(سئل) في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ ما يكون تفسير هذه الآية؟ وما معنى الأرض المقدسة؟ وأين يكون حدود المقدس من الأرض والبلاد؟ وهل تكون الصلاة بخمسين ألف صلاة في المسجد الأقصى أو في بيت المقدس؟
(أجاب) قال البيضاوي: الأرض المقدسة بيت المقدس سميت بذلك؛ لأنها قرار الأنبياء، ومسكن المؤمنين. والقدس الطهر والمقدس المطهر؛ فإن الأرض قدست باختيار الله تعالى إياها لهم أو بأنفاس الأنبياء وعباداتهم
[ ١ / ٢٣ ]
وبركاتهم وخيراتهم، أو بدفن أبدانهم الشريفة فيها، ولهذا وصفت في آي كثير بالبركة، وجعلت أرض المحشر والمنشر، وجذبت القلوب مؤمنة كانت أو كافرة إليها؛ لأنها تميل إلى الطهر، فهي أرض الكل بنص التنزيل ﴿لقد من آيات ربه الكبرى﴾. وأما حدود الأرض المقدسة فمن القبلة أرض الحجاز الشريف يفصل بينهما جبال الشورى، وهي جبال منيعة بينها وبين أيلة نحو مرحلة، وسطح أيلة هو أول حد الحجاز من جهة الشام، وهي من تيه بني إسرائيل، وبينها وبين بيت المقدس نحو ثمانية أيام بسير الأثقال، ومن الشرق من بعد دومة الجندل برية السماوة وهي كبيرة ممتدة إلى العراق ينزلها عرب الشام، ومسافتها عن بيت المقدس نحو مسافة أيلة، ومن الشمال مما يلي الشرق نهر الفرات ومسافته عن بيت المقدس نحو عشرين يوما بسير الأثقال فيدخل في هذا الحد المملكة الشامية بكمالها، ومن الغرب بحر الروم وهو البحر المالح ومسافته عن بيت المقدس نحو يومين، ومن الجنوب رمل مصر والعريش، ومسافته عن بيت المقدس نحو خمسة أيام بسير الأثقال، ثم يليه تيه بني إسرائيل وطور سيناء، ويميل من تلك الجهة إلى تبوك ثم دومة الجندل المتصلة بالحد الشرقي.
والصحيح أن الصلاة في مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة، هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحاح، وما ورد بخلاف ذلك فلا يعول عليه، والصحيح اختصاص التضعيف بالمسجد الأقصى بحدوده الأربعة التي لم تتغير جاهلية وإسلاما حتى لو زيد فيه، شمل التضعيف الزيادة، وكذلك المسجد الحرام لو زيد فيه على الموجود الآن ضوعفت الصلاة في الزيادة، وقد زيد فيه كثير، وأما مسجد رسول الله - ﷺ -، فالتضعيف خاص بالروضة الشريفة، والفرق بينه وبينهما الإشارة فيه بقوله - ﷺ -: " مسجدي هذا دونهما ". وذهب الغزالي إلى أن جميع الأرض المقدسة بحدودها تضاعف فيها الصلاة والله تعالى أعلم.