤ ]
وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا؛ لأنه أستر فربما ظهر ما يستحب إخفاؤه، وَأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ، للاتباع (٨٨٣)، وَلاَ يُفْرَشُ تَحْتَهُ شَيْءٌ؛ وَلاَ مَخَدَّةٌ، أي بل يكره؛ لأنها إضاعة مال.
وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ، بالإجماع، إِلَّا فِي أَرْضٍ نَدِيَّةِ أَوْ رِخْوَةٍ، أي فلا يكره، ولا تنفذ وصيته به، إلاّ فِي مثل هذه الحالة ثم يكون التابوت من رأس المال كذا جزم به فِي الروضة تبعًا للرافعي، ورأيت فِي فتاوى القفال: أنه إذا أوصى بأن يجعل على رأسه عِمَامَةً؛ ويجعل فِي تابوت؛ ويوضع تحت رأسه فراش ووسادة؛ إن كل ذلك يعتبر من الثلث، وَيَجُوزُ، من غير كراهة، الدَّفْنُ لَيْلًا؛ لأن الخلفاء ما عدا عليًا
وعائشة وفاطمة دُفِنُواْ ليلًا، وقد فعلهُ - ﷺ - كما صححه الحاكم (٨٨٤)، وَوَقْتَ كَرَاهَةِ
_________________
(١) أبي وقاص - ﵁ - بالعقيق (تبعد نحو عشرة أميال عن المدينة). قالت: (فَرَأَيْتُهُ حُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى أُتِيَ بِهِ، فَأُدْخِلَ بِهِ الْمَسْجِدَ مِنْ نَحْوِ دَارَ مَرْوَانَ، فَوُضِعَ عِنْدَ بُيُوتِ النبِي - ﷺ - بِفَنَاءِ الْحُجَرِ، فَصَلَّى الاِمَامُ عَلَيْهِ وَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ). رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الأثر (٧١٧٢). • أما أسامة بن زيد ﵄؛ عن الزهري قال: (قَدْ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقْاصِ - ﵁ - مِنَ الْعَقِيْقِ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، وَحُمِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ مِنَ الْجُرْفِ) رواه ابن قدامة فِي المغني والشرح الكبير: ج ٢ ص ٣٩٠، ولكنه قال: سعيد بن زيد. وفي السنن الكبرى للبيهقي كما أثبتناه: الأثر (٧١٧٣). والْجُرْفِ: مكان قريب من المدينة، وأهله ما تجرفه السيول من الأودية. • أما أثر ابن عمر، فرواه ابن قدامة المقدسي ﵀ فِي المغني: ج ٢ ص ٣٩٠.
(٢) عن ابن عمر ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أُدْخَلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ قَالَ: [بِسْمِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي الدعاء للميت إذا وضع فِي قبره: الحديث (٣٢١٣). والترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب ما يقول إذا أدخل الميت القبر: الحديث (١٠٤٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وروى موقوفًا عن ابن عمر أيضًا.
(٣) عن جابر بن عبد الله ﵄؛ (أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ هَذَا خَفَضَ مِنْ صَوْتِهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [فَإِنَّهُ أَوَّاهٌ]:، قَالَ: فَمَاتَ، =
[ ١ / ٤٥٥ ]
الصَّلاَةِ مَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، أي يجوز فيها قطعًا؛ لأنها ذات سبب، وحديث عقبة بن عامر فِي النَّهْي عن ذلك محمول على التحري (٨٨٥)، وَغَيْرُهُمَا أَفْضَلُ، أي والدفن نهارًا أفضل منه ليلًا؛ لأنه أيسر للاجتماع، وكذا الدفن فِي غير أوقات الكراهة أفضل.
فَرعٌ: يؤخذ على أهل الذمة أن لا يظهروا جنائزهم.
وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ؛ وَالْبِنَاءُ؛ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، للنهي عنه؛ ولا بأس بالتطين نص عليه (٨٨٦)، وَلَوْ بُنِيَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ هُدِمَ، لما فيه من التضييق على الناس؛ ومن
_________________
(١) فَرَأَى رَجُلٌ نَارًا فِي قَبْرِهِ؛ فَأَتَاهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: [هَلُمُّواْ إِلَيَّ صَاحِبَكُمْ] فَإذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ). رواه الحاكم فِي المستدرك: الحديث (١٣٦١/ ٩٧) والحديث (١٣٦٢/ ٩٨)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولمِ يخرجاه، وله شاهد بإسناد معضل، وهي رواية له عن أبي ذر، وفيه قال أبو ذر: (فَخَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْمَقَابِرِ يَدْفِنُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَمَعَهُ الْمِصْبَاحُ). ووافقه الذهبي وقال: هو كما قاله الحاكم.
(٢) عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ يَقُولُ: (ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيْهِنَّ مَوْتَانَا: حِيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ؛ وَحِيْنَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيْرَةِ حَتَّى تَمِيْلَ الشَّمْسُ؛ وَحِيْنَ تَصَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (٢٩٣/ ٨٣١). ورواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الحديث (٧٠١٣) وحكاه بإسناد أخر، وفيه زيادة، قال: وزاد فيه. قال: قلت لعقبة: أَيُدْفَنُ بِاللَّيْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ دُفِنَ أَبُو بَكْرٍ بِاللَّيْلِ.
(٣) • عن جابر - ﵁ -؛ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٩٤/ ٩٧٠). • وفي رواية الترمذي بلفظ: [نَهَى النَّبِىُّ - ﷺ -) أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوْطَأَ] فِي الجامع الصحيح: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي كراهية تجصيص القبور: الحديث (١٠٥٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ثم قال أبو عيسى الترمذي: وقال الشافعي: (لاَ بَأْسَ أَنْ يُطَيَّنَ الْقَبْرُ). • وفي رواية لأبي داود [أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ]: فِي السنن: كتاب الجنائز: باب فِي البناء على القبر: الحديث (٣٢٢٦)، وقال: خفي عَلَيَّ من حديث مسدد حرف (وأن).
[ ١ / ٤٥٦ ]
ذلك الْقِرَّافَةُ، فإِنَّ ابنَ عَبْدِ الْحَكَمِ ذَكَرَ فِي تَارِيْخِ مِصْرَ أَنُّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَعْطَاهُ الْمُقَوقِسُ فِيْهَا مَالًا جَزِيْلًا وَذَكَرَ أَنَّا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ الأُوَلِ أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؛ فَكَاتَبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي لاَ أَعْرِفُ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا لأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِيْنَ؛ فَاجْعَلْهَا لِمَوْتَاهُمْ أو كما قال، وقد نقل الإفتاء بهدم ما بُنى فيها عن ابن الجميزي والظهير التِزْمَنتي وغيرهما؛ قال الشافعي: فإن كان البناءُ فِي مُلْكِه؛ فإن لم يكن محظورًا لم يكن مختارًا.
وَيُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، للإتباع (٨٨٧)، وخرج بالماء الماورد فإنه إضاعة مال، ويكره أيضًا أن يُطلى بالخلوق، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصَّى وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ. وَجَمْعُ الأَقَارِبِ فِي مَوْضِعٍ، للإتباع (٨٨٨)، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، بالاجماع (٨٨٩)، ويستحب الوضوء لزيارتها؛ قاله القاضي حسين فِي شرح الفروع.
وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ لأنه - ﷺ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِىٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا: [اتَّقِي الله
_________________
(١) لخير الشافعي - ﵁ -؛ قال: وَيُسَطَّحُ الْقَبْرُ، وكذلك بلغنا عن النبي - ﷺ -: أنه سَطَّحَ قَبْرَ إِبْرَاهِيْمَ ابْنَهُ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصَّى مِنْ حَصَى الرَّوْضَةِ؛ وأخبرنا إبراهيم بن محمَّد عن جعفر بن محمَّد عن أبيه؛ (أَنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - رَشَّ عَلَى قَبْرِ إِبْرَاهِيْمَ ابْنِهِ وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْحَصْبَاءَ) وَالْحَصْبَاءُ لاَ تَثْبُتُ إِلَّا عَلَى قَبْرٍ مُسَطَّحٍ. إهـ. كتاب الأُم للشافعي ﵀: باب الخلاف فِي إدخال الميت القبر: ج ١ ص ٢٧٣.
