(فَصْلٌ) حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْهِلَالَ إذَا غَابَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَهُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. وَهَذَا إذَا صَحَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ إمَّا عَلَى وَقْتٍ خَاصٍّ أَوْ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْهِلَالَ إذَا فَارَقَ الشَّمْسَ وَكَانَ عَلَى خَمْسِ دَرَجٍ عِنْدَ الْغُرُوبِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لَا يُرَى وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ فَإِذَا حُسِبَ ذَلِكَ مَعَ سَيْرِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً يُقِيمُ إلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ - مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّفَقَ عِنْدَهُ الْبَيَاضُ وَهُوَ يَتَأَخَّرُ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ - ﵀ - فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ فَلَقِيَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ - فَقُلْنَا: إنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ إنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ. فَانْظُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ كِبَارُ التَّابِعِينَ كَيْفَ ظَنُّوهُ ابْنَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ - انْتَهَى.
[ ١ / ٢١٨ ]
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - ﵁ -: أَنْشَدَنَا الْفَقِيهُ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ شَيْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد التِّرْمِذِيُّ الْجُهَنِيُّ لِنَفْسِهِ:
يَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ رَدْعُ الْعِدَى بِبَرَاعَةٍ وَلِسَانِهِ
بَيِّنْ لَنَا نَهْجَ الصَّوَابِ وَسِيلَةً لَا زَالَ عِلْمُك يُهْتَدَى بِبَيَانِهِ
فِي صَائِمٍ يَا صَاحَ قَبَّلَ زَوْجَهُ قَبْلَ انْتِهَاءِ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانِهِ
فَرَأَى الْمَنِيَّ مِنْ الْعَبَالَةِ هَلْ لَهُ صَوْمٌ أَمْ الْفُتْيَا عَلَى بُطْلَانِهِ
هَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَمْ لَا وَهَلْ يُقْضَى عَلَى إتْيَانِهِ
تَمَّ السُّؤَالُ أَجِبْ جَوَابًا شَافِيًا مِمَّا حَبَاك اللَّهُ مِنْ إحْسَانِهِ
هَذَا سُؤَالُ التِّرْمِذِيِّ مُحَمَّدٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ بِشَانِهِ
فَأَجَبْت فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ:
يَا فَاضِلًا نَظْمَ السُّؤَالِ مُحَبِّرًا عَنْ شَأْنِ مَنْ قَدْ لَحَّ فِي عُدْوَانِهِ
لَمَّا تَجَرَّأَ جَاهِلٌ لِصِيَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْظِيمٍ لِحُرْمَةِ شَانِهِ
يَقْضِي وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَالْقَطْعُ مَحْتُومٌ عَلَى عِصْيَانِهِ
يَا وَيْلَهُ مِنْ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ وَعَذَابِهِ فِيهَا وَعِظَمِ هَوَانِهِ
دَعْهُ يَتُوبُ لَعَلَّ يُغْفَرُ مَا جَنَى مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ فِي غُفْرَانِهِ
هَذَا جَوَابٌ عَلَى السُّبْكِيّ عَنْ فَضْلٍ حَبَاهُ اللَّهُ مِنْ إحْسَانِهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مَا يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ إنَّ الْأَوْلَى لِلسَّالِكِ مُلَازَمَةُ ذِكْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَنْفَتِحَ قَلْبُهُ وَيَجْتَمِعَ وَلَا يَتَفَرَّقَ. هُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ فَيُرَبَّى كَمَا يُرَبَّى الطِّفْلُ وَكَمَا يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَالْأَسْهَلَ فَالْأَسْهَلَ، فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمَشَايِخِ وَصَنِيعُهُمْ، وَلَا نَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَالْكَامِلُونَ الْأَقْوِيَاءُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ تَقْوَى قُلُوبُهُمْ عَلَى الْمَعَارِفِ الْكَثِيرَةِ لَيْسُوا كَذَلِكَ وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا السَّالِكِ الْمُقْتَصِرِ عَلَى ذِكْرٍ وَاحِدٍ، لِذَلِكَ أَقُولُ فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ الَّذِي يُعَظِّمُهُ الصُّوفِيَّةُ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَعْلَى الْأَحْوَالِ وَأَنَّهُ رُبَّمَا يُسْلَبُ التَّكْلِيفُ فَأَقُولُ إنَّمَا فِي الضَّعِيفِ الَّذِي تَبْهَرُ لُبَّهُ صِفَاتُ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ أَضْعَافَ ذَلِكَ فَيَغِيبُ عَنْ نَفْسِهِ. وَالْكَامِلُونَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ شُهُودِ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَالْجَمَالِ أَضْعَافُ ذَلِكَ وَيَحْصُلُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ اللَّذَّةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْحَالِ مِثْلُ مَا حَصَلَ لِأُولَئِكَ وَلَا يَغِيبُونَ عَنْ حِسِّهِمْ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُمْ التَّكْلِيفُ بَلْ تَكُونُ تِلْكَ الْحَالَةُ مُنْغَمِرَةً مَسْتُورَةً بِبَقِيَّةِ أَحْوَالِهِمْ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَخْذَ الْمَعَانِي مِنْ الْأَلْفَاظِ كَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَأَخْذَهَا مِنْ مَعْدِنِهَا كَمَنْ يَمْشِي سَوِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ.
