وَقَالَ - ﵀ - قَوْله تَعَالَى (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وَقَدْ بَيَّنَ صَاحِبُ دُرَّةِ التَّنْزِيلِ أَنَّ الْعَادَةَ فِي الدُّنْيَا مَنْ وَقَعَ فِي شِدَّةٍ لَهُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ، الْأُولَى أَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ الشَّفَاعَةُ وَالْفِدَاءُ؛ وَالرَّابِعُ إذَا يَئِسَ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِغَيْرِ حِيلَةٍ مِنْهُ فَبَيَّنَ اللَّهُ نَفْيَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْآخِرَةِ وَتَطَابَقَتْ الْآيَتَانِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَوْلَى وَتَأْخِيرِ الرَّابِعَةِ، وَاخْتَلَفَتَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ تَارَةً يَبْدَءُونَ بِالشَّفِيعِ قَبْلَ الْفِدَاءِ، وَتَارَةً عَكْسُهُ؛ وَلَمْ يُبَيِّنْ صَاحِبُ الدُّرَّةِ مُنَاسَبَةَ خُصُوصِ كُلِّ آيَةٍ لِمَا جَاءَتْ بِهِ، وَخَطَرَ لِي أَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمَّا قَدَّمَ أَمْرَهُمْ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَالْمَأْمُورُ بِالْبِرِّ قَدْ يَشْفَعُ، فَقُدِّمَتْ الشَّفَاعَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَيْسَ إلَّا حَالُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَدَّمَ الْفِدَاءَ؛ وَهُوَ الْعَدْلُ، وَجَاءَتْ عَلَى وَجْهٍ أَبْلَغَ مِنْ الْأُولَى، كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْمَوَاعِظِ، وَوَجْهُ الْأَبْلَغِيَّةِ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْأَخْذِ لِلْعَدْلِ، وَعَدَمُ نَفْيِ الشَّفَاعَةِ يَسْتَلْزِمُ قَبُولَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[ ١ / ٢٠ ]
آيَةٌ)
وَقَالَ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] مُنَاسَبَةُ ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] إنَّ الَّذِينَ فَعَلُوهُ مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّ أَمْرَهُمْ النَّاسَ بِالْبِرِّ يَقْتَضِي أَنْ يَبْدَءُوا بِأَنْفُسِهِمْ فَنِسْيَانُهَا مُنَاقِضٌ لِلْأَمْرِ، وَكِلَاهُمَا أَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُنَاقِضٌ لِتِلَاوَتِهِمْ الْكِتَابَ لِأَنَّ تِلَاوَةَ الْكِتَابِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْسَوْا أَنْفُسَهُمْ وَلَا يُنَاقِضُوا أَفْعَالَهُمْ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] إلَى قُبْحِ حَالِهِمْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] إلَى خُرُوجِهِمْ عَنْ مُقْتَضَى الْعَقْلِ بِجَمْعِهِمْ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ مُسْتَحِيلٌ فِي الْعَقْلِ وَمُسْتَحِيلٌ فِي الشَّرْعِ أَيْضًا، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي. مِنْ أَنَّ التَّنَاقُضَ إنَّمَا ثَبَتَتْ اسْتِحَالَتُهُ فِي الْعَقْلِ لَا فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْ هَذَا الْفَقِيهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا اسْتَحَالَ فِي الْعَقْلِ اسْتَحَالَ فِي الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَقَالَ - ﵁ -: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] نَكَّرَ الْحَيَاةَ لِإِرَادَةٍ أَيْسَرَ مَا يَكُونُ مِنْهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَحْرَصُ الْخَلْقِ عَلَى أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَيَاةِ، فَمَا ظَنُّك بِالْكَثِيرَةِ مِنْهَا، فَكَيْفَ يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ؟ وَالزَّمَخْشَرِيُّ ادَّعَى أَنَّهُ نَكَّرَ لِإِرَادَةِ حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَبْلَعُ وَأَحْسَنُ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] فَإِنَّهُ إذَا وَدَّ الْيَسِيرَ مِنْهَا وَدَّ الْكَثِيرَ بِطَرِيقٍ أَوْلَى انْتَهَى.