حرصَ سلفُنا الصالحُ على امتثال ما أمروا به من طاعة الله ورسوله؛ وعقلوا ما وعظوا به عن الله ﷿؛ فنظَّموا أوقاتهم واستفرغوا جهدَهم، وأنفقُوا أموالهم في حفظ هذا الدين وخدمته؛ وناضلوا عن كلام الله ﷿ وسُنَّة رسول الله - ﷺ - أصدق المناضلة والكفاح. وفي الحديث عن أَبِي عُتْبَةَ الْخُولاَنِيِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: [إِنَّ -وَفِي لَفْظٍ- لاَ يَزَالُ الله يَغْرِسُ فِى هَذَا الدِّيْنِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] (٥٠). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: [إِنَّ الله يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِيْنَهَا] (٥١). وقال الإمام أحمد: (إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرًا، قلت فيها بقول الشافعيِّ، لأنه ذكر في الخبر عن النبي - ﷺ -: [إِنَّ الله يُقَيِّضُ فِى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ السُّنَنَ وَيَنْفِي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْكَذِبَ] فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المئين الشَّافِعيُّ) (٥٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٢٠٠. وابن ماجه في السنن: المقدمة: الحديث (٨). وإسناده حسن إن شاء الله.
(٢) رواه أبو داود في السنن: كتاب الملاحم؛ باب ما يذكر في القرن المائة: الحديث (٤٢٩١). في المقاصد الحسنة: الحديث (١٣٧)؛ قال السخاوي عن سند الحديث كما أخرجه أبو داود: أخرجه الطبراني في الأوسط وسنده صحيح ورجاله ثقات.
(٣) رواه السيوطي في الدر المنثور: ج ١ ص ٧٦٨؛ وقال: أخرجه البيهقي في المدخل =
[ ١ / ٢٠ ]
قال السخاوي: (قالَ العمادُ بن كثير: وقد ادَّعَى كلُّ قوم في إمامهم، أنه المراد في الحديث، والظاهر والله أعلم: أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين، إلى غير ذلك من الأصناف. والله اعلم) (٥٣).
وكان من هؤلاء إن شاء الله الإمام ابن النحوي المشهور بِابْنِ المُلَقِّنِ المتوفى سنة (٨٠٤) من الهجرة. الذى كان علمًا من أعلام الفقه والحديث والتاريخ في القرن الثامن من الهجرة (وَكَانَ أُمَّةً فِى كَثْرَةِ التَّصَانِيْفِ، شَهِدَ لَهُ المُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ) (٥٤). وكتابه (عُجَالَةُ الْمُحْتَاجِ إِلَى تَوْجِيْهِ الْمِنْهَاجِ) الذى نقدم له، واحدٌ من أهم كتبه بل من أهم كتب شروح المنهاج.
أما أهمية الكتاب فإنها تأتي من أمور عديدة نذكر منها بإيجاز:
أوَّلًا: موضوع الكتاب: وهو شرح لألفاظ المنهاج (مِنْهَاجِ الطَّالِبِيْنَ) للإمام النووي ﵀؛ مدلل بتوحيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسُّنَّةِ، ومعضَّدٌ بأقوال العلماء من المذهب ومقارنًا في بعضها بآراء المذاهب الأخرى كما أشار في المقدمة. بما يخدم وضوح الرأي في المسألة؛ محاولًا به الشارح أن يعين المبتدئ في مرحلة الاقتصاد العلمى إلى ما يوصلهُ إلى دقة الفكر ووضوح الفهم معززًا بالأدلة ووجوه الاستدلال غالبًا.
ثَانيًا: وتأتي أهمية الكتاب من جهة متن الشرح فهو شرحٌ لمنهاج الطالبين للإمام النووي وهو مَن الشهرة. بمكان، أن صار عَلَمًا في المذهب من ناحيته بوصفه متنًا سهلًا ميسورًا لطلاب العلم، ومن ناحية الثقة. بمصنفه الإمام النووى.
_________________
(١) والخطب من طريق أبي بكر المروزي. وفي المقاصد الحسنة: الحديث (٢٣٨)؛ قال السخاوى: روينا في المدخل للبيهقي بإسناده إلى الإمام أحمد.
(٢) المقاصد الحسنة للسخاوي: في التعليق الحديث (٢٣٨).
(٣) قاله عبد الله بن سعاف الحيانى في مقدمة تحقيق كتاب تحفة المحتاج إلي أدلة المنهاج لابن الملقن: ج ١ ص ٩.
[ ١ / ٢١ ]
وليس هذا فحسب بل يعدُّ شرح ابن النحوي- عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج- من أوائل الشروح بل ربما لم يسبق إليه شرح غير دقائق المصنف على المنهاج وهي ليست بالشرح كما سيأتي. وكذلك أنه معتمدٌ في ذلك نسخة المؤلف نفسه كما أشار بذلك في عدة مواطن أنه رأه بخطه.
ثالثًا: وتأتى أهمية الكتاب أيضًا من جهة مصنف الشرح ابن النحوي ﵀، فقد عَظَّمَهُ أهل زمانه؛ وشهدوا له بالتقدم والرسوخ، ونعتوه بالحافظ والأمام والعلامة، وشيخ الاسلام، وغالبًا نجد الحفَّاظ ينسبون أنفسهم إليه في العلم، فنجد الحافظ ابن حجر غالبًا ما يكرر عبارة: قاله شيخنا ابن الملقن ﵀.
بل نجد الشروح على المنهاج لمن جاء بعده أنه ينقل عنه كما فعل ذلك كثيرًا الشربينى في مغني المحتاج، بل ينقل غالبًا عبارة ابن الملقن وربما لا يشير إلى ذلك.
رابعًا: وكذلك تأتى أهمية الكتاب من الناحية العملية، أنه تقصد الأدلة وبيان وجه الاستدلال على ما وسعه المقام من حال البيان. فتقصد الأدلة الشرعية بنصوصها من الكتاب والسُّنَّة؛ وتقصد بيان اللغة ومعهود الخطاب فِى فهم دلالة النص على الأحكام الشرعية. وكما سيظهر للقارئ إن شاء الله.
خامسًا: وتأتى أهمية الكتاب أيضًا من الناحية البنائية في تكوين العقلية الإسلامية الفاعلة في حركة نهضة المجتمع وقيادة الأمة إلى النجاة إن شاء الله، بأن يربى الذوق الفقهي حين التعامل مع أفكار المتن. بما يؤدي إلى إدراكها وتحويلها إلى قناعة؛ وبالتالي يوصل إلى أنماط فكرية وحسية وشعورية في النفس والسلوك.
سادسًا: لا يخلو الكتاب من آراء فقهية هى أفكار عصر ابن الملقن أو العصور السابقة له التي ظهرت بتأثير الواقع السلطوي في صراعات الفكر والسياسة، وهي سوف يلتفت إليها القارئ النابه والدارس الواعي بإذن الله، ولم أتقصد التعليق عليها محافظه على علمية الرأي وأحقية التعبر عن نفسه، وتركت أمره إلى عمق تفكير الدارس واستنارته.
[ ١ / ٢٢ ]