قال الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٤٧). عن ابن عباس ﵄ قال: (كُونُواْ رَبَّانِيِّيْنَ حُكَمَاءَ فُقَهَاءَ) (٤٨). وعن معاوية أن رسول الله - ﷺ - قال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ وَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَلَنْ تَزَالَ أُمَّةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِيْنَ عَلَى النَّاسِ لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ] (٤٩).
وكانَ الصحابةُ رضوان الله عليهم المثال الصادق والقدوة الحسنة لِلرَّبَّانِيِّيْنَ والحواريين والأحبار والمستنبطين والعاملين، وكانوا في غالبهم عربًا؛ وكانت العربية
_________________
(١) الفتح / ٢٩.
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند: ج ٤ ص ٣٩٩. ومسلم في الصحيح: فضائل الصحابة: باب أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان لأمته: الحديث (٢٠٧/ ٢٥٣١).
(٣) آل عمران / ٧٩.
(٤) رواه البخاري تعليقًا في الصحيح: كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل: حديث الباب. في الشرح قال ابن حجر: هذا التعليق وصله ابن أبي عاصم أيضًا بإسناد حسن والخطيب بإسناد آخر حسن.
(٥) رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه: بسنده إلى معاوية بن أبى سفيان: ج ١ ص ٥ - ٦ وأصله عند البخاري في الصحيح: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب قول النبي - ﷺ -: الحديث (٧٣١٢) ومسلم في الصحيح: كتاب الإمارة: الحديث (١٧٥/ ١٠٣٧).
[ ١ / ١٦ ]
من أحدهم سجيةَ لسانٍ؛ وسليقة إدراك، وتفكر استنباط، وكانوا علماء محيطين إحاطة تامة بلسان العرب ومعهودهم من القول والعمل، يكمِّلُ بعضهم بعضًا.
وكانوا ملازمين لرسول الله - ﷺ -. فكان القرآن ينزلُ وهم مع الرسول. ويُبَيِّنُ
الرسولُ لهم حكم الله على مرأى ومسمع منهم. وبهذا صاروا علماء بالشريعة محيطين بها فضلًا عن علمهم بالعربية. فحين كانت تَرِدُ المسألة أو تجري أمامَهُم الواقعة التي تحتاج إلى بيان حكم الله فيها، بينوا حكم الله فيها، بما علموه من رسول الله - ﷺ - نصًا أو فقهًا، ويظهر ذلك بإعطاء رأيهم الذي يقتضيه ظاهر النص تبليغًا؛ أو يستنبطوه من النص ضرورة أو يأخذوه من معقول النص حسب معهودهم في عصر النزول.
وكان الصحابةُ رضوان الله عليهم يقتصرون في إعطاء الرأي جوابًا على المسائل أو بيانًا للأحداث وحلولًا للمشاكل؛ دون بيان الدليل غالبًا، ما لم يكن الأمر يرجع إلى النص مباشرة، أو يقتضيه البيان. وبهذا نقلت فتاوى الصحابة بشكل آراء لهم.
وهذا ما حمل البعض من الناس أن يفسر سلوك الصحابة في الفتوى على أنهم يعطون رأيهم الشخصي في القضايا. والحقيقة أن الصحابة كانوا مجتهدين يعطون الحكم الشرعى الذي استنبطوه بما علموه من الوحي وفهموه من رسول الله - ﷺ - من الكتاب والسنة، ولكنهم إن لم يُسْأَلُوا عن الدليل اكتفوا بالجواب، ولهذا لم يشفعوا أجوبتهم بالأدلة، أو لم يبيِّنُوا علَّة الحكم أو دليل العلَّة لعامة الناس. أما لطلاب العلم فإنه نقل عنهم كل المأثور مع الدليل غالبًا.
هذه الحالُ أدَّتْ عند العامَّة إلى إبهام أن هذا الرأي للصحابي من عنده، وتصوَّرَ البعضُ أنه يجوز إعطاء الإنسان رأيه في القضية ما دام عقله مشبَّعًا بحبِّ الإسلام أو نصوصه وعارفًا بالعربية.
ولَمَّا طَرَأتِ العجمةُ في لسان الناس وفسد ذوقُهُم في التعامل مع اللسان العربى، صارت العربية تُتعلم قواعد لضبط أقوالهم ومعاملاتهم.