(٢) لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَضَعَ عِنْدَ رَأْسِ عُثمان بن مضعون صَخْرَةَ وَقَالَ: [أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي]. رواه أبو داود فِي السنن: كتاب الجنائز: الحديث (٣٢٠٦).
(٣) لحديث أبي هريرة - ﵁ -؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: [اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي؛ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي؛ فَزُورُواْ الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكَّرُكُمُ الْمَوْتَ] رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب زيارة القبور: الحديث (٧٢٩٣)، وقال: رواه مسلم فِي الصحيح؛ وهو كما قال فِي كتاب الجنائز: الحديث (١٠٥/ ٩٧٦).
[ ١ / ٤٥٧ ]
وَاصْبِرِي] (٨٩٠)، الحديث متفق عليه، وجه الدلالة أنه لم ينهها عن الزيارة، وكذا
_________________
(١) • رواه البخاري فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب قول الرجل للمرأة: الحديث (١٢٥٢) وباب زيارة القبور: الحديث (١٢٨٣) ولفظه: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: [اِتَّقِي الله وَاصْبِرِي]. ومسلم فِي الصحيح: الحديث (١٤/ ٩٢٦). • ولحديث أُمَّ عَطِيَّة ﵂: قالت: [نُهِيْنَا عَنِ اتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا]. رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: الحديث (٣٤/ ٩٣٨). • أما حديث أبي هريرة؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: "لَعَنَ الله زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ]. رواه البيهقي فِي السنن: الحديث (٧٣٠٥). • وحديث عبد الرحمن بن حسان عن أبيه، قال: [لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ]. رواه البيهقي فِي السنن: الحديث (٧٣٠٦). • وحديث ابن عباس قال: [لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ] رواه البيهقي فِي السنن: الحديث (٧٣٠٧). • كان فِي بدء الإِسلام، ثم جاء الإذن لَهُنَّ بزيارتها، وكما تقدم من حديث أبي هريرة - ﷺ - وغيره. ويعضده حديث عبد الله بن مُلَيْكَة: "أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِيْنَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ يَنْهَى ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا) رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: كتاب الجنائز: باب ما ورد فِي دخولهن فِي عموم [فزوروها]: الحديث (٧٣٠٨). وقال: تفرد به بَسْطَام بنُ مُسُلِمٍ بن نُمَيْرٍ العَوذِي البصريِّ؛ وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وأبو داود، وذكره ابن حبان فِي ثقاته، وقال أحمد: صالح الحديث ليس به بأس. وقال البزار: مشهور من شيوخ البصرة. ينظر ترجمته من تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني: الرقم (٧١٤). • ويعضده حديث أُم عطية وقد تقدم. وحديث أنس بن مالك بِأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرِ تَبْكِي وقد تقدم. قال البيهقي ﵀: (فِي ذلك تقوية لما رُوِّيناهُ عن عائشة ﵂، إلَّا أنَّ أَصَحَّ ما روي فِي ذلك صريحًا حديث أُمِّ عَطِيَّة وما يواففه من الأخبار، فلو تَنَزَّهْنَ عن اتباع الجنائز والخروج إلى المقابر وزيارة القبور، كان أَبْرَأَ لِدِيْنِهِنَّ. وبالله التوفيق): السنن الكبرى: باب ما ورد فِي دخولهن فِي عموم قوله [فَزُورُوهَا] آخر الباب: ج ٥ ص ٤٥٩.
