(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ - ﵀ -: قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَعْنِي وَاَلَّذِي هَذِهِ صِفَاتُهُ وَأَحْوَالُهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِالْحَقِّ وَكَذَا قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ فِي خُصُوصِ الْكَلَامِ، وَفَكَّرْت فِيهِ فَوَجَدْت لَهُ طَرِيقِينَ:
(أَحَدُهُمَا) مَفْهُومُ الصِّفَةِ فَإِنَّ السَّيِّئَ مَوْصُوفٌ بِالْحَقِّ وَغَيْرِهِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ أَوْ الْقَضَاءِ وَتَخْصِيصُهُ بِإِحْدَى صِفَتَيْ الذَّاتِ يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَهَذَا مُطَّرَدٌ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ كَلَامٍ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي - وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُورَةِ غَافِرِ - أَنَّ مَنْ
[ ١ / ١١٤ ]
هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِالْحَقِّ فَهَذَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ وَيَطَّرِدُ حَيْثُ ذُكِرَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ سَبَبُهُ أَخْذَ ذَلِكَ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ لَيُشْعِرَ بِالْعِلَّةِ؛ وَحَيْثُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ يُوجَدُ الْمَعْلُولُ؛ وَحَيْثُ وُجِدَ الْمَعْلُولُ يَنْتَفِي ضِدُّهُ.
وَهَذَا مَعْنَى الْحَصْرِ، وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي مَادَّةٍ يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى اسْمٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى مَعْنًى يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ. فَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ تُفِيدَانِ الْمَقْصُودَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ هَذَا الْحَصْرُ. وَأَمَّا مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَحَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فَإِنَّمَا يُفِيدُ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الْمَخْبَرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ بِقَوْلٍ أَوْ بِنَصٍّ، فَذَاكَ حَصْرٌ غَيْرُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.