[ ١ / ١٧ ]
ولَمَّا تَسَرَّبَ الكذبُ إلى الرواة ورويت أحاديث عن الرسول - ﷺ - لم يقلها، ظهر
تقصُّد تسمية الرجال، رِجَالِ السَّنَدِ، والنظر فيهم بحثًا وتقييمًا بالجرح والتعديل؛ وصار الحديث فَنًّا يُتَعَلَّمُ بأصول. ولذلك صار استنباط الأحكام يحتاج إلى معرفة بالنصوص الشرعية واللغة العربية، فصار لا بد من أن يقرن الحكم الشرعي بدليله أو يصحب معهما بوجه الاستدلال. فانبرى العلماء المخلصون، والفقهاء الواعون إلى هذا الأمر فصنفوا الكتب لحفظ الدين. فبدأ الفقهُ يتكوَّنُ تكوينًا جديدًا في البحث، ويرتَّبُ ترتيبًا خاصًا في التبويب. وعلى اختلاف الأساليب في تبويبه وترتيبه. فنجد
أن الإمام مالك صنف الموطأ على تبويب الأحكام وجعل فيه الأدلة من الأحاديث والآثار وموقوفات الصحابة حين يبدي رأيه في المسألة جوابًا أو بيانًا. ونجد الشافعي على منهاجه وأضاف وجه الاستدلال ومناقشة الرأي المقابل أو المحتمل كما فعل في الرسالة والأُمِّ. ونجد بعضهم رتب المسانيد على أسماء الرجال كما فعل الإمام أحمد في المسند وقبله الإمام أبو حنيفة في مسنده، ثم عمرت المكتبة الإسلامية بمئات الألوف من المؤلفات في الفقه والحديث والتفسير بأساليب متنوعة من التبويب والعرض.
وكانت عنايةُ العلماء فائقةٌ في الفقه، إذ جعلوا آراء الأئمة الأعلام في الفقه واستنباطاتهم في مدونات كبرى مرتبة ومبوَّبة ثم عملوا على إيجازها بما يُسَهِّلُ الحفظ، وتفنَّنُواْ في تطويرها بما يخدم طلاب العلم وبما ينتج منهم علماء معلمين، وقادة سياسيين، وجنود محاربين وقضاة عادلين. فعملوا على شرح الغامض، وإثبات الأدلة لما أبهم دليله، ووضعوا المتون للمذاهب على حسب ضرورة الدارس وأهليته في طلب العلم. واعتنوا بآراء الخلاف وكيفية التعامل معها، بما يسهل للباحث المعاصر الوصول إلى قواعد أكثر ضبطًا للرأي المكوّن في جميع العصور، سيما عصرنا المتخلف عن تقدم سلف الأمة من الفقهاء والمحدثين والمفسرين.
ويجب أن لا ننسى محاولة الكفار بعد أن نجحوا في غزو المسلمين بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في أخذهم بإفشاء الفاحش من الرأى الذى يغالط أذهان العامة من المسلمين في ضرورة دراسة العلوم الشرعية، سيما منها الفقه على وجه
[ ١ / ١٨ ]
الخصوص، وهم يحاولون تكريه المسلم بكتب الفقه الإسلامي كما يكرِّهُ السفسطائي الناس بالعسل حين يقول لهم عنه أنه خرء الذباب. فقد اتهم الكفار الفقه الإسلامي بأنه متأثر بالفقه الروماني العتيق، وأن الفقه الإسلامي يعانى من مشكلات العصر وضعفه أمام التحديات؛ فالكافر ما زال في محاولاته أن يضع الفقه الإسلامي في إطار أسود حتى يُعرض عنه المسلمون.
واعلم أخى، أنه إذا أعْرَضَ المسلمون عن الفقه، فقد أعرضوا عن معرفة أحكام الإسلام، ووقعوا في الجهل في دين الله لا محالة. وهذا ما حصل بالفعل. ولم يكتف الكافر بهذا النجاح الثاني، بل يحاول أن يضع صياغات منهحية عقلانية أو آرائية ومصلحية لاستنباطات الفقهاء وتأصيل القواعد عند علماء الأُصول، وهذه هى المحاولة الثالثة بعد الغزو لبلاد المسلمين، ومحاولة التعريض بالفقه الإسلامي. لهذا كان لا بُدَّ من التَّصَدِّي لهذا الهجوم الفكري والثقافي، بِحَثِّ المسلمين على الإقبال على دراسة الفقه من منابعه الصافية، بطريقة الدرس المركز في حلقاته وبين أيدي علماء مخلصين واعين وتحتَ أفواههم. وذلك بأن تكون الدراسة في أمهات كتب الفقه المعتبرة.
ومنها الكتاب الذي هو موضوع دراستنا إن شاء الله، وغيرهُ كثيرٌ، على أن تُخَرَّجَ بطريقة علمية رصينة تحافظ على المضمون الفكري والرأي المذهبي المعين بوصفه أمانة علمية قابلة لإنماء العقلية الإسلامية المعاصرة بطريقة صحيحة لا بطريقة أهل الجرأة على دين الله من المارقين الجاهلين وغير الواعين. وكذلك لا بطريقة الجامدين على الرأي المذهبي مع توفر الدليل الأقوى والاستدلال الأرجح في المسألة؛ وإنما المقصودُ أن يتوصل إلى الرأي الصواب بطريقة الاجتهاد الصحيح عند من هو أهلٌ له.
[ ١ / ١٩ ]