(سئل) عن الحديث الذي رواه أنس أن رسول الله - ﷺ - قال «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله» من تفسير الخازن أوضحوا لنا معناه.
(أجاب) يدل على معنى هذا الحديث قوله تعالى ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ فإن الآية وإن لم يكن فيها عبد حبشي الخ، عمومها يشمله؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، قال البيضاوى: ويريد بهم أمراء المسلمين في عهد رسول الله - ﷺ - وبعده، ويندرج فيها الخلفاء والقضاة وأمراء السرية، أمر الناس بطاعتهم بعدما أمرهم بالعدل تنبيها على وجوب طاعتهم ماداموا على الحق، ولهذا قال في الحديث «ما أقام فيكم كتاب الله» وانظر كيف جمع الضمير في الأماكن الأربعة وأفرده في (أقام) لأن الضمير فيه للخليفة وهو لا يكون إلا واحدا بحسب الشرع، ولمطلق الحاكم وهو في ولايته واحد لا يجوز تعدده والرعايا متعددون، وقيل: المراد بأولي الأمر، هم العلماء للشرع؛ لقوله تعالى ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ أقول: الأصل هم العلماء وأمراء المسلمين، يأخذون الأقوال منهم ويعملون بها حتى يكون فعلهم على طبق الشرع القويم، وقد علم أن دين الإسلام قام بالحجة والبرهان، وهما للعلماء بعد رسول الله - ﷺ - بالسيف والسنان وهما * للسلطان وأعوانه، فمتى اعتمد الحكام على أقوال العلماء العاملين قاموا مقام رسول الله - ﷺ - ومتى أهمل السلطان العلماء قام على رجل واحدة فوهن حبله ودخل عليه عدوه من حيث لا يشعر، وهذا الحديث رواه عن أنس جماعة بزيادة ونقص، فرواه أحمد والبخاري وابن ماجه، قال القاضي عياض وغيره: أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية للآية المذكورة،
[ ١ / ٥١ ]
ولقوله في هذه الرواية «ما أقام فيكم كتاب الله» ولما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي «لا طاعة لمخلوق في معصية، إنما الطاعة في المعروف» وروى أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو القادري «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» قال العلقمي في شرح هذا الحديث: كأن رأسه زبيبة قال شيخ شيوخنا، يعنى الحافظ ابن حجر: واحدة الزبيب المعروف المأكول الكائن من العنب إذا جف، وإنما شبه رأس الحبشي بالزبيبة لتجمعها ولكون شعره أسود، وهو تمثل في الحقارة وبشاعة الصورة وعدم الاعتداد به، وقد ورد أيضا: مجدع الأطراف، أي مقطع الأطراف، ففيه من الأوصاف الذميمة كونه مسه الرق، سواء بقي على رقه كما في المتغلب أم عتق، وكونه حبشيا وكونه أسود وكونه رأسه صغيرا أسود وكونه مجدوع الأطراف، فهذه كلها تشعر بالنقص والخسة، ومع ذلك تجب طاعته لأن الخير كله في الطاعة لأن رسول الله - ﷺ - علم أن الطاعة خير لنا من المخالفة؛ لأن ضررها أشد مخالفا حتى لو تغلب علينا عبد حبشي موصوف بما ذكر بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب إخمادا للفتنة ما لم يأمر بمعصية، كما تقرر؛ لأنه - ﷺ - شرط لطاعته أن يقيم كتاب الله تعالى وأنى ممن يقيم كتاب الله؟ وقد وقع لي قريبا أنى رأيت رؤية هائلة هي أنى رأيت رجلين عظيمين طويلين في غاية الطول، بالملائكة أشبه، على رأس كل واحد منها كتاب عظيم، فكأن أحدهما القرآن العظيم والثاني السنة المحمدية، ومرادهما العروج بهما إلى السماء لعدم عمل الناس بهما، وأنا أبكي وأتضرع إليهما، وحولي جماعة تقول لهما: نحن نعمل بهما، ونبكي جميعا، ثم استيقظت. نسأل الله تعالى العفو والعافية من إعراض الخلق عن الشرع القويم. روى أحمد والشيخان «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر عليه؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية» وقد أخرج أحمد والشيخان وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني» فلا يقوم نظام الإسلام إلا بالطاعة، أن تطيع الحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وأن تطيعهم الرعايا﴾ نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ﴿والله تعالى أعلم.