(آيَةٌ أُخْرَى) قَالَ - ﵀ - قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] اُسْتُشْكِلَ كَوْنُ " أَحْلَلْنَا " جَوَابًا لِلشَّرْطِ أَوْ دَلِيلَ الْجَوَابِ، لِكَوْنِهِ مَاضِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَأَقُولُ إنَّ (أَحْلَلْنَا) فِيهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا الْإِحْلَالُ وَهُوَ إنْشَاءُ الْحِلِّ، أَوْ الْإِخْبَارُ عَنْهُ، وَهُوَ مَاضِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالشَّرْطِ، وَالثَّانِي الْحِلُّ الْمُنْشَأُ، وَهُوَ الَّذِي عُلِّقَ بِالشَّرْطِ؛ وَكَذَلِكَ الْمُقَيَّدُ بِالظُّرُوفِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا اضْرِبْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَيْسَ الْمَظْرُوفُ فِعْلَ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ نَاجِزٌ قَبْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَإِنَّمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ظَرْفٌ لِلضَّرْبِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ جَعَلْنَا لَك حِلًّا هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ مَاضِيَاتٍ كُنَّ أَوْ مُسْتَقْبِلَاتٍ؛ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك كَذَلِكَ، وَبَنَاتِ عَمِّك إلَى آخِرِهَا كَذَلِكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً مِنْ صِفَتِهَا كَذَا، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أُبِيحَتْ لَك فُلَانَةُ إنْ تَزَوَّجْتهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ. وَمِنْ هُنَا وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ نَشَأَ الْخِلَافُ فِي بِعْتُك إنْ شِئْت، فَقِيلَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يُعَلَّقُ؛ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ تَعْلِيقُ الْمَبِيعِ الْإِنْشَائِيِّ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، إمَّا لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت فَاقْبَلْ فَلَا يَكُونُ " بِعْتُك " جَوَابًا وَلَا دَلِيلَ الْجَوَابِ، وَأَمَّا لِأَنَّ مَعْنَاهُ بِعْتُك بَيْعًا تَامًّا، وَتَمَامُ الْبَيْعِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَبُولِ. فَيَكُونُ " بِعْتُك " الْمُتَقَدِّمُ جَوَابًا وَدَلِيلَ الْجَوَابِ
[ ١ / ٨٦ ]
بِهَذَا الْمَعْنَى. وَإِمَّا لِأَنَّ " بِعْتُك " الْإِنْشَائِيَّ فِي مَعْنَى جَعَلْتُهُ مَبِيعًا مِنْك، وَصَيْرُورَتُهُ مَبِيعًا مِنْهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَشِيئَتِهِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ فِيمَا فُهِمَ مِنْ " بِعْتُك " لَا فِي " بِعْتُك " كَمَا كَانَ الشَّرْطُ فِي الْآيَةِ فِيمَا فُهِمَ مِنْ الْإِحْلَالِ وَهُوَ الْحِلُّ؛ لَا فِي نَفْسِ الْإِحْلَالِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ " بِعْتُك إنْ شِئْت " وَهُوَ أَصْعَبُ مِنْ " أَحْلَلْنَا " لِأَنَّ " بِعْتُك " لَفْظٌ وَاحِدٌ لَا يَنْحَلُّ إلَى الْعَطِرِ بِخِلَافِ " أَحْلَلْنَا " فَإِنَّهَا الْحِلُّ الْأَصْلِيُّ الَّذِي هُوَ نَاشِئٌ عَنْ الْإِحْلَالِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْهَمْزَةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى " حَلَّ " فَلَمْ يَكُنْ اخْتِصَاصُ الْحِلِّ بِالشَّرْطِ بَعِيدًا فِي تَقْدِيرِ الْعَرَبِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ انْتَهَى.