وفيه ثمان وثلاثون مسألة
١ - مسألة: هل ثبت أن النبي -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- صلى بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- (٢) ليلة الِإسراء ببيت المقدس أم لا؟ وهل كانت الصلاة وجبت؟ وهل هي (٣) الصلاة المعهودة أم الدعاء؟ وهل كان الِإسراء في المنام أم في اليقظه؟ وهل كان مرةً أو مرتين؟ وهل رأى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ربَّه ﷾ ليلةَ الِإسراء بعيني رأسِه أم لا؟ ومتى كان الِإسراء؟.
الجواب: نعم؛ ثبت أن نبينا ﵌ صلى بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ليلةَ الِإسراء ببيت المقدس، ثم يحتمل أنه كانت الصلاة قبلَ صعوده إلى السماء، وُيحْتَمَلُ أنها بعد نزوله منها.
واختلف العلماء في هذه الصلاة.
فقيل: إِنها الصلاةُ اللغويةُ، وهي الدعاء والذكر.
وقيل: هي الصلاة المعروفة وهذا أصح (٤)؛ لأن اللفظ يُحمل على
_________________
(١) هي لغة: الدعاء. وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير المقرون بالنية، مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة. فأقوالها الواجبة خمسة، وأفعالها ثمانية مذكورة بالمطولات.
(٢) نسخة "أ": بدون "أجمعين".
(٣) نسخة "أ": هذه بعد هي.
(٤) نسخة "أ": الأصح.
[ ٣٥ ]
حقيقته الشرعية قبل اللغوية، وإِنما نحمله على اللغوية إِذا تعذر حمله على الشرعية ولم يتعذر هنا؟ فوجب الحمل على الصلاة الشرعية.
وكانت الصلاة واجبةً قبل (١) ليلة الإِسراء، وكان الواجبُ قيامَ بعض الليل كما نص الله ﷾ عليه في سورة المزمل، وكان الواجبُ أولًا ما ذكره (٢) الله ﷾ في أول السورة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ (٣) ثم نسخ ذلك بعد سنةٍ بما ذكره (٤) الله تعالى في آخر السورة بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٥) ثم نسخ قيام الليل ليلةَ الِإسراء ووجبت فيها الصلوات الخمس (٦).
وكان (٧) الِإسراء سنة خمس أو ست من النبوة، وقيل سنة اثنتي (٨) عشرة منها، وقيل بعد سنة وثلاثة أشهر منها، وقيل غير ذلك، وكانت ليلةَ السابع والعشرين من شهر (٩) ربيع الأول.
وكان الِإسراء به - ﷺ - مرتين:
١ - مرة في المنام.
_________________
(١) نسخة "أ": بدون لفظ "قبل".
(٢) نسخة "أ": ما ذكر.
(٣) سورة المزمل: الآية ١ - ٤.
(٤) نسخة "أ": بما ذكر.
(٥) سورة المزمل: الآية ٢٠.
(٦) والحكمة في وقوع فرضها تلك الليلة أنه ﵊ لما قدَّس ظاهرًا وباطنًا؛ حيث غسل بماء زمزم، وملىء بالإيمان والحكمة ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهر؛ ناسب ذلك أن تُفرض فيها، ولم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من قيام الليل من غير تحديد، وذهب بعضهم: إلى أنها كانت مفروضة. ونقل الشافعي عن بعض أهل العلم: أنها كانت مفروضة ثم نسخت. اهـ. بجيرمي بتصرف.
(٧) نسخة "أ": وكانت ليلة.
(٨) نسخة "أ": اثني عشر منه.
(٩) نسخة "أ": من ربيع بدون شهر.
[ ٣٦ ]
٢ - ومرة في اليقظة.
ورأى -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- ربه ﷾ ليلة الِإسراء بعيني رأسه، هذا هو الصحيح الذي قاله ابن عباس، وأكثر الصحابة والعلماء ﵃ أجمعين.
