(سئل) فيما يفعله الناس من الميل والتحريك في حال القراءة والذكر وشبههما كما هو مشاهد من جميع الناس، هل لذلك أصل في السنة أو لا؟ وهل هو حرام أو مكروه أو مندوب؟ وهل يثاب عليه؟ وهل ثبت أنه من التشبه باليهود أو لا؟
(أجاب) إذا تأملت قول الله ﷿: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ وقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ مع آيات كثيرة غيرهما مع قول الأصوليين وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع مع ما لهم من الأمثلة الدالة على ذلك مع ما ورد في تفسير الآيات المذكورة وغيرها، علمت أن الحركة في الذكر والقراءة ليست محرمة ولا مكروهة، بل هي مطلوبة في جملة أحوال الذاكرين من قيام وقعود وجنوب وحركة وسكون وسفر وحضرة وغنى وفقر، فقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اذكروا الله ذكرا﴾ يقول: لا يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال:
[ ١ / ٣٦ ]
اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم بالليل والنهار في البحر والبر في السفر والحضر في الغناء والفقر في الصحة والسقم والسر والعلانية وعلى كل حال، وقال: سبحوه بكرة وأصيلا، فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، قال الله تعالى: ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ قال: باللسان التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، واذكروه على كل حال، وسبحوه بكرة وأصيلا، يقول: صلوا له بكرة بالغداة وأصيلا بالعشي.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: لما نزلت﴾ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴿فقال أبو بكر: يا رسول الله ما أنزل عليك خير إلا أشر كنا فيه، فنزلت هو الذي يصلى عليكم وملائكته﴾ فإذا تأملت رواية ابن عباس: وعلى كل حال، ورواية مقاتل في قوله: واذكروه على كل حال، علمت صحة قول الأصوليين المذكور، وشمل كل حال حال الحركة والسكون، وشمل الذكر القرآن وغيره، بل القرآن أجل الذكر، وليس في ذلك من التشبه باليهود بحال؛ لأن حال الذاكر والقارئ لكتاب الله ﷿ من أين تكون لليهود ومن أين لهم التلبس بها حتى نشابههم فيها، ويبقى النظر في أن الحركة أولى أو السكون، قد يقال: إن الحركة أولى، ويدل لذلك أن جبريل ﵇ لما جاء لرسول الله - ﷺ - وهو بغار حراء، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد ثلاثا، فهذا دليل على طلب الحركة للذكر، ويدل له أيضا أن الله تعالى شبه المنافقين بالخشب المسندة ذما لهم، قال البيضاوي: مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم. انتهى. ويدل له قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا﴾ فإن السير في الأرض يلزمه الحركة المترتب عليها النظر الموجب للعلم، وقد يقال: إن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فرب ذاكر ساكن غافل، فإذا تحرك تيقظ، فالحركة أولى له، ورب ذاكر متحرك الحركة تذهب خشوعه، فالسكون له أولى، ورب ذاكر قارئ يستوي عنده الحالان، فيفعل ما شاء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، والله تعالى أعلم.