(سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى قوله: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾؟.
(أجاب) تكويرها ذهاب ضوئها، وقيل: اضمحلالها. وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي أكورها كورا وكورتها تكويرا إذا لففتها ومعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.
قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا.
قوله تعالى: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾. أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم إلا وقع.
قوله تعالى: ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ عن وجه الأرض، فصارت هباء منثورا. ﴿وإذا العشار عطلت﴾ وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشر أشهر واحدتها عَشْرَا، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب ﴿عطلت﴾: تركت مهملة بلا راع، أهملها أهلها وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة.
﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ يعني ذوات البر، جمعت بعد البعث ليقتص بعضها من بعض، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها موتها، وقال: حشر كل شيء الموت إلا الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة. ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال ابن عباس: أوقدت
[ ١ / ١١ ]
فصارت نارا تضطرم، وقيل: صارت مياهها بحرا واحدا من الحميم لأهل النار، وقال الحسن: يبست وقال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة.
وروي عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فحركت واضطربت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض، فذلك قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ واختلطت ﴿وإذا العشار عطلت﴾، ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: قالت الإنس والجن: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هي نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم.
وعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة ست في الدنيا وست في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه سئل عن هذه الآية، قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. وقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين. وروي عن عكرمة قال: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ ردت الأرواح في الأجساد.
﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ وهي الجارية المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيوئدها، أي يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تدفن البنات حية مخافة العار والحاجة، وعن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وآن أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاما حبسته. وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء وقد حفر لها حفيرة فليقيها فيها ويهيل التراب عليها، وقيل غير ذلك.
وقوله: ﴿سئلت بأي ذنب قتلت﴾ معناه تسأل الموءودة: بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها؛ لأنها تقول: قتلت بغير ذنب.
قوله تعالى: ﴿وإذا الصحف نشرت﴾. يعني صحائف الأعمال تنشر للحساب. ﴿وإذا السماء كشطت﴾ أي: نزعت فطويت، وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف، وقال مقاتل: تكشف عمن فيها. ﴿وإذا الجحيم سعرت﴾ أي: أوقدت لأعداء الله تعالى.
﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ قربت لأولياء الله تعالى. ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أي: من خير أو شر، وهذا جواب لقوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ وما بعدها والله تعالى أعلم.