(كِتَابُ الضَّحَايَا) (مَسْأَلَةٌ) إذَا أَهْدَى الْمُضَحِّي مِنْ أُضْحِيَّةٍ إلَى غَنِيٍّ شَيْئًا هَلْ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى غَيْرِهِ؟ إنْ قُلْتُمْ: يَجُوزُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَ الْأَغْنِيَاءَ؟
(الْجَوَابُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - ﵀ -: الْأَصْلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَلَكِنِّي قَرَّرْتُهُ تَفَقُّهًا لَمَّا رَأَيْت الْمَسَائِلَ لَا تَسْتَمِرُّ إلَّا عَلَيْهِ، وَالْقَوَاعِدَ، وَالْأَدِلَّةَ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّ أُضْحِيَّةَ التَّطَوُّعِ يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا بِالذَّبْحِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَصْرِفُهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفُقَرَاءُ تَمْلِيكًا، وَالثَّانِي: الْأَغْنِيَاءُ انْتِفَاعًا، وَالْمُضَحِّي أَحَدُهُمْ، وَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِسْمَتُهُ وَتَفْرِقَتُهُ، فَإِنَّ الْمُضَحِّيَ يَتَقَرَّبُ بِأُضْحِيَّتِهِ بِالذَّبْحِ، وَبِذَلِكَ تَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهَا، وَإِنْ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ
فَإِذَا أَعْطَى مِنْهَا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ تَمْلِيكًا وَلَيْسَ الْمَعْنَى يُمَلِّكُهُمْ بَلْ يُعْطِيهِمْ كَمَا يُعْطِيهِمْ لِلزَّكَاةِ فَيَمْلِكُونَهَا مِلْكًا تَامًّا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ بِهَا، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ التَّامُّ إلَّا بِالتَّمْلِيكِ التَّامِّ فِي ذَلِكَ لِيَنْتَفِعُوا بِهَا وَبِثَمَنِهَا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُمَلِّكُ الْفُقَرَاءَ أَنَّهُ يُعْطِي لَهُمْ وَيُسَلِّطُهُمْ تَسْلِيطًا تَامًّا عَلَيْهَا، وَإِذَا أَكَلَ هُوَ مِنْهَا يَأْكُلُهَا وَلَيْسَتْ عَلَى مِلْكِهِ بَلْ الْإِذْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا أَهْدَى مِنْهَا إلَى غَنِيٍّ فَقَدْ أَحَلَّ ذَلِكَ الْغَنِيَّ مَحَلَّهُ وَرَفَعَ يَدَهُ عَمَّا أَهْدَاهُ لَهُ، فَلِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيُهْدِيَ أَيْضًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي هِيَ التَّمْلِيكُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ رَفْعُ يَدِهِ وَتَسْلِيطُ غَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مِلْكٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ لِكَوْنِهِ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْهَا لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْهَا الْفُقَرَاءُ، فَمَقْصُودُ الْأُضْحِيَّةِ تَمْلِيكُ الْفُقَرَاءِ، وَالْإِبَاحَةُ لِلْمُضَحِّي، وَالْأَغْنِيَاءِ هَذِهِ حَقِيقَتُهَا.
وَقَدْ نَشَأَ لَنَا مِنْ هَذَا فَرْعَانِ لَمْ أَرَ فِيهِمَا نَقْلًا إلَى الْآنَ: أَحَدُهُمَا: لَوْ مَاتَ الْمُضَحِّي وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ وَأَهْدَاهُ، فَمُقْتَضَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ عَنْهُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِوَارِثِهِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ، وَالتَّفْرِقَةِ كَمَا كَانَ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ لِلْوَارِثِ
[ ١ / ٢٩٠ ]
ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ هُوَ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُوَرَّثُ الْحُقُوقُ التَّابِعَةُ لِلْأَمْوَالِ كَالْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ، وَاَلَّتِي يَحْصُلُ بِهَا سَعْيٌ، أَوْ دَفْعُ عَارٍ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَهَذَا الْحَقُّ نِيَابَةٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِسْمَةِ، وَالتَّفْرِقَةِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمِيرَاثِ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ وَتَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَارِثِ.
(الْفَرْعُ الثَّانِي)، وَقَدْ فَكَّرَتْ فِيهِ الْآنَ لِقَصْدِ الْأُضْحِيَّةِ عَنْ وَالِدِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَبَرْدِ مَضْجَعِهِمَا أَنَّهُ إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّضْحِيَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فَيُضَحِّي الْوَارِثُ عَنْ مُوَرِّثِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمُضَحِّيَ أَوْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ إنْ قُلْنَا: هَذَا الْحَقُّ يُوَرَّثُ فَيَكُونُ لِلْوَارِثِ مَا لِلْمُوَرِّثِ مِنْ الْأَكْلِ، وَالتَّفْرِقَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَالْفُقَرَاءِ، فَإِنَّ نِسْبَتَهُ إلَى الْأَكْلِ كَنِسْبَةِ سَائِرِ النَّاسِ، وَوِلَايَةُ التَّفْرِقَةِ مَقْرُونَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُضَحِّي عَنْ الْمَيِّتِ أَمْ كَانَ الْمَيِّتُ، وَمَنْ ضَحَّى ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ التَّفْرِقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.