(سئل) عن القول بقدم القرآن وحدوثه، فإنا نرى كلاما لأهل الأصول وأهل الكلام، وإذا تأملناه وجدناه مشكلا، فإذا نظرنا لقراءتنا وتلاوتنا ومصاحفنا وكتابتنا وجدنا ذلك حادثا، وإذا نظرنا لنزول القرآن على محمد - ﷺ - وجدناه أيضا حادثا وإذا نظرنا للمعنى القائم بالذات فذاك، وإن لم نره ولا نحسه وجدناه قديما؛ لأنه من صفات الذات خلافا للمعتزلة، فما معنى إفراد مسألة القرآن بالذكر بين السلف في قائل بالقدم، وقائل بالحدوث؟ وإذا نظرنا لمدلولات القرآن وجدنا منها القديم والحادث، فكل ما دل على ذاته تعالى وصفاته فهو قديم، وما دل على ذات الخلق وصفاتهم فحادث، فالسماوات والأرض وفرعون وهامان والجبال حادثات، وإن كانت مدلولات ألفاظ القرآن، فأوضحوا لنا جوابا شافيا كافيا؟
(أجاب) اعلم وفقني الله وإياك وجعلني وإياك ممن نظر إلى الحق بنور اليقين لا ممن اتبع الباطل والتزيين - أن القرآن له أربع وجودات: وجود في الخارج ووجود في الذهن ووجود في العبارة ووجود في الكتابة، فهي تدل على العبارة وهي على ما في الذهن وهو على ما في الخارج، فإذا أطلقنا القرآن على الكتابة وقلنا: إنها كلام الله كما قالت عائشة - ﵂ -: ما بين الدفتين كلام الله، فهو من حيث دلالة الكتابة على الألفاظ الدالة على المعاني الدالة على المعنى الخارجي القائم بذاته تعالى، وإذا أطلقناه على الألفاظ وقلنا: ما أحسن هذا القرآن بمعنى هذه الألفاظ الدالة على المعاني الدالة على المعنى الخارجي، وإذا أطلقناه على المعاني وقلنا: إنها كلام الله فمن حيث دلالتها على المعنى الخارجي فإطلاق القرآن على الكتابة وعلى الألفاظ وعلى المعاني وعلى المعنى الخارجي إطلاق حقيقي لا مجازي كما صرح به في جمع الجوامع، وقال السعد: اعلم أن القرآن يطلق على المعنى القائم بذاته تعالى بمعنى أنه صفة من صفات ذاته تعالى، وهو إطلاق حقيقي، ويطلق على الألفاظ بمعنى أنها من تأليفه تعالى لا من تأليف الخلق، وهو أيضا حقيقي، والأول محل نظر أهل الكلام،
[ ١ / ٢٢ ]
والثاني: محل نظر أهل الأصول والمعاني والبيان، والنحاة من حيث إن الأول يبحث عن قدم تلك الصفة، ويقيم عليها الدليل، والثاني: عن كون الأمر للوجوب والنهي للتحريم مثلا، والثالث: عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والرابع عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة من التعبير، والخامس من حيث الإعراب والبناء، فمن أطلق على النقوش أو الألفاظ أنهما قديمان كما نقل عن الإمام أحمد، حتى قيل: إن الورق قديم فمراده أن النقوش تدل على الألفاظ وهي على المعاني، وهي على المعنى الخارجي القائم بذاته تعالى، ومن أطلق القدم على المعاني فمراده من حيث دلالتها على المعنى القديم المتصف به تعالى، وإنما أفرد ذلك بالذكر عن مسائل الكلام نظرا إلى أن القرآن الذي بين أظهرنا له الوجودات الأربع.
وإذا تأملت ذلك رأيت أكثر موارد الخلاف ترد عليها وقد ذكروا أن أكمل الموجودات ما كان له الوجودات الأربعة المشتمل عليها القرآن، وهي الوجود في الأعيان وهو حقيقي باتفاق، والوجود في الأذهان وهو حقيقي عند الحكماء مجازي عندنا، والوجود في العبارة والوجود في الكتابة، وهما مجازيان باتفاق.
ثم لا ينافى ذلك ما مر عن جمع الجوامع؛ لأن كلامه من حيث الإطلاق، ولذا قابله بالمجاز، فمراده أنه يطلق إطلاقا حقيقيا؛ لأن ذلك لفظ استعمل فيما وضع له، وهذا من حيث كنه الشيء وحقيقته أي ماهيته، بمعنى أن كنه القرآن موجود في الأعيان حقيقة وفي الأذهان كذلك على الخلاف، وأما وجوده في العبارة والكتابة فمجازي.
ثم إن سئلت عن القرآن من حيث قدمه وحدوثه فينبغي لك أن تستفسر السائل، فإن قال لك: مرادي القائم بذاته تعالى الدال عليه ما بين أظهرنا، فقل له: قديم بقدم الذات؛ لأنه من جملة صفاتها الواجبة لها، وإن قال لك: مرادي ما بين الدفتين من النقوش، فقل له: ذلك حادث بحدوث النقوش، وكذلك الألفاظ، وإن قال لك: مرادي من حيث المدلول، فقل له: ما دل على ذاته تعالى أو صفة من صفاته، أو حكايته له تعالى فهو قديم، وما دل على الحوادث أو صفاتها مثل ذوات المخلوقات أو صفاتها، كجهلنا وعلمنا فهو حادث، وكذلك حكاية الحوادث وإنشاءاتها والله تعالى أعلم.