(سئل) فيما إذا كتب إنسان آية من كتاب الله العزيز أو حديثا من أحاديث رسول الله - ﷺ - وعلق ذلك على شجرة لأجل التبرك بالقرآن والسنة والتيمن ورجاء أن يبارك الله تعالى في ثمر تلك الشجرة، فهل ذلك جائز بلا كراهة، ويكون ملحقا بالتميمة التي تعلق على الرأس تيمنا وتبركا بالقرآن، ورجاء الشفاء ببركة القرآن أو محرم أو مكروه ككتابة القرآن على الأحجار والحيطان وهل إذا اعترض معترض على ذلك وقال: هذا محرم؛ لأنه صلب للقرآن، يسلم له هذا الاعتراض؟
(أجاب) اعلم أن القرآن لا يكون قرآنا إلا بالقصد، قال ابن حجر: العبرة في قصده الدراسة والتبرك حال الكتابة دون ما بعدها وبالكاتب لنفسه أو غيره التبرك وإلا فآمره@ أو مستأجره، وظاهر عطف هذا على المصحف أن ما يسمى مصحفا عرفا لا عبرة بقصد دراسة ولا تبرك، وأن هذا إنما لا يعتبر فيما لا يسماه، فإن قصد به دراسة حرم أو تبرك لم يحرم. انتهى.
قال الشيخ على الحلبي: لأنه لا يسمى قرآنا إلا بالقصد، فهو قابل للصرف، ولهذا لو حمله في متاع وقصد المتاع لم يحرم، وهكذا لو قرأ القرآن وهو جنب لا يقصد القرآن لم يحرم، وأنت ترى جميع الأئمة مصرحين بجواز كتابة بعض القرآن تمائم تعليقا تبركا وشربا، كذلك لا فرق في ذلك على الأشجار التي تظهر من الآي عليها الأنوار والأسرار كما علمت من قبول القرآن للصرف وغيره كالدرس وللشرب تبركا كما يتلى عليك من النقول، منها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن صفي بن ميسرة قال: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وذلك قول الله: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾. خرجه الجلال السيوطي في الدر المنثور.
ومنها ما نص عليه الفقهاء والعبارة للعباب أن المكتوب لغير دراسة كحرز وثوب ودرهم لا يحرم مسه ومنها ما ذكره الإمام اليافعي، وناهيك به جلالة في خواص بسم الله الرحمن الرحيم.
قال: وإذا كتبت
[ ١ / ٣٥ ]
في ورقة خمسا وثلاثين ووضعت في البيت لم يقربه شيطان ولا جان وكثرت فيه البركة، وإذا علقت تلك الورقة في دكان كثر زبونه وزاد ربحه، ثم قال: وإذا كتبت في ورقة مائة مرة ودخلت في الزرع خصب ذلك الزرع وحفظ من الآفات وحصلت فيه البركة. انتهى. فالحمد لله، فالورقة لم تدفن، وإنما توضع فوق الرءوس لتمر بها الرياح، فتنال من خيرها وبركتها، وكذا لو مررت بها على إنسان ناله خيرها، أو شجر ناله بركتها، أو على زرع نما وزكا، أو على أرض حصل لها الشرف والرفعة، فاتق الله ولا تكن من الغافلين المحجوبين عن الأنوار والأسرار، ثم ذكر اليافعي أن هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قل إن الفضل بيدي الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ خاصية هذه الآية الشريفة لسعة الرزق، ومن يريد خطبة النساء يكتبها يوم الخميس في ورقة ويعلقها على باب حانوته أو مع بيعه أو شرائه، فإنه يرزق خيرا كثيرا، ويدر عليه الرزق، ثم ذكر من خواص قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ إلى آخر الصورة أنها لا توضع في مكان إلا عمت فيه البركة، ولا في حانوت إلا كثر زبونه، ولا في حمام إلا ودخل عليه الداخلون، ولا حملها في سفر في بر أو بحر إلا حفظ ببركتها ولم ير ما يكرهه أبدا، ويكون سفرا مباركا، وتقضي جميع حوائجه. انتهى. ومثل هذا مما لا يخفى، ففي المعترض إما بضاعته مزجاة أو عقيدته غير معفاة، أو أنه ممن قلد العقل مع عمى البصيرة أو لم يحضره النقل مع سوء السريرة.
وعين الرضى عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
والله أعلم.