إِنَّ مُهِمُّةَ الرُّسُلِ الْبَلاَغُ عن رب العالمين بقصد معرفة مراد الله ﷿ من عباده على وجه معين هو سبيل الله؛ قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٢٩) وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣٠)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ (٣١) وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣٢).
_________________
(١) آل عمران / ٧٩.
(٢) آل عمران / ١٨٧.
(٣) البقرة / ١٥٩.
(٤) النحل / ٣٥.
(٥) النساء / ١٦٥.
(٦) القصص / ٥٩.
(٧) الإسراء / ١٥.
[ ١ / ١٣ ]
ومُهِمَّةُ النَّاسِ طاعة الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣٣) وكان سيدنا الرسول مُحَمَّد - ﷺ - خاتم الأنبياء والرسل، وأمر الله الناس باتباعه قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٣٤) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٥) وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣٦).
ويحصلُ الاتباعُ بالطاعةِ قال تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٣٧) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣٨) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣٩).
أما الطريقةُ في الاتباع فذلك بالاستقامة على الأمر قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ (٤٠) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤١) وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: [خَطَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَطًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيْلُ اللهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبيْلِ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَرَأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾] (٤٢).
ويأتي تنفيذُ هذه الطريقة بالحاكمية لشرع الله ﷿ في كل أمر قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
_________________
(١) النساء / ٦٥.
(٢) الأعراف / ١٥٦ - ١٥٧.
(٣) الجاثية / ١٨.
(٤) الأعراف / ١٥٨.
(٥) الأنفال / ٢٠.
(٦) الأنفال / ٢٤.
(٧) النور / ٥٤.
(٨) هود / ١١٢.
(٩) الأنعام / ١٥٣.
(١٠) رواه ابن ماجه في السنن: المقدمة: باب إتباع سنة رسول الله - ﷺ -: الحديث (١١) عن جابر بن عبد الله. والدارمي في السنن: المقدمة: باب في كراهية أخذ الرأي: الحديث (٢٠٢) عن عبد الله بن مسعود. وأحمد بن حنبل في المسند: ج ٣ ص ٣٩٧ عن جابر بن عبد الله. والآية ١٥٣ من سورة الأنعام.
[ ١ / ١٤ ]
حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤٣) وليس هذا فحسب؛ بل لابد من أن يكون
التسليم لهذه الحاكمية باستجابة تامَّة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٤٤).
ولقد أدركَ المسلمونَ هذه المعاني الإيمانية، واعتقدوا أن حياتهم إنما هي من أجل الإسلام؛ وأن وجودهم إنما هو من أجل تطبيق دين الله في الأرض وإنقاذ العالم البشري من ضيق الجاهلية وظلام الوثنية وشقاء الملل والنحل الشركية، وإخراجه إلى فسحة الإسلام ونور الإيمان وسعادة المفاهيم الإسلامية. فآمنوا أن الإسلام وحدَهُ سرُّ وجودهم وأساس وحدتهم وسبب نهضتهم، وأنه وحده عزهم ومجدهم ورجاؤهم، فإيمانهم بالإسلام مَلَكَ عليهم نفوسهم وعقولهم، فأخلصوا له وأقبلوا عليه يدرسونه ويفهمونه؛ كيف لا وهُم سلف تَمَثَّلَ سلوك القدوة من الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا، فالصحابة القدوة ضربوا المثال في مسالك هذا الدين، وخلف من بعدهم سلف من التابعين وتابعيهم حتى تجسد في تاريخ أمة الإسلام أعلام شوامخ من العلماء العاملين، والفقهاء المجاهدين، الذين أدركوا أن الإسلام فكر اعتقاد، وشريعة ممارسة وعمل وجهاد.
ولم تكن ثمَّةَ مشكلة في العصر الأوَّل بعد رسول الله - ﷺ -، عصر الصحابة؛ على
مستوى الفكر والمعتقد والفقه، لأن المثال الشاهد على الرسالة ظاهر، وبه يقتدى، ومن خلاله يتوصل إلى معرفة الإسلام تفكرًا وتطبيقًا. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ
_________________
(١) النساء / ٦٥.
(٢) الأحزاب / ٣٦.
[ ١ / ١٥ ]
الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤٥) وعن أبي موسى - ﵁ -؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [النُّجُومُ أَمَنَةُ السَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةُ أَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةُ أُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَتْ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ] (٤٦).