(سئل) عن قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ الآية، وكيف يكون طولها؟
(أجاب) يعني بادروا وسابقوا وأقبلوا إلى ما يوجب لكم المغفرة من ربكم، وهي الأعمال الصالحة. وقال ابن عباس: سارعوا إلى الإسلام أو إلى التوبة؛ لأن التوبة من الذنوب توجب المغفرة. وقال علي بن أبي طالب: إلى أداء الفرائض. وروي عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى أي: تكبيرة الإحرام، وقيل: إلى الإخلاص في الأعمال، وخص العرض في الجنة
[ ١ / ٤٠ ]
للمبالغة؛ لأن الطول في العادة يكون أكثر من العرض، تقول: هذه صفة عرضها فكيف بطولها؟ وذلك بأنه لو جعلت السماوات والأرض طبقا طبقا، ثم وصل البعض بالبعض حتى يكون طبقا واحدا كان ذلك مثل عرض الجنة، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى. روي أن هرقل أرسل للنبي - ﷺ - يقول له: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله - ﷺ - «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟» والله تعالى أعلم.
(سئل) عن قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين؟ ما الحكمة في ذلك مع أنه - ﷺ - لا يحتاج لمشاورة أحد؟
(أجاب) قيل: أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم مع كمال عقله - ﷺ - وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه، وكان - ﷺ - كثير المشاورة لهم، وقال علي كرم الله وجهه: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك الندم، فإذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فتوكل وثق بالله تعالى، واستعن به في أمورك كلها، ولا تعتمد إلا عليه؛ فإنه ولي الإعانة والعصمة والتسديد. والمقصود لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع أموره، وإن المشاورة لا تنافي التوكل، والله ﷾ يحب المتوكلين عليه في جميع أمورهم، فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على غيره. روي عن عمران بن حصين أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محيصن: فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم. فقام آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله لي أن يجعلني منهم. فقال - ﷺ -: سبقك بها عكاشة». وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتعود بطانا» والله أعلم.