(مَسْأَلَةٌ) الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْفَرْوِ الْمَدْبُوغِ طَاهِرٌ، إمَّا لِأَنَّ الشَّعْرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَإِمَّا لِأَنَّ الشُّعُورَ طَاهِرَةٌ. وَهَذَا لَا شَكَّ عِنْدِي فِيهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ - ﵀ - فِي صَحِيحِهِ «عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مُرْشِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ قَالَ. رَأَيْت عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوَةً فَمَسِسْتُهُ فَقَالَ مَالَك تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْت: إنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ وَيَأْتُونَا بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ دِبَاغُهُ طَهُورُهُ»
فَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَصَحَّحَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ أَنَّ الشَّعْرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّعْرَ يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ وَأَفْتَى بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَذْهَبَ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْجِلْدَ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَزَادَ فَقَالَ: إنَّهُ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ الزُّهُومَةَ الَّتِي فِيهِ نَجِسَةٌ فَهُوَ كَثَوْبِ مُتَنَجِّسٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ، فَجَعْلُهُ إيَّاهُ مِثْلَهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ مَا فِي التَّتِمَّةِ بِدُونِ كَوْنِ الزُّهُومَةِ نَجِسَةً، وَجَعَلَهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، فَأَوْهَمَ أَنَّهُ طَاهِرٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَنَقَلَ الْوَجْهَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ،
[ ١ / ١٢٩ ]
وَهَذَا لِمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ، أَمَّا عِنْدَنَا فَلَا.
(فَائِدَةٌ): تَكَلَّمَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا غَمَسَ الْجُنُبُ بَعْضَ بَدَنِهِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَنَوَى إذَا كَانَ الْمَاءُ يَتَرَدَّدُ عَلَى أَعْضَائِهِ، وَفِي اغْتِسَالِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَخَطَرَ لِي فِيهِ بَحْثَانِ:
(أَحَدُهُمَا): يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْجَنَابَةِ عَنْ الْجُزْءِ الْمُنْغَمِسِ أَوْ عَنْ الْجَمِيعِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ الْجَمِيعِ فَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْجَمِيعِ لَا يَقَعُ حَتَّى يَنْغَمِسَ، وَكَذَا مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ وَبَدَنِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي اغْتِرَافِ الْمَرْأَةِ فَلْيُحَرَّرْ هَذَا الْبَحْثَ وَيُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ النَّبِيِّ - ﷺ - اغْتَسَلَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ مِنْهَا هَلْ نَوَتْ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ الِاغْتِرَافَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّقْرِيرِ. .