(سئل) فيما نقل في تفسير قوله تعالى ﷻ وعظم سلطانه: ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن هذا الكلام مرتب على ما أنعم الله تعالى به من النعم العظام التي هي من المعجزات الفخام على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا﴾ أي: على سائر الأنبياء، وهو ما ذكر بعد أو سائر الناس، فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن ﴿يا جبال أوبي معه﴾ رجعي بعد التسبيح ﴿والطير﴾، فيكون المعنى: ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال وتأويب الطير، فيدل هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبر سلطانه حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها ﴿وألنا له الحديد﴾ جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق ﴿أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾ في نسجها ﴿واعملوا صالحا﴾ الضمير لداود وأهله ﴿إني بما تعملون بصير﴾ ﴿ولسليمان الريح﴾ أي: وسخرنا له الريح، وهو من جملة الفضل الذي أعطيه داود، ولذلك لم يقل: ولقد آتينا سليمان منا فضلا كما قال لأبيه ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر والعشي كذلك ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ النحاس المذاب، وكان ذلك باليمن ينبع نبع الماء ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه﴾ عطف على الريح ﴿بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾ ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب﴾ قصورا حصينة ومساكن شريفة ﴿وتماثيل﴾ وصورا وتماثيل للملائكة ﴿وجفان﴾ صحاف ﴿كالجواب﴾ كالحياض الكبار ﴿وقدور راسيات﴾ ثابتات، فلما ذكر الله تعالى هذه المنن لداود التي لم ينلها غيره من تأويب الجبال والطير وإلانة الحديد والمنن التي أعطيها سليمان ﵊ التي لم يعطها غيره من الريح وعين القطر وتسخير الجن، قال تعالى لداود وآله من سليمان وبقية ذريته: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ و﴿شكرا﴾ نصب على المفعول لأجله أي: لأجل أن تكونوا شاكرين أي: اعملوا له واعبدوه شكرا على ما أنعم به عليكم بما لم ينعم به
[ ١ / ٣٣ ]
على أحد قبلكم ولا أحد بعدكم؛ لأن الحمد إذا وقع في مقابلة النعم كان شكرا، قال تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ والمتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفى حقه؛ لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، قال الشاعر:
كلما قلت أعتق الشكر رقي صيرتني لك المكارم عبدا
أين عمر الزمان حتى أؤدي شكر حسناتك الذي لا يؤدا
ولهذا قال السبكي أول متن جمع الجوامع: نحمدك اللهم على نعم يؤذن الحمد بازديادها أي
: الحمد عليك يعلم بزيادتها؛ لأنه متوقف على الإلهام له والإقدار عليه، وهما من جملة النعم، فيقتضيان الحمد، وهو مؤذن بالزيادة المقتضية للحمد أيضا، وهلم جرا، فلا غاية للنعم حتى يوقف بالحمد عليها، ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. قال جعفر بن سليمان كان داود نبي الله - ﷺ - قد جزَّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود يصلي. وقوله: ولذلك قيل إلخ، أشار به إلى ما ذكره الغزالي في الإحياء أن داود ﵇ قال في مناجاته: يا رب إذا كان إلهامك للشكر وإقدارك عليه نعمة فكيف يتأتى لي شكرك؟ فقال: يا داود، إذا عرفت هذا فقد شكرتني، ونظم بعضهم هذا المعنى فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة على له لي مثلها يجب الشكر
\٥٠
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر
\٥٠
إذا مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
\٥٠
ولما كان الشكر عرفا صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه لما خلق لأجله من السمع والبصر والعلم والمال والجاه وغيرها، فإن قلنا: إنه يصرف ذلك في وقت واحد لما خلق لأجله كان ذلك في غاية العسر، وإن قلنا في أوقات مختلفة أمكن ذلك، ويدل له ما مر عن داود ﵇، وقد قال أهل الأصول: شكر النعم واجب بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة، قال المحلي: أي الثناء على الله تعالى لإنعامه بالخلق والرزق والصحة وغيرها بالقلب بأن يعتقد أنه تعالى وليها أو اللسان بأن يتحدث بها أو غيره كأن يخضع له تعالى، وهذا منه بناء على أن المراد بالشكر في كلامهم الشكر اللغوي، وهو أنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه على الشاكر، وإنما كان الشكر من أخص ما يثنى به على المنعم، وكان ما أنعم به تعالى على داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام من الأمور الغريبة العجيبة المختصة بهما دون غيرهما أمرهما الله تعالى بعمل الشكر وعبر بـ: ﴿اعملوا﴾ دون: اشكروا مثلا؛ ليشمل كل عمل قلبي ولساني حالي أو قالي@، ولما
[ ١ / ٣٤ ]
كان ما أنعم به على داود راجعا لسليمان عليهما الصلاة والسلام وآل داود؛ لأن ما ثبت له من الفخر ثابت لولده وآله، قال تعالى: ﴿اعملوا آل داود﴾ الشامل لسليمان وغيره، بل ولداود إلا أنه ما جمع الجميع إلا لسليمان آخرة الأمر مع ما أوتيه من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وكل ذلك ببركة بنائه لبيت المقدس وتعظيمه له حتى بنى قبة الصخرة المشرفة ثمانية عشر ميلا في الهواء لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ولهذا لما أحكم البناء سأل الله ثلاث خصال ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وحكما يواطئ حكمه تعالى، ومن أتى هذا المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال - ﷺ -: أما اثنتان فأعطيهما سليمان وأنا أرجو الثالثة، وهي الأخيرة، والمقام يحتاج لبسط كبير ليس هذا محله، والله أعلم.