[ ١ / ٢١٩ ]
لِأَنَّ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يُوثَقُ بِهِ نَعَمْ إنَّ الْمَعَانِيَ أَوْسَعُ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَتَأْثِيرُ الْكَلَامِ فِي النَّفْسِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
(أَحَدُهَا) بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الْمُتَكَلِّمُ.
(وَالثَّانِي): بِصُورَتِهِ الَّتِي صَنَعَتْ ذَلِكَ.
(وَالثَّالِثُ): بِحَالَةٍ فِي الْمُتَكَلِّمِ تُقَرِّرُ مَعْنَى ذَلِكَ الْكَلَامِ فِي قَلْبِهِ وَتَكَيُّفِهِ بِهِ وَكَيْفِيَّةِ إلْقَائِهِ لِلسَّامِعِ وَالْحَالَةِ الَّتِي تَلْبَسُهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
(وَالرَّابِعُ): بِحَالَةٍ فِي السَّامِعِ مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَتَفْرِيغِ قَلْبِهِ وَإِلْقَائِهِ سَمْعَهُ وَطِيبِ مَنْبَتِهِ حَتَّى يَكُونَ قَلْبُهُ كَالْأَرْضِ الَّتِي يُلْقَى فِيهَا الْبَذْرُ وَتَشَوُّقِهِ لَهُ وَقَبُولِهِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْعِلَّةُ الْمَادِّيَّةُ، وَالثَّانِي: الْعِلَّةُ الصُّورِيَّةُ وَالثَّالِثُ: الْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ، وَالرَّابِعُ: الْعِلَّةُ الْقَابِلِيَّةُ؛ وَمِنْ هَذَا كَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ - ﷺ - لِلصَّحَابَةِ لَا شَيْءَ أَعْظَمُ تَأْثِيرًا مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَعَدِمُوا تِلْكَ الْحَالَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ مُخَاطَبَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَقِيَتْ عِنْدَهُمْ الْعِلَّةُ الْمَادِّيَّةُ وَالصُّوَرُ بِبَقَاءِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَأَلْفَاظِ السُّنَّةِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ بِالْمَعْنَى فَهُوَ حَاصِلٌ لَنَا كَمَا هُوَ حَاصِلٌ لِلصَّحَابَةِ، وَأَمَّا الْقَابِلِيَّةُ فَبِحَسْبِ مَا يُفِيضُهُ اللَّهُ مِنْ الْأَنْوَارِ عَلَى قُلُوبِنَا وَهِيَ لَوْ بَلَغَتْ مَا بَلَغَتْ لَا تَصِلُ إلَى رُتْبَةِ الصَّحَابَةِ وَأَيْنَ وَأَيْنَ فَكُلُّ مَعْنًى خَطَرَ فِي الْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي هِيَ جَوَامِعُ الْكَلِمِ فَإِذَا شَهِدَتْ لَهَا قُبِلَتْ وَإِلَّا رُدَّتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبْت بُكْرَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ.