حال ابن الملقن مع كتب العلم؛ وكان جَمَّاعَةً لها؛ فاجتمع عنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر، حتى قيل: إنه كان أكثر كتبًا من العراقي، وقد كان العراقي كثير الكتب والأجزاء، قال عنه الحافظ ابن حجر: لم أرَ عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه.
وكان للشيخ عيسى المغربي دور كبير في تشييد هذه المكتبة، فقد أحسن في كفالته له وكان أمينًا على تنمية ماله، وهذا كله عون من الله ﷿ في صناعة هذه الشخصية العلمية الفقهية الحديثية، فيسر له الحال وكثرة المال وبركة العيال على إنشاء هذه المكتبة.
وكان سخيًا في بذل المال لتأسيس هذه المكتبة؛ يقول الحافظ ابن حجر عن شيخه: (أنه حضر في الطاعون بيع كتب بعض المحدثين، فكان الوصيُّ لا يبيع إلا بالنقد الحاضر، فتوجه ابن الملقن إلى منزله، وأحضر كيسًا من الدراهم، ودخل الحلقه فَصَبَّهُ، فصار لا يزيد في كتاب إلا قال الوصيُّ: بِعْ لَهُ، وكان مما اشتراه مسند الإمام أحمد بثلاثين درهمًا).
وامتحن ابن الملقن باحتراق المكتبة آخر عمره، واحترقت معها كثير من مصنفاته؛ ومن ذلك كتابه المبسوط (جمع الجوامع) وحزن عليها أشد الحزن، فعزاه ابنه عليٌّ فقال:
_________________
(١) مغلطاي بن قليج بن عبد الله الحنفي (٦٩٠ - ٧٦٢) من الهجرة
[ ١ / ٣٠ ]
لَا يُزْعِجَنَّكَ يَا سِرَاجُ الدِّيْنِ أَنْ لَعِبَتْ بِكُتُبِكَ أَلْسُنُ النِّيْرَانِ
للهِ قَدْ قَرَّبْتَهَا فَتُقُبِّلَتْ وَالنَّارُ مُسْرِعَةٌ إِلَى الْقُرْبَانِ
وقد حَبَّبَ الله لابن الملقن التدريس والتصنيف، فَكَبَّ على تعليم الناس خير الإسلام، وتدريس العلوم الشرعية لطالبيها؛ وأُلِيْنَ له التأليف وتصنيف الكتب، فَخَطَّ بيمينه مئات الكتب في مختلف صنوف العلم، وترك هذا الانشغال أثره الواضح في حياة ابن الملقن، فانصرف عن مناصب الدنيا أو مهام القضاء؛ فكانت المناصب التي أنيطت به قليلة.
قال السخاوي: أنه ولي قضاء الشرقية، ثم تخلى لولده علي. وأنه تولى أمر دار الحديث الكاملية خلفًا للزين العراقي. وقد رشح لقضاء الشافعية فما تم له ذلك.
توفي ابن الملقن ليلة الجمعة السادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة، ودفن على أبيه بحوش (سعيد السعداء) وتأسَّف الناس على فقده. ونقول بدعاء الأستاذ عبد الله سقاف: رحم الله ابن الملقن فقد قضى عمره الذي جاوز الثمانين معلمًا ومربيًا، ومصنفًا محققًا، وناصحًا لله ورسوله والمؤمنين، نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي أحدًا على الله.