(سئل) عن الحديث المروى في البخاري من حديث أبي سعيد في حياء رسول الله - ﷺ - «كان رسول الله - ﷺ - أشد حياء من العذراء في خدرها» أن التقيد بالخدر ليس فيه كبير مدحة لأنها قد تكشف وجهها وربما تعرت، ولا حرج إذ لم يكن هناك أجنبي، فما الجواب عنه؟
(أجاب) قال صاحب المواهب بأن هذا من باب التتميم
[ ١ / ٥٢ ]
لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة منه لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده إذا دخل عليها في خدرها أحد، لا حيث تكون منفردة فيه. انتهى. والأولى أن التقييد بالخدر بمعنى ملازمته، وهي التي لا تكثر الخروج، فهي ملازمة له، وإذا كانت لم يطرق حياءها دنس أصلا ولم تمارس الأجانب، بخلاف البرزة، ويدل لذلك ما ذكره الفقهاء من أن النساء: مخدرات، وهن اللاتي لا يكثرن الخروج إلا لحاجة، وبرزات، وهن اللاتي ينزلن الأسواق ويعاملن الرجال بالبيع وغيره، فتعين التقييد بالخدر، فلو أطلق وقال: أشد حياء من العذراء؛ لصدق بصورتين كونها مخدرة وكونها برزة، وتحته صورتان مع صيانة أو خيانة، وليس المعنى على الكون في الخدر بل المعنى على المخدرة وإن برزت في بعض الأوقات لحاجة، كحمام وزيارة قريب وإعادة مريض ونحوه، ويخرج على أن الجار والمجرور بعد المعارف حال، ولكن الألف واللام هنا للجنس، فيصح الحال، والمعنى حال كونها في ملازمة الخدر ولم تصر برزة، ويصح الوصف؛ لأنها في معنى النكرة، ولم يرد بذلك عذراء بعينها، وإنما أراد العذراء الموصوفة بالخدر الملازمة له، ولم تخرج عنه لغيره، والمعنى أن رسول الله - ﷺ - أشد حياء من عذراء مخدرة لا من مطلق عذراء، ولا من عذراء برزة، وسواء كانت العذراء الموصوفة بكونها في خدرها موجودة فيه أو خارجة عنه؛ لأنها وإن خرجت هي باقية على التخدير لأنها من جملة المخدرات، وحياؤهن أشد من غيرهن كما هو مشاهد، والمراد ما من شأنهن الخدر أي أنها من أهله وصاحبته وملازمته، والله تعالى أعلم.