[ ١ / ٤٥٨ ]
استدل لها بهذا الحديث، وَقِيلَ: تَحْرُمُ؛ لأنه - ﷺ - لَعَنَهُنَّ كما صححه الترمذي (٨٩١)، وَقِيلَ: تُبَاحُ، أي إذا أمِنَت الفتنة وصححه الروياني، وقيل: إن كانت لتجديد حزن ونحوه حُرِّم، أو للاعتبار فلا، أو إلا أن تكون عجوزًا لا تشتهى كحضور الجماعة فِي المساجد وهو حسن، وزيارتهن لقبر سيدنا رسول الله - ﷺ - مستحبة قطعًا ولقبر الأولياء والصالحين والشهداء جائزة قطعًا (٨٩٢)، وَيُسَلَّمُ الزَّائِرُ، للاتباع (٨٩٣)، وَيَقْرَأُ وَيَدْعُوُ، أي عقبها رجاء الأجابة، ويكون الميت كالحاضر يُرْجَى لَهُ الرحمة والبركة.
وَيَحْرُمُ نَقْلُ الْمَيِّتِ، أي قبل دفنه، إِلَى بَلَدٍ آخَرَ؛ لأن فِي نقله تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته من وجوه، ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، حُكِىَ عن عائشةَ ﵂ (٨٩٤)، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ
_________________
(١) تقدم الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -؛ رواه الترمذي فِي الجامع الصحيح: كتاب الجائز: باب ما جاء فِي كراهية زيارة القبور للنساء: الحديث (١٠٥٦)؛ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) قُلْتُ: لا أدرى لماذا هذا القطع هنا فِي زيارة قبور الأولياء والصالحين، والحكم بالجواز على وجه الكراهة، أما الزيارة لقبر الرسول سيدنا محمَّد - ﷺ -، فالقطع بالجواز على وجه الاستحباب قائم لا محالة.
(٣) لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا دَخَلُواْ الْمَقَابِرَ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ؛ إِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لاَحِقُونَ، نَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ). رواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجائز: باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها: الحديث (١٠٤/ ٩٧٥). والبيهقي فِي السنن الكبرى: الحديث (٧٣١٣).
(٤) هو حديث عبد الله بن أبي مُلَيْكَة، قال: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرُّحْمَنِ بن أَبيِ بَكْرٍ بِحُبْشِيٍّ، قال: فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ فِيْهَا. فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرٍ وقالتْ: (لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ. وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ). رواه الترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: الحديث (١٠٥٥). وأخرجه البيهقي: عن منصور ابن صفية عن أمه، قالت: مات أخ لعائشة ﵂؛ فِي بوادى الحبشة فحمل من مكانه، فأتيناها نعزيها، فقالت: [مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي أَوْ يَحْزُنُنِي فِي نَفْسِي، إِلَّا =
[ ١ / ٤٥٩ ]
بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ، أي فإنه ينقل إليها لفضلها، وهذا ظاهر إن لم يوجب النقل تَغَيّرًا، ولو كان بقربه قرية أهلها صالحون فلا يبعد إلحاقه بها، ولو أوصى بنقله من بلد موته إلى أَحدِ الأماكن المذكورة أيضًا لزم تنفيذ وصيته، وإلا فلا، وإنما تنفذ قبل الدفن، أما بعده فلا، وفيه نظر واحتمال.
وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ، لما فيه من هتك حرمة الميت، إِلَّا لِضَرُورَةٍ: بِأَنْ دُفِنَ بلاَ غُسْلٍ؛ لأنه واجب فاستدرك وجوبًا عند فوته فينبش ما لم يتغير الميت بِالنَّتَنِ (•) أو بالتقطع، أَوْ فِي أَرْضٍ، أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ؛ لأن حرمةَ الحيِّ أَوْلى بالمراعاة؛ وكذا ثوب الحرير، وفيه نظر للمصنف.
فَرْعٌ: لو تنازع الورثة فِي دفنه فِي المقبرة أو فِي بيته، وبادر بعضهم إلى الثاني، فللباقين نقله، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَالٌ، يعني فِي القبر فإنه يُنْبَشُ، ولو قَلَّ الْمَالُ؛ لأن فِي تركه إضاعةٌ له، وقد نهينا عنها، وقيَّد صاحب المهذب المسألة بما إذا طلب المال صاحبه، وتبعه ابن أبي عُصْرُون.
