٦ - مسألة: إِذا صلى على جنازة حصل له قيراطٌ من الأجر، كما ثبت في الصحيحين، فإذا صلى عليها ثم تبعها، ودام معها حتى تُدفنَ حصل له قيراطان (١)، كما ثبت في الصحيحين، ولا يقال: يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط، وإِنما يحصل قيراطان كما ذكرته، وطرق الأحاديث توضحه. ومما يحصل به القيراط الثاني: ثلاثة أوجه -حكاه السرخسي وآخرون من أصحابنا-:
١ - أصحها: عند صاحب الحاوي والمحققين: أنه لا يحصُل إلا بالفراغ من الدفن.
٢ - والثاني: يحصُل بالمواراة باللّبن. وإن لم يُهل عليه الترابُ، قاله القفال والمروزي، واختاره إِمامُ الحرمين.
٣ - والثالث: إِذا وضع في اللحد فقط قبل نصب اللّبن، ويحتج لقول القفال، وللثالث: بحديث في صحيح مسلم: أن النبي ﵌ قال: "مَنْ صَلى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قيراطٌ، وَمَنِ اتَّبعَهَا حتَى تُوضَعَ في القبر (٢) فَلَه قِيرَاطانِ"، وفي رواية: "حتى توضعَ في اللَّحد".
_________________
(١) = ٢ - وشهيد دنيا: هو من قاتل رياء، أو للغنيمة.
(٢) وشهيد دنيا وآخرة: هو من قاتل لله. فالأول يغسل ويصلى عليه، والآخران لا يغسلان ولا يصلى عليهما. وعن أنس ﵁ أن شهداء أُحُد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصلَّ عليهم. رواه أحمد وأبو داود والترمذي. كتبه محمد.
(٣) وفي حديث أبي زيد: "سَتَفْتَحونَ أرْضًا يُذْكَرُ فيها القِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بأهلِها خَيْرًا فإنَّ لهم ذمةً وَرِحَمًا". والقيراط: جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين. اهـ. من النهاية. كتبه محمد.
(٤) نسخة "أ": في اللحد.
[ ٧٩ ]
وُيحتج للأول برواية البخاري ومسلم في هذا الحديث الشريف: "وَمَنْ تَبِعَهَا حَتى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنها فلهُ قِيراطَانِ" وفي رواية مسلم: "حَتى يُفْرَغَ منهَا". ويتأول رواية: "حتى توضع في القبر، أو في اللحد" على أن المراد وضعُها مع الفراغ، وتكون الِإشارة إِلى أنه ينبغي أن لا يرجع قبل وصولها إِلى (١) القبر، "والصحيح" المختار: أنه لا يحصُل إِلا بالفراغ من إِهالة التراب وتتميم الدفن، فالحاصل أن للانصراف عن الجنازة أربعة أحوالٍ:
١ - الأول: أن ينصرف عقب الصلاة.
٢ - والثاني: أن ينصرف عقب وضعها في اللحد وسترها باللّبن قبل إِهالة التراب.
٣ - والثالث: أن ينصرف بعد إهالة التراب وفراغ القبر.
٤ - والرابع: أن يمكث عقب الفراغ، ويستغفرَ للميت، ويدعو له، ويسألَ الله تعالى له التثبيتَ.
والرابع: أكمل الأحوال، والثالث: يُحَصّلُ القيراطين، ولا يحصله الثاني على الأصح، وَيَحْصُلُ بالأول قيراطٌ فقط بلا خلاف، والله أعلم.