(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ - ﵀ - قَوْله تَعَالَى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] الْمَقْصُودُ التَّقْبِيحُ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبِرِّ أَنْ يَتْرُكَ نَفْسَهُ مِنْهُ وَيُنْشِدُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ إذَا نَصَبْتَ وَتَشْرَبَ وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَعِنْدِي فِيهِ زِيَادَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَهَى عَنْ شَيْئَيْنِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ عَلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ آخَرَ فَذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَاحًا غَيْرَ مَكْرُوهٍ وَالْمَحْذُورُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءُ عِلَّةٍ فِي الْكَرَاهَةِ، كَأَكْلِ السَّمَكِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ، الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَحْمُودًا وَالْآخَرُ مَذْمُومًا وَلَكِنْ ذَمُّهُ مَعَ الْمَحْمُودِ أَعْظَمُ مِنْ ذَمِّهِ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] فَالْأَمْرُ بِالْبِرِّ حَسَنٌ صِرْفٌ وَوَاجِبٌ،
[ ١ / ١٩ ]
وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ سَوَاءٌ أَفْعَلَهُ الشَّخْصُ أَمْ لَا؛ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ التَّرْكِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إثْمَانِ إثْمُ تَرْكِ الْأَمْرِ وَإِثْمُ ارْتِكَابِ النَّهْيِ؛ وَإِذَا أَمَرَ وَلَمْ يَنْهَ نَفْسَهُ فَقَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ هَكَذَا أَنْ يُصَدِّرَ بِالْمَحْمُودِ وَيُؤَخِّرَ الْمَذْمُومَ كَالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَكَالْبَيْتِ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ الْخُلُقِ السَّيِّئِ مَحْمُودٌ وَإِتْيَانَ مِثْلِهِ مَذْمُومٌ، وَكَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ قَصْدُ تَقْدِيمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ بِالْبِرِّ سَبَبٌ فِي أَمْرِهِ نَفْسَهُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ قَبُحَ ذَلِكَ مِنْهُ جِدًّا، وَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ مِنْ أَنْ يُقَالَ افْعَلْ وَلَا تَنْسَ نَفْسَكَ، لِأَنَّ بَعْضَ الطِّبَاعِ اللَّئِيمَةِ لَا تَنْقَادُ لِلنَّصِيحَةِ؛ فَإِذَا صَوَّرَ لَهُ فِي صُوَرٍ تُنَاقِضُ فِعْلَهُ فَالتَّنَاقُضُ تَنْفُرُ عَنْهُ جَمِيعُ الطِّبَاعِ وَالْعُقُولِ، كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى ائْتِمَارِهِ وَحُصُولِ نُزُوعِهِ عَنْ حَالَتِهِ الْقَبِيحَةِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى جِهَةِ التَّقْرِيبِ قَوْلُهُ - ﷺ - «إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَفْسُقُ» فَالرَّفَثُ وَالْفِسْقُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا لِلصَّائِمِ وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ مِنْ الصَّائِمِ أَقْبَحُ، لِأَنَّ الصَّوْمَ سَبَبٌ مُؤَكِّدٌ لِاجْتِنَابِهِمَا وَقَدْ يَجِيءُ هَذَا النَّوْعُ مُقَدَّمًا فِيهِ الْمَذْمُومُ كَقَوْلِهِ:
أَطَرَبًا وَأَنْتَ قَيْسَرِيٌّ
فَالطَّرَبُ مَذْمُومٌ قَبِيحٌ وَمِنْ الشَّيْخِ أَقْبَحُ انْتَهَى.