فَرْعٌ: لَوْ بَلَعَ الْمَيِّتُ مَالَ غَيْرِهِ شُقَّ جَوْفُهُ وَأُخْرِجَ عَلَى الأَصَحِّ، قال أبو المكارم فِي العُدَّةِ: إلَّا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا يشق على الأصح، قال فِي شرح المهذب: وهذه المقال غريبة، والمشهور: إطلاق الشَّقِّ من غير تفصيل، ولو بلع مال نفسه ومات؛ فالأصح أنه لا يُخْرَجُ.
أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ لأنه واجب كما سلف فاستدرك وجوبًا عند فوته هذا إذا لم يتغر الميت، فإن تغير فلا ينبش، لاَ لِلتَّكْفِينِ فِي الأَصَحِّ؛ لأن غرض الكفن الستر وقد حصل بالتراب، والثاني: يُنْبَشُ لَهُ، كما إذا دفن بلا غسل بجامع الوجوب، قُلْتُ: وينبش أيضًا إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة؛ وفيما إذا علق الطلاق على صفة كما لو قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى
_________________
(١) أَنِّي وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ دُفِنَ فِي مَكَانِهِ]: فِي السنن الكبرى: الأثر (٧١٧١). (•) فِي النسخة (١): بالنبش.
[ ١ / ٤٦٠ ]
فأنت طالق طلقتين، فولدت ميتًا لا يعرف حاله وَدُفِنَ قبل العلم بحاله كما رجحه فِي الروضة فِي بابه.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ، للاتباع (٨٩٥)، ويستحب تلقينه عند دفنه أيضًا، ولا يلقن الصبي، وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَجْهَيْنِ؛ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرابِ أَوْ بَعْدَهُ، وقال: المختارُ الأَوَّلُ. وسُئل الحناطي عن الأنبياء والأولياء هل يحاسبون يوم القيامة؟ فأجاب؛ ومن فتاويه نقلتُ: إنهم يحاسبون بأعمالهم، وقال: كذلك الكُفَّارُ يُعَرَّفُونَ ما عملوا ثم يُؤْمَرُ بهم إلى النار، قال: والصحيح أن الكافر وُكِّلَ به مَنْ يكتب عمله من المَلَكَين كما على المسلم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ (٨٩٦) فهؤلاء هم الكفار عند أكثر العلماء وهو الصحيح، وأما من أوتي كتابه بيمينه كان مؤمنًا مصلحًا، وأما من أوتي كتابه بشماله كان فاسقًا فاجرًا.
وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعَهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، أي وكذا أقرباؤه الأباعد للنص فيه، ولو كان الْمَيِّتُ فِي بلد آخر خوطب بذلك جيران أهله، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ فِي الأَكْلِ، أي استحبابًا (٨٩٧)، وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه إعانة على المعصية، وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحبة.
_________________
(١) لحديث عثمان بن عفان - ﵁ -؛ قال: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ قَالَ: [اسْتَغْفِرُواْ لِمَيِّتِكُمْ وَسَلُواْ التَّثْبِيْتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ]. رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الحديث (٧١٦٣).
(٢) الانشقاق / ١٠.
(٣) لحديث عبد الله بن جعفر ﵄؛ قال: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرَ؛ قَالَ النَّبِىُّ - ﷺ -: [اصْنَعُواْ لأَهْلِ جَعْفَرَ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ] رواه أبو داود فِي السنن: باب صنعة الطعام لأهل الميت: الحديث (٣٢٣١). والترمذي فِي الجامع: كتاب الجنائز: الحديث (٩٩٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد كانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُوجِّهَ إِلى أَهْلِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ لِشُغْلِهِمْ عن المصيبةِ. وهو قول الشافعي.
[ ١ / ٤٦١ ]