(آيَةٌ أُخْرَى)
قَالَ - ﵀ -: قَوْله تَعَالَى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْخَائِنَةُ صِفَةٌ لِلنَّظْرَةِ أَوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخِيَانَةِ كَالْعَافِيَةِ بِمَعْنَى الْمُعَافَاةِ وَالْمُرَادُ اسْتِرَاقُ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الرَّيْبِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُرَادَ الْخَائِنَةُ مِنْ الْأَعْيُنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلَى مَا لَا يَحِلُّ وَافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَةِ الْغَرِيبِ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَإِنْ قَالَاهُ هُمَا وَغَيْرُهُمَا لِقَوْلِهِ - ﷺ - «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ لَمَّا أَهْدَرَ دَمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَأَتَاهُ بِهِ عُثْمَانُ أَوْقَفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَعْطَفَهُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ عَفَا عَنْهُ حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ. فَانْصَرَفَ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَّا أَوْمَأْت إلَيْنَا؟ فَقَالَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» فَانْظُرْ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ كَانَ قَتْلُهُ حَلَالًا وَلَوْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَوْمَأَ إلَى مَا يَحِلُّ لَا إلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ لَا يُبْطِنُونَ خِلَافَ مَا يُظْهِرُونَ فَكَانَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَهُوَ حَلَالٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ هِيَ النَّظْرَةُ إلَى مَا لَا يَحِلُّ كَانَتْ حَرَامًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ الْخَصَائِصِ فَلَمَّا كَانَتْ مِنْ الْخَصَائِصِ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا قَالَ
[ ١ / ١١٣ ]
الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وَإِنَّمَا هِيَ الْإِيمَاءُ إلَى مَا لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ الْمُومَأُ فِي حَقِّهِ، وَلَعَلَّ تَسْمِيَتَهَا خَائِنَةً لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُجَالَسَةِ وَالْمُكَالَمَةِ الْمُصَافَاةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَاسْتِوَاءُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حَقِّ الْمُتَجَالِسِينَ وَالْمُتَخَاطَبِينَ أَمْرٌ يَقْتَضِيهِ أَدَبُ الصُّحْبَةِ وَالْمُجَالَسَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَكَأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَمُخَالَفَةٌ الْأَمَانَةِ خِيَانَةٌ. وَلَيْسَ كُلُّ خِيَانَةٍ حَرَامًا. فَإِنَّ الْأَمَانَةَ تَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ، فَكَذَلِكَ تَنْقَسِمُ الْخِيَانَةُ إلَى حَرَامٍ وَمَكْرُوهٍ وَخِلَافُ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ تَكُونُ حَرَامًا فِي حَقِّكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَحُجَّهُمْ إلَى ذَلِكَ. فَاسْتَوَتْ بَوَاطِنُهُمْ وَظَوَاهِرُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ بِأَنَّ اسْتِرَاقَ النَّظَرِ فَوْقَ حَدِّ التَّكْلِيفِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَكَانَ غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِالْحُرْمَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمَّا افْتَرَقَ الْحَالُ فِيهِ وَجُعِلَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ حَرَامًا وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ حَلَالًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَحَلِّ التَّكْلِيفِ وَالْقُدْرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَلَا يَحْسُنُ إلَى آخِرِهِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لِعَطْفِ الْعَرَضِ عَلَى الْجَوْهَرِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْعَرَضَ يُعْطَفُ عَلَى الْجَوْهَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وَقِيلَ لِيَشْمَلَ أَدَقَّ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَهُوَ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَعْلَاهَا وَأَدَقُّ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَهُوَ مَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ تَنْبِيهًا عَلَى مَا فِيهَا، وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ، لَكِنْ لَا يَكْفِي وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيمَا أَشَارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ النَّظْرَةَ الْخَائِنَةَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا مَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَسَبَبُهَا الْحَامِلُ عَلَيْهَا الَّذِي هُوَ أَخْفَى مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَخْفَى هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا مَعْنَى مُسَاعِدَتِهِ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِهِ بِخِلَافِ كَوْنِهِ عَرَضًا مَعَ جَوَاهِرَ أَوْ فِعْلِ قَلْبٍ مَعَ فِعْلِ جَارِحَةٍ فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَامٌّ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ وَإِنَّ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ هِيَ الَّتِي تَنْظُرُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي سَوَاءٌ أَكَانَتْ سِرًّا أَمْ جَهْرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادُ بَلْ الْمُرَادُ الْأَسْرَارُ انْتَهَى.