ومنعته عائشة وطائفة من العلماء -﵃ أجمعين- وليس للمانعين دليل ظاهر، وإِنما احتجت عائشة بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١) وأجاب الجمهور عنه بأن الإِدراك هو الِإحاطة والله تعالى لا
_________________
(١) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن ناسًا قالوا: يا رسول الله نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هل تضارُّونَ في رؤية القمرِ ليلةَ البدر"؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونَها سحابٌ". قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه كذا" رواه البخاري ومسلم. وعن صهيب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﷿: تريدون شيئًا أزيدكم؟. فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار؟. قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم. ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. رواه مسلم والترمذي والنسائي. وعن مسروق قال قلت لعائشة: يا أماه هل رأى محمد ربه؟. فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب:
(٢) من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب ثم قرأتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
(٣) ومن حدثك أنهِ يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. =
[ ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣ - ومن حدثك أن محمدًا كتم أمرًا فقد كذب، ثم قرأتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجاه في الصحيحين. وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربًك؟ قال: "نورٌ أَنَّى أراه؟ ". انظر الخازن ٦/ ٢١٥. فأجْمَعُ مَنْ كتب وأوسع من نقل في رؤية النبي ربَّه المؤلفُ ﵀ في شرحه على مسلم فقد ذكر أقوال الفريقين وحجة كلٍ منهما. وهكذا قد دلت الأخبار المتضافرة، والآثار الصحيحة، على أن رؤية الله في الجنة ثابتة، وفسر الجمهور قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بأن الزيادة هي النظر إلى وجهه تعالى. وأما المعقول: فنقول: إن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف فانصرفت إلى المعهود السابق وهو الجنة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، فثبت بهذا أن المراد في لفظة الحسنى هي الجنة، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرًا مغايرًا لكل ما في الجنة من النعيم، وإلا لزم التكرار، وإذا كان كذلك؛ وجب حمل الزيادة على رؤية الله تعالى. ومما يؤكد هذا قوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فأثبت لأهل الجنة أمرين: أحدهما النضارة، وهو حسن الوجوه وذلك من نعيم الجنة. والثاني النظر إلى وجه الله تعالى. وقالت المعتزلة: لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية لأن الدلائل العقلية، دلت على أن رؤية الله ممتنعة، ولأن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله تعالى ليس جنسًا من جنس نعيم الجنة، إلا أن الجمهور قد ردوا هذه الشبهة بأدلة عقلية أيضًا مع الأدلة النقلية. اهـ. باختصار انظر الخازن ٣/ ١٥٢ من سورة يونس فقد بسط هذا الموضوع بسطًا جيدًا، وفتحه فتحًا علميًا مفيدًا. أقول: ولا يحسن بنا ونحن في أحرج الظروف أن تكون المعركة حاميةً بين المثبت =
[ ٣٨ ]
يُحاط به؛ لكن يراه المؤمنون في الدار الآخرة بغير إِحاطة وكذلك رآه رسول الله ﵌ ليلة الِإسراء.
٢ - مسألة: قال لأمَتِه إِن صليتِ صلاةً صحيحةً فأنتِ حرةٌ قبلها؛ فصلت مكشوفة الرأسِ صحت صلاتها، ولم تَعْتقُ إِن صلت وهي قادرة على السترة، لأنها لو عتقت "لكان (١) عتقها" قبل الصلاة لم تصح؛ لأنها (٢) مكشوفةُ الرأس مع إِمكان السترة، وإِذا لم تصح لم تعتق، فإثبات العتق يؤدي إلى إبطاله، وإبطالِ الصلاة فأبطلناه وحده كما تقرر في نظائره من مسائل الدور (٣).
وأما إذا عَجزتْ عن تحصيل السترة، فصلت مكشوفة الرأس، فتصح صلاتها وتعتق. لأن (٤) الحرة تصح صلاتُها مكشوفة الرأس عند العجز، والله أعلم.
٣ - مسألة: لو كبر للإحرام بالصلاة، ثم كبر ثانية وثالثة وأكثر، فإن قصد بما سوى الأولى الذكر، أو لم يقصد شيئًا لم تبطل صلاته، ولا يضره.
وإِن قطع الصلاة بعد التكبيرة الأولى أو غيرها، ثم نوى وكبر انعقدت بالثانية.
وإن قصد بكل واحدة من تكبيراته تكبيرةَ الإحرام، انعقدت صلاته بالأوتار، وتبطل (٥) بالأشفاع.
_________________
(١) = والمنفي. وينشق المسلمون على إثر هذا، ويُحمل في القلوب التنافر والأحقاد، مع التضليل والتخطيء. والأمة غارقة في الكبائر، وخارجة عن جادة الصواب. كتبه محمد.
(٢) نسخة "أ": بدون "لكان عتقها".
(٣) نسخة "أ": من المسائل الدورية.
(٤) نسخة "أ": بدون "لأنها".
(٥) قوله: لأن الحرة إلخ زائدة عن نسخة "أ".
(٦) نسخة "أ": ولا تنعقد.
[ ٣٩ ]
فإن انتهى إلى وتر فصلاته صحيحة مجزئة، وإِن انتهى إِلى شفع، لم تصح صلاته؛ لأنها تنعقد بالأولى.
فإِذا كبر الثانية بنية الِإحرام، تضمن إِبطالَ الأولى والدخول في الصلاة، والتكبيرةُ الواحدة لا تَصلح لقطع (١) الصلاة وعقدها فتبطل صلاته.
فإذا كبر الثالثة انعقدت لأنه ليس في صلاة، وإِذا كبر الرابعة بطلت صلاته لما ذكرناه في الثانية، فإِذا كبر الخامسة انعقدت لما ذكرناه في الثالثة، وهكذا أبدًا، وهذا لا خلافَ فيه بينَ أصحابنا.