بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ - ﵀ - وَرَضِيَ عَنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " وَكُلُّ الْمَاءِ طَهُورٌ مَا لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ " لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُتَغَيِّرُ تَغَيُّرًا كَثِيرًا بِطَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ، وَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا بِمَا لَا يَسْلُبُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ طَهُورٌ، خِلَافًا لِلْعِرَاقِيِّينَ؛ وَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ وَمَنْ يَمْنَعُهُ يَعْتَذِرُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّافِعِيِّ غَيْرُهُ؛ وَقَدْ يُورِدُ عَلَيْهِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ وَمَا خَالَطَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَالَطَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ كَثِيرًا إلَّا أَنْ نَقُولَ بِوُجُوبِ التَّبَاعُدِ فَلَا يَرِدُ شَيْءٌ وَهُوَ الْجَدِيدُ وَالْأُمُّ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَحَ عَلَى هَذَا وَمَا جَاوَزَ الْقُلَّتَيْنِ يَمْنَعُ أَنَّ مُخَالَطَتَهُ لِلنَّجَاسَةِ وَيَكُونُ حَدُّ الْقُلَّتَيْنِ فَاصِلًا ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ " الْمَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا يُنَجَّسُ إلَّا بِنَجَسٍ يُخَالِطُهُ " وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْمُجَاوِرِ وَيُجَابُ بِمَا سَبَقَ انْتَهَى. نَقْلٌ مِنْ خَطِّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ جُنُبٌ وَفِي ظَهْرِهِ جِرَاحٌ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَرِيحِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ، فَجَاءَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا، فَهَلَّا تَيَمَّمَ لِحَقِّ الْجِرَاحَةِ الَّتِي فِي ظَهْرِهِ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ أَمْ لَا؟
(الْجَوَابُ) الْأَصْلُ الْمُقَرَّرُ أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنْ الْحَدَثِ وَعَنْ الْجَنَابَةِ لَا يُبِيحُ إلَّا صَلَاةَ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْمَذْكُورُ اسْتَفَادَ بِتَيَمُّمِهِ اسْتِبَاحَةَ فَرِيضَةٍ وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا أَحْدَثَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النَّفَلُ مُضَافًا إلَى امْتِنَاعِ الْفَرْضِ؛ فَإِذَا تَوَضَّأَ عَادَ إلَى حَالَتِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ، وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ فَقَطْ وَامْتِنَاعُ الْفَرْضِ حَتَّى يَتَيَمَّمَ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ؛ أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا حَصَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى يُعِيدُ التَّيَمُّمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
[ ١ / ١٢٦ ]
وَبَقِيَّةُ الْأَصْحَابِ كَلَامُهُمْ يَقْتَضِيهِ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ، وَقَدْ نَصَّ الْجُرْجَانِيُّ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إذَا تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَأَدَّى بِهِ الْفَرْضَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ وَلَا يَكْفِيهِ لِلْجَنَابَةِ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لِلْحَدَثِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ فَلْيَسْتَعْمِلْهُ وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَنَفَّلَ، وَيَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ لِلنَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ، فَوُضُوءُهُ يَرْفَعُ حَدَثَهُ الطَّارِئَ فَيَعُودُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ مَمْنُوعًا مِنْ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْفَرْضَ تَيَمَّمَ لَهُ. قَالَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ شَاذَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا هُوَ وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مُحْدِثٌ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ لِلْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. انْتَهَى كَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ
وَهِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا إلَّا أَنَّهَا فِي عَدَمِ الْمَاءِ وَمَسْأَلَتِنَا فِي الْجِرَاحَةِ وَلَا فَرْقَ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ إذَا كَانَ جُنُبًا وَالْجِرَاحَةُ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَغَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ لِلْجَرِيحِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً لَزِمَهُ الْوُضُوءُ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَدَثُ وَهَذَا الْوُضُوءُ يُبِيحُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدَثِ وَقَدْ كَانَا مُبَاحَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الْحَدَثِ وَلَكِنْ بِالْحَدَثِ امْتَنَعَ فِعْلُهُمَا فَبِالْوُضُوءِ يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الْمَنْعُ وَيَرْجِعُ إلَى حُكْمِهِ قَبْلَ الْحَدَثِ وَهُوَ اسْتِبَاحَتُهَا وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ عَقِيبَ ذَلِكَ وَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلنَّافِلَةِ وَلَا يَتَيَمَّمُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجُرْجَانِيِّ أَعْنِي نَظِيرَتَهَا فَهَذَا الْوُضُوءُ يُبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ إلَى حَالَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ الْحَدَثِ وَهُوَ كَانَ يَسْتَبِيحُ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ.
وَسَكَتَ النَّوَوِيُّ عَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضًا وَوَجَبَ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ لِطَهُورِهِ وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ: وَكَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا. فَيُوهِمُ أَنَّ الْفَرَائِضَ كُلَّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ النَّافِلَةِ، وَأَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ يَتَوَضَّأُ لَهَا وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ؛ فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقَالَ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا مِنْ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، بَلْ الْوَطْءُ عَلَى رَأْيٍ إذَا تَيَمَّمَتْ الْحَائِضُ وَوَطِئَهَا فَفِي وَجْهٍ يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ التَّيَمُّمِ كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: كُلَّمَا تَيَمَّمَتْ وَتَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ فَرْضًا ثُمَّ أَحْدَثَتْ بَعْدَهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مِنْ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِلنَّافِلَةِ وَلَا تَتَيَمَّمُ أَيْ لِلنَّافِلَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. .