(سئل) عن قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ الآية فهل هما ساحران؟ وما سبب نزولهما للدنيا وتعليمهما للناس السحر؟
(أجاب) روي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: إن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس ﵇ فعيروهم وقالوا: هؤلاء جعلتهم في الأرض واخترتهم وهم يعصونك، فقال الله ﷿: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا، فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك، فقال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم.
وكان اسم هاروت عز وماروت عزايا - فغير اسمهما لما قارفا الذنب - وركب الله تعالى فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر، وكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، فما مر عليهما شهر حتى افتتنا، وقيل: افتتنا في أول يوم وذكر أنه اختصم إليهما امرأة يقال لها: الزهرة
، وكانت من أجمل أهل فارس، وقيل: كانت ملكة فلما رأياها أخذت بقلوبهما. فقال أحدهما لصاحبه: هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي؟ قال: نعم، فراوداها عن نفسها، فأبت وانصرفت، ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك فأبت، وقالت: لا إلا أن تعبدا هذا الصنم، وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء؛ فإن الله تعالى قد نهانا عنها، ثم انصرفت.
ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، ثم راوداها عن نفسها، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر لما انتشيا ووقعا بالمرأة، قيل: زنيا بها، فرآهما إنسان، فقتلاه خوف الفضيحة.
وقيل: إنها قالت لهما: بأي شيء تصعدان إلى السماء؟ فقالا: باسم الله الأعظم، فقالت: فما أنتما بمدركي حتى تعلماني إياه، فقال أحدهما للآخر: علمها، فقال: إني أخاف الله، فقال له: فأين رحمة الله؟ فعلمها إياه فتكلمت به، وصعدت إلى السماء، فمسخها الله كوكبا، قيل: إنها الزهرة. ولما أمسى
[ ١ / ١٦ ]
هاروت وماروت بعد الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم يقدرا، فعلما ما حل بهما، فقصدا نبي الله تعالى إدريس ﵇ وأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يشفع لهما عند الله ﷿، ففعل ذلك إدريس، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ لأنهما علما أنه ينقطع، فهما يعذبان ببابل. قيل: إنها بالعراق بأرض الكوفة، وسميت بذلك لتبلبل الألسن عند سقوط صرح نمروذ. قيل: إنهما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة، وقيل: إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد.
وقيل: إن رجلا قصدهما ليتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله، فقال: لا إله إلا الله، فلما سمعا كلامه قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس، قالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمة محمد ﷺ، قالا: أوقد بعث محمد - ﷺ -؟ قال: نعم، فقالا: الحمد لله وأظهرا الاستبشار، فقال الرجل: مما استبشاركما، قالا: فإنه نبي الساعة، وقد دنا انقضاء عذابنا والله تعالى أعلم.
وما يعلمان أحدا السحر حتى ينصحانه أولا قيل: سبع مرات يقولان له: إنما نحن ابتلاء ومحنة للناس، فلا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر، فإن أبى قبول نصحهما وصمم على التعليم يقولان له: ائت هذا الرماد والحس منه، فإذا فعل خرج منه نور ساطع في السماء وهو الإيمان والمعرفة، وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه، وذلك غضب الله تعالى، فيعلمانه ذلك، ولأن السحر له تأثير في نفسه ابتلاء من الله تعالى، وسمي السحر سحرا لخفاء سببه، وقيل: معنى السحر الإزالة وصرف الشيء عن وجهه، وأما حقيقته، فقد قيل: إنه عبارة عن التمويه والتخييل، وقيل: إن السحر يؤثر في قلب الإنسان، فيجعل الإنسان على صورة الحمار والحمار على صورة الكلب، وقد يطير الساحر، وهذا القول ضعيف عند أهل السنة؛ لأن الله تعالى هو الخالق الفاعل لهذه الأشياء عند عمل الساحر، ويحرم فعل السحر؛ لأنه من الكبائر. والله أعلم.