(سئل) عن قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ وقال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ فقد أخبر تعالى بأنه لا يتيسر للبشر، بل للإنس والجن، الإتيان بمثل سورة منه، وأقل السور ثلاث آيات.
ثم حكى عن موسى -مع اعترافه بأن هارون أفصح منه لسانا وأوضح منه بيانا - أحد عشر آية منه وهو قوله: ﴿رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري﴾ إلى: ﴿كنت بنا بصيرا﴾ وقال إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ إلى ﴿يوم الحساب﴾ ست آيات. وفي القرآن من هذا النمط كثير عن فرعون وغيره من مؤمنين وكافرين، فالجواب عن ذلك: فقد يكذبنا المعاند والمخالف من لا يؤمن بالقرآن.
(أجاب) الجواب عن ذلك من وجوه منها أن المحكي لا يلزم أن يكون بهذا النظم بعينه إذ لغة موسى عبرانية وإبراهيم عربية، فالظاهر أن جميع القصص المحكية عن الأنبياء وغيرهم أنها محكية بالمعنى.
ومنها أن بعضهم اختار في المتحدى به منه أن يكون سورة من الطوال أو عشر سور من الأوسط وإن لم نقل به، ومنها أن المراد من الجن والإنس من كان في عصر محمد - ﷺ - ومن بعده إلى آخر الزمان، فلا ينافي أن بعض الأنبياء السابقين والأمم الماضين يأتي بما أخبر عنه تعالى.
ومنها أنا إذا قلنا: إعجاز القرآن بالصرفة، فما صرف عنه تعالى إلا من كان في عصر محمد - ﷺ - ومن بعده، وفي هذين الجوابين الأخيرين نظر لإحصائهما أن خصيصة القرآن بهذه الأمة ممكنة لغيرها، وقد يقال: إن خصيصتها به من حيث المجموع لا بإبعاضه.
ومنها أن للغة العرب من المزايا والخواص والارتباطات والنسب والإضافات ما ليس لغيرها، فلما جاءت هذه الألفاظ المحكية عن موسى وإبراهيم وغيرهما على قانون لغة العرب بعد تسليم أنها حكيت عنهم بهذه الألفاظ اكتسبت بلاغة وإعجازا لم يكن لها في حال تكلم إبراهيم وموسى بها، وبهذا أجبت مما أوردته على كثير من الفضلاء وجم غفير من النبلاء ما ورد أن معاني الكتب غير القرآن في القرآن، ومعنى القرآن غير الفاتحة في الفاتحة ومعنى الفاتحة غير البسملة في البسملة مع أن البسملة موجودة في غير القرآن، كما حكى الله تعالى ذلك عن سليمان بقوله تعالى: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وورد أيضا كما في الجامع الصغير: بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب، فقلت لهم: إذا يكون معنى القرآن
[ ١ / ٢٠ ]
في البسملة النازلة في أول كتاب نزل، فحاولوا أجوبة غير مرضية، وبه يجمع أئمتنا بين ما ذكر وبين قول السيوطي: إن البسملة من خصائص هذه الأمة، فمعنى خصوصيتها ما فيها من المزايا والخواص التي اختصت بها لغة العرب، وإن كانت وردت في غير لغتهم؛ لأنها ليس لها من المزايا ما للغة العرب، ألا ترى أن العلماء استنبطوا من لغة العرب اثني عشر علما، ولم نسمع أحدا لا من العلماء ولا من غيرهم استنبط من لغة غير لغة العرب علما ولا غيره والله أعلم.